يناقش المقال فلسفة اللاعنف بوصفها منهجًا لإدارة الدولة وبناء الاستقرار في الدول النامية، ويربطها بالعدالة الاجتماعية وسيادة القانون والمشاركة والشورى. ويعرض التأصيل الديني للفكرة ورؤية الإمام الشيرازي التي تجعل الرفق أساسًا للعلاقة بين السلطة والمجتمع، مع الدعوة إلى إصلاح العقيدة الأمنية والسياسات الاقتصادية والتعليمية والإعلامية، وتوسيع المشاركة المدنية...

تتعدى فلسفة اللاعنف كونها سلوكًا أخلاقيًا مجردًا أو خيارًا ينبع من العجز عن استخدام القوة إلى ميدان أوسع، لتشكل خيارًا استراتيجيًا متكاملًا في إدارة الدولة وتنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع، حيث يمثل اللاعنف منهجية عملية تهدف إلى بناء بيئة سياسية واجتماعية قائمة على الرضا والتوافق والقبول بدلًا من الإكراه والبطش والرفض.

وبالتأكيد، فإن تبني نظام قائم على مبدأ اللاعنف في بيئات الدول النامية يسهم بشكل فعال في بناء شرعية مؤسسية صلبة تعتمد على المنجز التنموي وحماية الحقوق وصيانة الكرامة الإنسانية، مما يضمن استقرارًا مستدامًا في بنية النظام يتجاوز الاستقرار الظاهري الذي تفرضه أجهزة القمع واستبداد الحكام.

تعاني العديد من المجتمعات النامية من مظاهر العنف المؤسساتي، وهو العنف غير المباشر المتمثل في سوء توزيع الثروات، وتهميش الفئات الضعيفة، وانغلاق قنوات المشاركة السياسية. طبعًا، يؤدي استمرار هذا النوع من العنف المؤسسي إلى خلق حالة من الاحتقان المجتمعي التي تترجم -في كثير من الأحيان- إلى اضطرابات وسلوكيات عنيفة مضادة.

إن معالجة العنف تتطلب الذهاب إلى جذوره الهيكلية عبر إعادة بناء السياسات العامة لتكون أكثر عدالة وشمولًا، بدلًا من الاكتفاء بالحلول الأمنية القمعية التي تزيد من تفاقم الأزمة وتوسع الفجوة بين الشعوب ومؤسساتها الحاكمة.

لذلك، فإن الدولة الناجحة تعول، في ترسيخ سلطتها، على مزيج من الكفاءة الإدارية والقوة الناعمة التي تعزز انتماء المواطن لمؤسسات الحكم، وقد يساعد التوافق المجتمعي القائم على الحوار المفتوح وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني في خفض تكلفة إدارة الدولة وتوجيه الموارد الاقتصادية نحو التنمية بدلًا من إنفاقها على أجهزة الضبط القسري، وبالتالي فإن تحويل مؤسسات الدولة إلى منصات لخدمة المواطن وإدارة التنوع يضمن حماية الاستقرار السياسي من الهزات المفاجئة.

التأصيل الديني للاعنف

تتأسس مرجعية السلم واللاعنف في الفكر الإسلامي على نصوص قرآنية محكمة تجعل من الرفق والتعايش أصلًا ثابتًا في العلاقات البشرية، بينما تجعل الإكراه والعنف والقسوة أمرًا شاذًا خارج السياق الطبيعي للفطرة الإنسانية.

وقد نص القرآن الكريم على وجوب الدخول في السلم واجتناب أسباب الشقاق والتفرقة التي تؤدي إلى العنف في نهاية المطاف، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، كما يحدد القرآن منهج الدعوة والإصلاح عبر الحكمة والكلمة الطيبة في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وتكتمل هذه المنظومة القائمة على مبدأ اللاعنف بالدعوة إلى دفع الإساءة بالإحسان لتفكيك الخصومات وتحويل الأعداء إلى حلفاء في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.

