يرتبط مفهوم التقوى إسلامياً بكل القيم والمثل العليا؛ لذلك نرى أن النصوص القرآنية، والتوصيات والتأكيدات الواردة عن الرسول الكريم وأهل بيته عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه؛ قد اكدت على أن تكون التقوى هدفاً سامياً يسعى إليه الإنسان باستمرار طيلة فترة وجوده في الحياة؛ لتحقيق تكامله.

يقول الإمام علي (ع) في وصف التقوى: "مسلكُها واضحٌ، وسالكُها رابحٌ، ومستودعها حافظٌ، لم تبرح عارضةً نفسها على الأمم، الماضين منكم والغابرين؛ لحاجتهم إليها غداً، إذا أعاد الله ما أبدى، وأخذ ما أعطى، وسأل عَمّا أسدى، فما أقَلَّ من قَبِلَها، وحملها حقَّ حملِها، وهم أهلُ صفةِ الله سبحانه إذ يقول: (وقليلٌ من عباديَ الشكور) فاهطعوا بأسماعكم إليها، وألِظّوا بجدِّكم عليها، واعتاضوها من كل سلفٍ خلفا"1

لو تأملنا في هذا الوصف العميق لأمير البلاغة أمير المؤمنين عليه السلام لمفهوم التقوى؛ فإننا سنكون أمام تأكيد وتأصيل يرسخ الحاجة الإنسانية للتقوى عبر ثنائية الدنيا / الآخرة، وهنا تكمن قيمة التكامل التي عادة ما يكون فهمها ــ وفق ثقافة سائدة ــ منقوصاً بترسيخ إن الإنسان ينتهي بعد رحيله عن الحياة الدنيا، بينما نجد أمير المؤمنين (ع) يقول بحاجة الأمم للتقوى حتى بعد أن تنتهي الحياة (إذا أعاد اللهُ ما أبدى،....الخ) في إشارة إلى المعاد، وكيف ستلعب تقوى الإنسانِ دوراً في سعادته الأبدية.

وإذا كانت التقوى ــ كمفردة ــ وردت في الأدبيات الإسلامية؛ إلا أن ذلك لا يعني أن يتم اختزالها بالمسلمين دون غيرهم من الناس، فلو نقرأ في النص السابق للإمام علي (ع) في وصف التقوى نجد عبارة : (لم تبرح عارضةً نفسها على الأمم الماضين منكم والغابرين)، والأمم هنا مفردة شاملة تؤكد ارتباط التقوى بالمعنى الإنساني العام، دون اختزالها في حيز ديني محدد.

التقوى إذن: مفهوم إنساني شامل يؤدي بالإنسان إلى نتيجة سعيدة بعد أن يتحقق بأشكاله وصوره وصولاً إلى القيمة الأخلاقية العليا التي عبَّر عنها نبي الإسلام العظيم بقوله: "إنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاق" فالتقوى والأخلاق مفهومان متلازمان لا انفصال بينهما ويمثلان خلاصة القيم الأخرى التي يروى أن النبي (ص) قال عنها : جماع التقوى في قوله تعالى: "إنَّ اللهَ يأمر بالعدل والإحسان وإيتاىء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر" وهكذا فإن التقوى الأخلاقية لابد أن تحقق كل القيم التي أشار لها القرآن الكريم من عدل وإحسان، واحترام الإنسان وتجنب كل السلوكيات التي تهبط به إلى منزلقات مادية تجعل مصيره مجهولاً، ووجوده فارغاً من أي محتوى أو قيمة. وتحقق المثل والأخلاقيات العليا التي تؤدي إلى التقوى؛ يلزم تنشئة روحية، واجتهاد وعمل.

رمضان شهر التقوى الأخلاقية

ليس هناك أنسب وأجمل من أجواء شهر رمضان المبارك لاستثمارها في تحقق التنشئة الروحية التي تمهد الطريق للوصول إلى التقوى. ومن المهم أن تبدأ التنشئة مبكراً من الأسرة حيث يتم ترسيخ قيم الخير والفضيلة في نفوس أولادنا مستثمرين وجود الشهر المبارك، وخلق حالة من التوازن بين الموروثات والعبادات المتعلقة بهذا الشهر، وبين ما تتيحه من تجديد للأفكار والانطلاق منها نحو بناء المستقبل، ولا بأس بابتكار سلوكيات جديدة تنسجم مع روح العصر ومستجداته، وبنفس الوقت لا تؤثر على الأخلاقيات التي نشأوا عليها.

ومثل هذا التوازن؛ لن يكون مستحيلاً فيما لو تحصلنا على الإرادة في فعل ذلك. إذ يمكن لنا بقليل من الإصرار أن لا ندع المسلسلات التلفزيونية وغيرها من البرامج التي يُعتقد أنها ترفيهية تستحوذ على اهتماماتنا، بحيث تكون بديلاً عن بعض الممارسات المجتمعية التي تزيد من مساحة المحبة والتعايش، كصلة الأرحام، وزيارة الأهل والأقارب، أو حضور الندوات والفعاليات الثقافية والفكرية النافعة. وكذلك يمكن للتوازن أن يحدث من خلال الحرص على الوقت وعدم هدره في أشياء سطحية لا نفع فيها كالحديث عن تنوع الأطعمة في موائد الإفطار، الأمر الذي يفهم منه أن هم الصائم الحقيقي من تنفيذ هذه العبادة البطن فقط، وهو فهم غير صحيح، لكنه يتأكد من خلال الحديث المتواصل عن الطعام المتنوع، وبهذا سيكون الفرد فارغاً من روحانية الشهر الكريم، وبعيداً عن التقوى التي تحقق له السعادة في الدنيا والآخرة.

……………………………………………………………………………
المصادر:
1: نهج البلاغة، الخطبة 191.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1