تقدم زيارة الأربعين كل عام نموذجاً مصغراً للعراق الذي يمكن أن يكون: مجتمعاً متعاوناً، متراحماً، قادراً على تنظيم نفسه، يتسابق أفراده إلى العطاء، وتتراجع فيه الفوارق أمام قيمة الإنسان وكرامته. لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الزيارة، حين يعود الناس إلى مدنهم وأعمالهم ومؤسساتهم. ففي تلك اللحظة يتحدد...

تبدو زيارة الأربعين، في صورتها الظاهرة، مسيرة إيمانية كبرى يتجه فيها الملايين نحو كربلاء لإحياء ذكرى الإمام الحسين عليه السلام وتجديد العهد مع القيم التي نهض من أجلها. غير أن النظر المتأمل في هذه الزيارة يكشف أنها تتجاوز حدود الشعيرة الدينية والمناسبة الزمنية، لتتحول إلى تجربة واسعة في بناء الإنسان وتنظيم المجتمع وإدارة العمل التطوعي واستنهاض الطاقات الكامنة فيه.

فالزيارة لا تجمع ملايين الناس في مكان واحد فحسب، وإنما تنشئ خلال أيامها نظاماً اجتماعياً وأخلاقياً متكاملاً، تتغير فيه طبيعة العلاقات بين الأفراد، وتتراجع فيه الحسابات المادية والمصالح الضيقة، ويصبح العطاء والخدمة والإيثار والتعاون أساساً للتعامل. ويكتشف المجتمع من خلالها أنه قادر على إدارة حشود هائلة وتوفير احتياجاتها، بالاعتماد على المبادرات الشعبية والثقة المتبادلة والشعور بالمسؤولية.

وتشير المواد التي تناولت زيارة الأربعين إلى أبعاد مترابطة تبدأ بما تحمله المشاركة فيها من وجوه الخير، ثم تنتقل إلى صورة المجتمع الإنساني الذي تجسده، قبل أن تطرح الأسئلة المتعلقة بالتحديات التي تواجهها، وتنتهي إلى الدعوة لبناء بلد صالح للزائرين والمواطنين معاً، بدلاً من الاكتفاء بإنشاء مدن خدمية محدودة تعمل في موسم الزيارة.

ومن هنا يمكن النظر إلى زيارة الأربعين بوصفها مشروعاً حضارياً ذا مستويات ثلاثة متكاملة: بناء الإنسان الذي يحمل القيم، وبناء المجتمع الذي يحولها إلى ممارسة، وبناء الدولة التي تصون هذه القيم وتنظمها وتحولها إلى مؤسسات وسياسات دائمة.

بناء الإنسان قبل تنظيم الحشود

تبدأ القيمة الحقيقية لزيارة الأربعين من داخل الإنسان. فالمسير إلى كربلاء ليس انتقالاً جسدياً من مكان إلى آخر فقط، بل رحلة تربوية يخرج فيها الإنسان من عاداته اليومية وراحته الخاصة إلى فضاء من المشقة والصبر والمشاركة.

يتعلم الزائر في الطريق أن يتحمل التعب، وأن يضبط انفعاله، وأن يراعي غيره، وأن يقبل بتغير ظروفه، وأن يعيش ساعات أو أياماً بعيداً عن كثير من مظاهر الرفاه التي اعتادها. وهذه التجربة تمنحه فرصة لمراجعة نفسه وإعادة ترتيب أولوياته، لأن الإنسان عندما يغادر بيئته المعتادة يصبح أكثر قدرة على اكتشاف ما ترسخ في داخله من أنانية أو استعجال أو تعلق بالماديات.

ولا تقتصر التربية على تحمل المشقة، بل تمتد إلى معنى القصد والغاية. فالزائر لا يسير بلا هدف، وإنما يتحرك باتجاه رمز ديني وأخلاقي ارتبط في الوعي الإسلامي بالإصلاح والعدل والكرامة ورفض الظلم. ومن ثم فإن قيمة السير لا تنفصل عن طبيعة الوجهة التي يتجه إليها الإنسان، ولا عن المعاني التي يريد أن يعود بها بعد انتهاء الزيارة.

