يناقش المقال مستقبل الاستقرار في العراق من خلال بناء دولة مستدامة تقوم على سيادة القانون، والعدالة، والتعددية، والتنمية الاقتصادية، والإصلاح التربوي، والسيادة المتوازنة. ويؤكد أهمية حصر السلاح بيد الدولة، وتنويع الاقتصاد، وتمكين الشباب، وتعزيز المجتمع المدني، وترسيخ اللاعنف والمواطنة، مع تبني سياسة خارجية متوازنة، وبناء مؤسسات قادرة على الصمود...
تمثل أزمة الاستقرار السياسي والاقتصادي في العراق واحدة من أكثر القضايا المزمنة تعقيدًا في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، فعلى مدى سنوات طويلة، ظل المفهوم السائد للاستقرار محصورًا في إطار إدارة الأزمات والتعامل مع النتائج دون معالجة المسببات الهيكلية، حيث تم التركيز بشكل مفرط على مقاربات الاحتواء الأمني والحلول المؤقتة التي غالبًا ما تدفع المشكلة إلى وقت لاحق.
غير أن التطورات المتسارعة أثبتت أن الرهان على الاستقرار الهش لا يمكن أن يصنع مستقبلًا آمنًا، وأن الانتقال السلس نحو الاستقرار الدائم يتطلب إعادة تعريف مفهوم الاستقرار نفسه، ليكون معرّفًا بقدرة الدولة على بناء مؤسسات مستدامة تخضع لسيادة القانون وتلبي تطلعات مواطنيها.
إن مقوم الدولة المستدامة ينسجم مع التكليف الحضاري والأخلاقي للإنسان في عمران الأرض وإقامة قسطها، كما ورد في محكم الكتاب الكريم: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرِكُمْ فِيهَا﴾، وهو ما يؤكد أن التنمية والبناء البشري هما الأصل في ديمومة المجتمعات، كما أن مقوم الدولة المستدامة لا يعني مجرد غياب مظاهر النزاع المسلح أو تحقق هدوء سياسي عابر، بل يتعداه إلى إقامة بنية مؤسسية وسياسية قادرة على امتصاص الصدمات الداخلية والخارجية، وتوليد الشرعية عبر تقديم الخدمات، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان المشاركة السياسية الشاملة.
ومن هذا المنطلق، فإن مستقبل العراق بات مرهونًا بالانتقال من نمط دولة إدارة المكونات إلى نموذج الدولة الوطنية المستدامة التي ترتكز على المواطنة الجامعة لكل أطيافها، والحكومة الرشيدة ذات القدرة على التنمية الشاملة ورفاهية مجتمعها.
ترسيخ العدالة وسيادة القانون
إن الخطوة الأولى والأساسية نحو بناء دولة مستدامة تكمن في التفكيك المنهجي لآليات الهشاشة المزمنة التي أضعفت قدرة المؤسسات العراقية على أداء وظائفها السيادية، وفي مقدمة هذه الآليات تأتي محاصصة السلطة التي أنتجت بؤرًا للنفوذ الفئوي داخل أجهزة الدولة، مما أدى إلى تراجع الكفاءة الإدارية وتفشي الفساد المالي والإداري. كما أن بناء الدولة الوطنية يقتضي إعادة الاعتبار لمفهوم الوظيفة العامة، وتحويل المؤسسات الحكومية من أداة للتوزيع التراكمي للغنائم إلى أجهزة كفؤة تعمل وفق أطر الحوكمة، والمساءلة، والشفافية، وتعتمد المعايير المهنية في إشغال المناصب القيادية والتنفيذية.
إلى جانب الإصلاح الإداري، تبرز مسألة احتكار الاستخدام المشروع للقوة كشرط بنيوي لا يقبل التجزئة لأي استقرار استراتيجي، ولا يمكن لسيادة القانون أن تتحقق في بيئة تتعدد فيها مراكز القرار الأمني أو تتداخل فيها التشكيلات غير الرسمية مع المؤسسات السيادية، فترسيخ مقومات الدولة المستدامة يستدعي المضي قدمًا في توحيد وصياغة العقيدة الأمنية والعسكرية تحت مظلة القيادة العامة للقوات المسلحة، وتطوير أجهزة إنفاذ القانون لتقديم أمن موجه لخدمة المواطن، وليس لخدمة السلطة.
