مثَّل الإمام عليٌّ النُّموذج الأسمى للمبادرة في جميع أبعادها؛ إذ تجسَّدت في شخصيته روح السَّبق إلى الإيمان، والمبادرة إلى التَّضحية، وتحمُّل المسؤوليَّة، ونصرة الحقِّ، وخدمة الإنسان. فلم يكن سابقًا في الميدان العسكري أو السياسي فحسب، لقد كان سابقًا في الوعي، والعلم، والعدل، والأخلاق، حتَّى غدا عنوانًا للإنسان الذي يعيش...
جعل الله (تعالى) المبادرة إلى أعمال الخير سمةً من سمات الإنسان المؤمن، ودعا إلى المسارعة نحو الطَّاعات وعدم التَّسويف في اغتنام فرص البر والإحسان؛ لأنَّ العمر محدود، والفرص قد لا تتكرر، والإنسان لا يدري متى تنقضي أيَّامه. ولذلك، جاء الخطاب القرآني حافلًا بالدَّعوة إلى السَّبق في ميادين الفضيلة، قال الله (سبحانه): (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(1). وقال (عزَّ وجلَّ): (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(2)، فالمؤمن الحقيقي لا يكتفي بأداء أعمال الخير عند حضورها؛ وإنَّما يحمل روح المبادرة، فيتقدَّم إلى الخير قبل أن يُدعى إليه، ويتحرَّك نحو الإصلاح قبل أن تتفاقم مظاهر الانحراف أو التَّقصير.
فالوقت في النُّصوص الشَّريفة هو رأس مال الإنسان في دنياه وآخرته، ولذلك ورد عن الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) قوله: "إِغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ، وَغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَياتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ" (3)، فالحديث يوجِّه الإنسان إلى استثمار مراحل القوَّة والقدرة قبل حلول العجز أو الفقد؛ لأنَّ التَّأخير كثيرًا ما يجرُّ النَّدم، ويُفوِّت على الإنسان فرص الكمال والعطاء.
وانطلاقًا من أهميَّة هذا المفهوم في بناء الشَّخصيَّة، سنتناول المبادرة إلى أعمال الخير من خلال مجموعة من المحاور الرَّئيسة التي تُبرز أبعادها القرآنيَّة والتَّربويَّة والسُّلوكيَّة، وتكشف عن تجلياتها في سيرة أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام)، مع الوقوف على آثارها في صناعة الإنسان المؤمن الفاعل في واقعه، وذلك على النَّحو الآتي:
المحور الأوَّل: في فلسفة المبادرة وأسبابها
جاء في كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) تأكيدٌ متكرِّر على المبادرة والمسارعة، وعدم تأجيل العمل، فقال: "بادِرُوا العَمَلَ، وَأكْذِبُوا الأمَلَ، ولاحِظُوا الأجَلَ"(4). وعنه (عليه السلام): "بادِرُوا صالِحَ الأعْمالِ، وَالخَناقُ مُهْمَلٌ وَالرُّوحُ مُرْسَلٌ"(5).
ومن أهمِّ أسباب هذا التَّوجيه كما يظهر من كلماته الشَّريفة:
السَّبب الأوَّل: ضياع الوسائل والقدرات
إنَّ قدرة الإنسان على الفعل ليست حالة دائمة؛ وإنَّما هي مرتبطة بسلسلة من الشُّروط التي قد تزول في أيِّ لحظة. وقد عبَّر الإمام عليٌّ (عليه السلام) عن هذا المعنى بدقَّة حين قال: "طُوبى لِمَنْ بادَرَ صالِحَ العَمَلِ قَبْلَ أنْ تَنْقَطِعَ أسْبابُهُ"(6). وهو تعبير يُبيِّن أنَّ القيمة الحقيقيَّة للعمل تكمن في إنجازه ضمن زمن الإمكان، قبل أن تتحوَّل القدرة إلى عجز، والصحَّة إلى مرض، والفراغ إلى انشغال. وعلى هذا الأساس، يمكن فهم المبادرة باعتبارها نظامًا يهدف إلى تحرير الإنسان من أسر التَّسويف، وإيقاظه نحو إدراك محدوديَّة العمر، وأنَّ كلَّ لحظة مؤهلة لأن تكون نقطة تحوّل في حياته.
السَّبب الثَّاني: انغلاق باب العمل
استحضار حقيقة الموت من أهمِّ الدَّوافع التي تُرسِّخ في الإنسان روح المبادرة؛ لأنَّ وعي الإنسان بقرب انتهاء أجله يُحدث تحوّلًا جذريًّا في نظرته إلى الزَّمن، ويجعله أكثر جدِّية في اغتنام الفرص وعدم التَّفريط بها. فالموت في النُّصوص الشَّريفة هو حقيقة حتميَّة تتقدَّم نحو الإنسان في كلِّ لحظة، وقد عبَّر الإمام عليٌّ (عليه السلام) عن هذا المعنى بقوله: "بادِرُوا الأمَلَ، وَسابِقُوا هُجومَ الأجَلِ، فَإنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الأمَلُ، فَيَرْهَقُهُمُ الأجَلُ"(7)، وهو تصوير دقيق لحالة المباغتة التي قد يُفاجأ بها الإنسان حين تنقطع آماله، وتدركه منيته دون تمهيد.