لهذا لا ينبغي قياس أثر زيارة الأربعين بعدد الخطوات التي يقطعها الزائر أو الأيام التي يقضيها في الطريق فحسب، وإنما أيضا بمقدار ما تحدثه في سلوكه بعد عودته. فإذا تعلم الصبر في المسير، ينبغي أن يظهر صبره في أسرته وعمله ومجتمعه. وإذا لمس معنى الخدمة، يفترض أن يصبح أكثر استعداداً لقضاء حوائج الآخرين. وإذا عاش المساواة مع الملايين، فعليه ألا يعود إلى التعالي عليهم أو انتقاص حقوقهم. وبذلك تنتقل الزيارة من كونها فعلاً موسمياً إلى أن تصبح منهجاً في تربية الشخصية. فكما تنجح في جمع الأجساد، كذلك تحقق غايتها الكاملة في بناء الإنسان.

الإنسان الخادم لا الإنسان المستهلك

من أهم التحولات التي تحدثها زيارة الأربعين إعادة تعريف قيمة الإنسان ومكانته. ففي الحياة المادية السائدة يقاس نجاح الإنسان غالباً بما يمتلكه وبما يحصل عليه من خدمات وامتيازات. أما في طريق الأربعين، فتتقدم قيمة أخرى هي قيمة ما يستطيع الإنسان تقديمه للآخرين.

يتنافس أصحاب المواكب والأسر والمتطوعون على خدمة الزائر، ولا ينظرون إلى الخدمة باعتبارها عملاً ثانوياً أو منزلة أدنى، بل يرون فيها شرفاً وقربة ومسؤولية. ويتحول لقب «خادم الزائرين» إلى عنوان يعتز به صاحبه، بصرف النظر عن موقعه الاجتماعي أو إمكاناته المالية.

هذا التحول مهم في بناء الشخصية، لأنه ينقل الإنسان من مركزية الذات إلى مركزية المسؤولية. فهو لا يسأل فقط عما سيحصل عليه، بل يفكر فيما يستطيع أن يقدمه. ولا ينظر إلى الآخر بوصفه منافساً على الموارد، بل بوصفه إنساناً يحتاج إلى المساعدة والرعاية.

وتتعدد صور الخدمة خلال الزيارة، فتشمل تقديم الطعام والماء والإيواء والنقل والعلاج والإرشاد والتنظيف والعناية بكبار السن، فضلاً عن فتح البيوت أمام أشخاص لا تربط أصحابها بهم معرفة سابقة. وتقوم هذه الأعمال في معظمها على المبادرات الطوعية التي لا تنتظر مقابلاً مادياً مباشراً. ويكشف هذا الاتساع عن قدرة القيم الدينية على تعبئة الموارد البشرية والمادية وتوجيهها نحو الصالح العام.

إن بناء الإنسان الخادم لا يعني إلغاء حاجاته وحقوقه، وإنما يعني تحريره من الأنانية التي تجعله يرى المجتمع من زاوية مصالحه وحدها. فالإنسان المتوازن يعرف حقوقه، لكنه يعرف واجباته أيضاً، ويسعى إلى تحقيق ذاته من خلال المشاركة في بناء حياة أفضل للآخرين.

الزيارة مدرسة للثقة الاجتماعية

لا يمكن لأي مجتمع أن يستقر أو يتقدم من دون قدر كافٍ من الثقة بين أفراده. فحين تنعدم الثقة، تتوسع الحاجة إلى الرقابة والإجراءات والضمانات، وتزداد كلفة التعاون، ويصبح كل إنسان متوجساً من الآخر.

تكشف زيارة الأربعين عن وجود رصيد كبير من الثقة الاجتماعية. فالأسر تفتح أبوابها للزائرين، وأصحاب المواكب يقدمون مواردهم لأشخاص لا يعرفونهم، والمتطوعون يعملون ضمن مجموعات قد لا تجمع أفرادها علاقات سابقة. ومع ذلك تنتظم الأعمال وتتوزع المسؤوليات وتستمر الخدمات.

