وهي ترتدي الحجاب الذي لا ينسجم مع توجهاتها وأفكارها؛ تقف النائبة النمساوية (مارتا بيسمان) أثناء حضورها في جلسة للبرلمان النمساوي. موقف أرسل عدة رسائل من العقر النازي. ومع علامات الاستغراب الطبيعية قالت النائبة: "هل تغير شيء ما؟ ألست أنا مارتا بيسمان؛ المهندسة والمختصة في علوم البيئة والنائبة في البرلمان النمساوي؟ المدافعة الحرة والمنفتحة على حقوق النساء؟ والمقتنعة بشدة بأن كل إنسان يولد حراً؟ لقد كان لي الشرف الكبير في الأشهر الماضية بالتعرّف إلى نساء مسلمات رائعات. أنتم ترغبون في معاقبة هؤلاء النساء، اللائي بينهن طبيبات ومدرسات وعالمات فيزياء وموظفات وعاملات.. أمهات وبنات، إنهن ناجحات جداً في المجتمع ومندفعات، الحجاب لا يثنيهن عن تحقيق مسيرتهن المهنية.

تحدثوا إلى النساء المسلمات عوضاً عن الحديث عنهن. نستطيع التعلّم الكثير من النساء المسلمات كقيم مثل التسامح والتضامن، وهي قيم راسخة في أوساط الجالية المسلمة"

الحديث عن هذا الموقف؛ لا يُراد منه الجدل الديني بين مؤيدي ارتداء الحجاب من النساء، أو معارضي ارتدائه؛ لأن النائبة النمساوية المعروفة بتوجهاتها قطعت هذا الجدل بسلوك بسيط لكنه ذو مغزى عميق أرسل رسائل شفيفة لقضية بالغة التعقيد في عالمنا اليوم، وهي قضية صراع الحضارات الشكلي أو لنقل صراع الحضارات القشري الذي يختصر الأطر الحضارية بالأزياء، أو بصيحات الموضة، واقتناء المجوهرات الثمينة، أو ركوب أحدث موديلات السيارات.

تقف مارتا بيسمان داعيةً إلى محاورة الآخر الذي يختلف فكراً ومعتقداً، بدلاً من مهاجمته، وإطلاق الأحكام والتهم بناءً على مقولات انفعالية لا تنسجم مع الواقع. تتحدث النائبة النمساوية معطيةً الدلائل عن نساء مسلمات يبدعن في شتى حقول المعرفة، من دون أن يكون الحجاب الذي يرتدينه بناء على تعليمات دينهن أي قيد. هو ذاته الحجاب الذي قالوا أنه ارهابي، فأينكم من إبداع صاحباته؟ بهذا المنطق المعتدل ترسخ مارتا بيسمان ثقافة القبول بالآخر، بل وترتدي الحجاب الذي لا يفرضه عليه معتقدها أو توجهها الفكري؛ لتؤكد أنها هي بحجاب أو بغيره.

هذه الرسالة ليست موجهة فقط لمن يهاجمون الإسلام في الغرب فقط ؛ بل هي رسالة لنا نحن المسلمين المنشغلين باستيراد الثقافات القادمة من المناشىء المادية، وطالما تبجحنا بالحضارة القشرية. هذه مارتا بيسمان تقول لنا: لا تتنازلوا عن خصوصياتكم، اعتزوا بإرثكم وحضارتكم ومعتقداتكم، فقط تحاوروا مع من يختلف معكم حواراً متسامحاً ينطلق من قول كتابكم الكريم: (وخلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند اللهِ أتقاكم).

نحتاج فعلاً أن نستوعب هذه الرسالة البليغة أكثر من غيرنا؛ لأن انغماسنا بالحضارة السطحية المكذوبة سيؤثر علينا فقط، ولن يؤثر على غيرنا من الشعوب والأمم التي تفهم الحضارة والحداثة بسياقاتها الاجتماعية لا بسياقات غيرها كما نفهمها نحن من خلال قراءة مقلوبة ترسخ ما يعرف بـ (التحرر الأنثوي).

رمزية الحجاب ولغته

لا يختلف اثنان أنَّ للحجاب رمزيةً دينيةً واضحة تخص المسلمين، لكن ارتداءه من قبل امرأة غير مسلمة، وامرأة ليست عادية؛ يجعل من الرمزية الإسلامية للحجاب رمزيةً عمومية. فاللغة التي تحدثت بها مارتا بيسمان لغة عمومية أرادت بها التأشير إلى خلل اثقافة السائدة المستندة على الانفعال لا الواقع. تريد أن تؤشر إلى خلل الثقافة العلمانية في رؤيتها تجاه من يخالفها التوجه، وهي التي صدَّعت رأس العالم بقضية محاورة المختلف في حين أن معطياتها الواقعية على الأرض تقول أنها منظومة إقصائية بامتياز. إنها إذن رسالة لكنها مشفرة تنادي بواقعية الالتفات إلى الدين ــ بشكل عام وليس الإسلام فقط ــ ليأخذ مكانه الطبيعي في الفكر المعاصر والحداثي، من خلال تبيان الرؤية الدينية وموقفها من التجديد والمعاصرة.

إنها رسالة تجتهد في الوصول لمنطقة وسطى تصل لعمق فكري يقوم على النقد والتحليل، لا على الانفعال والتطرف وإطلاق الأحكام المسبقة. رسالة تقول : إنَّ أكثر الأضرار التي تسببت بخدش الجدار الإنساني ماهي إلا الاستخدام السيء لصراع الافكار. فالصراع بين العلمانية والدين هو بالنتيجة صراع أفكار تتداخل فيه الثقافة بالاجتماع والاقتصاد، أكثر من كونه صراع على شكل العلاقة بين الدين والدولة.

صراع الأفكار هذا، إذا ما أبعدناه عن مصالح وسياسات؛ فإننا قد نصل إلى نقطة تلاق يتحاور فيها المختلفون بما ينسجم والفطرة الإنسانية، وبلغة تساح تنبذ الكراهية والعنصرية، تماماً كلغة حجاب النائبة النمساوية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0