ومن هذا المنطلق، تصبح المبادرة سلوكًا نابعًا من إدراك واقعي لمحدوديَّة العمر، لا من مجرد حثّ أخلاقي مجرَّد. فالإنسان حين يعي أنَّ أجله يلاحقه في كلِّ لحظة، وأنَّ الفرصة قد لا تمتد إلى الغد، يتحوَّل فعله إلى فعلٍ فوريّ، ويغدو التَّأجيل نوعًا من الغفلة عن المصير المحتوم. ويؤكِّد الإمام (عليه السلام) هذا المعنى في موضع آخر حين يقول: "بادِرُوا أعْمالَكُمْ، وَسابِقُوا آجالَكُمْ، فَإنَّكُمْ مَدينُونَ بِما أسْلَفْتُمْ، وَمُجازَوْنَ بِما قَدَّمْتُمْ، وَمُطالَبُونَ بِما خَلَّفْتُمْ" (8). وهو بيان يربط بين المبادرة والمسؤوليَّة الأخرويَّة؛ حيث يصبح كلُّ فعل مؤجَّل فرصة ضائعة قد تُسجَّل على الإنسان يوم الحساب.
وتتجلَّى في هذه النُّصوص رؤية تربويَّة عميقة تُحوِّل فكرة الموت من مصدر خوف سلبي إلى محرِّك إيجابي للسُّلوك؛ إذ لا يُراد من استحضار الأجل بثّ القلق، وإنَّما توجيه الوعي نحو جدِّية العمل، واستثمار الزَّمن المتاح قبل فوات الأوان. ومن هنا جاء عنه (عليه السلام) أيضًا: "طُوبى لِمَنْ بادَرَ الأجَلَ، وَاغْتَنَمَ المَهَلَ، وَتَزَوَّدَ مِنَ العَمَلِ"(9).
وبهذا المعنى، فإنَّ الخوف من الموت يُراد به استنهاض الإرادة، وإعادة تشكيل علاقة الإنسان بوقته، بحيث يصبح أكثر وعيًا بأنَّ كلَّ لحظة هي جزء من الرَّصيد المحدود الذي سيُسأل عنه. فالمبادرة هنا هي وعيٌ بأنَّ الفرصة حين تفوت لا تُعوَّض، وأنَّ الإنسان محكوم بمسؤوليَّة ما يقدِّمه قبل أن يُفاجئه الأجل، ويغلق باب العمل.
السَّبب الثَّالث: ضياع الظَّرف المناسب للعمل
يمثِّل مبدأ "فوات الفرصة" أحد أهمِّ الأسس التي تُفسِّر إلحاح النُّصوص الشَّريفة على المبادرة وعدم التَّأخير؛ لأنَّ طبيعة الحياة الإنسانيَّة قائمة على التَّحوّل المستمر، وتبدُّل الأحوال، وتغيُّر شروط القدرة والإمكان. ومن هنا كان التَّوجيه في كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) يركِّز على ضرورة استثمار اللحظة قبل أن تفلت من يد الإنسان، حيث قال: "بادروا وَالأبْدانُ صَحيحَةٌ، وَالألْسُنُ مُطْلَقَةٌ، وَالتَّوبَةُ مَسْمُوعَةٌ، وَالأعْمالُ مَقْبُولَةٌ"(10). وهو بيان دقيق لحالة "الظَّرف المثالي" الذي لا يبقى على حاله؛ ويتغير بتغيُّر الزَّمن والإنسان نفسه. فالصحَّة، والقدرة، وانطلاق اللسان، وتيسُّر التَّوبة، وقبول العمل؛ كلها حالات مؤقتة، قابلة للزَّوال في أيِّ لحظة، ممَّا يجعل التَّأخير نوعًا من التَّفريط بفرص لا تُعوَّض. ومن هنا يتَّضح أنّ المبادرة هي ضرورة ترتبط بمنظومة الحياة ذاتها؛ حيث إنَّ كلَّ تأخير قد يعني خروج الإنسان من دائرة الإمكان إلى دائرة العجز.
ويؤكِّد الإمام (عليه السلام) هذا المعنى بصورة أكثر تركيزًا حين يقول: "بادِرِ الفُرْصَةَ قَبْلَ أنْ تَـكُونَ غُصَّةً" (11)، وهو تعبير بليغ يُجسِّد التَّحوّل النَّفسي الذي يحدث عند ضياع الفرص، وانقلاب الإمكانيَّة إلى ندم، والقدرة إلى حسرة، والعمل الممكن إلى ألم دائم. فالغصَّة هنا هي أثر نفسي ناتج عن إدراك الإنسان لما فوَّته على نفسه من إمكانات الخير والنَّجاح.
كما يضيف الإمام (عليه السلام) بعدًا عمليًّا آخر حين يقول: "بادِرِ البِرَّ فَإنَّ أعْمالَ البِرِّ فُرْصَةٌ" (12)؛ ليبيِّن أنَّ الخير ليس حالة متكررة على الدَّوام؛ هو فرص تتجدَّد وتزول، وأنَّ كلَّ موقف يُتاح فيه الإحسان هو فرصة ينبغي اقتناصها قبل أن تُغلق أبوابها. وبذلك تتحوَّل منظومة الأخلاق في الإسلام إلى منظومة اغتنام واعٍ للفرص، لا إلى انتظار سلبي للظُّروف.