إن الثقة هنا ليست فكرة نظرية، بل ممارسة يومية واسعة. وهي تنمو لأن المشاركين يتحركون داخل إطار قيمي مشترك، ويشعرون بأنهم جزء من غاية واحدة. ولذلك تكون قدرتهم على التعاون أكبر من قدرتهم عليه في بيئات أخرى تهيمن عليها المنافسة والمصالح الخاصة.

لكن السؤال الأهم هو: لماذا تظهر هذه الثقة بقوة في أيام الزيارة، ثم تتراجع في بعض مجالات الحياة العامة؟

يرتبط جزء من الإجابة بوضوح الهدف. ففي زيارة الأربعين يعرف الناس لماذا يعملون ولمن يقدمون الخدمة، كما يثقون بالقيمة المعنوية لما يفعلون. أما في الحياة العامة، فقد تؤدي تجربة الفساد وسوء الإدارة وضعف المؤسسات إلى إضعاف ثقة المواطن بالآخرين وبالجهات الرسمية.

ومن هنا تكتسب الزيارة بعداً يتجاوز موسمها، لأنها تثبت أن الثقة ليست مفقودة بالكامل في المجتمع، وإنما تحتاج إلى أهداف عادلة ومؤسسات نزيهة وممارسات تستحق ثقة الناس. فإذا أمكن استعادة هذا الرصيد في المدارس والمستشفيات والبلديات والدوائر العامة، فإن المجتمع سيصبح أكثر قدرة على التعاون ومواجهة الأزمات.

المجتمع الذي يتشكل على طريق كربلاء

لا تصنع زيارة الأربعين أفراداً متجاورين فقط، وإنما تنتج مجتمعاً مؤقتاً له قيمه وآليات عمله وأنماط علاقاته. ففي الطريق تتراجع كثير من الحواجز التي تفصل بين الناس، ويجتمع الغني والفقير والمسؤول والمواطن العادي، ويسيرون في المسار نفسه، ويتعرضون للمشقة نفسها، ويحصلون على الخدمات نفسها.

هذا المجتمع لا يسأل الزائر قبل خدمته عن قوميته أو منطقته أو طبقته أو مهنته. هويته بوصفه زائراً تكفي لأن يصبح موضع ترحيب ورعاية. ويجسد ذلك صورة من صور المساواة الإنسانية التي قد تتراجع في الحياة اليومية بفعل الانقسامات الاجتماعية والسياسية.

كما أن الخدمة لا تبقى محصورة داخل المؤسسات الدينية أو المواكب الكبرى، بل تمتد إلى المدن والقرى والأسر والأفراد. كل شخص يستطيع أن يشارك بحسب إمكاناته؛ فمن لا يملك المال قد يقدم جهده، ومن لا يستطيع إنشاء موكب قد يقدم الماء، ومن لا يستطيع السير قد يساعد في النقل أو الإرشاد أو التنظيف.

وينشأ من مجموع هذه المبادرات نظام لا مركزي واسع، يعمل من دون أن تصدر كل تفاصيله عن مؤسسة واحدة. وقد وصفت دراسات مرتبطة بالزيارة هذا النمط بأنه نموذج للإدارة المجتمعية، تتكامل فيه المبادرات الفردية والجماعية ضمن مقصد مشترك، وتكتسب فيه الوحدات الصغيرة قدرة على التوسع والتكيف مع الأعداد المتزايدة.

لا يعني ذلك غياب الدولة أو عدم الحاجة إليها، بل يعني أن المجتمع يمتلك قدرات ذاتية ينبغي الاعتراف بها وتنظيمها وتطويرها. فالدولة الناجحة ليست التي تلغي المجتمع أو تستحوذ على جميع وظائفه، وإنما التي تفتح المجال أمام مبادراته، وتوفر لها القانون والبنية التحتية والحماية والتنسيق.

