في الآونة الأخيرة استخدمت التنظيمات الإرهابية المسلحة وأبرزها تنظيم القاعدة إستراتجية قتالية من نوع جديد، بديلة عن المواجهات العسكرية تسمى بحرب الرهائن، حيث أصبحت أعمال الخطف المسلحة الوسيلة الانسب -من عدة أوجه- لهذه الجماعات المسلحة، من اجل تحقيق اهداف وأجندات معينة كالانتقام من بعض الدول المعادية لها أو ما تسمى بدول التحالف ضد الارهاب.

وبعد أن أعدمت الدولة الاسلامية اليابانيين اللذين كانا محتجزين لديها تزايدت الدعوات للسماح للجيش الياباني الذي ظل لفترة طويلة مكبلا بقيود كثيرة بتنفيذ مهام انقاذ خارج البلاد في إطار حملة يقودها رئيس الوزراء شينزو آبي من أجل القيام بدور أنشط في القضايا الأمنية، غير أن البعض ومن بينهم المنادين بتغييرات قانونية لتحقيق هذا الهدف يقولون إن الجيش الياباني يواجه عقبات في سبيل اكتساب القدرة على القيام بهذه المهام بينما يقول منتقدون إن ارسال قوات للخارج لن يؤدي سوى إلى زيادة المخاطر، في حين يرى مراقبون أن الدبلوماسية اليابانية ربما سجلت فشلا واضحا في التعامل مع قطع راس الرهينتين اليابانيين المحتجزين لدى تنظيم الدولة الاسلامية، الا ان اليابان تشهد انقساما لمعرفة ما اذا كان يتحتم عليها تشديد نمط تحركها العسكري القتالي في المستقبل.

ويقول خبراء وكما تدل على ذلك مؤشرات الواقع، أن اليابان - قبل أزمة رهينتيها- تجنبت لزمن طويل الخوض في أتون مشاكل الشرق الأوسط المشتعلة بالصراعات، لكن طبيعة اليابان المسالمة لم تعد تحميه من هذه الصراعات، يضاف الى ذلك طموحات رئيس وزرائها لإرجاع فخر اليابان وقوتها إلى الساحة الدولية، فيما يرى بعض المحللين أن اليابان حاليا منقسمة حيال الارهاب ما بين الخيار العسكري او المساعدة الانسانية، لكن ما تنتهجه التنظيمات الارهابية من عنف ربما يرجح كفة الخيار العسكري لليابان والدول المهددة بذلك.

لذا اعتبر بعض الخبراء العسكريين المتخصصين في هذا الشأن، أن ملف الرهائن فتح بابا جديدا لتهديدات إرهابية جديدة، حيث ان هذه العلميات فتحت مساحة جديدة لتنظيم داعش كي يحاول اعادة بناء نفسه من جديد، ويرى هؤلاء الخبراء انه على الرغم من تحسين التعاون في مكافحة الإرهاب القاعدي وانحدار مستوى هجماته، الا ان داعش لا يزال قادرا على التكيف مع مثل ظروف كهذه، وانه مازال يمثل تهديدا مستمرا وخطيرا على العالم أجمع.

ماذا بعد ذبح الرهينتين؟

فقد نشر تنظيم الدولة الاسلامية مقطع فيديو لذبح الرهينة الياباني الثاني الصحفي كينجي جوتو ما دفع آبي للتعهد بزيادة المساعدات الانسانية لخصوم التنظيم في الشرق الاوسط وتقديم القتلة للعدالة، وفي مقطع الفيديو وجه المتشدد الذي كان يحمل سكينا تهديدا لكل اليابانيين، ويريد آبي سن تشريع هذا العام لرفع حظر على مشاركة أفراد الجيش في عمليات قتالية في الخارج لمساعدة من يتعرض لهجوم من الحلفاء. وسيكون هذا التغيير الذي يعرف باسم الدفاع الجماعي عن النفس أكبر تحول في السياسة العسكرية منذ إعادة تجميع القوات المسلحة اليابانية قبل 60 عاما بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وستوسع مقترحات أخرى للتغيير من مجال المشاركة العسكرية في إنقاذ المواطنين في الخارج. بحسب رويترز.