وتؤكد المرويات المنقولة عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) أن الرفق واللاعنف يمثلان النهج الإلهي الأسمى في إدارة الإنسانية، فعن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) قوله: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف».

وفي سياق إدارة الخلافات السياسية والاجتماعية، يضع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قاعدة علمية في قوله: «الرفق يفل حد المخالفة»، حيث يبين أن استخدام الرفق واللين يمتلك القدرة على تفكيك الخلافات وسحب الذرائع من المعارضين بفاعلية أكبر من المواجهة القمعية.

كما يحدد الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) العلاقة بين الرفق والازدهار المرافق له، وبين العنف والخراب المصاحب له، نقلًا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إن الرفق يمن، والخرق شؤم»، حيث يرتبط الرفق بتحقيق البركة والازدهار، بينما يؤدي العنف والخرق إلى الخراب والانهيار المجتمعي.

رؤية الشيرازي حول اللاعنف

يقدم الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) رؤية متعددة الأبعاد (فقهية، وسياسية، واجتماعية، وقانونية... إلخ) تعتبر أن اللاعنف هو أصل حاكم في كافة التشريعات والتطبيقات الحياتية، وليس مجرد وسيلة مرحلية، حيث يرى الإمام الشيرازي أن التشريعات والعلاقة بين السلطة والشعب يجب أن تُبنى على قاعدة نفي الضرر والإكراه، وأن استخدام القوة أو الشدة في إدارة الشؤون العامة يعد استثناءً ضيقًا لا يُلجأ إليه إلا عند انسداد كافة الطرق العقلائية، حيث ينبغي أن يبقى أصل الحاكمية قائمًا على المودة والرفق.

ويتوسع الإمام الشيرازي في تأصيل هذا الأصل الفقهي ليشمل مختلف الأبعاد الإدارية والتنفيذية، حيث يشدد على أن أي قانون يفرض القسر أو الإكراه على الأفراد دون معالجة جذور المشكلات ينتهي إلى إضعاف هيبة الشريعة والقانون معًا، إذ إن بناء السلطة وفق هذا الأصل يتطلب صياغة قوانين مرنة تتسع للتنوع الاجتماعي، وتعتمد وسائل الإقناع والتوعية الشعبية بدلًا من الزجر والعقاب القاسي، مما يجذر حالة الرضا العام ويجعل المواطن شريكًا في حماية حقوق ومكتسبات مجتمعه.

لقد شخّص الإمام الشيرازي الاستبداد بكل أشكاله، وخصوصًا السياسي منه والحكم الفردي، باعتبارهما الجذر الأساسي لولادة العنف وتراجع التنمية في الدول الإسلامية والنامية، كما أوضح في طرحه الفكري أن مصادرة الحريات العامة وتكميم الأفواه يدفعان المجتمعات نحو خيارات متطرفة، مما يعطل الطاقات البشرية والاقتصادية للدولة.

إن القضاء على العنف المجتمعي الناتج عن رد فعل طبيعي لممارسة الاستبداد السلطوي والفردانية في الحكم لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إنهاء الاستبداد الحكومي وإحلال المؤسسات الوطنية القائمة على الشفافية وسيادة القانون بدلًا منه، حيث يؤكد الشيرازي، في تحليل هذه الظاهرة، أن الحكام الذين يلجؤون إلى احتكار السلطة وقمع معارضيهم يصنعون دوامة لا تنتهي من الانقسامات الاجتماعية، خصوصًا عندما يتحول العمل السياسي في ظل الاستبداد إلى صراع بقاء وتصفية حسابات بدلًا من أن يكون تنافسًا على خدمة المصلحة العامة.

إن تفكيك بنية الاستبداد يمثل الخطوة الأولى واللازمة لتحرير المجتمعات النامية من ثقافة الخوف والترهيب، والانتقال بها إلى مرحلة بناء الدولة المستقرة القائمة على الشورى وحرية اختيار القيادات التي تصون كرامة الإنسان وتحقق له العدالة الاجتماعية والرفاه الاقتصادي.

