يُمثِّلُ شهرُ رمضانَ فُرصةً استثنائيةً لإعادةِ صياغةِ الذاتِ الإنسانيةِ؛ إذ أودعَ اللهُ تعالى في الإنسانِ قُدراتٍ مُذهلةً على الارتقاءِ والسموِّ. ومن خلالِ الصيامِ الواعي، لا يكتفي الصائمُ بالكفِّ عن المفطراتِ فحسب، بل يمتدُّ ارتقاؤهُ ليشملَ صومَ الجوارحِ والتورُّعَ عن المعاصي، وحتى التفكيرِ فيها، مُتَّخذاً من هذا الشهرِ المباركِ مِحراباً للتطويرِ الإيمانيِّ والعملِ الحضاريِّ...
(ينبغي للمؤمنين الكرام الاهتمام أكثر من ذي قبل بالفقراء والمحرومين)
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله
حين خلق الله تعالى الإنسان، منحه جميع القدرات التي تجعله قادرا على الارتقاء، والاستمرار في التطور، بشرط أن يستخدم هذه القدرات بالطريقة السليمة والصحيحة، وهذا يتطلب إرادة قوية وإيمانا صادق، وديمومة في إنعاش النفس والقلب بنفحات النور.
هذا الجانب يتعلق بالجانب المعنوي، بمعنى على الإنسان لكي يصمد في البقاء على طريق الاستقامة، أن يُسعف نفسه بكل الممكنات المعنوية الإيمانية النفسية التي تمدّه بأسباب القدرة على مواصلة السير في سواء السبيل، وتمنحه خاصية الصبر التي تساعده على المطاولة في مقارعة المغريات التي تظهر في طريقه بكثرة.
لذلك إذا أراد الإنسان أن يرتقي بنفسه وشخصيته وفكره وسلوكه، عليه أن يستثمر الفرص التي تساعده على تحقيق أعظم الأهداف في حياته، ألا وهو هدف الارتقاء والتطور وفي نفس الوقت تحقيق هذا الهدف بالمساعي المشروعة، أي المقبولة شرعا في إطار الأحكام التي أرادها الله تعالى للإنسان، وإلا لن توجد فائدة بالتطور عبر الأساليب المرفوضة التي لا تخضع للسنن وللأحكام التي حددت المسارات الصحيحة ونقيضها أي المسارات المغلوطة.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول في الكتاب القيّم الموسوم (من عبق المرجعية):
(إن الله تعالى أودع في الإنسان القدرة على الارتقاء وشهر رمضان فرصة مناسبة جدا لهذا الأمر)
لذلك فإن عملية الارتقاء تعود لتصميم الإنسان نفسه، فطالما أنه مُنِحَ القدرات التي تجعله متمكنا من المضيّ قُدُما في مسار الارتقاء، فإنه يبقى المسؤول الأول عن مواصلة هذا الطريق بشكل متقادم ومتصاعد، وأي خلل يحدث في هذا الجانب، يعود للإنسان نفسه، بمعنى يعود سبب التراجع له هو ولا يعود لأي سبب آخر.
والمثال عن ذلك يوجد أناس يمكنهم في هذا الشهر المبارك أن يتحكموا بأنفسهم وأهوائهم وشهواتهم، فيتورعوا عن ارتكاب الانحراف، ويغلقوا أبواب المعاصي بشكل تام، كما أنهم لا يكتفون بعدم ارتكاب الذنوب وإنما يذهبون إلى درجة أعلى من ذلك، وهي القدرة على عدم التفكير بالمحرّمات أصلا، بمعنى يكون الإنسان هنا مسيطرا على نفسه وممسكا بلجامها بحيث هو يأخذها كما يشاء، وليست هي التي تأخذه كما تشاء.
تعطيل الشهوات اللامشروعة
وهذا النوع من الناس توجد لديه القدرة المتعالية على صوم الجوارح، وليس الصوم المادي عن الطعام فقط، فهناك من الناس من يظن بأن الصوم هو الكف عن تناول الطعام والشراب لا أكثر، وهو مخطئ في هذا الظن، لأن الصوم يشمل حواس الإنسان التي تعد مجسّات حساسة لإثارة شهواته والسير به نحو المجهول والمعاصي التي تقوده نحو الخراب.
لذلك لابد من اقتناص الفرص التي يقدمها لنا شهر رمضان، فحتى لو كانت إرادتنا قوية في مقارعة الذنوب، علينا أن نعتمد على ما يقدمه لنا شهر الله من فرص، تجعلنا أكثر قدرة على النأي القاطع والمتواصل بالنفس عن جميع أنواع الانحراف.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(هناك فريق من الناس لا يتورعون عن المعصية ويكفون عنها وعن المحرمات فحسب بل يتورعون عن التفكير فيها أيضا، فهم يصومون عن المفطرات العامة وتصوم جوارحهم أيضا عن ارتكاب الذنوب كما تصوم جوارحهم عن التفكير فيها).