وقالت وزيرة الدفاع السابقة يوريكو كويكي "المسألة هي ضرورة وجود نظام قانوني حتى يمكننا حماية مواطنينا على نحو سليم. بهذا الحادث تزايدت هذه الحالات وأعتقد أن النقاش سيصبح أكبر موضوعية.

وقالت كويكي في مقابلة إنه حتى إذا تحقق الأساس القانوني فلن تتمكن اليابان من شن عملية انقاذ مثل العملية الجريئة التي شنتها اسرائيل عام 1976 في مطار عنتيبي بأوغندا، وأضافت "لكن إذا لم نكن مستعدين فلن يكون أمامنا خيار" موضحة أن الاستعداد سيمثل رادعا للاعمال الارهابية.

وجاء في ورقة داخلية وزعت على كبار المسؤولين الحكوميين واطلعت عليها رويترز الاسبوع الماضي أن حالات مثل أزمة الدولة الإسلامية لا تحقق الشروط المقترحة لكي ترسل اليابان قوات للقتال في صفوف الحلفاء.

ولم تذكر الورقة شيئا عما إذا كانت التعديلات القانونية المقترحة ستسمح بتنفيذ عمليات انقاذ في هذه الحالات لكن مسؤولا في وزارة الدفاع اليابانية قال إنها لن تسمح بذلك، وقال المسؤول إنه حتى إذا أجريت التعديلات القانونية فإن اليابان تفتقر للقدرة العسكرية وشبكة المخابرات الضرورية لمثل هذه المهام.

وبعد مقتل عشرة رهائن يابانيين على أيدي متشددين اسلاميين في مجمع للغاز بالجزائر عام 2013 عدلت اليابان قانونا للسماح للجيش بالتحرك برا لإعادة الرهائن المفرج عنهم من الخارج. وقبل ذلك كان القانون الياباني يسمح فقط للجيش بالانتقال جوا أو بحرا إلى المواني والمطارات فقط. بحسب رويترز.

وقال ساداكازو تانيجاكي الأمين العام للحزب الديمقراطي الحر الحاكم في حلقة نقاش تلفزيونية يوم الأحد "أعتقد أننا نحتاج للمضي قدما في بحث هذه المسألة"، وأدت فجوة الاستخبارات إلى دعوات لكي تعزز اليابان شبكة التجسس الخارجية. وقال شيجيفومي ماتسوزاوا الأمين العام لحزب أجيال المستقبل اليميني الصغير "حان الوقت الذي تناقش فيه اليابان... إنشاء وكالة حكومية لجمع المعلومات في الخارج"، وعلى الجانب الآخر ساد الحذر، وقال سيجي ماتاييشي الأمين العام للحزب الديمقراطي الاشتراكي الصغير "ينبغي عدم ارسال قوات الدفاع الذاتي (للخارج) قط. فهذا سيجلب سلسلة من ردود الأفعال من الإرهاب والكراهية".

انقسام حيال الارهاب

في سياق متصل قال خبير الشؤون الاسلامية المتخصص في الشرق الاوسط ماسانوري نايتو "كنت اعتقد ان هناك امل بان يتم اطلاق سراح كينجي غوتو (الرهينة الياباني الثاني الذي اعدمه تنظيم الدولة الاسلامية) لانه بوسع تركيا العودة الى اللعبة بعدما نجحت في الماضي في الحصول على اطلاق سلاح اكثر من اربعين شخصا".