هذا التكامل الأمني ينبغي أن يتوازى مع استقلالية كاملة للقضاء، باعتباره الملاذ الآمن الذي يضمن حماية الحقوق وحسم النزاعات، وهو ما جسده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر ببيان أن العدل هو المرتكز الأساس لاستقامة الحكم: "وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلَادِ، وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ".
كما تتطلب الحكامة الوطنية إعادة تنظيم العلاقة بين المركز والمحافظات وفق رؤية لامركزية إدارية واضحة المعالم. إن اللامركزية المخططة بأسلوب علمي تساهم في تقليل التوتر بين العاصمة والأقاليم، وتمنح الإدارات المحلية، المحافظات والأقاليم، الصلاحيات والقدرات المالية واللوجستية للنهوض بمسؤولياتها تجاه المجتمعات المحلية. وهذا التوازن المؤسسي بين السلطات الاتحادية والمحلية يخفف الضغط عن الحكومة المركزية، ويحجم منافذ الصراع على السلطة الاتحادية، ويشعر مختلف المكونات والمحافظات بأنها شريك حقيقي في إدارة شؤونها وتطوير أقاليمها.
الشورى والتعددية
يتطلب البناء المؤسسي للدولة المستدامة ترسيخ الشورى والتعددية السياسية كآلية عمل دائمة في إدارة الشأن العام، وتجنب إعادة إنتاج مناخات الاستبداد أو الانفراد بالقرار، وبالتالي العودة إلى العصور المظلمة. كما أن التعددية ليست مجرد إجراء انتخابي دوري ينتهي بغلق صناديق الاقتراع، بل هي فلسفة إدارة واعتراف أصيل بتنوع المجتمع وحقه في التعبير عن تطلعاته. وقد كرس القرآن الكريم مبدأ الشورى كركيزة للحكم والمجتمع الرشيد في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾، كما أن غياب آليات المشاركة الحقيقية يؤدي بالضرورة إلى الاحتقان الاجتماعي والانسداد السياسي، وهو ما يولد بيئة خصبة للاضطرابات.
إن حماية الحريات العامة والخاصة وضمان حرية التفكير والتعبير تعد الصلب الأخلاقي للسيادة الوطنية وبناء دولة الإنسان المتكاملة الأركان، ذلك لأن الإنسان الحر هو الوحيد القادر على الإبداع والبناء والتضحية من أجل وطنه، وكما ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في وصيته الخالدة: "لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّاً"، فإن حماية كرامة المواطن وحريته المشروعة تمثل خط الدفاع الأول ضد التوترات والنزاعات الداخلية، ومن هذا المنطلق، يجب أن تسعى مؤسسات الدولة إلى إرساء ضمانات تشريعية وقضائية كافية تحمي المجتمع من التضييق، وتفتح المجال أمام الحوار الوطني المستمر بين مختلف القوى السياسية والفكرية.
إن تحويل الشورى إلى واقع عملي ومؤسساتي وتعزيز دور المجالس التمثيلية المباشرة يسهمان في تحويل الخلافات السياسية من مواجهات في الشارع إلى سجالات فكرية وقانونية تحت قبة المؤسسات، حيث يُعرّف الاستقرار بقدرة النظام السياسي على التكيف مع المطالب الشعبية والاستجابة للمتغيرات دون الحاجة إلى هزات أمنية أو سياسية.
