حصلت وسائل الإعلام على وقودها بعد اشتعال الحرب الروسية الأوكرانية، وصار لها مواد إعلامية تكفيها لشهور من التحليل والتأويل وكذلك التضليل على المتابعين، وتبقى الضحية الأولى والأخيرة بين أطراف الصراع هي الحقيقة المغيبة التي يبحث عنها الملايين من البشر.

القنوات الإعلامية الدولية الرائدة في نقل الاحداث العالمية اجتهدت كما في كل مرة بنقل مجريات الحرب اول بأول، لكنها افتقدت للحيادية والموضوعية، ولكل منها اجندة تحاول تمريرها عبر تغطيتها المباشرة والمستمرة، فالقنوات التابعة للمعسكر الموالي لأمريكا وضعت الحرب بخانة الغزو لأوكرانيا، بينما إعلام الدول الصديقة لروسيا يقول ان العملية ضرورية لحفظ الامن القومي الروسي ومساهمة لحفظ التوازنات في المنطقة.

وبين هذه التغطية وتلك ضاعت الحقيقة ولم نعرف منها الا الشيء البسيط نتيجة حالة الشد والجذب الحاصلة بين الأطراف اللاعبة في وسائل الإعلام المحلية والعالمية المغطية للأحداث، اذ تجعلك تتجرد من حياديتك وتميل الى طرف من الأطراف رغما عنك ودون عملك، وترسخ ذلك بالتكرار والتأكيد على محور من المحاور.

للحرب وبأي مكان تنشب اوجه عديدة لا يمكن معرفتها الا من خلال التغطيات الموضوعية بنسبة عالية، لا نقل الموضوعية المطلقة، فهي غائبة عن الوجود ولا يمكن بلوغ أي وسيلة هذه الدرجة مهما حاولت وتبنت خطاب معتدل وتغطية وسطية، فهي بقضية ما تنحاز دون دراية الى جهة على حساب الأخرى.

منذ اندلاع الحرب في أواخر شهر شباط الماضي، تعرضنا الى العديد من التصريحات ومن كلا الطرفين المتقاتلين، فروسيا تقول ان الهدف من تقدم القوات هو لنزع السلاح وتعزيز السلام، وفي المقابل ترد أوكرانيا بأن روسيا أقدمت على قصف البنى التحتية لبعض المدن الأوكرانية، بينما الإعلام الذي يشاهد الحدث من الأعلى له رواية مغايرة، ويفيد بأن من قام بتدمير بعض الجسور هو الحكومة الأوكرانية لمنع الجيش الروسي من التقدم أكثر فأكثر!

وكما قلنا ان الإعلام المتخلي عن الموضوعية صور لنا الحرب الروسية بهذه البشاعة وما تحمله من نوايا خبيثة شيطانية، متجاهل الأسباب والدوافع الحقيقية من وراء جميع الاحداث، مركز على الحرب ونتائجها المخالفة للمبادئ الإنسانية؛ لما تسببه من إزهاق للأرواح وخسائر مادية كبيرة من جانبي النزاع.

كل حادثة على المستوى الدولي او حرب تصل حتما الى نهاية، لكن الشيء المستمر بعد ذلك ربما لعقود هو الحرب الإعلامية بين المعسكرات المناصرة للطرفين، ويتغذى هذا النوع من الحروب على تزييف الحقائق وتحريفها عن موضعها، لكسب الرأي العام والتأثير عليه ليبقى مساند لموقف بلاده.

ودخل مع وسائل الإعلام التقليدية شريك جديد تمثل بمواقع التواصل الاجتماعي التي ساهمت بشكل كبير بإيضاح الحقائق، لكنها وفي نفس الوقت اُستخدمت لأغراض التضليل والخداع الجماهيري، نأخذ على سبيل المثال تغريدة الرئيس الاوكراني التي افادت أن موقعا تذكاريا لمحرقة يهودية في العاصمة كييف تم قصفه وتدميره، بعد انتشار هذه الخبر ذهب مراسل صحيفة اسرائيلية إلى المكان وأعد تقريرا لصحيفته بأن المكان لم يصبه أي شيء وأنه لم يتعرض لأي نوع من أنواع القصف!

كما ونشط في الحرب الأخيرة موضوع فبركة الفيديوهات ونسبها الى الاحداث الجارية في الداخل الاوكراني، بينما هي في الواقع تعود لسنوات مضت وربما في بلدان أخرى جرت فيها احداث مشابهة، ورغم ذلك يوجد من يتناقل هذه المقاطع وينشرها وكأنها حقائق لا تقبل النقض او النقاش لتبيان صحتها من عدمه.

في أحيان كثيرة ينسحب ما ينطبق على الحروب الحربية على الحرب الإعلامية، ويبقى الهدف الأساس من وقوعها هو التأثير على الدول المستضعفة وجعلها محاصرة من جميع الجهات، فكما قوة السلاح تغير مجريات الاحداث على خريطة الوقائع، فأن الإعلام هو أحد اسلحة القوى العظمى المتحكمة في الاحداث الدولية وتضع بصمتها بصورة واضحة.

ومن هنا لا يمكن الاستخفاف بدور الإعلام وما يحدثه من ضغط عبر التزييف والتضليل وشن حملات تلفيقيه لأغراض دعائية محضة لا تمت للصحافة بصلة بل تنال مما تبقى من مصداقيتها التي تلاشت الى حد ما في السنوات الأخيرة، لاسيما بعد احتدام حدة الخلافات بين الأقطاب الدولية.

لا يمكن ان نقلل من مسؤولية وسائل الإعلام بشقيها التقليدي والحديث المتمثل بشبكات التواصل الاجتماعي، في وقوفها وراء ما يحصل في الواقع من تجهيل متعمد لشرائح المجتمع، وبذلك فهي تغاضت عن كثير من المعايير المهنية حتى وان تسبب ذلك ضررا عميقا في الصالح العام، واتساقا مع هذا تحولت منصات إعلامية محترمة مهنيا، الى أبواق دعاية لمواقف سياسية أكثر منها مصدرا للمعلومة الموضوعية والتغطية المجردة.

اضف تعليق