وان كان الخبير يرى ان اليابان لم تفعل بالقدر الكافي الدور التركي منذ بدء الازمة قبل اسبوعين، فهو يقر في الوقت نفسه بان تنظيم الدولة الاسلامية انتهج استراتيجية حقيقية اذ طالب باطلاق سراح جهادية عراقية محتجزة في الاردن وهدد بقتل طيار اردني، جاعلا بذلك من الاردن محور التفاوض.

وتساءلت صحيفة اساهي "بعد ذلك ما الذي حاولت حكومة (شينزو) ابي القيام به عدا تسليم امرها الى الاردن؟"، وحذر نايتو بان تنظيم "الدولة الاسلامية ليس مجرد منظمة ارهابية، بل هو يهدد بالقضاء على العلاقات بين مختلف الدول" مشيرا الى انه عمل فيما بعد على تعقيد الوضع بشكل متزايد.

واقر المتحدث باسم الحكومة يوشيهيدي سوغا بانه "حيال هذا النوع من المجموعات الارهابية، يجب جمع اكبر قدر ممكن من المعلومات" مبديا اسفه لعدم تحرك الحكومة بشكل نشط وسريع من اجل انقاذ حياة المواطنين هارونا يوكاوا وكينجي غوتو.

واستنتج نايتو انه بعد هذا الفشل فان "الحكومة قد تدرس امكانية اللجوء الى قواتها العسكرية لانقاذ يابانيين في الخارج"، والواقع ان رئيس الوزراء لم يستبعد هذه الامكانية اذ اعلن الاسبوع الماضي امام لجنة برلمانية ان "مسؤولية بلد تقضي بان يكون قادرا على شن عمليات انقاذ باستخدام قواته المسلحة".

من جهة اخرى شدد على انه لا يعتزم تقديم دعم لوجستي للائتلاف الذي يشن حملة ضربات جوية على مواقع تنظيم الدولة الاسلامية في العراق وسوريا، غير انه عازم على زيادة المساعدة الانسانية.

وتكشف هذه التصريحات الملتبسة للوهلة الاولى، عن توجهين في الجدل الجوهري القائم، ما بين جناح يميني يميل الى خيار شن هجوم ساعيا من اجل ذلك لطرح تعديل دستوري، وجناح اكثر الى اليسار يطالب بالتمسك بخط اليابان المسالم.

وينعكس هذا الخلاف في المواقع على الصحافة ايضا، وكتبت صحيفة سانكي شيمبون اليمينية ان "على اليابان تحمل مسؤولياته في مكافحة الارهاب الى جانب الاسرة الدولية"، وضمن التوجه ذاته دعت صحيفة يوميوري الى "مناقشة خيار تدخل مسلح لاغاثة مواطنين يابانيين" رغم حجم العقبات القائمة بوجه اصدار قانون بهذا الصدد وتطبيق مثل هذا المبدأ.

وفي وسط اليسار نددت صحيفة اساهي شيمبون بموقف ابي الذي اعلن تقديم الدعم المالي للائتلاف ضد تنظيم الدولة الاسلامية خلال زيارة الى الشرق الاوسط، ما جعل اليابان هدفا للتنظيم الجهادي.

وتحظر المادة التاسعة من الدستور الياباني السلمي الذي وضع عام 1947 استخدام الوسائل العسكرية بهدف تسوية خلافات دولية، غير ان رئيس الوزراء قد يسعى للالتفاف على هذه العقبة من خلال تفسير للدستور يسمح بارسال قوات لاغاثة مواطنين يابانيين في خطر، بما في ذلك على اراض خارجية.

وهذا النهج هو اساس "قانون حول الدفاع الجماعي" يجير للجنود اليابانيين مساعدة بلد حليف في خطر، وقال نايتو "لا اعتقد انه من الممكن القضاء على الارهاب بالقوة العسكرية" لان "الضربات توقع حكما قتلى مدنيين" ما يغذي بدوره الارهاب في المستقبل ضد الدول المسؤولة عن ذلك، وختم نايتو "ان اردنا ارساء الاستقرار في حياة الشعوب من خلال التفكير في المستقبل، فهذا لا يتم بواسطة الجيش بل بالمساعدة في مجال التربية والتغذية وغيرها. ان سكان الشرق الاوسط الممتنين لليابان لدعمها المنطقة لا يمكن ان يقبلوا اطلاقا بقتل يابانيين بايدي (تنظيم) الدولة الاسلامية، هذا خطا جسيم من جانب الارهابيين".