كما يطرح الإمام الشيرازي بدائل مؤسسية متكاملة للحد من الاعتماد على الأجهزة الأمنية، تتلخص في تفعيل مبدأ الشورى وتوسيع المشاركة الشعبية والتعددية الحزبية، حيث يتطلب بناء الدولة الناجحة الاستثمار في القوة الثقافية والوعي المجتمعي لضمان التزام المواطنين بالقوانين عن قناعة ورضا، وليس عن خوف وإكراه.

وعلى مستوى تنظيم وديمومة العلاقة بين الشعب وصناع القرار، دعا الشيرازي إلى انتهاج دبلوماسية إنسانية قائمة على الحوار المباشر وتوفير بيئة آمنة للتنمية الشاملة، تتجلى في إنشاء منظمات نقابية ومؤسسات مدنية مستقلة تعمل كوسيط بين المواطن ومراكز القرار، لتفريغ المشاحنات وإيجاد معالجات سلمية للمطالب الشعبية قبل أن تتحول إلى احتجاجات عنيفة.

أما في المجال الخارجي، فيشدد الشيرازي على أهمية بناء العلاقات الدولية على أساس المصالح المشتركة والتعاون الإنساني، مع تغليب المبادرات السلمية والوساطات الأخوية لحل النزاعات الحدودية والسياسية بين مختلف دول العالم وشعوبه، وتجنب الإنفاق التسليحي الباهظ الذي ينهك الاقتصادات المحلية ويزيد من حدة الفقر والتخلف.

كما يتطلب تطبيق فلسفة اللاعنف، أولًا، مراجعة شاملة للعقيدة الأمنية في الدول النامية، بحيث يتحول دور القوات الأمنية من حماية السلطة والحاكم إلى حماية الأمن الشخصي والمجتمعي للمواطنين، كما يرافق هذا التحول اعتماد سياسات اقتصادية قائمة على العدالة الاجتماعية، من خلال استهداف الفئات المهمشة جغرافيًا واجتماعيًا وتوفير فرص العمل والخدمات الأساسية، مما يقلل من دوافع الجريمة والاحتقان السياسي الناتجة عن العنف الهيكلي؛ حيث يسهم النهوض بالعدالة الاجتماعية في معالجة الفوارق الطبقية الحادة عبر تطبيق برامج حماية اجتماعية موجهة للطبقات الفقيرة لتوفير الرعاية الصحية والتعليم المجاني والفرص الاقتصادية المتكافئة، وهو ما ينزع فتيل الغضب الشعبي ويرسخ الشعور بالمواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية.

التوصيات

1. تأسيس هيئات مستقلة لمراقبة وإدارة تطبيق مبدأ اللاعنف داخل المجتمع، مع الحفاظ على السلم الأهلي وتزويدها بالصلاحيات القانونية المناسبة لحل النزاعات قبل تفاقمها.

2. سن تشريعات صارمة تجرم كافة أشكال العنف والتعذيب والإكراه بكل مسمياته، مع تفعيل الرقابة القضائية المستقلة.

3. إصلاح المناهج التربوية والتعليمية لإدماج قيم اللاعنف والحوار والتسامح والرفق في البنية المعرفية للأجيال الصاعدة.

4. اعتماد نظام الشورى والتعددية السياسية ومبدأ اللاعنف كآلية تنظيمية ثابتة لإدارة الاختلاف وتداول السلطة بأسلوب سلمي.

5. التحول الشامل نحو الحوكمة الرقمية والشفافية المباشرة لإلغاء الامتيازات الفئوية والحد من الفساد الذي يفاقم أسباب اللجوء إلى العنف.

6. إعادة توجيه الموازنات العامة من التسلح غير المبرر إلى قطاعات خدمية وتنموية كالصحة والتعليم وتنمية المهارات الشبابية.

7. إطلاق ميثاق شرف إعلامي يمنع خطابات الكراهية والتحريض على العنف ويضمن حرية تداول المعلومات بطريقة مسؤولة.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

اضف تعليق