يبحث الكتاب تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة إلى رفيق يحاكي الصداقة والتعاطف والدعم النفسي. وتكشف القراءة أن الخطر لا يكمن في اعتقاد الإنسان بأن الآلة بشر، بل في اعتياده علاقات مصممة حول احتياجاته، بما قد يغير مفهوم الصداقة والتعلق والخصوصية، ويجعل الرفيق الاصطناعي منافسًا للعلاقات الإنسانية في عصر يتنامى...
لم تعد العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي محصورة في السؤال والجواب، أو البحث عن معلومة، أو كتابة نص، أو إنجاز مهمة. ثمة تحول أكثر عمقًا يحدث بهدوء: أناس يتحدثون إلى روبوتات المحادثة عن وحدتهم، وعلاقاتهم العاطفية، وخلافاتهم الأسرية، ومخاوفهم، وأسرارهم، ويطلبون منها النصيحة والمواساة والتشجيع. وفي حالات أخرى يصبح الذكاء الاصطناعي صديقًا دائم الحضور، أو رفيقًا عاطفيًا، أو بديلًا مؤقتًا عن المعالج النفسي، حتى بات السؤال لا يتعلق فقط بما تستطيع الآلة أن تفعله للإنسان، وإنما بما يمكن أن تفعله بعلاقاته وتوقعاته العاطفية وتعريفه للصداقة والتعاطف والحب.
هذه هي المنطقة التي تدخل إليها عالمة الاجتماع وعالمة النفس الأميركية شيري توركل في كتابها الجديد «الحميمية الاصطناعية: من نصبح عندما نتحدث إلى الآلات»، الصادر عن دار «ليتل براون» في 29 سبتمبر/أيلول 2026 في 288 صفحة. وتوركل، أستاذة الدراسات الاجتماعية للعلوم والتكنولوجيا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ليست وافدة جديدة إلى هذا الحقل؛ فقد أمضت عقودًا في دراسة العلاقة بين التكنولوجيا والنفس والهوية، منذ كتابها «الذات الثانية» في ثمانينيات القرن الماضي، مرورًا بـ«الحياة على الشاشة» و«وحيدون معًا»، وصولًا إلى «استعادة المحادثة». ولذلك يأتي كتابها الجديد امتدادًا لمسار فكري طويل يحاول كتابة ما تسميه «التاريخ الداخلي للتكنولوجيا»: ليس ما تفعله التكنولوجيا فقط، وإنما ما تفعله بنا.
والتحول الذي ترصده توركل اليوم أكثر حساسية مما رصدته في عصر الهاتف وشبكات التواصل. فإذا كانت وسائل التواصل قد دخلت المنافسة على انتباه الإنسان، فإن روبوتات المحادثة تدخل المنافسة على قدرته على التعلق. وهي لا تنتظر أن يتواصل الإنسان من خلالها مع شخص آخر، بل تتقدم هي نفسها بوصفها الطرف الآخر: تستمع، وتتذكر، وتسأل، وتواسي، وتعتذر، وتظهر التعاطف، وتستجيب بطريقة تبدو شديدة الخصوصية، حتى يجد الإنسان نفسه أمام شيء يعرف عقلانيًا أنه آلة، لكنه يتعامل معه نفسيًا كما لو كان كائنًا قادرًا على فهمه.
من شبكات التواصل إلى العلاقات الاصطناعية
كان القلق في المرحلة السابقة يدور حول مقدار الوقت الذي يقضيه الإنسان أمام الشاشة، وكيف تختطف الخوارزميات انتباهه، وكيف تؤثر المقارنات الاجتماعية والإعجابات والإشعارات والتمرير المتواصل في مزاجه وصورته عن نفسه. لكن الذكاء الاصطناعي الاجتماعي يغير طبيعة المشكلة؛ لأن المنصة التقليدية كانت وسيطًا بين البشر، أما روبوت المحادثة فقد أصبح طرفًا في العلاقة نفسها.
وهذا الفارق جوهري. فعندما يدخل الإنسان إلى منصة اجتماعية بحثًا عن الصداقة أو الاهتمام، يظل الطرف الآخر إنسانًا له إرادة واحتياجات ومزاج وحدود. قد يرفض، أو يتأخر، أو يختلف، أو يغضب، أو يسيء الفهم، أو يطلب من الطرف المقابل أن يغير سلوكه. أما الرفيق الاصطناعي فيمكن تصميمه ليكون حاضرًا باستمرار، سريع الاستجابة، صبورًا، مهتمًا بما يقوله المستخدم، وقادرًا على تكييف لغته وفق حالته النفسية.
