كثير من الدراسات كتبت عن الدوافع الاقتصادية التي تجعل من الإنسان الفقير والمعدم يتجه للالتحاق بالجماعات الارهابية؛ من أجل سد عوزه وفقره، خصوصاً أولئك الشبان الأوروبيين الذين يهربون من جحيم العيش في المجتمعات الليبرالية والمادية القائمة على الفوارق الطبية.

لذلك نرى أن التحاق المقاتلين الغربيين بجماعات العنف والإرهاب يصنف في خانة (الإرهاب الفقير) الذي لا تربطه عقيدة أو فكر، وكل ما يريده هو أن يكون بعيداً عن الفقر، والجماعات الإرهابية تعرف ذلك جيداً، فتتعامل بواقعية معهم مستفيدة تمام الاستفادة من فقرهم من أجل إعادة إنتاجهم إرهابيين، فمن دخل في عقيدتهم فمرحباً، ومن لم يدخل فهو مفيد لهم طالما اندمج بسلوكيات "الدين" الذي يثقف أتباعه بالخنجر والرصاص، بالذبح والحرق، مقابل دولارات تنتشله من فقره وعوزه.

مثل هكذا رؤية، وإن كانت صحيحة في بعض جزئياتها؛ إلا أنها لا تمثل كل حقيقة الإرهاب ودوافعه، فمثلما يدخل الاقتصاد كسبب في (الإرهاب الفقير)؛ فإنَّ للدافع الاجتماعي حضوراً في بروز نوع مضاد للإرهاب الفقير، ويمكن أن نصطلح عليه بـ (الإرهاب المترف).

وهذا النوع قد تتداخل فيه عوامل اجتماعية ونفسية لا علاقة لها بالحالة الاقتصادية للشخص الذي ينتمي للجماعات الإرهابية. وغالباً ما يكون الأفراد الذي ينتمون لهذا النوع من الإرهاب ميسوري الحال، وأسرهم متمكنة اقتصادياً، وهم أيضاً في أكثريتهم يدينون بذات العقيدة التي تنتمي لها الجماعات المتطرفة. أي أنهم من المسلمين الذين يعيشون في الغرب، وربما شعروا بالملل (المزاجي) من مظاهر الحياة في البلدان الليبرالية والمادية، وهو في الحقيقة ذات الملل الذي شعر به الفقراء الغربيون، غير أن الفرق هنا هو أن الملل انقسم إلى : ملل فقير، وملل مترف، لكن النتيجة واحدة تتمثل بالانتماء للإرهاب!

ويرصد (داستن بورد) تباين الدوافع التي تؤدي بالإنسان إلى الاندماج بجماعات العنف، ويعتقد أن تفسير الدافع الاقتصادي في ظهور أجيال تنتمي إلى (الإرهاب الفقير) هو تفسير (ماركسي تبسيطي) ليس له القدرة على النفاذ إلى عمق المشكلة التي تجعل من الغربيين منخرطين بجماعات تحمل مسميات غريبة على مجتمعاتهم التي نشأوا فيها كتسمية (الجاديين) مثلاً؛ لأن هناك من يحملون جنسية البلد الغربي، لكنَّ أصولهم تعود إلى الشرق، ويدعو إلى الغوص عميقاً في "ظروف المسلمين الروحية والوجودية، ولا سيما لدى الجيل الثاني من المسلمين المقيمين في الغرب"1

فالمسلمون في بلاد الغرب ــ بحسب إحصاءات ــ ينتمون في مجملهم إلى الطبقات الوسطى، منهم من تحصل على مستوى جيد من التعليم العالي، ومنهم من يعمل في وظائف تؤمن مدخولاً جيداً وأرباحاً، بينما الأوربيون الذين دخلوا في الإسلام ــ الفرنسيون تحديداً ــ هم في الأصل من مستويات أدنى لا تتجاوز التعليم الثانوي، وأكثرهم في بطالة.2

ويظهر لنا التباين بين المسلمين الذين يقطنون في الغرب، وسكان البلد الأصليين على المستوى الاقتصادي أننا فعلاً أمام ظاهرتي إرهاب مترف وفقير، وإذا كان الفقر سبباً للتواجد ضمن مجموعات الإرهابيين؛ فإنَّ الحالة النفسية المتدهورة، والشعور بالدونية، وعدم القدرة على الاندماج في المجتمعات الغربية، وشعور المسلم بنوع من التشظي الهوياتي؛ هو السبب الذي يجعله مستسلماً لغواية التطرف، وممارسة الإرهاب بترف، حتى وإن كان هدف الجماعة التي ينتمي إليها ــ ظاهراً ــ إقامة ما يُعرف بـ (دولة الخلافة) التي ستنصف الفقراء، وتعيد لهم حقوقهم؛ لأن الفقر أصلاً ليس في حساباتهم، وكل ما في الأمر أنهم اصطدموا بحاجز عدم الاندماج مع هذا الوجود المادي المتوحش، فأصبح لهم رد فعل سلبي، بعد أن هجروا البلاد التي احتضنت خصوصيتهم وهويتهم بدعوى التجديد والمعاصرة، لتكون المفاجأة في وقوعهم بشراك عالم يخلو من الروحانيات أثبت أنه غير قادر على إشباع رغبات الإنسان الكاملة، وتعويضه فراغه الوجودي المربك لتبدأ رحلة رد الفعل الانتقامية من هذا الجو الذي يشعرون فيه بإهانة إنسانيتهم، ثم يشاهدون الدول التي يقيمون فيها تتحالف من أجل تدمير بلدان أخرى مستضعفة، ليجدوا في جماعات التطرف التي تظهر العداء الايديولوجي للغرب الذي يؤصل فراغهم وكآبتهم ملاذاً ترفياً لن يقدم لهم في الحقيقة سوى المزيد من التشظي، مثلما قدم ذات التشظي لأقرانهم أصدقاء الإرهاب الفقير.

---------------------------------------
1: ينظر: الإسلام في المجتمعات العلمانية وما بعد العلمانية، داستن بورد، ص405
2: المصدر السابق، ص406

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0