صورة من العالم الذي نريد أن نعيش فيه

تقدم زيارة الأربعين، خلال فترة محدودة، ملامح مجتمع يتمنى كثير من الناس استمرار قيمه طوال العام. ففيه يقدّم الإنسان أفضل ما لديه إلى الآخر، وتصبح الضيافة قاعدة عامة، ويتحول العطاء إلى مصدر للفرح، ويتراجع الشعور بالغربة، ويجد الفرد نفسه محاطاً بشبكة واسعة من الدعم.

ولهذا وصفت الزيارة بأنها شعيرة إيمانية ومدرسة أخلاقية وفعالية اجتماعية، ترسم بعض ملامح العالم الذي يحلم الإنسان بالعيش فيه؛ عالم تقوم العلاقات داخله على التعاون والانتماء والتكافل بدلاً من العزلة والصراع على المصالح.

غير أن أهمية هذه الصورة لا تكمن في تقديمها بوصفها عالماً مثالياً مكتملاً، وإنما بوصفها دليلاً عملياً على إمكانية إقامة علاقات اجتماعية مختلفة. فالناس الذين يعيشون طوال العام تحت ضغوط اقتصادية وسياسية واجتماعية كبيرة يستطيعون، خلال الزيارة، أن يعيدوا تنظيم علاقتهم ببعضهم على أساس مغاير.

وهذا يعني أن المشكلة ليست في عجز الإنسان المطلق عن التعاون، بل في البيئة التي تنظم سلوكه وتحدد أولوياته. فعندما تكون الغاية واضحة والقيمة مشتركة والثقة موجودة، يتحول المجتمع إلى قوة منظمة ومنتجة. أما عندما تتضخم المصالح الخاصة وتضعف العدالة، فإن القدرات نفسها قد تتجه نحو الصراع والانقسام.

ومن هنا تصبح زيارة الأربعين مختبراً اجتماعياً يكشف ما يستطيع الإنسان والمجتمع تحقيقه حين يتوافر لهما الدافع الأخلاقي. لكن نجاح التجربة المؤقتة لا يكفي، ما لم يتحول إلى سؤال إصلاحي: كيف يمكن تمديد هذه القيم إلى بقية أيام السنة؟

المفارقة بين قدرة المجتمع وتعثر الدولة

في مقابل الصورة المضيئة التي تقدمها المبادرات الشعبية، تظهر مفارقة واضحة في الواقع العراقي. فالمجتمع الذي يستطيع توفير الطعام والماء والإيواء والنقل والرعاية لملايين الزائرين، يعيش في دولة ما زالت قطاعات واسعة فيها تعاني ضعف الخدمات والبنية التحتية والبطالة والفقر والفساد الإداري.

وتبرز هذه المفارقة بصورة أكبر عندما نلاحظ أن كثيراً من المشاركين في تمويل المواكب وخدمة الزائرين هم مواطنون محدودو الدخل، يقدمون مما يملكون، في حين تضيع موارد عامة كبيرة بسبب سوء التخطيط والهدر والفساد.

وقد شهدت زيارة الأربعين نمواً كبيراً في أعداد المشاركين؛ إذ انتقلت، بحسب إحدى المواد، من نحو نصف مليون زائر في أواخر ستينيات القرن الماضي، ونحو مليون في أوائل السبعينيات، إلى ما يتجاوز عشرين مليوناً خلال السنوات الأخيرة. وهذا النمو يفرض تحديات متصاعدة على الطرق والنقل والمطارات والمنافذ الحدودية والمستشفيات والمياه والطاقة وإدارة النفايات.

لا يستطيع العمل الشعبي، مهما اتسع، أن يحل محل الدولة في هذه المجالات. فالموكب يستطيع تقديم وجبة أو مكان للاستراحة، لكنه لا يستطيع بناء شبكة سكك حديدية وطنية أو توسيع المطارات أو إصلاح شبكات الصرف الصحي أو إدارة المنافذ الحدودية.