المحور الثَّاني: مفهوم المبادرة وثمارها
1. تعريف المبادرة لغةً واصطلاحًا
لغة: جاء في مادَّة بدر في لسان العرب: "بدَرْتُ إِلى الشَّيء أَبْدُرُ بُدُوراً: أَسْرَعْتُ، وكذلك بادَرْتُ إِليه. وتَبادَرَ القومُ: أَسرعوا. وابْتَدَروا السلاحَ: تَبادَرُوا إِلى أَخذه. وبادَرَ الشَّيءَ مبادَرَةً وبِداراً وابْتَدَرَهُ وبَدَرَ غيرَه إِليه يَبْدُرُه: عاجَلَهُ؛ وبَدَرَني الأَمرُ وبَدَرَ إِليَّ: عَجِلَ إِليَّ واستبق. والبَدْرُ: القَمَرُ إِذا امْتَلأَ، وإِنّما سُمِّيَ بَدْراً؛ لأَنّه يبادر بالغروب طلوعَ الشَّمس، وسميت ليلةَ البَدْرِ لتمامِ قَمَرِهَا"(13). ويتبيَّن من هذا الاستعمال اللغوي أنَّ مادة "بدر" تدور حول معنى الحركة السَّريعة نحو الشَّيء مع تجاوز حالة التَّراخي أو التَّوقف، بحيث يكون الفعل واقعًا في زمن أقرب إلى الإمكان الأوَّل، قبل أن تتراكم الموانع أو تتغيَّر الظُّروف. ويُضاف إلى ذلك البعد التَّصويري في كلمة "البدر" للقمر المكتمل، حيث سُمِّي بذلك لسرعة ظهوره وتمام نوره، وقيل: لأنَّه يبادر بالغروب قبل طلوع الشَّمس، ممَّا يعكس أيضًا معنى السَّبق في الانتقال والحركة.
ومن هذا المعنى اللغوي يمكن الانتقال إلى التَّعريف الاصطلاحي للمبادرة؛ حيث تُفهم بأنَّها: الإسراع إلى أداء الفعل الصَّالح أو اتِّخاذ القرار المناسب في وقته الممكن دون تأخير أو تسويف، مع استثمار ظرف القدرة قبل تغيُّر الأحوال أو فوات الفرصة. فهي إذن: وعيٌ عمليٌّ بضرورة تقديم الفعل في زمنه الأنسب، بحيث يتحقَّق أثره الكامل قبل أن تعيقه الموانع أو تضيق إمكاناته.
وبهذا يتبيَّن أنَّ المبادرة هي امتداد طبيعي لمعاني السَّبق والعجلة المحمودة؛ لكنَّها ترتقي لتصبح سلوكًا واعيًا يوازن بين سرعة الفعل وحسن توقيته، وبين إدراك الفرصة واستثمارها في إطار المسؤوليَّة الشَّرعيَّة والأخلاقيَّة.
2. من ثمار المبادرة
المبادرة إلى أعمال الخير من أبرز الصِّفات التي تكشف عن وجود الإيمان في نفس الإنسان؛ إذ لا يندفع نحو البرِّ والعطاء إلَّا قلب امتلأ إيمانًا بالله (تعالى)، واستضاء بنور المعرفة، وتربَّى على استشعار قيمة الزَّمن وفرص الطَّاعة. فالمؤمن الحقيقي يرى في كلِّ فرصة بابًا للتَّقرُّب إلى الله (سبحانه). ومن أبرز الثِّمار التي يجنيها الإنسان من مبادرته إلى الخيرات:
أوَّلًا: استجابة الدُّعاء
فالعبد الذي يسارع إلى خدمة النَّاس، وإغاثة المحتاج، وإحياء قيم الخير، يكون أقرب إلى رحمة الله (تعالى) وإجابته. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في حديثه عن نبيِّ الله زكريا (عليه السلام) حين قال الله (سبحانه): (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)(14)، فالآية الكريمة ربطت بين نيل العطاء الإلهي وبين مسارعتهم في الخيرات وخشوعهم لله (تعالى)، وأنَّها تؤسِّس لقاعدة قرآنيَّة مفادها أنَّ الأعمال الصَّالحة تهيّئ الرُّوح لتلقِّي الفيض الإلهي.
ومن التَّأمّل في هذه الآية يظهر أنَّ الدُّعاء الذي يخرج من قلب متحرِّك في ميادين الخير يختلف عن الدُّعاء الذي يصدر من نفس خاملة أو غارقة في الأنانيَّة؛ لأنَّ العمل الصَّالح يمنح الدُّعاء صدقًا وإخلاصًا. ولهذا نجد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) تأكيدًا على أنَّ قضاء حوائج النَّاس ورفع الكرب عنهم من أسباب نيل الرَّحمة الإلهيَّة. فقد روي عن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (عليهما السلام) أنَّه قال: "مَن قَضى لأخيهِ المؤمنِ حاجَةً قضى اللَّهُ عزَّ وجلَّ لَهُ يَومَ القِيامَةِ مِائةَ ألفِ حاجَةٍ مِن ذلكَ، أوَّلُها الجَنَّةُ"(15). وهذا التَّرابط بين خدمة الخلق واستجابة الدُّعاء يكشف عن أنَّ الله (تعالى) يريد من الإنسان أن يجعل من عبادته مشروعًا للإصلاح والعطاء، لا طقوسًا منفصلة عن واقع النَّاس وآلامهم.
