‏- تردَّدَ مؤخرا وصف "عَمِيل" في الخلاف الشيعي/الشيعي.. تُهمةٌ مُختَلقة بوصف لا واقع له في مقام الخلاف، وشأنٌ مِن شؤون مَن لا يقدر على الإلتزام بالحجة والورع والإيمان تحت ضغط أثر "السياسة".. تُهمة كان يفتريها في القرن المنصرم مَن عَزم على عزل أو إقصاء أو تنحية منافسه عند النضال، بينما لا نجد لهذه التهمة استعمالا كثيرا لذات الغرض في ظرفنا المعاصر.. أصبحت من مخلفات الحرب "الباردة" بين "المؤمنين" وفقدت تأثيرها كليا عند الإستعمال!

‏- "العميل" هو المنتمي لمنظمة تابعة لإستخبارات دولة معادية، أو مَن يعين على تحقيق هدف سياسي "استعماري" أجنبي بوسائل أمنية وفق خطة معدة سلفا بالإشتراك مع العدو.. العدو الأجنبي لم يعد اليوم مستترا في أعماله العدائية، وحاجته للعميل على ذات المعنى تراجعت كثيرا مع تطور وسائل التصنت واستراق السمع والصورة عن بعد.. لا نسمع عن حرب "عملاء" وتجسس بوسائل القرن المنصرم.

‏- على الصعيد الشيعي ووفق القراءة للواقع المعاش؛ لا نجد دولا معادية لعقيدة وشريعة وأخلاق وتأريخ الشيعة عداء حقيقيا.. عداوة الدول للشيعة تنحصر في اتجاه سياسي يبغي ترسيخ الوجود في ميدان صراع المصالح الإستراتيجية.. والعداوة هذه ليست دائمة، وإنما مقيدة بميزان المصالح في أي جهة رُجِّح.

‏- فإن حافظ الشيعة على استواء ميزان المصالح الإستراتيجية مع الدول؛ زال العداء وحل التحالف والتعاون والتآلف. والمصاديق في ذلك كثيرة لا تعد ولا تحصى.. فإنْ اخْتلّ الميزان ورُجِّح لغير صالح الدول حل الصراع والخلاف السياسي كمظهر للصراع الإستراتيجي مع الشيعة في صورة عداء طائفي.. لماذا "طائفي"؟!

- نظم دول السنَّة منذ نشأتها أَلقت الحبلَ على الغارب، وسَلّمت مقاليد المصلحة للدول العظمى بلا توازن مصالح استراتيجي، فإن شَذَّت إحدى الدول؛ قُوِّضَ نظامها مِن جذوره واغتيل زعماؤها أو عُزلوا.. لا يهم الدول العظمى عقائد وشرائع وأخلاق وتأريخ نظم دول السنَّة، كما لا يهم نظم دول السنَّة غير بقاء الزعيم.

‏- في زمننا المعاصر، مَن يستعمل سلاح الطائفية في الخلاف مع الشيعة؟! سلاح متخلف ثقافيا؟!.. كل ما في الأمر أن دولا ضعيفة خاضعة لمصالح دول عظمى، تفْتقر إلى فِكرة لتعزيز ولاء مواطنيها، فتثير فيهم الرُّعْب والخوف والفزع من"غول" الشيعة، وهم يستجيبون لحكامهم حفاظا على مصالحهم لا للدفاع عن قناعة دينية!.. الولاء لنُظم هذا الدول مصدر بقائها، ولا مِن عقيدة ولا شريعة ولا أخلاق ولا تأريخ يعزز ويقوي هذا الولاء غير تبادل المصلحة أو توازنها، أو بما نصطلح عليه لفظ "النِّفاق" على سيرة الأولين.

‏- الطائفية السياسية متعلقة بولاء محلي لا تأثير له على عقيدة وشريعة وأخلاق وتأريخ الشيعة، ولم ينتزع منهم شيء في عرض التأريخ وطوله.. إثارة الدول للطائفية له مردود عكسي، يُعَرّف القاصرين مِن الطرفين المتقابلين بالتشيُّع.. يدب الشيعة في عالم مُختلف عن عالم نظم السُّنة، وأعداؤهم متخلفو الفكرة والوسائل في الصراع.