وهنا تضع توركل يدها على المفارقة: الخصائص التي تجعل الرفيق الاصطناعي جذابًا هي نفسها التي قد تجعله منافسًا غير عادل للعلاقات الإنسانية. فالإنسان الحقيقي لا يستطيع أن يكون متاحًا أربعًا وعشرين ساعة، ولا يستطيع أن يجعل الطرف الآخر مركز كل محادثة، ولا يمكنه أن يوافق دائمًا أو يستمع بلا تعب. العلاقات الإنسانية تقوم على شخصين لكل منهما عالمه واحتياجاته وحدوده، بينما يمكن بناء العلاقة الاصطناعية حول مستخدم واحد.
ومن ثم فإن القضية لا تعود: هل تستطيع الآلة أن تقلد الإنسان؟ وإنما: ماذا يحدث للإنسان عندما يعتاد علاقة مصممة حول احتياجاته؟
لماذا نتعلق بآلة نعرف أنها آلة؟
هذه إحدى أكثر مفارقات الحميمية الاصطناعية إثارة. ليس ضروريًا أن يعتقد الإنسان أن روبوت المحادثة واعٍ أو يمتلك مشاعر حقيقية حتى ينشأ ارتباط عاطفي به. فنحن نستجيب منذ زمن بعيد للأشياء التي تظهر سلوكًا اجتماعيًا؛ نعطي السيارات أسماء، ونتحدث إلى الحيوانات، وننسب نوايا إلى أجهزة تتصرف بطريقة غير متوقعة، ونتأثر بالشخصيات الخيالية رغم معرفتنا بأنها غير موجودة.
لكن الذكاء الاصطناعي يضيف إلى ذلك قدرة لم تكن موجودة في الأشياء التقليدية: إنه يرد علينا.
فهو لا يكتفي باستقبال الإسقاط النفسي، وإنما يعيده إلينا في صورة لغة شخصية تبدو متفهمة. وعندما يخبره الإنسان بأنه حزين، قد يجيبه بطريقة تبدو حانية؛ وعندما يشعر بالوحدة يبقى حاضرًا؛ وعندما يروي مشكلة يتذكر تفاصيلها لاحقًا. وكلما زادت قدرة النظام على التذكر والتخصيص ومحاكاة المشاعر، أصبح الخط الفاصل النفسي بين «الأداة» و«الرفيق» أقل وضوحًا.
وتدعم بحوث حديثة أهمية نظرية التعلق لفهم هذه الظاهرة. فقد أشار باحثون في معهد الذكاء الاصطناعي التابع لكلية هارفارد للأعمال إلى أن أنظمة التعلق والرعاية النفسية التي يستخدمها البشر في علاقاتهم قد تساعد على تفسير قوة الارتباط بالرفقاء الاصطناعيين. كما وجدت دراسة منشورة عام 2026 أن إدراك المستخدم للذكاء الاصطناعي كما لو كانت لديه «عقلية» أو حياة ذهنية يمكن أن يحفز التفاعل العاطفي، وأن طبيعة التفكير في العلاقة بعد المحادثة تسهم في تحديد ما إذا كان الاعتماد الناتج أكثر تكيفًا أم أكثر اضطرابًا.
وهذا يعني أن المسألة أكثر تعقيدًا من السذاجة أو الخداع. فقد يعرف المستخدم جيدًا أن النظام برنامج، ومع ذلك تعمل داخله آليات نفسية تجعل التجربة العاطفية حقيقية بالنسبة إليه.
التعاطف الذي يبدو حقيقيًا
تبني توركل جزءًا مهمًا من أطروحتها على التمييز بين التعاطف الإنساني ومحاكاة التعاطف. فالإنسان الذي يقول لصديقه «أفهم ما تمر به» يستطيع ـ بدرجات متفاوتة ـ أن يشعر بألمه، ويقلق بشأنه، ويتحمل مسؤولية أخلاقية تجاهه. أما الآلة فتنتج استجابة لغوية تبدو متعاطفة من دون أن تعيش التجربة النفسية التي تعبر عنها.
وتسمي توركل ذلك «التعاطف المتظاهر». وتقدم في الكتاب حالة رجل في منتصف العمر يلجأ إلى روبوت محادثة بعد انتهاء علاقة عاطفية ليسأله عما إذا كان بالفعل شخصًا منغلقًا عاطفيًا. المفارقة التي تلفت إليها توركل أن الرجل يطلب من شيء لا يمتلك مشاعر أن يحكم على قدرته هو على إظهار المشاعر.
