يربط المقال بناء السلم المجتمعي بحصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز سيادة القانون، والانتقال من منطق الإكراه إلى الحوار والشورى والتعددية. ويعرض آثار السلاح غير المنضبط في السياسة والاقتصاد والتعليم والخدمات والعلاقات الاجتماعية، ويقترح معالجة شاملة تقوم على إصلاح المؤسسات، واستقلال القضاء، وتمكين المجتمع المدني، ودعم التنمية، وترسيخ المواطنة المتساوية...

تُعدُّ إشكالية انتشار السلاح خارج الأطر الرسمية وعسكرة الفضاء العام في دول الشرق الأوسط إحدى أعقد العقبات الهيكلية التي تعطل بناء الدولة الحديثة وترسيخ السلم الأهلي. إنَّ تحوّل القوة المسلحة من أداة حصرية بيد المؤسسة الأمنية والعسكرية التابعة للدولة إلى مظاهر تتوزع بين قوى ومجموعات موازية يؤدي، بالضرورة، إلى إضعاف العقد الاجتماعي، وتفتيت الهوية الوطنية الجامعة، واستبدال منطق المؤسسات بمنطق الغلبة والإكراه، وتصاعد وتيرة العنف داخل المجتمع.

تُظهر التجارب التاريخية والسياسية في المنطقة أن الاعتماد على لغة القوة كوسيلة لفرض الأمر الواقع أو حسم الخلافات الفكرية والسياسية لم يُفضِ يومًا إلى استقرار حقيقي، بل تسبب، على الدوام، في إعادة إنتاج الأزمات وتعميق حالة الفوضى. ومن هذا المنظور تبرز الحاجة الملحة للانتقال الاستراتيجي من «قوة السلاح»، بآثارها التدميرية على الدولة والمجتمع، إلى «قوة الحوار» باعتبارها المنهج الحضاري والمؤسسي الوحيد القادر على إنتاج الاستقرار المستدام، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتحفيز التنمية والازدهار والتطور.

البيئة الحاضنة للعسكرة

إن ظاهرة انتشار السلاح وتراجع سلطة القانون في الفضاء المجتمعي لم تكن وليدة المصادفة، بل نتاج تراكمات سياسية واجتماعية شهدتها المنطقة، ويمكن تحديد أبرز دوافعها في النقاط التالية:

1. تراجع فاعلية المؤسسات المركزية: أدى عجز الدولة في بعض المراحل الانتقالية عن فرض الأمن وتطبيق العدالة الحقيقية إلى دفع الأفراد والجماعات نحو البحث عن وسائل حماية بديلة، مما غذّى ظاهرة التسلح العشائري والفئوي.

2. انسداد منافذ الشراكة السياسية: عندما تتراجع التعددية وتُغلق أبواب الحوار بين المكونات الوطنية، ينشأ انطباع خاطئ بأن امتلاك أدوات القوة هو السبيل الوحيد لإثبات الوجود السياسي أو انتزاع الحقوق.

3. الاستقطابات الإقليمية وديناميات النزاع: أسهمت الصراعات الممتدة والتدخلات الخارجية في تدفق السلاح إلى الفضاءات المجتمعية، مما حوّل بعض المناطق إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية على حساب أمن المواطن.

4. انحسار ثقافة المواطنة المتساوية: أدى ضعف ترسيخ مفهوم المواطنة لصالح الهويات الفرعية إلى تحوّل السلاح إلى أداة لتعزيز النفوذ الاجتماعي وتكريس المحاصصة داخل بنية الدولة.

التأثيرات المتسلسلة للسلاح

إن التبعات الناجمة عن وجود السلاح خارج إطار المؤسسة الرسمية لا تقف عند حدود المشهد السياسي أو الأمني، بل تمتد لتلقي بظلالها الثقيلة على كافة المقومات الحيوية للتنمية والمجتمع.

