يُقال دائماً؛ أن "الهدم أسهل من البناء"، على أن عملية الهدم سريعة تهدف الى إزالة الشيء من مكانه، كما هو حال الدور او المباني المشيّدة التي تتحول الى انقاض خلال ساعات، لكن عندما يُراد إعادة البناء على نفس الارض فان الامر بحاجة الى فترة طويلة ربما تستمر أشهر عدّة.

هذا ربما يصدق على "البناء الإنشائي"، بينما الامر مختلف تماماً في البناء الانساني، فوجود القناعات والمتبنيات ليس من السهل إزالتها، لانها لم تتكون من مواد إنشائية صامتة، إنما من جملة مشاعر انسانية واستنتاجات عقلية تشق لصاحبها طريقاً في الحياة، لذا نلاحظ شعوب وأمم نظّمت حياتها على مفاهيم خاصة، وجعلتها عنواناً لمناهجها الفكرية التعليمية والثقافية، كما هو الحال في "الحرية الفردية" التي انبثقت من الثورة الفرنسية عام 1789، وايضاً "الديمقراطية" التي اتخذت منهجاً للحكم في بلاد الغرب، وكذلك يمكن الاشارة التي "الاشتراكية" التي ما تزال الصين تؤمن بها وتعيش في ظلها. فرغم المساوئ والثغرات الموجودة، إلا ان من الصعب أن نشهد تغييراً سريعاً في هذه المناهج، فضلاً عن هدمها وإزالتها.

ولعل من أبرز العوامل التي تساعد اصحاب هذه الافكار والنظريات في التمسك بها والحؤول دون المساس بها، هو عدم وجود بديل أفضل يقتنعون به، لذا فانه يرونه "أفضل الخيارات السيئة".

نعم؛ ربما تكون الافكار والنظريات القائمة في الغرب والشرق، هي الجدار الاخير للمنتج الحضاري هناك، بينما اذا طالعنا أفكار سماحة الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي – قدس سره- نجد انه يبشرنا بوجود بديل لما يمكن إزالته وهدمه من بُنى فكرية ومتبنيات ثقافية لا تخدم حياة الانسان.

وفي كتابه القيّم "السبيل الى إنهاض المسلمين"، يدرس مهمة "بناء الشخصية الاسلامية التي يؤكد أنها تمر بمرحلتين طبيعيتين: الهدم أولاً، والبناء ثانياً...".

يتحدث سماحته عن "تحطيم الثقافات الاستعمارية الغازية، وهدم البنى الفكرية المستوردة"، موضحاً ذلك بـ "معرفة الأمراض الكامنة في جسد الأمة الإسلامية، ومعرفة كيفية تحقق الهيمنة الاستعمارية علينا، وما هي خططه ومؤامرته التي يحركها ضد الإسلام من وراء الكواليس، وذلك لأن الإنسان ما لم يعرف المرض لا يستطيع معرفة العلاج، وكذلك علينا معرفة أسباب تخلّفنا، وعلل استعمارنا واستغلالنا وعوامل سيطرة الديكتاتوريين والعملاء علينا، وأسباب تفرق المسلمين وتشتتهم إلى دويلات متناحرة...".

هذا ما كان يحاكي الواقع الذي عاشه آباؤنا في العقود الماضية من القرن الماضي، فاليوم لا يوجد الاستعمار العلني، ولا حتى الحكام العملاء، فقد سقط العديد منهم بعد انتهاء فترة صلاحيته، وبقي القليل... نعم؛ هنالك الاستعمار المقنّع بواجهات شركات النفط العالمية والتحالفات العسكرية والامنية الاستراتيجية وغيرها. بيد أن اليوم نشهد بناءً فكرياً وثقافياً جديداً يدعو الى التقويم والتغيير، والبعض يعتقد بازالته بالكامل بدعوى أنه يبتعد عن منطق العقل والعلم، وسواء صحّت هذه الدعوة أو لم تصح، فاننا أمام مهمة جديدة للبناء في الامة، تحمل طابعاً جديداً، ربما يمكن تسميته "البناء الذاتي للأمة". فهنالك حاجة ملحّة الى بلورة مفاهيم اساسية تتعلق بالاخلاق والدين والحضارة لتصلح ان تكون جزءاً من لبنات البناء الجديد الذي يتأمله الجميع ويظهر كصرح شامخ أمام الحضارات والأمم في العالم، حيث يتأكد للجميع أن هنالك نظاماً متكاملاً بامكانه توفير كل سبل العيش الكريم للانسان وقادر حل كل الاسئلة والعقد والازمات التي يواجهها في الحياة.

هذه الروح الايجابية والتطلّع بأمل نحو المستقبل ما يدعوه الينا سماحة الامام الراحل، عندما نكون بصدد تغيير أي ظاهرة ثقافية عامة او اجتماعية او حتى سلوكية، لأن الهدم، مهما كان، يبقى أمراً سلبياً تتخلله عقبات في الطريق، وينطوي على من مصاعب نفسية، إذ من المعروف اعتزاز الانسان بافكاره ومتبنياته مهما كان الامر، وهذا إن صدق على الفرد، فانه يصدق على المجتمع بأسره.

من هنا؛ يستشهد سماحته بتجارب تاريخية ثرية وكبيرة في مسيرة التغيير والإصلاح، قدمت الامة في طريقه الكثير من التضحيات، فهو يشير الى "حركة السنوسي في ليبيا وجمال الدين الأسد آبادي ومحمد عبده، والمجدد الشيرازي، والآخوند الخراساني، والامام الميرزا محمد تقي الشيرازي، قائد ثورة العشرين وغيرهم..."، وهو في ذلك يدرس تجربتهم في تحقيق الحكم الاسلامي، ويبين سبب الاخفاق وأنهم " - ومع الأسف الشديد - لم يتمكنوا من إقامة الحكومة الإسلامية الواحدة، وعاد المسلمون عبيداً بأيدي الشرق والغرب...".

كما أن المشكلة التي يتحدث عنها سماحة الامام الراحل، في تلك الايام، وهو تركيز الاهتمام الفكري والثقافي على الجانب السلبي في عملية التغيير، وترحيل الجانب الايجابي الى وقت آخر، فانها اليوم قائمة ايضاً وبقوة. لذا نجده يدعو الجميع لتدارك هذا الخطأ "في حركتنا الإسلامية العالمية القادمة. فالواجب معرفة الجزء الإيجابي - أيضاً - والذي هو عبارة عن؛ كيفية الحكم في المستقبل وفقاً للمقاييس الإسلامية".

فاذا كانت هذه الظاهرة الاجتماعية او ذاك التوجه الثقافي غير صحيحة وتشوبها شوائب او لاتتطابق مع المعايير والقيم، فما هي هذه المعايير والقيم...؟ انه السؤال العريض الذي تبحث عنه الجماهير في هذا البلد وذاك، حيث نشهد التنوع المصحوب بالتضارب بين القناعات والمتبنيات في إطار الدين الواحد، بل والمذهب الواحد.

وبقراءة سريعة للساحة الثقافية، نجد ان سبب عدم وجود الرغبة في التغيير فضلاً عن البناء وتقبل الجديد، هو عدم وجود الرغبة في بعض النخب الثقافية بـ "التغيير الذاتي"، فاذا كان الاصرار على الادانة والقدح والتشكيك، فان المؤكد ان نلاحظ إصرار بالمقابل على التمسك والاعتداد بالنفس، وهي مسألة تبدو طبيعية وفطرية. الامر الذي يتطلب الخروج من دائرة ردود الفعل، الى الفعل المؤثر على الواقع، وذلك من خلال مشروع التوعية والتثقيف، الذي من شأنه طرح البديل او حتى البدائل أمام الجماهير، ولهذا سبل عديدة، منها "الكلمة" المكتوبة والمسموعة، وهو ما يدعو اليه سماحة الامام الراحل في هذا الكتاب وفي كتب اخرى، بل وفي احاديثه الخاصة والعامة، بضرورة تأليف وطباعة ونشر "مئات الملايين من الكتب التي تضع بدائل متكاملة جوانبه، محددة برامجه، واضحة معالمه، بينة أساليبه وأهدافه، وما لم نفعل ذلك سوف تتكرر المأساة مرة أخرى".

من المؤكد – بالحقيقة- ان الجهود الثقافية والفكرية الموجودة في الساحة، ذات نوايا واهداف طيبة وبناءة، تتطلع الى التغيير نحو الافضل، وأن تسود المجتمع والامة المفاهيم الصحيحة المطابقة للقيم والتعاليم. بيد أن المشكلة تبدو فنية، بحاجة الى دراسة للمشكلة ثم وضع الخطط والبرامج العملية المطابقة للواقع القادرة على تحقيق التغيير الذي يشارك فيه الجميع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1