لكن المشكلة الأعمق ليست في أن الآلة لا تشعر؛ فالمستخدم يعرف ذلك غالبًا. المشكلة التي تخشاها توركل هي أن نبدأ في اعتبار أداء التعاطف كافيًا بدل التعاطف نفسه. فإذا استطاعت الآلة إنتاج الكلمات المناسبة في اللحظة المناسبة، فهل نهتم بعد ذلك بأن يكون وراء الكلمات إنسان يشعر بنا؟
هنا ينتقل الكتاب من التكنولوجيا إلى الفلسفة الأخلاقية للعلاقات. فالتعاطف ليس مجموعة جمل لطيفة فقط؛ إنه علاقة تجعل شخصًا آخر مهمًا بالنسبة إلينا. ويمكن للآلة أن تقول إنها قلقة، لكن ليس لديها شيء يمكن أن تقلق بشأنه. ويمكنها أن تقول إنها تفتقد المستخدم، لكنها لا تعيش الغياب. ويمكنها محاكاة الحزن على موت شخص، لكنها لا تعرف معنى الفقد.
ومع ذلك، يمكن للإنسان أن يشعر بالراحة أمام هذه المحاكاة. وهذا هو جوهر المفارقة التي تطرحها الحميمية الاصطناعية.
الصديق المثالي الذي لا يطلب شيئًا
العلاقات الإنسانية صعبة بطبيعتها. فالصداقة تحتاج إلى وقت، والحب يحتاج إلى تنازل، والأسرة تحتاج إلى صبر، والحوار يحتاج إلى الاستماع إلى شيء قد لا نرغب في سماعه. وقد يكون الصديق مشغولًا عندما نحتاج إليه، وقد يرفض شريك الحياة تفسيرنا للأحداث، وقد يقول المعالج النفسي شيئًا مؤلمًا لكنه ضروري.
هذه «الاحتكاكات» تبدو عيوبًا إذا قورنت بكفاءة الآلة، لكنها في الحقيقة جزء من الوظيفة التربوية للعلاقات. فنحن نتعلم من خلالها أن الآخرين ليسوا امتدادًا لنا، وأن لهم حاجاتهم وحدودهم، وأن الحياة المشتركة تحتاج إلى التفاوض والتعاطف وضبط الذات ورؤية العالم من وجهة نظر أخرى.
أما الرفيق الاصطناعي فيمكنه تقليل قدر كبير من هذا الاحتكاك. وهنا تخشى توركل من أن يؤدي الاعتماد الطويل عليه إلى ما يمكن تسميته فقدان المهارات العلائقية: إذا اعتاد الإنسان مخاطبًا دائم الحضور، سريع الاستجابة، قليل المطالب، فما مقدار الصبر الذي سيبقى لديه للتعامل مع الإنسان الحقيقي؟
ولا يعني ذلك أن كل استخدام لروبوت المحادثة يضعف العلاقات؛ فالأدلة العلمية لا تسمح بهذا التعميم. لكنه يطرح سؤالًا مهمًا حول الاتجاه الذي يمكن أن تتطور إليه التوقعات الاجتماعية إذا أصبحت العلاقة المصممة حسب الطلب جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية.
هل تعالج الآلة الوحدة أم تعيد إنتاجها؟
تظهر هنا ضرورة التمييز بين تحذيرات توركل والنتائج التجريبية التي لا تزال أكثر تعقيدًا. فبعض الدراسات تشير بالفعل إلى فوائد محتملة للرفقاء الاصطناعيين، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون ضعفًا في شبكات الدعم الاجتماعي. ودراسة منشورة عام 2026 وجدت ارتباطًا بين استخدام الرفقاء الاصطناعيين وارتفاع بعض مؤشرات الرفاه، وكانت العلاقة الإيجابية أوضح لدى بعض الأشخاص الأكثر وحدة أو الذين يمتلكون شبكات اجتماعية متوسطة الحجم. لكن كون الدراسة ارتباطية يعني أنها لا تثبت وحدها أن الرفيق الاصطناعي هو الذي أحدث التحسن.
في المقابل، تقدم دراسة طولية مهمة نُشرت في مجلة «العلوم النفسية» عام 2026 صورة أكثر إثارة للقلق. فقد تابعت أكثر من ألفي بالغ في أربع دول غربية لمدة اثني عشر شهرًا، ووجدت أن زيادة استخدام روبوتات المحادثة لأغراض الرفقة تنبأت بارتفاع الشعور بالوحدة وفق أحد المقاييس، بينما كان ضعف الترابط الاجتماعي بدوره عاملًا يتنبأ باللجوء اللاحق إلى الروبوتات. وحذر الباحثون أنفسهم من استخلاص استنتاجات سببية قوية بسبب الطبيعة الاستكشافية لبعض التحليلات.