موجة غضب كبرى

الى ذلك أثار تسجيل مصور منسوب لتنظيم "الدولة الاسلامية" يظهر قطع رأس الرهينة الياباني كينجي غوتو، موجة من الغضب في اليابان، ووصفت الحكومة اليابانية المقطع بأنه "عمل إرهابي مثير للاحتقار"، قائلة إنها تعمل على التثبت من صحة ما جاء فيه، وقالت جونكو إيشيدو، والدة غوتو إنها "لا تستطيع أن تجد كلمات "لوصف "موت" ابنها، وأضافت "الأمر يبعث على الآسى ، لكن كينجي رحل"، وقال رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي إن بلاده لن تستسلم لـ"الإرهاب". بحسب البي بي سي.

وتعهد بالتعاون مع المجتمع الدولي لتقديم المسؤولين عن قتل الرهينة غوتو للعدالة، وقال تنظيم الدولة إنه أعدم الرهينة الياباني بسبب المساعدات اليابانية للتحالف المضاد للتنظيم، ولم يشر المقطع إلى مصير الطيار الأردني معاذ الكساسبة الذي يحتجزه التنظيم، وأدان الرئيس الأمريكي باراك أوباما "القتل الشنيع" لغوتو، وفقا لبيان نشره البيت الأبيض.

وأثنى أوباما على عمل غوتو الصحفي، قائلا إنه "سعى بشجاعة لنقل مأساة الشعب السوري للعالم الخارجي"، وقالت المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي برناديت ميهان إن الولايات المتحدة تطالب بالإفراج الفوري عن كافة الرهائن الباقين.

وقال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون "أدين بشدة عملية القتل الفظيعة لكينجي غوتو. إن هذا يذكرنا مرة أخرى أن تنظيم الدولة الإسلامية هو تجسيد للشر، ولا يعطي اعتبارا للحياة الإنسانية"، ودان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند عملية القتل ووصفها بالوحشية، وعبر عن تضامن بلاده مع اليابان في هذه المحنة.

وكذلك عبر رئيس الوزراء الأسترالي توني أبوت عن تضامنه مع اليابان وعائلة الضحية، وقال إن هذا يلفت الانتباه إلى أهمية أن تبذل الدول كل ما تستطيع من جهود للوقوف في وجه هذا التردي الذي يجلبه تنظيم الدولة إلى الشرق الأوسط.

ويعتقد أن غوتو ذهب إلى سوريا من أجل العمل على إطلاق سراح يوكاوا، وحاولت اليابان العمل مع الأردن من أجل تأمين إطلاق سراح غوتو والكساسبة، لكن الدولتين أعلنتا السبت أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، ونشر تنظيم "الدولة الإسلامية" الثلاثاء مقطع فيديو جاء فيه أن غوتو "أمامه 24 ساعة فقط قبل أن يقتل" وأن الكساسبة "أمامه أقل من ذلك"، وبعد ذلك، أعلن مسلحو التنظيم عن مهلة انتهت مغرب للإفراج عن غوتو مقابل إطلاق الأردن سراح السجنية المحكوم عليها بالإعدام ساجدة الريشاوي، لكن يبدو أن المفاوضات تعقدت بسبب مطالبة الأردن بالإفراج عن الكساسبة أيضا، وكان تنظيم "الدولة الإسلامية" قد طالب في البداية اليابان بدفع 200 مليون دولار مقابلة الإفراج عن غوتو ويوكاوا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0