ثانيا: السَّعادة في الدُّنيا والآخرة
إنَّ النَّفس حين ترتبط بالله (تعالى)، وتعيش حالة العطاء والمسارعة إلى الخير، تنال قدرًا من الطَّمأنينة والسَّكينة لا يمكن أن تمنحه اللذَّات الماديَّة العابرة. فالإنسان خُلق وفي نفسه انجذاب فطري إلى المعنى والكمال، ولا يجد هذا المعنى إلَّا عندما يشعر أنَّ حياته تسير في طريق القرب الإلهي وخدمة الحقِّ.
وقد أشار الإمام عليٌّ (عليه السلام) إلى هذه الحقيقة بقوله: "بادِرِ الطَّاعَةَ تَسْعَدْ"(16). وهي عبارة قصيرة في ألفاظها، إلَّا أنَّها تحمل رؤية تربويَّة عميقة؛ إذ تربط السَّعادة بالحركة نحو الطَّاعة، لا بمجرَّد التَّمنِّي أو المعرفة النَّظريَّة. فالسَّعادة في المنظور الإسلامي هي ثمرة الانسجام بين روح الإنسان وفطرته التي خُلقت لعبادة الله (تعالى) والسَّير في طريقه.
والقرآن الكريم يؤكِّد هذا المعنى في أكثر من موضع، قال الله (جلَّ جلاله): (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(17)، والحياة الطَّيِّبة لا تقتصر على وفرة المال أو الرَّاحة الظَّاهريَّة؛ ولكن تشمل راحة القلب، وهدوء الضَّمير، والشُّعور بالقرب من الله (تعالى). ولذلك قد يعيش الإنسان ظروفًا صعبة؛ لكنَّه يحمل في داخله نورًا من الرِّضا لا يجده أصحاب الغفلة مهما امتلكوا من متاع الدُّنيا. كما أنَّ المبادرة إلى العمل الصَّالح تمنح الإنسان شعورًا بقيمة عمره؛ لأنَّه يدرك أنَّ أيَّامه تُبنى بها آخرته ويُصاغ بها مصيره الأبدي. ولهذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضًا: "بادِرُوا العَمَلَ(الأمَل)، وَخَافُوا بَغْتَةَ الأجَلِ، تُدْرِكُوا أفْضَلَ الأمَلِ"(18). فالإنسان قد يخطط طويلًا، ويؤجل الإصلاح والطَّاعة؛ لكن الأجل قد يفاجئه في لحظة لا يتوقعها، ومن هنا جاءت الدَّعوة إلى اغتنام الفرصة قبل انقطاعها.
وفي هذا التَّوجيه كذلك تربية للنَّفس على اليقظة، وعدم الارتهان للأماني المؤجلة؛ لأنَّ كثيرًا من النَّاس يعيشون على فكرة "سأتغيَّر لاحقًا" أو "سأبدأ عندما تتاح لي الظُّروف"، غير أنَّ العمر يتسلَّل بهدوء، وتضيع فرص كثيرة بسبب التَّسويف. أمَّا المؤمن الواعي، فإنَّه يتعامل مع كلِّ يومٍ بوصفه فرصة جديدة للتَّقرُّب إلى الله (تعالى)، ولذلك يعيش حالة من الرِّضا والاستقرار.
ثالثًا: التَّخلُّق بأخلاق المعصومين (عليهم السلام)
حين يسارع الإنسان إلى الطَّاعة، ويبحث عن مواقع الخير، فإنَّه في الحقيقة يربِّي نفسه على أخلاق الصفوة التي اصطفاها الله (تعالى) لهداية البشريَّة؛ لأنَّ القيم العظيمة لا تُنال بالشِّعارات؛ وإنَّما بأداء أعمال البرِّ والعطاء والاستمرار عليها.
وقد وصف القرآن الكريم عباد الله المقرَّبينَ بهذه الصِّفة الرَّفيعة، فقال الله (سبحانه): (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (19). وهذه الآية تذكر المسارعة إلى الخير باعتبارها جزءًا من هويتهم ومنهجهم العملي؛ فهم يعيشون حالة المبادرة الدَّائمة إلى ما يرضي الله (سبحانه)، مقرونةً بالخشوع والخوف والرَّجاء.
وعبر التَّأمل في التَّعبير القرآني (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) يظهر أنَّ أهل القرب الإلهي كانوا يتحركون بسرعة وشوق نحو كلِّ ما فيه رضا الله (تعالى). وهذا يكشف عن عمق معرفتهم بالله (سبحانه)؛ لأنَّ من عرف عظمة الطَّاعة لم يتثاقل عنها، ومن أدرك قيمة الزَّمن لم يسمح للفرص أن تضيع من بين يديه.
وقد جاءت سيرة الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) تجسيدًا حيًّا لهذه الحقيقة؛ فقد كانوا يبادرون إلى قضاء حوائج النَّاس، وإغاثة الملهوف، ومواساة الفقراء، وتحمل أعباء الأمَّة بروحٍ مفعمة بالإخلاص والرَّحمة. ومن أروع النَّماذج ما ذكره القرآن الكريم في حقِّ أهل البيت (عليهم السلام) في قول الله (تعالى): (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا* إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا* فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا) (20)، حيث قدَّموا حاجات الآخرين على حاجاتهم الخاصَّة، فخلَّد الله (عزَّ وجلَّ) هذا الموقف في كتابه الكريم ليبقى مدرسة أخلاقيَّة للأجيال.