إذ يمثل الانفلات الأمني وانتشار السلاح العائق الأساسي أمام حركة التنمية الشاملة؛ فرأس المال يتطلب بيئة آمنة ومستقرة، ويؤدي وجود مراكز نفوذ مسلحة خارج نطاق القانون إلى فرار رؤوس الأموال الوطنية، وتحجيم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتفشي ظاهرة الابتزاز الاقتصادي وفرض الإتاوات على المشاريع التجارية والصناعية. كما يتسبب ذلك في استنزاف الموازنات العامة للدولة بتوجيهها نحو الإنفاق التكتيكي على الحلول الأمنية بدلًا من الاستثمار في المشروعات الإنتاجية والخدمية.

كما يتسبب تفشي مظاهر التسلح في الفضاء العام في ضرب المنظومة التربوية في عمقها التنموي، حيث تتراجع مكانة العلم والمعرفة لصالح ثقافة القوة والنفوذ البديل، وينعكس ذلك في تسرب مظاهر التوتر والعنف إلى المؤسسات التعليمية والجامعية، مما يهدد بيئة البحث العلمي والاستقرار الأكاديمي، فضلًا عن تسببه في هجرة الكفاءات العلمية والعقول الأكاديمية والطبية بحثًا عن بيئات آمنة تستوعب طاقاتهم.

إضافة إلى ما تقدم، تتأثر القطاعات الخدمية الحيوية، مثل الصحة والكهرباء والمياه ومشاريع الطرق، بشكل مباشر بالاضطراب الأمني، إذ يُعاق عمل الكوادر الهندسية والخدمية، وتتوقف الشركات المنفذة للمشاريع بسبب التهديدات الأمنية والابتزاز. كما يؤدي هذا الواقع إلى حرمان المواطن من أبسط حقوقه الخدمية، وتراجع قدرة الأجهزة الرسمية على التوزيع العادل للمشاريع التنموية بسبب ضغوط القوى النافذة بالسلاح.

ويعمل السلاح غير المنضبط على تفكيك الروابط الوطنية وإحلال القانون العرفي أو منطق القوة محل العدالة القضائية والمؤسسات القانونية، إذ يترتب على ذلك ارتفاع معدلات الجريمة المنظمة، وتأجيج النزاعات المسلحة الفئوية، وسيادة الخوف والاضطراب النفسي المجتمعي، مما يضعف قيم التسامح والتضامن الإنساني لصالح الانقسام والفرز المجتمعي.

كما تتأثر السياسة الخارجية وموقع الدولة الإقليمي سلبًا بتعدد مراكز القوة داخلها، إذ تصبح حدود الدولة مصدرًا للقلق الأمني للدول المجاورة، مما يعطل حركة التبادل التجاري والمشاريع الاقتصادية المتبادلة. كما يضعف ذلك موقف الدبلوماسية الرسمية، ويمنع الشراكات الاستراتيجية التكاملية التي تحتاجها دول الشرق الأوسط لتعزيز أمنها الاقتصادي المتبادل.

حصر السلاح وسيادة القانون

تتفق التشريعات الإسلامية مع الفكر السياسي العقلاني على أن حماية المجتمع وضمان استقراره يستوجبان وجود سلطة قانونية واحدة تمتلك حصريًا أدوات إنفاذ القانون، لمنع الفوضى وحفظ حقوق الأفراد.

فقد جاءت التشريعات القرآنية لترسخ مفهوم السلم كأصل ثابت في إدارة المجتمعات، محذرة من خطورة الانفلات الأمني الذي يعم ضرره الجميع دون استثناء. يقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

وفي الفكر السياسي لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، نجد تأصيلًا دقيقًا لضرورة وجود السلطة الجامعة التي تحتكر إدارة الشأن العام وتمنع التغالب المسلح بين الأفراد والجماعات. ففي «نهج البلاغة»، يوضح الإمام علي (عليه السلام) أهمية التنظيم السياسي والمؤسسي لحفظ الاستقرار وتأمين السبل، عندما أجاب أحدَ الخوارج بشأن السلطة الشرعية لأمير المؤمنين (عليه السلام)، بعد أن رفعوا شعار «لا حكم إلا لله»، حيث أوضح (عليه السلام) أنها كلمة حق يُراد بها باطل، ثم أجابه بقوله: «لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الأَجَلَ، وَتُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ».