من الريع إلى التنمية
لا يمكن فصل الاستقرار السياسي والعسكري عن واقع الاقتصاد والرفاه الاجتماعي، إذ إن الاستقرار البنيوي يظل مهددًا ما لم يستند إلى قاعدة اقتصادية متينة ومستدامة، إذ يعاني العراق من هشاشة هيكلية تتجلى في اعتماده المفرط على الريع النفطي، مما يجعل الدولة وميزانيتها السنوية ومستويات معيشة مواطنيها تحت رحمة تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
إن الانتقال نحو الدولة المستدامة يتطلب إحداث تحول قطاعي جذري في هيكل الاقتصاد الوطني، عبر إعادة إحياء القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة، وتحديث قطاع الخدمات، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تشكل المحرك الأساسي لخلق فرص العمل.
ويتجلى المفهوم الإسلامي للرعاية الاقتصادية في تركيزه على التنمية الإنتاجية وإعمار الأرض كأولوية بدلًا من التركيز على الجباية وتحصيل الإيرادات المالية عبر الضرائب، وقد أوضح أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه الرؤية الاستراتيجية في عهده لمالك الأشتر حين قال: "وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ". هذه القاعدة تؤسس لضرورة إعطاء الأولوية للاستثمار في البنية التحتية والمشروعات الاستراتيجية التي تزيد من القدرة الإنتاجية للمجتمع بدلًا من تحميل القطاعات المختلفة والمواطنين أعباء مالية غير منتجة.
كما لا ننسى أن الشريحة الشبابية الواسعة في العراق تمثل إما فرصة ديمغرافية هائلة لنهضة تنموية أو بيئة خصبة للاحتجاجات والاستقطاب الحاد في حال استمرار غياب الآفاق الاقتصادية. ولتحويل هذه القوة البشرية إلى محرك للبناء، يتوجب على الدولة ربط مخرجات التعليم العالي والمهني، بصورة عملية لا نظرية، باحتياجات سوق العمل الحديث، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي عبر تحسين بيئة الأعمال وتحديث القوانين التجارية والإجرائية. إضافة إلى أن تطوير صندوق سيادي للاستثمار والتنمية يعتمد على جزء من العوائد النفطية، سيوفر غطاءً ماليًا حاميًا للأجيال القادمة ويضمن تمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد الوطني.
بين الفرد والدولة
إن بناء الدولة المستدامة ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل هو عملية مجتمعية شاملة تشترك فيها القوى الفكرية، والأكاديمية، ومؤسسات المجتمع المدني، ويضطلع الفكر الاستراتيجي والمراكز البحثية بمسؤولية جليلة تتمثل في تقديم القراءات الموضوعية والحلول العملية لصناع القرار، بعيدًا عن السجالات السياسية الضيقة.
إن ترسيخ ثقافة "اللاعنف" و"التعددية السياسية" كخيار استراتيجي لإدارة الخلافات يمثل الركيزة الثقافية التي تحمي المجتمع من الارتداد نحو صراعات الهوية أو السلاح، وينسجم منهج السلم واللاعنف مع التوجيه القرآني الصريح: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، مع النهي الأكيد عن العبث بالأمن والسلم الاجتماعي.
تستمد المجتمعات قوتها وتماسكها من قدرة مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والروابط المهنية على العمل كجسور للتواصل بين الفرد والدولة، كما أن تمكين هذه المؤسسات وضمان استقلاليتها يوفر قنوات مدنية وسليمة للتعبير عن المطالب المشروعة، ويحد من احتقان الشارع عند وقوع الأزمات. إضافة إلى أن للإعلام الوطني الواعي دورًا مفصليًا في بناء الوعي الاستراتيجي وتفكيك خطاب الكراهية والتحريض، واستبداله بخطاب يركز على المشتركات الوطنية والتنمية والعدالة وسيادة القانون.
ولا ننسى العدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية الحقيقية اللتين تعدان المدخل الأساسي لطي صفحات الماضي وبناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد، فالمصالحة الوطنية لا ينبغي أن تختزل في تسويات بين النخب السياسية، بل يجب أن تمتد لتشمل معالجة الآثار النفسية والاجتماعية للنزاعات السابقة، وإنصاف الضحايا، وتعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي في المناهج التعليمية والأنشطة الثقافية التي تدعم الدولة الوطنية بظهير مجتمعي يدرك أن الاستقرار هو مصلحة عليا لكل الفئات، وأن حماية المؤسسات هي الضمانة الوحيدة لحماية الحقوق والحريات.