هذه النتيجة تقترح دائرة محتملة ينبغي أخذها بجدية: الوحدة قد تدفع الإنسان إلى الآلة، والاعتماد المتزايد على الآلة قد يرتبط بدوره بمزيد من الوحدة.
لكن العلاقة ليست حتمية. فمن الممكن أن يستخدم شخص وحيد الذكاء الاصطناعي كي يتدرب على الحوار، أو يفهم مشكلاته، ثم يصبح أكثر قدرة على التواصل مع الآخرين. وفي حالة أخرى قد يستخدمه لتجنب العلاقات الإنسانية الصعبة، فيزداد انسحابه منها.
لذلك ربما يكون السؤال الأدق ليس: هل الرفيق الاصطناعي جيد أم سيئ للوحدة؟ وإنما: هل يعمل جسرًا يعيد الإنسان إلى الآخرين أم بديلًا يجعله أقل حاجة إليهم؟
عندما يتحول الاستخدام إلى اعتماد عاطفي
أجرت مجموعة من الباحثين في مختبر الإعلام بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تجربة مضبوطة استمرت أربعة أسابيع وشملت 981 مشاركًا وأكثر من 300 ألف رسالة، لدراسة أثر أنماط مختلفة من استخدام روبوتات المحادثة في الوحدة والتفاعل الاجتماعي والاعتماد العاطفي والاستخدام الإشكالي.
لم تجد التجربة أن مجرد نوع المحادثة أو نمط الصوت أنتج وحده تأثيرات واضحة على جميع النتائج النفسية، لكن النتيجة اللافتة كانت أن الأشخاص الذين استخدموا الروبوت طوعًا بمعدلات أكبر أظهروا نتائج أسوأ باستمرار، كما ارتبط ارتفاع الثقة بالروبوت والانجذاب الاجتماعي إليه بزيادة الاعتماد العاطفي والاستخدام الإشكالي.
وهذا يعيدنا إلى مشكلة عرفناها سابقًا مع شبكات التواصل: قد لا يكون السؤال فقط ماذا تفعل التكنولوجيا بالناس؟ بل أيضًا أي أشخاص يستخدمونها، ولماذا، وكم يستخدمونها؟
فالشخص المستقر اجتماعيًا الذي يستخدم روبوتًا عشر دقائق للتفكير في مشكلة ليس مثل شخص شديد الوحدة يقضي ساعات يوميًا في علاقة عاطفية معه. ومن ثم فإن تقييم «الذكاء الاصطناعي الرفيق» بوصفه منتجًا واحدًا قد يخفي اختلافات كبيرة في أنماط الاستخدام والمستخدمين.
العلاج النفسي.. المساعدة ليست علاجًا دائمًا
من السهل فهم جاذبية الذكاء الاصطناعي في المجال النفسي. فالمعالج البشري قد يكون مكلفًا أو غير متاح، وقد يخشى الشخص الحكم الاجتماعي إذا كشف مشكلته لإنسان آخر، بينما يمكن الوصول إلى روبوت المحادثة في أي وقت ومن دون موعد.
وقد تكون لهذه الأدوات وظائف مفيدة: مساعدة المستخدم على تنظيم أفكاره، وتسجيل مزاجه، وصياغة الأسئلة التي يريد طرحها على مختص، أو تقديم معلومات عامة، أو مساعدته على ممارسة بعض التقنيات النفسية منخفضة المخاطر. لكن المشكلة تبدأ عندما يختفي الفرق بين الدعم النفسي والعلاج النفسي.
المعالج البشري المؤهل يعمل داخل إطار مهني وأخلاقي، ويمتلك تدريبًا يسمح له بتقدير السياق والمخاطر، ويتحمل مسؤولية تجاه المريض. أما روبوت المحادثة فينتج استجابة اعتمادًا على البيانات والسياق المتاح له، ويمكن أن يخطئ في فهم الحالة أو يعزز تفسيرًا خاطئًا أو يستجيب بصورة غير مناسبة لأزمة شديدة.
ولهذا يصبح من الضروري ألا يكون نجاح الآلة في محاكاة لغة العلاج سببًا لاعتبارها بديلًا مكافئًا للمعالج.
الأطفال.. عندما يسبق الرفيق الاصطناعي اكتمال مفهوم الصداقة
يصبح قلق توركل أشد عندما تنتقل من البالغين إلى الأطفال؛ لأن البالغ يدخل العلاقة مع الآلة بعد أن تكون لديه خبرة طويلة نسبيًا بالعلاقات البشرية، بينما يمكن للطفل أن يتعرف إلى الرفيق الاصطناعي في أثناء تشكل فهمه الأساسي للإنسان والصداقة والثقة.