إن هذا النص يضع القاعدة المفهومية الحاكمة، التي مدارها أنه لا يمكن حماية الضعيف، ولا تأمين الطرق، ولا تنظيم الموارد التنموية، ولا حماية الحدود إلا بوجود أداة تنفيذية واحدة ممثلة بالدولة الشرعية، وهو ما يرفض ضمنًا وجود أي سلاح موازٍ ينازع الدولة في مهامها الأمنية.

وقد تلاقت هذه الأصول مع المنهج الفكري والسياسي للمرجع الراحل الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، الذي كرّس أطروحاته لتأصيل مفاهيم اللاعنف والشورى والتعددية السلمية، داعيًا إلى تفكيك ثقافة العسكرة والإكراه.

وتتضح معالم الرؤية الاستراتيجية في هذا الفكر الرصين من خلال أبعاد أساسية:

أولًا/ تقديم الشورى على منطق الإكراه: ينطلق الفكر الشيرازي من أن إدارة المجتمعات يجب أن تتأسس على إرادة الأمة عبر الشورى والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، مشددًا على أن احتكار السلطة والاعتماد على أدوات القوة هما المولد الأساسي للأزمات والنزاعات.

ثانيًا/ البناء المؤسسي والتمكين المدني: يرى هذا المنظور أن قوة الشعوب لا تُقاس بحجم التسلح في الفضاء الاجتماعي، بل بنمو مؤسساتها المدنية، واستقلالية جمعياتها، ونضج وعيها الثقافي والاجتماعي القائم على التفاهم.

ثالثًا / رفض الوسائل القسرية في الإصلاح: يقرر المنهج الشيرازي أن الوسيلة العنيفة تفرض نتائج تشبهها؛ فاللجوء إلى أدوات الإكراه لإدارة الأزمات لا ينتج إلا استبدادًا جديدًا أو فوضى عارمة، بينما يشكل الحوار والتوافق السلمي المسار الوحيد لصيانة الكرامة الإنسانية وبناء الاستقرار الداخلي.

التداول السلمي للسلطة

إن خطورة انتشار السلاح لا تتوقف عند حدود التهديد الأمني المباشر، بل تتعداه لتشكل عائقًا هيكليًا أمام تطوير الحياة السياسية في دول الشرق الأوسط، ويمكن إبراز هذا التعطيل من خلال تأثير القوة على الإرادة الانتخابية؛ فعندما تمتلك بعض القوى السلاح، يتحول العمل الانتخابي من منافسة برامجية إلى عملية خاضعة للتأثير القسري والتخويف الضمني، مما يفرغ العملية الديمقراطية من جوهرها المتمثل في حرية الاختيار.

كما أن نفوذ القوة المسلحة يؤدي إلى إزاحة النخب والكفاءات المدنية، وتهميش الكفاءات النخبوية والأكاديمية والتكنوقراط لصالح الكيانات المعتمدة على السلاح، مما يضعف قدرة البرلمانات والحكومات على التخطيط الاستراتيجي وإدارة مؤسسات الدولة بمهنية. كما يمنع السلاح غير المنضبط استقرار التوافقات السياسية، إذ تصبح نتائج صندوق الاقتراع والتفاهمات القانونية عرضة للتعطيل أو الضغط تحت تهديد استخدام القوة.

مرتكزات الانتقال

يتطلب الانتقال من بيئة العسكرة إلى بيئة القانون اعتماد استراتيجية شمولية تجعل من الحوار آلية مؤسسية دائمة لإدارة التنوع السياسي والمذهبي والقومي في المنطقة، تقوم على:

1. تثبيت مبدأ المواطنة المتساوية: من خلال اعتماد المواطنة معيارًا دستوريًا وحيدًا للحقوق والواجبات، دون تفضيل بناءً على الانتماء الفئوي أو الحزبي أو القومي.

2. مأسسة الشورى والتعددية: وفتح المجال أمام كافة القوى الوطنية للتعبير عن آرائها وممارسة نشاطها عبر القنوات السلمية والأطر الدستورية الرسمية.