المحور الثَّالث: دوافع ومعوِّقات المبادرة
1. دوافع المبادرة
بعد الوقوف على الآثار العظيمة التي تتركها المبادرة في حياة الإنسان والمجتمع، يبرز تساؤل مهم: ما الذي يدفع الإنسان إلى المبادرة والعمل؟
وما الأسباب التي تجعل بعض النَّاس يتقدَّمون نحو الخير والإصلاح، في حين يعيش آخرون حالة التَّردُّد والجمود؟
إنَّ التَّأمل في هذه الأسئلة هو مدخل تربوي وفكري لفهم القوى المحركة للسُّلوك، والكشف عن العوامل التي توقظ الطَّاقات الكامنة في النَّفس، أو تلك التي تنتهي إلى تعطيلها وإخمادها.
ومن أبرز الدَّوافع التي تحرِّك الإنسان نحو المبادرة طلب رضا الله (تعالى) والتَّطلُّع إلى ثوابه ورحمته؛ فالمؤمن حين يستشعر أنَّ كلَّ خطوة في طريق الخير محفوظة عند الله (سبحانه)، وأنَّ الأعمال الصَّالحة تبقى رصيدًا له في الدُّنيا والآخرة، تتولد في داخله رغبة دائمة في البذل والعطاء. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله (تبارك وتعالى): (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(21)، فالإنسان يجد ما يقدِّمه من خير مدَّخرًا عند الله (تعالى) بأعظم الجزاء.
كما أنَّ وضوح الأهداف في حياة الإنسان يمنحه دافعًا قويًا للمبادرة؛ لأنَّ الإنسان الذي يحمل رسالة سامية، أو يسعى إلى إصلاح مجتمعه، أو يطمح إلى خدمة الدِّين والنَّاس، لا يستطيع أن يعيش حالة السُّكون واللامبالاة. فالأهداف الكبيرة تُنتج حركة، والحركة تُولد المبادرات. ولهذا كانت الشَّخصيات العظيمة أكثر النَّاس عملًا وسعيًا؛ لأنَّها كانت ترى في كلِّ يوم فرصة جديدة لتحقيق غاية أسمى. وقد ورد عن الإمام علي (عليه السلام) قوله: "قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ"(22)، أي: إنَّ قيمة الإنسان تُقاس بما يقدِّمه من أثر وعطاء، لا بمجرَّد الأمنيات والأقوال.
ومن العوامل المؤثِّرة في صناعة روح المبادرة وجود البيئة الصَّالحة؛ فالإنسان يتأثَّر بالمحيط الذي يعيش فيه، سواء كان البيت أو المدرسة أو جماعة الأصدقاء أو المجتمع العام. فإذا كانت البيئة تشجِّع على الإبداع والعطاء، نشأت في النَّفس حالة من التَّفاعل الإيجابي والرَّغبة في الإنجاز. أمَّا إذا سادت أجواء السخريَّة أو الإحباط أو الاستهانة بالأفكار، فإنَّ كثيرًا من الطَّاقات قد تنطفئ قبل أن ترى النُّور.
فالمدرسة التي تفتح المجال للمنافسة العلميَّة والثَّقافيَّة، وتكافئ الإنجازات النَّافعة، تزرع في نفوس الطَّلبة روح التَّحدِّي البنَّاء، وتجعلهم يبحثون عن وسائل جديدة للإبداع والتَّطوير. وكذلك الأسرة الواعية التي تمنح أبناءها مساحة للتَّجربة والتَّعبير والمشاركة، تُسهم في بناء شخصيات واثقة قادرة على العطاء. وقد أشار الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) إلى أثر البيئة والصُّحبة بقوله: "الْمَرْءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ وَقَرِينِهِ"(23)؛ لأنَّ الإنسان يكتسب كثيرًا من عاداته وأفكاره من الوسط الذي يحيط به.
ويأتي التَّشجيع بوصفه عنصرًا تربويًّا بالغ الأثر في تحريك المبادرات وتنمية الثِّقة بالنَّفس، ولا سيَّما في مرحلة الطُّفولة والشَّباب. فالإنسان حين يجد من يقدِّر جهده، ويثني على محاولاته، يشعر بأنَّ عمله له قيمة، فيندفع إلى مزيد من المحاولة والاجتهاد، حتَّى وإن تعرَّض لبعض الإخفاقات. أمَّا التَّحقير المستمر أو التَّركيز على الأخطاء، فإنَّه يزرع الخوف والتَّردد ويضعف روح الإبداع.
ومن هنا تقع على الوالدينِ والمربينَ مسؤوليَّة كبيرة في احتضان المبادرات الصَّغيرة قبل الكبيرة؛ لأنَّ الطِّفل الذي يُشجَّع على فكرة نافعة أو سلوك إيجابي، ينمو داخله الشُّعور بالقدرة والثِّقة، ويتعلَّم أنَّ له دورًا يمكن أن يقدِّمه للحياة. ولهذا نجد أنَّ كثيرًا من الشَّخصيات النَّاجحة نشأت في بيئات كانت تمنح أبناءها الدَّعم النَّفسي والتَّقدير المعنوي، لا التَّثبيط والاستهزاء.