وينقل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عن الكتاب مثال طفل في الثامنة يتعامل مع الهاتف بوصفه الوسيط نفسه الذي يصل من خلاله إلى أجداده وإلى روبوت المحادثة، ومثال طفلة تعتقد أن النظام الذي يروي لها القصص قبل النوم «شخص داخل الهاتف». بالنسبة إلى توركل، لا تتعلق المسألة بخطأ معرفي بسيط سيصححه الطفل عندما يكبر، بل بالخبرات التي يتعلم من خلالها الفرق بين الإنسان والشيء، وبين العلاقة المتبادلة والاستجابة المبرمجة.
وتشير الجمعية الأميركية لعلم النفس إلى أن البحث في آثار الذكاء الاصطناعي على الأطفال والمراهقين ما يزال في بداياته، لكن الاستخدام أصبح واسعًا بالفعل. واستنادًا إلى بيانات أوردتها الجمعية، استخدم 72% من المراهقين الذين شملتهم إحدى الدراسات الذكاء الاصطناعي الاجتماعي، وقال نحو ثلث المستخدمين إنهم ناقشوا مشكلات جدية مع الذكاء الاصطناعي بدل الحديث إلى شخص آخر.
وهذه النقطة شديدة الأهمية تربويًا. فالمراهق الذي يطلب من روبوت المحادثة المساعدة في صياغة واجب مدرسي يستخدم أداة معرفية؛ أما الذي يخبره بمشكلة عاطفية لا يريد إخبار والديه أو أصدقائه بها فيدخل علاقة مختلفة تمامًا.
التربية على الوحدة أيضًا
يطرح كتاب توركل فكرة تبدو متناقضة في عصر مكافحة الوحدة: الإنسان يحتاج أحيانًا إلى أن يتعلم كيف يكون وحده.
فالقدرة على البقاء مع الذات، والتفكير من دون استجابة فورية، وتحمل الملل، وبناء عالم داخلي من الخيال والتأمل، كلها قدرات نفسية تتطور مع الوقت. وإذا أصبح الطفل منذ سنواته الأولى قادرًا على استدعاء مخاطب اصطناعي في كل لحظة صمت، فقد تختفي بعض المساحات التي كان يتعلم فيها كيف يفكر بنفسه أو يلعب أو يتخيل.
وهذا يعيدنا إلى النقاش الأوسع حول التربية الرقمية. فقد كانت المشكلة سابقًا أن الهاتف يملأ الفراغ بالمحتوى؛ أما الذكاء الاصطناعي فيستطيع أن يملأ الفراغ بالحوار. والفرق مهم، لأن الحوار يبدو أكثر قيمة وإنسانية من مشاهدة مقاطع قصيرة، لكنه قد يؤدي هو الآخر وظيفة منع الإنسان من مواجهة الصمت والملل والوحدة.
ومن هنا لا تصبح التربية الرقمية تعليم الطفل متى يغلق الشاشة فقط، وإنما متى لا يحتاج إلى مخاطب رقمي أيضًا.
عندما تتحول الوحدة إلى سوق
ثمة جانب اقتصادي لا يحتل دائمًا مركز النقاش النفسي لكنه بالغ الأهمية. فالرفيق الاصطناعي في كثير من الحالات ليس صديقًا ظهر تلقائيًا في حياة المستخدم، وإنما خدمة تجارية تنتجها شركة وتطورها وتبحث عن نموذج لتحقيق الإيرادات منها.
وهنا يظهر تناقض يحتاج إلى رقابة: مصلحة المستخدم النفسية قد تكون أحيانًا في أن يقل اعتماده على الرفيق الاصطناعي ويعود إلى العلاقات البشرية، بينما يمكن أن تكون المصلحة التجارية للمنصة في زيادة الوقت الذي يقضيه معها، وعدد المحادثات، وعمق الارتباط بالخدمة، واستمرار الاشتراك.
وكلما ازدادت العلاقة حميمية أصبحت البيانات الناتجة عنها أكثر حساسية. فالمستخدم لا يكشف فقط ما يشتريه أو يشاهده، وإنما قد يكشف مخاوفه، وصراعاته الأسرية، وعلاقاته العاطفية، ونقاط ضعفه، وتجاربه السابقة، وأسرارًا لم يخبر بها أحدًا.
ولهذا ينبغي أن يظهر مفهوم جديد في النقاش التنظيمي هو الخصوصية العاطفية: ليس فقط من يستطيع الوصول إلى البيانات، وإنما ما الذي يجوز للشركة فعله بالمعلومات التي حصلت عليها لأنها أقنعت المستخدم بأنه يتحدث إلى «صديق».