3. استقلالية الجهاز القضائي: من خلال بناء قضاء قوي وناجز، قادر على حماية الأفراد وفض النزاعات دون تأثر بضغوط القوى النافذة خارج نطاق الدولة.

4. دعم وتمكين المجتمع المدني: عبر تعزيز دور النقابات والجمعيات الأهلية والمؤسسات الثقافية لتمارس دورها كحلقة وصل سلمية بين المواطن والدولة.

التوصيات

لتطبيق هذه الرؤية على أرض الواقع في مجتمعات الشرق الأوسط، يمكن التوصية بتبني حزمة من الإجراءات التشريعية والاقتصادية والثقافية المترابطة:

أولًا / المجال التشريعي والأمني:

1. تفعيل القوانين الحاصرة لامتلاك السلاح: عبر تطبيق النصوص التشريعية التي تحصر حيازة واستخدام السلاح المتوسط والثقيل بالمؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية المعتمدة فقط.

2. تحديث القطاع الأمني على أسس مهنية: من خلال بناء الأجهزة الأمنية وفق معايير الكفاءة الوطنية الجامعة، وتجريدها من أي استقطابات حيوية أو فئوية.

3. تنفيذ برامج حظر واستلام السلاح: عبر وضع خطط وطنية منظمة لشراء أو استلام السلاح غير المنضبط، وفق جدول زمني محدد وآليات تعويضية أو دمجية مدروسة تؤمّن بدائل مدنية حقيقية.

ثانيًا/ المجال الاقتصادي والتنموي:

1. إعادة توجيه الموارد نحو التنمية: والتركيز على توجيه الإنفاق الحكومي للقطاعات التعليمية والصحية، وتطوير البنية التحتية الجاذبة للاستثمارات الوطنية والأجنبية.

2. معالجة التهميش والفقر: وإطلاق مشاريع تنموية استراتيجية في المناطق الأقل نموًا لتجفيف البيئات الاجتماعية التي تُستغل في تجنيد الشباب ضمن الأطر المسلحة.

3. دعم المبادرات والتمكين الاقتصادي: عبر توفير القروض الميسرة وتسهيل الاستثمار في القطاع الخاص لاستيعاب الطاقات الشبابية وتوجيهها نحو الإنتاج والعمل المدني.

ثالثًا/ المجال الثقافي والتربوي:

1. تطوير المناهج التعليمية: وتنقية المقررات الدراسية من أي مفاهيم تمجد القوة العنيفة أو الإقصاء، وغرس قيم التسامح والحوار وسيادة القانون.

2. ترشيد الخطاب الإعلامي: ومنع استخدام المنصات الإعلامية للتحريض الفئوي أو تبرير حمل السلاح خارج نطاق المؤسسات الرسمية للدولة.

3. نشر ثقافة السلم والشورى: من خلال إبراز النصوص الدينية وما ورد فيها من رؤى تجديدية داعية إلى حفظ النفوس، وإشاعة السلم، وتغليب لغة الحوار والمنطق على لغة القوة والإكراه.

الخلاصة

إن دول الشرق الأوسط، بمقوماتها البشرية والاقتصادية والحضارية، تقف اليوم أمام خيار مفصلي بين الاستمرار في نمط العسكرة وتشتت مراكز القوة وما ينتج عنه من فقر وتراجع تنموي، وبين الشروع الشجاع في الانتقال نحو «قوة الحوار» وبناء دولة المؤسسات وسيادة القانون.

إن حصر السلاح بيد الدولة ليس خيارًا أمنيًا مجردًا، بل هو قرار استراتيجي لبناء الحاضر والمستقبل، فهو المدخل الأساسي لصيانة الكرامة الإنسانية، وحماية الاقتصاد، وتوفير الأمل للأجيال القادمة.

إن تغليب الحوار والشورى واحترام العدالة هو المسار الوحيد الذي يضمن تحويل المجتمعات من بؤر للاضطراب إلى مراكز للتنمية والسلام المجتمعي المستدام.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

اضف تعليق