المنظومة التربوية والأخلاقية
إن البناء المؤسسي والاقتصادي لا يمكن أن يستقيم في دولة ما لم يسنده بناء تربوي وأخلاقي متين يصنع الإنسان الواعي والمواطن المسالم والمجتمع المتماسك، فالفساد المالي والإداري وغياب سيادة القانون ليسا سوى عوارض ظاهرية لضعف الرادع الأخلاقي وتراجع القيم الإنسانية الحاكمة للممارسة العامة، فالتغيير الحقيقي والمستدام يبدأ من داخل النفس البشرية والمؤسسة الأسرية والتعليمية، كما يؤكد القرآن الكريم ذلك بالقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾، فالأخلاق العامة ليست ترفًا أو خيارًا هامشيًا، بل هي الرصيد المعنوي الأول الذي يمنح القوانين والمؤسسات روحها وقيمتها الفاعلة.
وحيث ترتكز المنظومة القيمية للإسلام، وفق منظور أهل البيت الكرام (عليهم السلام)، على بناء النزاهة والمسؤولية الاجتماعية قبل صياغة القوانين الملزمة، وفي هذا المعنى يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ"، وهو ما يدل على أن غاية الإصلاح السياسي والاجتماعي هي الوصول بالمجتمع إلى أعلى مستويات النزاهة والفضيلة.
ولتحقيق ذلك ينبغي على النخب والمؤسسات التربوية خلق القدوة الحسنة والسلوك الأخلاقي المنضبط استنادًا إلى حكمة أمير المؤمنين (عليه السلام): "مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ"، إذ إن المناهج التعليمية والمؤسسات التربوية مطالبة بتجاوز التلقين الشكلي إلى العملي في غرس القيم الأخلاقية القائمة على احترام الآخر، والأمانة، وإتقان العمل، ونبذ التعصب والمحاصصة والانتهازية.
إن إصلاح القطاع التربوي والتعليمي يشكل خط الدفاع الأول لحماية الشباب من الاختراق الفكري والانزلاق نحو التطرف أو الإحباط والعدوانية، فالتعليم الواعي هو الذي يربي على ثقافة الحوار والتفكير النقدي، ويعرّف المواطنة بوصفها التزامًا أخلاقيًا بمسؤولية البناء والخدمة العامة، وليس منصة لتحقيق المصالح الفردية أو الضيقة. كما أن تحصين المنظومة الأخلاقية للجيل الجديد يضمن تجفيف المنابع الثقافية للفساد، ويؤشر لبداية مرحلة استقرار حقيقي يستند إلى مجتمع متماسك أخلاقيًا وتربويًا.
السيادة والاستقرار الإقليمي
يتصل الاستقرار الداخلي للعراق ارتباطًا وثيقًا ببيئته الإقليمية والدولية، فترسيخ سيادة الدولة يستدعي تبني سياسة خارجية متوازنة تقوم على مبدأ حسن الجوار والمصالح المشتركة، ورفض جعل الساحة الوطنية مقرًا أو ممرًا للاعتداءات أو تحويلها إلى ميدان لتصفية حسابات المحاور الإقليمية والدولية. والدبلوماسية العراقية، إذا قامت على تقريب وجهات النظر والوساطة البناءة، تعزز موقع العراق كعنصر استقرار في المنطقة بدلًا من كونه مصدر قلق أو مسرحًا للتجاذبات.
وتتطلب السيادة الوطنية المكتملة بناء أطر علاقات قائمة على الندية والاستقلالية في اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي، والانفتاح المتوازن على المحيط الإقليمي والدولي وتطوير الشراكات الاستثمارية والتنموية يضمنان توزيع الفرص والمصالح، مما يحمي البلاد من الوقوع تحت نفوذ القوى المنفردة أو الارتهان للضغوطات الخارجية.