ومن الدَّوافع المهمَّة كذلك إدراك قيمة المبادرة وآثارها الممتدَّة؛ فالإنسان حين يوقن أنَّ العمل الصَّالح قد يبقى أثره بعد موته، تتغيَّر نظرته إلى كثير من الأعمال التي قد يراها بسيطة. فقد تكون كلمة هادفة، أو مشروعًا نافعًا، أو تربيةً صالحة، سببًا في استمرار الأجر لسنوات طويلة. وقد ورد عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): "لَا يَتْبَعُ الرَّجُلَ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَّا ثَلَاثُ خِصَالٍ: صَدَقَةٌ أَجْرَاهَا لِلَّهِ فِي حَيَاتِهِ، فَهِيَ تَجْرِي لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ وَسُنَّةُ هُدًى سَنَّهَا، فَهِيَ يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ؛ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ"(24). وهذا الحديث يفتح أمام الإنسان أفقًا واسعًا لفهم قيمة المبادرات التي تترك أثرًا دائمًا في حياة النَّاس.
وعندما يترسَّخ هذا الوعي في النَّفس، يصبح الإنسان أكثر حرصًا على اغتنام الفرص، وأكثر استعدادًا لتحويل أفكاره إلى أعمال نافعة؛ لأنَّه يدرك أنَّ ما يزرعه اليوم قد يتحوَّل إلى نور يمتدُّ أثره في الدُّنيا والآخرة.
2. معوِّقات المبادرة
وبعد التَّعرُّف على الدَّوافع التي تحرِّك الإنسان نحو المبادرة والعطاء، تبرز الحاجة إلى دراسة العوامل التي تُضعف روح المبادرة أو تمنعها من الظُّهور؛ لأنَّ معالجة الموانع لا تقلّ أهميَّة عن معرفة الدَّوافع. فكثير من الطَّاقات تبقى معطَّلة نتيجة وجود عوائق نفسيَّة أو فكريَّة أو تربويَّة تُقيِّد الإنسان، وتدفعه إلى التَّراجع والتَّردُّد.
ومن أبرز هذه المعوِّقات غياب الهدف الواضح في حياة الإنسان؛ فالشَّخص الذي يعيش بلا رسالة أو غاية سامية غالبًا ما يفقد الحافز والدَّافع للحركة والعمل. فالهدف يمنح الإنسان اتِّجاهًا ومعنى، ويجعله يشعر بأنَّ لجهوده قيمة وغاية. أمَّا حين تغيب الرُّؤية، فإنَّ النَّفس تميل إلى الكسل واللامبالاة، وتتحوَّل الأيَّام إلى تكرار خالٍ من الإنجاز.
ولهذا أكَّد القرآن الكريم على خطورة العيش في حالة الغفلة والتَّيه، فقال الله (تعالى): (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)(25)، فالإنسان لم يُخلق ليعيش بلا مقصد، لقد خُلق لعمارة الأرض والسَّير في طريق الكمال والطَّاعة. وكلَّما كان الهدف أكثر سموًّا واتِّصالًا بالله (تعالى) وخدمة النَّاس، ازدادت قدرة الإنسان على تجاوز العقبات والانطلاق نحو المبادرات النَّافعة.
ومن المعوِّقات الخطيرة كذلك الخوف من الفشل، وهو من أكثر الأسباب التي تدفع بعض النَّاس إلى التَّراجع عن خوض التَّجارب أو تقديم الأفكار أو تحمُّل المسؤوليات. فالخائف من الخطأ يفضِّل أحيانًا البقاء في دائرة الجمود على أن يواجه احتمال الإخفاق، مع أنَّ الحياة بطبيعتها قائمة على التَّجربة والتَّعلُّم والتَّدرُّج.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء ثقافة تنظر إلى الفشل بوصفه تجربة تعليميَّة لا نهاية الطَّريق. فالإنسان النَّاجح ليس هو الذي لم يتعثَّر أبدًا، وإنَّما الذي استطاع أن يحوِّل تعثَّره إلى خبرة تدفعه إلى التَّقدُّم. وقد ورد عن الإمام عليٍّ (عليه السلام) قوله: "مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوه الآرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ الْخَطَإِ"(26)، أي: إنَّ التَّجربة والانفتاح على المحاولة يكشفانِ للإنسان مواضع النَّقص، ومن ثمَّ يفتحان له باب التَّصحيح والتَّطوير.
ويقع على عاتق الآباء والمربين دور محوري في معالجة هذا الخوف؛ وذلك من خلال غرس الثِّقة في نفوس الأبناء، وتشجيعهم على خوض التَّجارب النَّافعة، وعدم تحويل الخطأ إلى وسيلة للتَّحقير أو الإحباط. فالطِّفل أو الشَّاب الذي يتلقَّى الدَّعم النَّفسي عند التَّعثُّر، يتعلَّم أنَّ الإخفاق مرحلة مؤقتة يمكن تجاوزها، بينما تؤدِّي القسوة المستمرة أو السُّخريَّة إلى صناعة شخصيَّة مترددة تخشى الإقدام على أيِّ خطوة جديدة.
ولهذا فإنَّ التربية الواعية تربي الإنسان على حسن التَّعامل مع الفشل، والنَّظر إليه بوصفه خطوة في طريق النُّضج والخبرة. وقد قيل: إنَّ كثيرًا من الإنجازات الكبرى وُلدت من دائرة المحاولات المتعثرة؛ لأنَّ أصحابها لم يسمحوا للعقبات بأن توقفهم عن مواصلة الطَّريق.