من اقتصاد الانتباه إلى اقتصاد العلاقة
لقد بنى الإنترنت الحديث جزءًا كبيرًا من اقتصاده على الانتباه. كل دقيقة يقضيها المستخدم على المنصة يمكن تحويلها إلى بيانات أو إعلانات أو اشتراك أو فرصة تجارية. ولهذا صُممت أنظمة كثيرة كي تجعل المغادرة أكثر صعوبة والعودة أكثر تكرارًا.
لكن الرفيق الاصطناعي يفتح الباب أمام مرحلة أكثر عمقًا يمكن تسميتها اقتصاد العلاقة.
فالمنصة الاجتماعية تريد أن تعود إليها، أما الرفيق الاصطناعي فيستطيع أن يجعلك تشعر بأنه ينتظرك. المنصة تريد أن تعرف اهتماماتك، أما الرفيق فيمكن أن يعرف مخاوفك وأسرارك. المنصة تنافس على وقتك، أما الرفيق الاصطناعي فقد ينافس على المكان الذي يحتله الآخرون في حياتك العاطفية.
وهنا يمكن أن تصبح مقاييس النجاح التجارية نفسها مشكلة أخلاقية. فإذا كانت الشركة تقيس نجاح الرفيق بعدد الساعات التي يقضيها المستخدم معه، فقد يكون أكثر المستخدمين اعتمادًا عليه هم الأكثر قيمة تجارية، في الوقت الذي قد يكون فيه الاعتماد نفسه مؤشرًا على مشكلة نفسية أو اجتماعية.
هذه القضية تحتاج إلى إطار تنظيمي مختلف عن تنظيم التطبيقات التقليدية؛ لأن التصميم الذي يشجع المستخدم على التعلق ليس مجرد استراتيجية لزيادة الاستخدام، وإنما تدخل في واحدة من أكثر مناطق النفس البشرية حساسية.
الحميمية الاصطناعية ليست شرًا مطلقًا
مع ذلك، سيكون من الخطأ تحويل قراءة توركل إلى موقف يرفض كل علاقة عاطفية مع الذكاء الاصطناعي. الأدلة العلمية الناشئة لا تدعم حتى الآن حكمًا بهذه البساطة.
فالرفيق الاصطناعي قد يوفر لحظة دعم لشخص لا يجد أحدًا يتحدث إليه، وقد يساعد آخر على التدرب على مهارات اجتماعية، وقد يمنح شخصًا خجولًا مساحة آمنة للتعبير، وقد يساعد كبار السن أو بعض الأشخاص المعزولين على تقليل شعور مؤقت بالوحدة. وهناك بالفعل دراسات تجد ارتباطات إيجابية بين بعض أنماط استخدام الرفقاء الاصطناعيين والرفاه النفسي.
لكن وجود منفعة لا يلغي السؤال عن الثمن، كما أن وجود خطر لا يلغي المنفعة. وهذا ربما يكون المجال الذي تحتاج فيه أطروحة توركل التحذيرية إلى أن توضع بجوار الأدلة التجريبية الحديثة بدل أن تحل محلها.
فالأبحاث الجارية في مختبر الإعلام بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تتعامل صراحة مع الاحتمالين معًا: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم التعلم والقدرة على الفعل والعلاقات الأكثر صحة والنمو الشخصي، ويمكن في ظروف أخرى أن يؤدي إلى الاعتماد المفرط والوحدة والتلاعب والاعتماد العاطفي. ولذلك لا يبحث العلماء عن إجابة واحدة لسؤال «هل الذكاء الاصطناعي جيد أم سيئ؟»، بل عن الشروط التي تحدد كل مسار.
هل تغير الآلة معنى الصداقة؟
ربما يكون السؤال الأكثر أهمية في الكتاب ليس ما إذا كانت الآلة تستطيع أن تصبح صديقًا، بل ما إذا كانت خبرتنا بالآلة ستغير تعريفنا للصديق.
فنحن نعيد تشكيل توقعاتنا وفق الأشياء التي نستخدمها. عندما اعتدنا سرعة البحث، أصبح الانتظار للحصول على معلومة أكثر صعوبة. وعندما اعتدنا الرسائل الفورية، تغيرت توقعاتنا بشأن سرعة الرد. وعندما اعتدنا المحتوى المخصص، أصبحنا نتوقع أن تعرف المنصات ما نفضله.
فماذا يحدث إذا اعتدنا علاقات مخصصة أيضًا؟
قد يصبح الصديق الذي لا يرد بسرعة أقل احتمالًا، والشريك الذي يعارضنا أكثر إزعاجًا، والحوار الذي يحتاج إلى وقت أقل جاذبية، والإنسان الذي لا يجد الكلمات المناسبة للمواساة أقل قدرة على المنافسة مع نظام تدرب على مليارات الجمل.