لهذا فإن كل إنسان ملتزم بالصيام، ومتفاعل معه بطريقة صادقة، فإنه يفوز بالفرص العظيمة التي يقدمها شهر رمضان له كونه صائما، فتبدأ مشاعره في هذا الشعر بالارتقاء والتجلي والنقاء، فتحلّق روح الصائم عاليا، وتسمو نفسه عاليا وتنفض عنها غبار الدنيا ومعاصيها، ويصبح نظيف القلب وطاهر الروح، وجميل النفس.
فتظهر على الإنسان الصائم علامات اللطف، وتغدو أحاسيسه شفافة راقية وصادقة، معمَّدة بالصدق والتسامح والسلام، ويملأه الرضا والقبول، ويشعر بالقناعة تحيط به، وتجعله مكتفيا بما عنده، حتى لو كان ما يمتلكه بسيطا وقليلا، وهذا بالضبط ما كان يشعر به الإمام علي عليه السلام حينما يقتصر مائدة إفطاره بالقليل من التمر واللبن وخبز الشعير وهو قائد الدولة.
ولابد لهذا النوع من الصائمين أن يشعروا بما يعانيه الفقراء، المحرومين، فيبادروا لمساعدتهم، والوقوف إلى جانبهم، لدرجة يكون لدى الصائم المؤمن الحقيقي استعداد لمنح الفقير الصائم طعامه بلا منّة ولا مقابل، حيث نزل النص القرآني (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) سورة الإنسان، الآية 9. فيشعر بذلك بنقاء المشاعر وتسامي الروح عاليا.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(ان شهر رمضان المبارك يلطّف المشاعر والاحاسيس، بما جُعل فيه من برامج وخاصة الصيام الذي يجعل الانسان يشعر بآلام الفقر ويعيش مآسي المحرومين).
من عطايا شهر رمضان الكثيرة
وهنالك الكثير من المزايا التي نجدها مخصصة لهذا الشهر المبارك دون سواه من الشهور، لهذا كان ولا يزال وسيبقى شهرا مشتملا على أعظم المناسبات، مثل استشهاد الإمام علي عليه السلام وهو في محراب الصلاة، وكثير من العطايا الإلهية المباركة مثل ليلة القدر، وكذلك حين أنزل الله تعالى في هذا الشهر أعظم كتاب في تاريخ السماء ألا وهو القرآن الكريم.
مثل هذه الكرامات نجدها في شهر رمضان المبارك، ولهذا سمّي بشهر الله، ولهذا أيضا تجد فيه أبواب السماء مشرعة للمؤمنين في الاستجابة لدعائهم وقضاء حوائجهم، وكل هذا وساه يأتي لإسعاد البشر، فإنما يريد الله تعالى الخير لعباده، وهذا الشهر سبب أوجده الله تعالى لكي يجعل من الناس أكثر سعادة، بل يكونوا في سعادة مستدامة.
ولهذا نلاحظ الناس في هذا الشهر أكثر لطافة من سواه، وأكثر شعورا بالاستقرار والاطمئنان، وأكثر إصرارا على الولوج في نوافذ الارتقاء بحياتهم، فإذا كان الإنسان نقيّ النفس، جميل القلب، متسامي الروح، سيكون أكثر استعدادا للتطور والتقدم في طريق السعادة، وكل المؤمنين يدركون ويؤمنون بأن الله تعالى جعل من شهر رمضان حافزا لتحصيل السعادة والارتقاء.
كما يؤكد سماحة المرجع الشيرازي دام ظله قائلا:
(ان الله تعالى خص شهر رمضان بأن ينزل فيه أعظم كتاب في تاريخ السماء لإسعاد البشرية الى الابد).
وهناك عوامل أخرى تساعد الناس على الارتقاء والعلوّ، خصوصا إذا تمسكوا بهذا الشهر المبارك، وأصروا على الاستفادة منه، لاسيما في مجال مساعدة الفقراء والحد من أسباب الحرمان الذي يعانون منه، خاصة أن هذا الزمن بات الفقر فيه آفة متناسلة تطال الكثير من البشر في عموم بلدان العالم.
حيث المجاعات التي تتكاثر في عموم الأرض، والفقر الذي تتوسع مساحاته لأسباب باتت معروفة للقاصي والداني، في ظل مناهج وضعية قاصرة عن توفير العدالة للجميع، كونها صارت بديلا لأحكام الله العادلة بنسبة تبدو واضحة في عموم دول العالم، لذا من أولويات الصائمين التخفيف من هذه المعاناة بسبب ظاهرة الفقر العالمية.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(ينبغي للمؤمنين الكرام الاهتمام أكثر من ذي قبل بالفقراء والمحرومين في جميع بلدان العالم، فقد استشرى الحرمان والفقر في كثير من هذه البلدان جراء المناهج الوضعية الناقصة والابتعاد عن احكام الله تعالى الكاملة والمستوعبة ويكون هذا العمل خطوة في سبيل تقليص هذه المعاناة المؤلمة).
في الخلاصة لابد للعالم أجمع، ولعموم الناس أن يجعلوا من شهر رمضان محطة انطلاق متجددة للارتقاء بأنفسهم ومجتمعاتهم، ولنشر العدل الإلهي في ربوع العالم، وطالما أن هذا الشهر المبارك يتجدد سنويا، لابد أن تتجدد معه إرادة الارتقاء بالبشرية دون كللٍ ولا ملل.



اضف تعليق