وعندما يتحرَّر الإنسان من الخوف، ويعيش حالة الوضوح في الهدف، تنفتح أمامه آفاق واسعة للمبادرة والإبداع، ويصبح أكثر قدرة على صناعة الأثر الإيجابي في نفسه ومجتمعه.
المحور الرَّابع: صور من مبادرات أمير المؤمنين (عليه السلام)
لقد جسَّد أمير المؤمنين (عليه السلام) أسمى صور المبادرة إلى الخير، فكان سبَّاقًا إلى الأعمال الصَّالحة، مسارعًا إلى اغتنام فرص البر والإحسان.
كان أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (عليهما السلام) أوَّل المؤمنين تصديقًا برسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وأوَّل النَّاصرين والمؤازرين له، وأوَّل من وقف بين يدي الله (تعالى) مصلِّيًا معه، فاستحق أن يكون رائد المبادرة الأوَّل في تاريخ الإسلام، والشَّخصيَّة التي لم يسبقها أحد إلى تطبيق أوامر الله (سبحانه) والالتزام بمناهجه بهذه الدَّرجة من الكمال والإخلاص.
لقد تجسَّدت في الإمام عليٍّ (عليه السلام) حقيقة السَّبق إلى الفضائل كلِّها، فكان المتقدِّم إلى المكارم، والمتفرِّد بالمناقب، والسَّائر في مقدِّمة كلِّ ميدان من ميادين الخير والعطاء. وإذا كان الإسلام قد جمع ألوان الفضائل والقيم السَّامية، فإنَّ شخصيَّة الإمام عليٍّ (عليه السلام) كانت المظهر الأكمل لتلك القيم، حتَّى غدا صورة حيَّة للإسلام في فكره وسلوكه ومواقفه.
وكان سبّاقًا في الشَّجاعة والثَّبات ورباطة الجأش، كما كان رائدًا في تربية النَّاس على مكارم الأخلاق وغرس القيم النَّبيلة في النُّفوس. وتحمُّل المسؤوليَّة عنده لم يكن شعارًا يُرفع، كان منهجًا عاشه بكلِّ تفاصيله، فكان حاضرًا في الصُّفوف الأولى كلَّما نادى الواجب، ومتقدِّمًا كلَّما احتاجت الرِّسالة إلى التَّضحية والفداء.
ويكفي في بيان ذلك أن نتأمل موقفه الخالد ليلة الهجرة، حين افترش فراش رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) معرِّضًا نفسه للخطر حفاظًا على حياة النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) ورسالة الإسلام. وقد شهد مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) جميع المواقف والمشاهد الكبرى، ولم يتخلَّف إلَّا في غزوة تبوك امتثالًا لأمر النَّبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، حين استخلفه على المدينة، وقال له كلمته الخالدة التي بيَّنت منزلته الرفيعة: "يَا عَليُّ أنتَ منِّي بمنزلةِ هارونَ منْ مُوسَى طَاعتُك واجبةٌ على منْ بعدِي كطَاعتي فِي حيَاتِي غير أنَّه لا نبيَّ بعدِي"(27).
وتبقى أعظم مبادراته وأجلّ مناقبه أنهَّ جسَّد الإسلام في صورته المتكاملة، فحمل مبادئه وقيمه وعقائده ونظامه في فكره وسلوكه ومواقفه. ولهذا كان النُّموذج الأرقى للإنسان المؤمن، والقدوة الكاملة التي تجسِّد الإسلام واقعًا حيًّا، فاجتمعت فيه فضائل السَّبق، وشجاعة الموقف، وعظمة التَّضحية، وسموّ الأخلاق، حتَّى أصبح عنوانًا خالدًا للمبادرة في سبيل الله (جلَّ جلاله)، ورمزًا للعطاء الذي لا يعرف التَّردُّد ولا الانتظار.
وماذا يمكن أن يُقال في أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد شهد له القرآن بمقام السَّبق والقرب من الله (تعالى)، فقال (عزَّ وجلَّ): (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولَئِكَ المُقَرَبُونَ* فِي جَناَّتِ النَّعِيمِ* ثُلَةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ* وَقَلِيلٌ مِّنَ الأَخِرِينَ)(28). فهو عنوان السبق إلى الإيمان، ورمز المبادرة إلى الطَّاعة، والنُّموذج الأكمل للمسارعة إلى مرضاة الله (تعالى). وإذا كان السَّابقون هم أهل القرب والزُّلفى عند الله (سبحانه)، فإنَّ الإمام عليًّا (عليه السلام) كان في طليعة هؤلاء السَّابقين؛ إذ لم يُعرف في تاريخ الرِّسالة أحدٌ سبقه إلى تصديق النَّبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) ومؤازرته والذَّود عنه، ولم يُرَ أحدٌ تقدَّم عليه في ميادين التَّضحية والفداء ونصرة الدِّين.
ولذلك كلَّما حاولت الكلمات أن تصف عظمة الإمام عليٍّ (عليه السلام) وقفت حائرة أمام بحر فضائله، فسيرته سيرة المبادرة، وحياته صفحة مشرقة من الإخلاص والجهاد والعطاء. ومن تأمَّل مواقفه أدرك أنَّ السَّبق الذي مدحه القرآن كان سبقًا في الإيمان والوعي والبصيرة والتَّضحية والالتزام، حتَّى استحق أن يكون من أقرب الخلق إلى الله (تعالى)، وأرفعهم منزلة في دنيا الرِّسالة وآخرة الجزاء.