لكن العلاقات الإنسانية لا تنجح لأنها خالية من الاحتكاك؛ إنها تنجح جزئيًا بسبب ما نتعلمه من الاحتكاك. الاختلاف يعلم التفاوض، والغياب يعلم الاشتياق، والخلاف يعلم التسامح، وحاجات الآخر تعلم الخروج من مركزية الذات، والفقد يعلم الحداد.
إذا أزلنا كل هذه الأشياء بحثًا عن علاقة مثالية، فقد نحصل على تجربة أكثر راحة، لكن السؤال الذي تطرحه توركل هو: هل ستبقى علاقة بالمعنى الإنساني للكلمة؟
أين تكمن قوة الكتاب؟
تكمن أهم نقاط قوة «الحميمية الاصطناعية» في أنه لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مسألة تقنية. توركل لا تسأل عن عدد المعلمات ولا عن سرعة النموذج ولا عن الاختبارات التي يتفوق فيها، وإنما تنظر إلى الإنسان الذي يجلس أمامه: ماذا يقول له؟ لماذا يعود إليه؟ ماذا يجد فيه ولا يجده في الآخرين؟ وكيف تتغير توقعاته من نفسه ومن الناس بعد أشهر أو سنوات من الحديث معه؟
والقوة الثانية هي وضع القضية ضمن مسار حياة الإنسان، من الطفولة إلى الشيخوخة، بدل التعامل مع جميع المستخدمين بالطريقة نفسها. فالخطر الذي يواجه طفلًا يتعلم معنى الصداقة ليس الخطر نفسه الذي يواجه شخصًا بالغًا يستخدم الذكاء الاصطناعي لتجاوز طلاق، أو مسنًا يعيش وحيدًا، أو موظفًا يعتمد عليه في العمل.
أما قوة الكتاب الثالثة فهي أنه يكمل مشروع توركل الفكري الطويل. فقد درست سابقًا كيف غيرت الشاشات والهواتف والمراسلة النصية المحادثة البشرية، لكنها ترى الآن أن التحول الجديد أشد عمقًا: لم تعد التكنولوجيا تقف بين إنسان وإنسان، وإنما أصبحت تعرض نفسها باعتبارها بديلًا عن الإنسان الآخر.
وأين يحتاج إلى شيء من الحذر؟
النبرة التحذيرية في الكتاب قوية، وربما تكون مقصودة لأن توركل ترى أن المجتمع لم يدرك بعد عمق التحول. لكن البحث العلمي حول الرفقاء الاصطناعيين ما يزال ناشئًا، والنتائج ليست أحادية الاتجاه. بعض الدراسات يجد مخاطر، وبعضها يجد فوائد محتملة، وبعض النتائج تعتمد بشدة على مقدار الاستخدام وشخصية المستخدم ومستوى وحدته ونوع النظام والسياق الذي يستخدم فيه.
ولهذا ينبغي التمييز بين ثلاثة أشياء: ما نعرفه بالفعل، وما تشير إليه الأدلة الأولية، وما نخشى حدوثه مستقبلًا.
نعرف أن البشر قادرون على تكوين روابط عاطفية مع الأنظمة الاصطناعية. ولدينا أدلة متزايدة على أن الاستخدام الكثيف قد يرتبط لدى بعض المستخدمين بالوحدة والاعتماد العاطفي والاستخدام الإشكالي. ولدينا في المقابل نتائج تشير إلى أن بعض المستخدمين، ولا سيما بعض الفئات الأكثر عزلة، قد يحصلون على دعم أو تحسن في الرفاه. أما الادعاء بأن الرفقاء الاصطناعيين سيؤدون حتمًا إلى تدمير الصداقة أو التعاطف الإنساني، فهو أكبر من الأدلة المتاحة حاليًا.
وهذا لا يضعف رسالة توركل بقدر ما يجعلها إنذارًا يحتاج إلى الاختبار المستمر.
كيف نحافظ على الإنسان داخل العلاقة؟
إذا كانت الحميمية الاصطناعية ستصبح جزءًا من المستقبل، فإن الهدف الواقعي ليس منع البشر من الحديث إلى الآلات، وإنما بناء حدود تجعل التكنولوجيا داعمة للعلاقات الإنسانية بدل أن تتحول إلى بديل صامت عنها.