ولذلك ينبغي ألا يتحول النجاح الشعبي إلى ذريعة لتراجع الدولة عن مسؤولياتها، بل يجب أن يكون حافزاً لها كي ترتقي إلى مستوى المجتمع الذي تخدمه. فإذا كان المواطن قادراً على البذل والتنظيم رغم محدودية إمكاناته، فإن المؤسسات التي تملك الموارد القانونية والمالية أولى بأن تكون أكثر قدرة على التخطيط والإنجاز.

من بناء مدن الزائرين إلى بناء بلد الزائرين

ظهرت خلال السنوات الماضية مشروعات لإنشاء مدن ومجمعات خاصة بالزائرين على الطرق المؤدية إلى كربلاء، بهدف توفير أماكن للإقامة والطعام والاستراحة والخدمات الصحية. وتمثل هذه المشروعات إضافة مهمة إلى البنية الخدمية، خصوصاً في مواسم الذروة التي تستقبل فيها كربلاء أعداداً هائلة خلال وقت قصير.

إلا أن بناء «بلد الزائرين» أولى وأهم من الاكتفاء ببناء «مدن الزائرين». فالمجمع الخدمي، مهما كان كبيراً ومتطوراً، يبقى جزءاً من شبكة وطنية أوسع يستخدمها الزائر منذ دخوله الحدود أو المطار، ومروره بالمدن والطرق، حتى وصوله إلى كربلاء وعودته منها.

فالزائر يحتاج إلى طريق آمن، ونقل عام منظم، ومطار قادر على استيعاب الأعداد، ومنافذ مرنة، ومستشفيات كفوءة، وشبكات ماء وكهرباء واتصالات، ونظام نظافة وإدارة نفايات، ومعلومات واضحة بلغات متعددة. وهذه الخدمات لا يمكن حصرها داخل مدينة مخصصة للزائرين.

والأهم من ذلك أن البنية التحتية التي تُبنى للزيارة يجب ألا تكون منفصلة عن حاجات المواطن. فالطريق الجيد يخدم الزائر، لكنه يخدم سكان المنطقة طوال العام. والمستشفى المتطور يعالج حالات الطوارئ أثناء الزيارة، لكنه يحمي حياة المواطنين في الأيام العادية. وتوسيع النقل العام يسهل حركة الملايين في الموسم، لكنه يقلل معاناة الناس في تنقلهم اليومي.

وبذلك تصبح زيارة الأربعين قوة دافعة للتنمية الوطنية، لا مناسبة تستهلك موازنات موسمية ثم تتوقف آثارها بعد انتهاء الزيارة. فالدولة التي تخطط جيداً تستطيع أن تجعل كل استثمار مرتبط بالزيارة جزءاً من مشروع أوسع لتحسين حياة الناس.

المواطن هو المضيف الأول

لا يمكن بناء بلد للزائرين من دون بناء حياة كريمة للمواطن الذي يستقبلهم. فالعراقي هو المضيف الأول، وهو الذي يفتح بيته وينفق من ماله ويشارك في المواكب ويعمل في النقل والتنظيف والعلاج والخدمات.

وإذا ظل هذا المواطن يعاني الفقر والبطالة وضعف الكهرباء والماء والصحة والتعليم، فإن قدرته على العطاء ستتعرض للاستنزاف. وقد تستمر الخدمة بدافع الإيمان والمحبة، لكن العدالة تقتضي ألا تتحول تضحية المجتمع إلى بديل دائم عن مسؤولية الدولة.

إن رعاية المواطن ليست قضية منفصلة عن خدمة الإمام الحسين عليه السلام وزائريه، لأن الإنسان هو الأساس الذي تقوم عليه الزيارة. وكل استثمار في تعليمه وصحته ودخله وأمنه ينعكس على قدرته على مواصلة الخدمة وعلى جودة ما يقدمه.

ومن هنا ينبغي توسيع مفهوم خدمة الزائر. فالخدمة لا تبدأ عند تقديم الطعام، بل تبدأ بإقامة دولة تحمي كرامة الإنسان، وتمنع الفساد، وتحافظ على المال العام، وتوفر فرص العمل، وتعالج الفقر، وتصون حقوق الأيتام والأرامل وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.