عن زيد بن أسلم عن أبيه قال- والرِّواية طويلة تضمُّ الكثير من مبادرات الإمام عليٍّ (عليه السلام)؛ لكننا نذكر بعضها-: "... فَلَمَّا رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مَا هَمَّ الْقَوْمُ بِهِ مِنَ الْبَيْعَةِ لِعُثْمَانَ؛ قَامَ فِيهِمْ لِيَتَّخِذَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ فَقَالَ (عليه السلام) لَهُمْ: اسْمَعُوا مِنِّي كَلَامِي، فَإِنْ يَكُ مَا أَقُولُ حَقّاً فَاقْبَلُوا، وَإِنْ يَكُ بَاطِلًا فَأَنْكِرُوا، ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ صِدْقَكُمْ إِنْ صَدَقْتُمْ، وَيَعْلَمُ كَذِبَكُمْ إِنْ كَذَبْتُمْ. هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا غَيْرِي؟
قَالُوا: لَا. قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ مَنْ بَايَعَ الْبَيْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا الْفَتْحَ وَبَيْعَةَ الرِّضْوَانِ غَيْرِي؟. قَالُوا: لَا...
قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَدَّى الزَّكَاةَ وَهُوَ رَاكِعٌ غَيْرِي؟. قَالُوا: لَا... قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَصَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلَّى الله عليه وآله) يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ غَيْرِي؟. قَالُوا: لَا... قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ بَارَزَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَقَتَلَهُ غَيْرِي؟. قَالُوا: لَا.
قَالَ نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلَّى الله عليه وآله): أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي غَيْرِي؟. قَالُوا: لَا... قَالَ فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلَّى الله عليه وآله): تَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَنْتَ وَشِيعَتُكَ رِوَاءً مَرْوِيِّينَ مُبْيَضَّةً وُجُوهُهُمْ ويَرِدُ عَلَيَّ عَدُوُّكَ ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُقْتَحِمِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ غَيْرِي؟. قَالُوا: لَا.
قَالَ لَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَمَّا إِذَا أَقْرَرْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَاسْتَبَانَ لَكُمْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ نَبِيِّكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ سَخَطِهِ، وَلَا تَعْصُوا أَمْرَهُ، وَرُدُّوا الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ، وَاتَّبِعُوا سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ إِنْ خَالَفْتُمْ خَالَفْتُمُ اللَّهَ، فَادْفَعُوهَا إِلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهُ وَهِيَ لَهُ. قَالَ: فَتَغَامَزُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَتَشَاوَرُوا، وَقَالُوا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَهُ، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا؛ وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ لَا يُفَضِّلُ أَحَداً عَلَى أَحَدٍ؛ فَإِنْ وَلَّيْتُمُوهَا إِيَّاهُ جَعَلَكُمْ وَجَمِيعَ النَّاسِ فِيهَا شَرَعاً سَوَاءً..."(29).
وبعد هذا العرض يمكننا أن نؤكِّد أنَّ المبادرة هي منهج متكامل في بناء الإنسان المؤمن الواعي، يقوم على استثمار الزَّمن، واستحضار حقيقة العمر، وتحويل الفرص إلى أعمال نافعة قبل ضياعها. وقد كشف القرآن الكريم، إلى جانب كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن عمق هذا المفهوم وأثره في صناعة الشَّخصيَّة الرِّساليَّة التي تتحرَّك في ميادين الخير بإرادة ووعيٍ مسؤول.
كما تبيَّن أنَّ المبادرة ترتبط بجملة من الدَّوافع؛ وفي مقدِّمتها طلب رضا الله (تعالى)، ووضوح الأهداف، ووجود البيئة الصَّالحة، والتَّشجيع، واستشعار بقاء أثر العمل الصَّالح بعد الموت. وفي المقابل، فإنَّ غياب الهدف، والخوف من الفشل، والاستسلام للتَّسويف، تمثِّل أبرز العوامل التي تُضعف روح المبادرة وتحدُّ من فاعليَّة الإنسان في واقعه.
وقد مثَّل الإمام عليٌّ (عليه السلام) النُّموذج الأسمى للمبادرة في جميع أبعادها؛ إذ تجسَّدت في شخصيته روح السَّبق إلى الإيمان، والمبادرة إلى التَّضحية، وتحمُّل المسؤوليَّة، ونصرة الحقِّ، وخدمة الإنسان. فلم يكن (عليه السلام) سابقًا في الميدان العسكري أو السياسي فحسب، لقد كان سابقًا في الوعي، والعلم، والعدل، والأخلاق، حتَّى غدا عنوانًا للإنسان الذي يعيش رسالته بكلِّ تفاصيلها.
ومن هنا، فإنَّ استحضار سيرة الإمام عليٍّ (عليه السلام) لا بدَّ أن يتحوَّل إلى مشروع تربوي وسلوكي يُعيد للإنسان المعاصر ثقافة المبادرة والعمل والإصلاح. فالأمُّم لا تنهض بالأماني؛ وإنَّما تنهض بالعقول التي تدرك قيمة الزَّمن، وبالأشخاص الذين يبادرون إلى الخير قبل أن تضيع الفرص أو يُغلق باب القدرة.



اضف تعليق