‏-إذاً.. مَن يُطلق تُهمة "العَميل" في الوسط الشيعي؟!.. لا الدول العظمى ولا رعاياها مِن أنظمة الدول الضعيفة يفعل ذلك، فكِلاهما يبحثان عن مصالحهما مع الشِيعة، ولا يكترثان لعقيدة الشيعة وشريعتهم وأخلاقهم وتأريخهم، ولا اعتبار للطائفية أيضا، فإنها فكرة تُستعمل لتعزيز ولاء سُنّي محلي.

‏- بعض الشيعة المتخلفين يَعمدون إلى استعمال تُهمة "العميل" التي عَفا عليها الزمن واندرست.. يُحييها ويَختلِقها لإقصاء نُظرائه مِن الشيعة الذين لا يلتقون معهم في الموقف السياسي، أو لا يستجيبون لنظرية اجتماعية يطلقونها كمفهوم "قيادي" مركزي.. إن مُشكلات الشيعة على المستوى العقدي والتشريعي والأخلاقي والتأريخي محصورة في الشيعة أنفسهم، ولا أحد مِن أعداء الشيعة يطعن في التشَيُّع إلا بميزان المصالح الإستراتيجية لا العقدية، وللسياسة فيهم خيار تحويل هذا العداء الصوري إلى صداقة بطرفة عين!.

- الشيعة في الخلاف البيني يفترون بتهمة "العميل"، ومقصدهم في ذلك دَحر فكرة عقدية أو تأريخية أو تشريعية أو أخلاقية أصيلة عجزوا عن مناجزتها بفكرة أخرى!

‏-الخلاف العقدي والتشريعي والأخلاقي والرؤية للتأريخ ليس خلافا مستجدا أو وافدا على الشيعة مِن قبل الدول العظمى ولا نُظُم الدول التابعة لها.. الخلاف شيعي داخلي صِرف، تتدخل فيه ميول"سياسة" لمصلحة اصطفاف ولاء لا سبيل لاستكماله.. وبذلك يشترك الشيعة مع السنَّة في فكرة كسب الولاء، ويختلفان في الوسيلة.. هم يخوفون اتباعهم من الشيعة، والشيعة يتهمون نظراءهم جزافا بتهمة "العمالة" فيخوفون اتباعهم ويصرفونهم عن الحقيقة ويعززون فيهم الولاء!

‏- نظُم الدول السُنّية تكسب ولاءها بفكرة تشويه التشيُّع، فتجعله عدوا بين أتباعها في المذهب، فيستجاب لها بالنفاق.. وبعض الشيعة يشوه مقام التشيُّع والشيعة مِن أجل كسب ولاء لون خاص من الشيعة، وليترأس عليه سياسيا. وسلاحه في ذلك تهمة مندثرة المعنى لحسم صراع يفترض أنْ يكون "تنافسا".

‏- المستوى الثقافي لا يسمح بتمرير تهمة "العمالة" لأحد مِن الشيعة في مقام الخلاف العقدي والتشريعي والأخلاقي والتأريخي.. مَن يطلق هذه التهمة ويستعملها في هذا المجال؛ يتعرض للسخرية، ويستخفه أتباعه وأبسط الشيعة علما وثقافة..

‏- البعض الساذج ما زال محكوما بمفاهيم النصف الأول من القرن الماضي، لا يفطن أنّ استعمال هذه التهمة لإقصاء منافسيه يُعرِّض للمساءلة الأخلاقية. فإن أدرك ذلك؛ سارع إلى القول: "أنّ فلانا ليس عميلا ولكنه يخدم بعمله أعداء الشيعة مِن حيث لا يعلم".. استعمالٌ أكثر سخفا مِن استعمال تهمة "العمالة". إنه يفقد الحجة فيقول بـ"سفاهة" المنافسين.. هذه فوقية مبتذلة لا مكان لها في العقل الشيعي مطلقا.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق