شهدت العلاقات الأمريكية الروسية في السنوات الأخيرة التي أعقبت أزمة القرم وأوكرانيا والتدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا، توترا كبيرا اثار قلق ومخاوف العديد من الدول التي تخشى من تفاقم الخلافات والصراع البلدين، بسبب اختلاف وجهات النظر والمصالح الحاكمة لمواقفهما إزاء بعض القضايا. ومع كل هذه الأزمات كانت المواجهة الروسية – الأمريكية وكما نقلت بعض المصادر، تتخذا خطا متصاعدا، خصوصا وان البعض يرى ان هناك تغير كبير في الاستراتيجية الروسية التي تحولت اليوم من الدفاع إلى الهجوم في محاولة فرض واقع جديد يمنع الولايات المتحدة التي أدركت أنها لم تعد وحيدة في المضمار الدولي. من مد نفوذها في مناطق مختلف من العالم.

من جانب اخر يرى بعض المراقبين العلاقات الروسية الأمريكية، ربما ستشهد بعد تولي الرئيس الامريكي الجديد دونالد ترامب مقاليد الحكم، توافقا نسبيا يتمثل في توطيد وتعزيز المصالح المشتركة بين موسكو وواشنطن، خصوصا مع وجود بوادر ومقدامات مهمة اثيرت في الفترة الاخيرة من قبل اصحاب القرار في كلا البلدين، وعلى الرغم من تعدد القضايا والمسائل التي تشكل بؤراً للتوتر في العلاقات الأمريكية الروسية، إلا ان خبرة السنين وتداعيات سباق التسلح المرهقة لكليهما قد علمت كما نقلت بعض المصادر كلا الطرفين أساليب متعددة لتجاوز خلافتهما القائمة وفق الرؤى البراغماتية التي تؤمن بضرورة تحقيق مكاسب معينة للخصم لتأمين تفاعله مع المصالح الخاصة، وخطأ اللجوء إلى أسلوب تحقيق المكاسب على حساب الخصوم دون السماح لهم بإنجاز مكاسب معقولة، سيما وأن دولاً أخرى قد استفادت من انشغال كلا الطرفين في السنوات الماضية (الولايات المتحدة بحروبها، وروسيا بإعادة بناء اقتصادها) لتعزيز مكانتها دولياً من خلال بناء ثقل اقتصادي وعسكري على الساحة الدولية (الصين والهند). مما يقلل من إمكانية العودة إلى أجواء الحرب الباردة بين الطرفين، ويضطرهما إلى التوافق على القضايا الدولية التي يعنيان بها بناء على مبدأ المساومة والتفاوض.

أزمة وحوار

وفي ما يخص هذا الملف فقد أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بسكوف أن الحوار بين روسيا والولايات المتحدة "مجمد على كل المستويات تقريبا"، في حين تشهد العلاقات بين البلدين أسوأ أزمة لها منذ نهاية الحرب الباردة. وقال بسكوف في مقابلة مع قناة "مير-تي في" الروسية نشرت وكالة أنباء "ريا نوفوستي" مقتطفات منها، إن "الحوار مع الولايات المتحدة مجمد على كافة المستويات تقريبا. نحن لا نتواصل أو نتواصل بالحد الأدنى".

وكانت العلاقات بين البلدين قد تأزمت بسبب النزاع السوري والأزمة الأوكرانية. وبدأ تدهور العلاقات مع ضم موسكو لشبه جزيرة القرم في آذار/مارس 2014، فاتهمت واشنطن موسكو بدعم المقاتلين الانفصاليين في شرق أوكرانيا. من جانبه، قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية جون كيربي إن "التواصل الدبلوماسي مع روسيا مستمر حول عدد كبير من المسائل"، لا سيما الملف السوري. بحسب فرانس برس.

ومنذ بداية الشهر، تحادث وزير الخارجية سيرغي لافروف ثلاث مرات مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، وفق وزارة الخارجية الروسية. وقال كيربي "إن خلافاتنا الكبيرة مع موسكو أمر معروف، ولكن ليس هناك انقطاع في الحوار". وبعد فوز دونالد ترامب بالرئاسة، قال الرئيس فلاديمير بوتين إنه يأمل في "حوار بناء" و"عمل مشترك" مع واشنطن "لإخراج العلاقات الروسية الأمريكية من الوضع الحرج". وقال الكرملين إن الرجلين اتفقا في أول اتصال هاتفي بعد انتخاب ترامب على ضرورة "تطبيع" العلاقات. من جانبه أثنى ترامب مرارا على مزايا بوتين وقال إنه يأمل بإقامة "علاقات جيدة جدا معه".

عقوبات جديدة

الى جانب ذلك اعربت الخارجية الروسية عن "الاسف" لتبني وزارة الخزانة الاميركية عقوبات جديدة على موسكو على خلفية النزاع الاوكراني، استهدفت رجال اعمال ومصرفيين روسا وشركات نقل. وصرحت المتحدثة باسم الوزارة ماريا زخاروفا في بيان "ناسف لقرار السلطات الاميركية توسيع العقوبات ضد روسيا مجددا على خلفية الاحداث في اوكرانيا". واضافت "عوضا عن العمل في العمق على تنسيق جهود مكافحة (...) الارهاب والتطرف، يسعى البيت الابيض دوما الى (معاقبتنا) بطريقة مؤلمة".

كما ندد الرئيس فلاديمير بوتين اثناء اجتماع مع مسؤولي البرلمان، على ما نقلت عنه الوكالات الروسية، بالعقوبات التي "تفكك وحدة الدول وتمنعها من ضم جهودها في مكافحة الشر المشترك، الارهاب". وتابعت زخاروفا ان هذه المحاولات للضغط على موسكو "لا مستقبل لها وهي آيلة الى الفشل" مضيفة ان روسيا ستتخذ "بالطبع (...) اجراءات رد مقابلة".

واستهدفت العقوبات التي اعلنتها الخزانة الاميركية سبعة افراد بينهم عدة كوادر في بنك "روسيا" الذي يعتبر الاقرب الى السلطات الروسية اضافة الى فرعين له (ايه بي ار مانجمنت وسوبينبنك)، فضلا عن اربع شركات بناء ونقل بحري او بواسطة السكك الحديد تعمل في شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو. كما تم اعلان سفينتين "املاكا مجمدة".بحسب فرانس برس.

وبين الافراد الذين ادرجوا على القائمة السوداء للعقوبات المتعهد البارز اوجين بريغوزين المكلف خصوصا بناء قاعدة عسكرية روسية قرب الحدود الاوكرانية. وياتي ذلك اثر تمديد الاتحاد الاوروبي الاثنين العقوبات على روسيا التي يتهمها الغرب بتسليح الانفصاليين الاوكرانيين الموالين لها، الامر الذي تنفيه تكرارا.

هجمات إلكترونية

على صعيد متصل حذر جون برينان مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية(سي.آي.إيه) الحكومة الأمريكية من الرد بالمثل على هجمات إلكترونية روسية تعرضت لها الولايات المتحدة أثناء انتخابات الرئاسة الأمريكية. وأبلغ برينان محطة الإذاعة الوطنية العامة في مقابلة "لا أعتقد أن من الصواب أن نلجأ لبعض الأساليب والتقنيات التي يستخدمها أعداؤنا ضدنا. أعتقد أننا نحتاج لأن نتذكر ما نقاتل من أجله."

وأضاف قائلا "نحن نقاتل من أجل بلدنا .. من أجل ديمقراطيتنا.. من أجل طريقتنا في الحياة. وأعتقد أن التورط في أعمال غش يستخدمها بعض معارضينا وخصومنا هو تصرف لا يليق بعظمة هذا البلد." واتهم مسؤولون أمريكيون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالإشراف على قرصنة إلكترونية عبر الإنترنت نفذتها وكالات المخابرات الروسية أثناء الحملة الانتخابية للرئاسة الأمريكية في إطار مساع لمساعدة الجمهوري دونالد ترامب. ونفى مسؤولون روس اتهامات بالتدخل في الانتخابات التي جرت في الثامن من نوفمبر تشرين الثاني والتي فاز فيها ترامب.

وأشار الرئيس الأمريكي باراك أوباما بقوة إلى أن بوتين شخصيا هو الذي أجاز تنفيذ عمليات القرصنة الإلكترونية خلال الانتخابات. كما ترك أيضا الباب مفتوحا لرد انتقامي سيكون على الأرجح في ظل إدارة ترامب. وطلب أوباما من وكالات المخابرات الأمريكية تقديم تحليل للتدخل الروسي في الانتخابات قبل أن يتولي ترامب السلطة في العشرين من يناير كانون الثاني. بحسب رويترز.

ودعا أعضاء جمهوريون وديمقراطيون في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى تشكيل لجنة خاصة من الحزبين للتحقيق في هجمات عبر الإنترنت ضد الولايات المتحدة من دول أجنبية مع التركيز على جهود روسيا المزعومة للتأثير على الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

من جانب اخر اعتبر المتحدث باسم الكرملين ديمتري بسكوف ان اتهامات البيت الابيض لروسيا بالاخلال بمجرى الانتخابات الرئاسية الاميركية عبر القرصنة المعلوماتية هي اتهامات "وقحة". وقال بيسكوف في ما يتعلق باتهام موسكو بالمسؤولية في هذه الاختراقات "في هذه المرحلة بات على (الاميركيين) اما التوقف عن التطرق الى هذا الموضوع او تقديم ادلة. والا فهذا يفوق الوقاحة"، وذلك في حديث مع الصحافيين على هامش زيارة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى طوكيو.

الخطط النووية

من جانب اخر قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنه لا يعبأ بخطط الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب لتعزيز ترسانة الولايات المتحدة النووية. وقال بوتين إن تعليقات أدلى بها في وقت سابق بشأن تطوير القوات المسلحة الروسية أسيء فهمها في الولايات المتحدة وإنه يقر بأن الجيش الأمريكي هو الأقوى في العالم وليس الجيش الروسي.

وقال بوتين إن الجيش الروسي "أقوى من أي معتد محتمل". وفي وقت لاحق قال ترامب في تغريدة على تويتر إن الولايات المتحدة "ينبغي للولايات المتحدة أن تعزز وتوسع على نطاق كبير قدراتها النووية حتى يحين الوقت الذي يعود فيه العالم إلى صوابه فيما يتعلق بالأسلحة النووية." ونقلت قناة (ام.اس.ان.بي.سي) التلفزيونية عن ترامب قوله عندما سئل أن يوضح تلك التعليقات "فليكن هناك سباق تسلح... سنتفوق عليهم في كل شيء وسنغلبهم جميعا."

لكن بوتين قال إنه لا ينظر إلى الولايات المتحدة كمعتد محتمل وإنه كان يتحدث فقط عن دول يعتقد من الناحية الواقعية أنها ربما تشن هجوما على روسيا. وأضاف قائلا "لقد فوجئت بعض الشيء بتصريحات من بعض ممثلي الإدارة الأمريكية الحالية الذين لسبب ما بدأوا يبرهنون على أن الجيش الأمريكي هو الأقوى في العالم" في إشارة إلى تعليقات لوزارة الخارجية الامريكية. ومضى بوتين قائلا "لا أحد يجادل في ذلك." بحسب رويترز.

وقال الرئيس الروسي إنه لا يرى شيئا جديدا أو لافتا في بيان ترامب بشأن رغبته في توسيع القدرات النووية الأمريكية. وأضاف قائلا "على مدى حملته الانتخابية هو (ترامب) تحدث عن ضرورة تقوية الترسانة النووية الأمريكية وتقوية القوات المسلحة. لا شيء غير عادي في هذا." "إذا أطلق أحد سباقا للتسلح فلن يكون نحن... لن ننفق أبدا موارد على سباق للأسلحة لا يمكننا أن نتحمل تكلفته." وأثارت تعليقات ترامب التي وردت في تغريدته على توتير انزعاج خبراء الانتشار النووي الذين قالوا إن تعزيز الترسانة الأمريكية قد يغذي توترات عالمية.

وخلال الأعوام العشرة المقبلة من المتوقع أن تصل الغواصات التي تطلق الصواريخ الباليستية والقاذفات والصواريخ التي تطلق من الأرض -وهي الأعمدة الثلاثة للقوة النووية الأمريكية- إلى نهاية عمرها الافتراضي. وتشير تقديرات مستقلة إلى أن صيانة وتحديث الترسانة قد تتكلف نحو تريليون دولار على مدى 30 عاما. وبنى ترامب الفائز في انتخابات الثامن من نوفمبر تشرين الثاني والذي سيتولى السلطة في 20 يناير كانون الثاني المقبل حملته الانتخابية على وعود بتعزيز قدرات الجيش الأمريكي لكنه وعد أيضا بخفض الضرائب وكبح الإنفاق الحكومي. وقال أيضا إنه يريد تحسين العلاقات مع روسيا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
2