فلا يصح أن تبقى قيم الرحمة والإيثار محصورة في طريق الزيارة، بينما يعيش المحتاج بعيداً عنها من دون رعاية. ولا ينبغي أن تتحول الضيافة الموسمية إلى ستار يخفي أزمات اجتماعية تحتاج إلى سياسات مستمرة.

الزيارة ومشروع الدولة الأخلاقية

قد يبدو الانتقال من زيارة دينية إلى الحديث عن بناء الدولة انتقالاً بعيداً، لكنه في الواقع امتداد طبيعي للرسالة الإصلاحية التي تحملها نهضة الإمام الحسين عليه السلام. فالإصلاح لا يتعلق بسلوك الأفراد وحدهم، بل يشمل طبيعة السلطة وإدارة المال العام وحماية الحقوق وإقامة العدل.

الدولة الأخلاقية ليست دولة الوعظ والشعارات، وإنما الدولة التي تتحول فيها القيم إلى قوانين ومؤسسات وممارسات. فالعدل يظهر في تكافؤ الفرص، والأمانة تظهر في حماية المال العام، والرحمة تظهر في الرعاية الاجتماعية، واحترام الإنسان يظهر في جودة الخدمات وصيانة الحقوق.

ومن هذه الزاوية، يمكن لزيارة الأربعين أن تسهم في بناء الدولة من خلال ترسيخ مجموعة من المبادئ.

أولها أن القيادة الحقيقية خدمة وليست امتيازاً. ففي الزيارة يكتسب الإنسان مكانته بمقدار ما يقدمه، لا بمقدار ما يستحوذ عليه. وإذا انتقلت هذه الفكرة إلى الإدارة العامة، أصبح المسؤول خادماً للمواطن لا متسلطاً عليه.

وثانيها أن الموارد العامة أمانة. فالمواطن الذي يحرص على ألا يهدر طعام الموكب أو ماءه ينبغي أن يحمل الحرص نفسه تجاه المال العام، وأن يرى الاعتداء عليه اعتداءً على حقوق الفقراء والمواطنين والزائرين.

وثالثها أن العمل الجماعي يحتاج إلى الثقة والانضباط. فكما يتكامل دور الزائر وصاحب الموكب والمتطوع والجهات الأمنية والخدمية في إنجاح الزيارة، تحتاج الدولة إلى تكامل مؤسساتها بعيداً عن التنازع والفساد والمحاصصة.

ورابعها أن المواطن شريك في الإدارة. فقد أكدت دراسات الزيارة أن الزائر نفسه يساهم في نجاحها عندما يلتزم بالنظام ويحترم حقوق الآخرين ويتعاون مع الجهات الخدمية. وهذا المبدأ يمكن توسيعه إلى إدارة الدولة، بحيث لا يبقى المواطن متلقياً سلبياً، بل يصبح شريكاً في الرقابة والتخطيط وحماية المصلحة العامة.

من الطاقة الموسمية إلى المؤسسة الدائمة

المشكلة الأساسية ليست في غياب القيم أو ضعف الاستعداد للتطوع، وإنما في غياب الآليات التي تحفظ هذه الطاقة بعد انتهاء الموسم. فملايين ساعات العمل التطوعي، والخبرات المتراكمة في إدارة الحشود، وشبكات التواصل بين المواكب، والمبادرات الطبية والخدمية، تمثل ثروة اجتماعية كبيرة.

ويمكن تحويل هذه الثروة إلى مؤسسات دائمة من خلال إنشاء مراكز للبحث والتدريب في مجالات إدارة الحشود والعمل التطوعي والاستجابة للطوارئ، وتوثيق خبرات المواكب، وتطوير قواعد بيانات للمتطوعين، وتشجيع الجامعات على دراسة الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والإدارية للزيارة.