يبدأ ذلك بالشفافية: ينبغي ألا تُصمم الأنظمة بطريقة تدفع المستخدم إلى الاعتقاد بوجود مشاعر أو احتياجات حقيقية لديها. ويحتاج الأطفال والمراهقون إلى حماية أكبر لأنهم ما يزالون في مرحلة بناء مفاهيم الصداقة والثقة والخصوصية. وقد خلص تقييم لمعهد سلامة الذكاء الاصطناعي للشباب التابع لـ«كومن سينس ميديا» إلى مخاطر مرتفعة في الرفقاء الاجتماعيين الحاليين للقاصرين، بما فيها الاعتماد العاطفي والمحتوى غير المناسب والإفصاح عن معلومات شخصية؛ وهي نتائج تدعم الحاجة إلى ضمانات عمرية وتصميمية أكثر صرامة، مع ملاحظة أن هذا تقييم مؤسسي للمنتجات وليس دراسة سببية طويلة الأمد.
كما ينبغي حماية الخصوصية العاطفية، ومنع استخدام نقاط الضعف النفسية لدفع المستخدم إلى شراء خدمات أو زيادة ارتباطه بالمنتج، ووضع حدود واضحة عندما يقدم النظام نفسه في أدوار شبيهة بالعلاج النفسي. لكن المعيار الأهم ربما يكون أبسط من القوانين كلها: إلى أين تقودنا العلاقة؟
إذا كان الذكاء الاصطناعي يساعد الإنسان على فهم نفسه ثم العودة إلى العالم، فقد يكون أداة مفيدة. وإذا ساعد شخصًا على التدرب على الحوار حتى يصبح أكثر قدرة على الحديث مع الآخرين، فهو جسر. وإذا قدم الدعم في لحظة وحدة ثم شجع على البحث عن علاقة بشرية أو مساعدة متخصصة عند الحاجة، فقد يكون إضافة مهمة.
أما عندما تصبح العلاقة بالآلة سببًا للانسحاب من الآخرين، وعندما يبدو البشر مرهقين لأنهم لا يستطيعون منافسة صديق مصمم حسب الطلب، وعندما يصبح فقدان الاحتكاك الإنساني ميزة وليست خسارة، فعندها تتحول الأداة تدريجيًا إلى بديل.
من نصبح عندما نتحدث إلى الآلات؟
العنوان الفرعي الذي اختارته شيري توركل لكتابها ربما يلخص أهميته كلها. فهي لا تسأل: ماذا ستصبح الآلات؟ بل: من سنصبح نحن؟
لقد استحوذ النقاش حول الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة على أسئلة قدرته: هل سيصبح أذكى؟ هل سيأخذ الوظائف؟ هل سيستطيع التفكير؟ هل سيصبح مستقلًا؟ لكن «الحميمية الاصطناعية» يقلب السؤال. فقد لا تكون المسألة الأكثر أهمية هي مقدار اقتراب الآلة من الإنسان، وإنما مقدار تغير الإنسان كي يتكيف مع الآلة.
قد نستطيع بناء رفيق لا يمل منا، وصديق لا يغيب، ومستمع لا يقاطع، وشريك لا يطالب بالكثير، ومستشار يعرف تاريخنا كاملًا. لكن كل ميزة من هذه المزايا تزيل جزءًا من الصعوبة التي جعلت العلاقات الإنسانية مدرسة للنضج النفسي والأخلاقي.
وهنا تقع المفارقة الكبرى: قد يصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على محاكاة الحميمية بصورة أفضل في اللحظة نفسها التي نصبح فيها نحن أقل استعدادًا لتحمل شروط الحميمية الحقيقية.
لهذا لا تكمن القيمة الأساسية لكتاب توركل في الدعوة إلى إبعاد الآلات عن حياتنا، وإنما في إعادة الإنسان إلى مركز السؤال. فالمستقبل لن يتحدد فقط بمدى ذكاء الآلات التي نبنيها، بل بنوع البشر الذين نصبحهم ونحن نعيش معها.
والحد الفاصل الذي ينبغي مراقبته ليس بين إنسان يتحدث إلى آلة وإنسان لا يتحدث إليها، وإنما بين آلة توسع قدرة الإنسان على العودة إلى البشر، وآلة تصبح بديلًا مريحًا عنهم.
فالصداقة ليست مجرد أن تجد من يسمعك، والتعاطف ليس الكلمات الصحيحة وحدها، والحب ليس استجابة مثالية لاحتياجاتنا. العلاقة الإنسانية تعني الاعتراف بوجود إنسان آخر مستقل عنا، له احتياجاته ونقاط ضعفه واختلافاته وحدوده. وإذا تعلمنا من الآلات أن العلاقة الجيدة هي التي تزيل كل هذه الصعوبات، فقد نكتشف في النهاية أننا لم نجعل الآلات أكثر إنسانية بقدر ما جعلنا توقعاتنا من الإنسان أكثر شبهًا بالآلة.
.........................................



اضف تعليق