إن التكامل بين السيادة المتوازنة، والبناء المؤسسي الداخلي، والتماسك الأخلاقي والمجتمعي يمنح العراق قدرة أعلى على الصمود في وجه التحولات الإقليمية والدولية، ويحول دون تفاقم الأزمات المركبة التي قد تعصف بالاستقرار الداخلي في حال إهمالها. وهذا الأفق الشامل يتطلب إدارة متكاملة تجمع بين القوة المؤسسية، والوعي التربوي، والحضور الدبلوماسي الواعي.
التوصيات
بناءً على المعطيات السابقة للواقع العراقي ومقتضيات الانتقال نحو نموذج الدولة المستدامة، يمكن طرح مجموعة من التوصيات العملية التي تناسب المحاور التالية:
أولًا/ تكامل المنظومة الأمنية وسيادة القانون من خلال استكمال حصر السلاح بيد المؤسسات السيادية، وتطوير قدرات أجهزة الشرطة المدنية لإدارة الأمن الداخلي، وإبعاد الأجهزة العسكرية والأمنية عن التنافس السياسي والأنشطة الاقتصادية.
ثانيًا/ مأسسة الشورى وحماية الحريات عبر إيجاد آليات تشريعية تضمن مشاركة النخب الأكاديمية والمجتمعية في صياغة القوانين والقرارات المصيرية، مع إقرار قوانين تحمي حرية التعبير والتفكير وتمنع التضييق على العمل السياسي والمدني السلمي.
ثالثًا/ إقرار قوانين حديثة للاستثمار وتنشيط القطاع الإنتاجي وإصلاح البيئة التشريعية والمصرفية لتسهيل القروض للمشاريع التنموية، وتوفير ضمانات للمستثمرين لتشجيع الاستثمار في مجالات الصناعة، والزراعة، والطاقة المتجددة، استنادًا إلى مبدأ تقديم العمارة على الجباية.
رابعًا/ إنشاء صندوق استثماري للأجيال القادمة من خلال اقتطاع نسبة ثابتة من الواردات النفطية للتمويل المستدام لمشاريع البنية التحتية الكبرى، ومواجهة الأزمات، والتخفيف من الاعتماد الكلي على الأسواق النفطية.
خامسًا/ تحديث المنظومة التربوية والنهوض الأخلاقي باستحداث صياغة استراتيجية تربوية وطنية شاملة تركز على غرس القيم الأخلاقية، والنزاهة، والمواطنة الجامعة، وتحديث المناهج التعليمية لتجاوز التلقين نحو التفكير النقدي وتنمية ثقافة الحوار ونبذ التطرف والفساد.
سادسًا/ تبني سياسة خارجية متوازنة ومستقلة، وتعزيز موقع العراق كجسر للتواصل والوساطة الإقليمية، والنأي بالنفس عن سياسة المحاور المتصارعة، وبناء العلاقات الدولية على أساس المصالح التنموية والاقتصادية المتبادلة.
سابعًا/ ترسيخ ثقافة اللاعنف والسلم المجتمعي وإدراج قيم التسامح، واللاعنف، والتعددية في المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي والديني، ودعم مبادرات المصالحة المجتمعية المعنية بإنصاف الضحايا وإعادة إعمار المناطق المتضررة.
ثامنًا/ تمكين مراكز البحوث والمجتمع المدني عبر إيجاد أطر التنظيم المؤسسي التي تشرك المراكز البحثية والمؤسسات المدنية في جلسات الاستماع البرلمانية وصياغة السياسات العامة، لضمان استناد القرارات إلى دراسات علمية وعملية ذات عمق استراتيجي.
تاسعًا/ تطوير رأس المال البشري وتمكين الشباب من خلال تحديث منظومة التعليم العالي والمهني لتلائم متطلبات الاقتصاد الحديث، وإطلاق برنامج وطني لرعاية الابتكار وتأهيل القيادات الشبابية لتولي مسؤوليات الإدارة والتنمية.



اضف تعليق