كما يمكن توسيع نشاط المواكب خلال العام، من دون أن تفقد هويتها الدينية، لتشارك في حملات التبرع بالدم، ورعاية الأيتام، ومساعدة الفقراء، وإغاثة المتضررين من الكوارث، وتنظيف المدن، ودعم التعليم والصحة.

بهذه الطريقة تتحول المواكب من مؤسسات موسمية لتقديم الطعام والإيواء إلى مدارس دائمة في المسؤولية الاجتماعية. وقد ذهبت دراسات مرتبطة بفكر المرجعية إلى أن الوظيفة التربوية للمواكب تتجاوز الخدمة المباشرة، لأنها تعلم الالتزام والتعاون واحترام الآخرين وحسن التنظيم، وتجعل العمل التطوعي جزءاً من بناء الشخصية والمجتمع.

حماية الزيارة من التوظيف السياسي والتجاري

كلما اتسع حجم زيارة الأربعين، ازدادت محاولات توظيفها سياسياً أو إعلامياً أو تجارياً. وقد تحاول جهات مختلفة تقديم الخدمات الحكومية الأساسية بوصفها مِنّة أو إنجازاً حزبياً، مع أن توفير الأمن والنقل والنظافة والصحة واجب من واجبات الدولة.

إن حماية الزيارة تقتضي الفصل الواضح بين خدمة الزائر والدعاية السياسية. فلا ينبغي أن تتحول المواكب إلى ساحات للتنافس الحزبي، أو أن تصبح صور المسؤولين وشعارات القوى السياسية أكثر حضوراً من رسالة الزيارة نفسها.

كما يجب الحذر من تسليع الزيارة وتحويلها إلى سوق تهيمن عليها المصالح التجارية. ولا يعني ذلك منع النشاط الاقتصادي الطبيعي، فوجود الزائرين يحرك قطاعات النقل والسكن والتجارة والخدمات. لكن المطلوب أن يبقى الاقتصاد خادماً للزيارة والإنسان، وألا تتحول حاجات الزائر إلى فرصة للاستغلال ورفع الأسعار والإضرار بالفئات الأضعف.

وتحتاج الزيارة كذلك إلى خطاب إعلامي مهني يقدمها إلى العالم بوصفها تجربة إنسانية واجتماعية، بعيداً عن المبالغة أو اللغة المغلقة التي لا يفهمها الآخرون. فالعالمية لا تتحقق بكثرة الزائرين الأجانب وحدها، بل بقدرة الخطاب على تفسير قيم الزيارة بلغة إنسانية مشتركة.

العراق الذي تكشفه زيارة الأربعين

تقدم زيارة الأربعين صورة مختلفة للعراق. فهي تكشف بلداً لا تختصر هويته في الحروب والصراعات والفساد، بل يمتلك مجتمعاً حياً قادراً على العطاء والتنظيم والتضامن واستقبال الملايين.

وهذه الصورة تمثل قوة معنوية للعراق، لكنها لا ينبغي أن تستخدم للتغطية على مشكلاته. فالقيمة الحقيقية للزيارة لا تكمن في تقديم صورة مثالية مؤقتة، وإنما في استثمارها لتغيير الواقع.

تكشف الزيارة أن المشكلة ليست في غياب القدرات البشرية. فالإنسان العراقي يبرهن على قدرته على المبادرة وتحمل المسؤولية والعمل تحت الضغط. وتكمن المشكلة بصورة أكبر في عدم وجود مؤسسات قادرة على استيعاب هذه القدرات وتوجيهها وحمايتها من الهدر.

ومن هنا يمكن القول إن زيارة الأربعين تقدم كل عام دليلاً على أن بناء العراق ممكن. فالمجتمع الذي ينظم هذا الحدث، ويستوعب ملايين البشر، ويقدم لهم الخدمات من دون مقابل، يستطيع أن يشارك في بناء دولة ناجحة متى ما توافرت له قيادة نزيهة وقانون عادل ومؤسسات كفوءة.

لكن هذا الانتقال لن يحدث تلقائياً. فالطاقة الأخلاقية قد تتبدد بعد انتهاء الموسم إذا لم تُترجم إلى وعي ومؤسسات. ولذلك تقع على النخب الدينية والثقافية والأكاديمية والسياسية مسؤولية تطوير خطاب الزيارة، بحيث لا يكتفي بالثناء على أعداد الزائرين والخدمات، بل يطرح الأسئلة المتعلقة بأثرها في حياة المجتمع والدولة.

من الطريق إلى كربلاء إلى طريق الإصلاح

لا ينبغي النظر إلى طريق الأربعين باعتباره طريقاً ينتهي عند الوصول إلى مرقد الإمام الحسين عليه السلام. فالوصول المكاني يمثل بداية لسؤال أكبر: ماذا يحمل الزائر معه حين يعود؟

إذا عاد الإنسان أكثر التزاماً بحقوق الآخرين، فقد حققت الزيارة جانباً من غايتها. وإذا عاد صاحب الموكب مصمماً على استمرار خدمة المحتاجين طوال العام، فقد انتقلت الزيارة من الموسم إلى المجتمع. وإذا دفعت المسؤول إلى حماية المال العام وإصلاح الخدمات، فقد أصبحت جزءاً من بناء الدولة.

أما إذا بقيت القيم محصورة في أيام محدودة، وعاد الناس بعدها إلى الأنانية والفساد والانقسام والتجاوز على الحقوق، فإن المجتمع يكون قد استفاد من بركات الزيارة، لكنه لم يحولها بعد إلى مشروع إصلاحي متكامل.

إن بناء الإنسان والمجتمع والدولة حلقات مترابطة. فلا يمكن بناء دولة عادلة بأفراد لا يحترمون الأمانة والحقوق، ولا يمكن مطالبة الفرد بالاستقامة داخل مؤسسات تشجعه على الفساد، ولا يمكن للمجتمع أن يحافظ على التضامن إذا كانت السياسات تنتج الفقر والتفاوت والانقسام.

ولذلك تبدأ عملية الإصلاح من الإنسان، لكنها لا تتوقف عنده. تنتقل إلى العلاقات الاجتماعية، ثم تتجسد في المؤسسات والقوانين والسياسات العامة.

الخاتمة: بناء العراق هو الخدمة الأوسع

تقدم زيارة الأربعين كل عام نموذجاً مصغراً للعراق الذي يمكن أن يكون: مجتمعاً متعاوناً، متراحماً، قادراً على تنظيم نفسه، يتسابق أفراده إلى العطاء، وتتراجع فيه الفوارق أمام قيمة الإنسان وكرامته.

لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الزيارة، حين يعود الناس إلى مدنهم وأعمالهم ومؤسساتهم. ففي تلك اللحظة يتحدد ما إذا كانت الأربعين ستبقى تجربة موسمية عظيمة، أم تتحول إلى مشروع دائم لبناء الإنسان والمجتمع والدولة.

إن أعظم وفاء لنهضة الإمام الحسين عليه السلام لا يتحقق في زيادة أعداد الزائرين وحدها، ولا في توسيع المواكب ومدن الاستراحة فقط، وإنما في بناء إنسان صادق وأمين ومسؤول، ومجتمع متكافل يحمي الضعفاء، ودولة عادلة تصون الحقوق وتحارب الفساد وتوفر الحياة الكريمة.

وبهذا المعنى لا يكون بناء بلد الزائرين مجرد مشروع لتسهيل الوصول إلى كربلاء، بل مشروعاً لبناء العراق كله؛ عراق يجد فيه المواطن كرامته، ويجد فيه الزائر الأمن والخدمة، وتجد فيه قيم الإصلاح والعدالة والرحمة طريقها من الشعارات إلى المؤسسات.

وعندما تصبح خدمة الإنسان وحماية حقوقه وإقامة العدل أساساً لإدارة الدولة، تكون زيارة الأربعين قد تجاوزت أثرها الموسمي، وتحولت إلى طاقة حضارية تسهم في صناعة المستقبل.

* المصادر: موقع الإمام الشيرازي، شبكة النبأ المعلوماتية


اضف تعليق