العراق اليوم أقرب إلى نموذج الدولة التي تُدار من أزمة إلى أزمة حتى أصبح التأجيل نفسه سياسة قائمة بذاتها... إن جوهر الأزمة ليس في صناديق الاقتراع، بل فيما بعد ذلك حين تتحول الأغلبية الانتخابية إلى رهينة موازين تُفرغ الاستحقاق الديمقراطي من مضمونه. والتحدي الحقيقي ليس في غياب الموارد بل في غياب عقد اجتماعي وسياسي...
هناك دولٌ تُبنى على أساس رؤية واضحة لمستقبلها، وهناك دولٌ تُدار من أزمة إلى أزمة حتى يصبح التأجيل نفسه سياسة قائمة بذاتها، والعراق اليوم أقرب إلى النموذج الثاني، فمنذ ميلاده الحديث عام واحد وعشرين وتسعمائة وألف على أنقاض الولايات العثمانية الثلاث، لم يتوقف هذا البلد عن دفع ثمن موقعه الجغرافي الفريد بين إيران وتركيا والخليج، ذلك الموقع الذى جعل منه على الدوام ساحة لتقاطع مصالح الكبار بدل أن يكون صاحب قرارٍ مستقل في محيطه.
والمفارقة أن هذا البلد الذى أنجبت أرضه أول قانونٍ مكتوبٍ في تاريخ البشرية على يد حمورابي، ما زال حتى اليوم يبحث عن آلية مستقرة لتشكيل حكوماته بمعزلٍ عن إرادة صناديق الاقتراع، فبعد انتخابات نوفمبر من عام خمسة وعشرين وألفين، وحين تصدّر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني نتائج الاقتراع في مؤشرٍ واضحٍ على ثقة شعبية بأداء حكومته، حالت حسابات الإطار التنسيقي الداخلية وتعقيدات المحاصصة الشيعية دون ترجمة هذا التفوق الانتخابي إلى ولاية ثانية مستحقة، وهو ما يكشف أن جوهر الأزمة العراقية ليس في صناديق الاقتراع ولا في أداء من يحظى بثقة الناخبين، بل فيما بعد ذلك، حين تتحول الأغلبية الانتخابية الحقيقية إلى رهينة موازين داخلية معقدة تُفرغ الاستحقاق الديمقراطي من مضمونه.
وفى موازاة هذا الاستحقاق الداخلي، وجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب عاصفة إقليمية حين اندلعت حرب مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران خلال عام ستة وعشرين، لتتحول الأراضي العراقية إلى ساحة استهدافٍ جانبية تجلت في استهداف السفارة الأمريكية ببغداد بطائرات مسيّرة، وهو ما يعيد إلى الأذهان أن العراق دفع أثماناً باهظة في كل مرة تحتدم فيها المواجهة بين قوى أكبر منه.
تماماً كما حدث في الثمانينيات حين استُنزف البلد بحربٍ طويلة مع جاره الإيراني خلّفت جيلًا كاملًا من الثكالى على الجانبين رغم عمق الروابط التاريخية والدينية والثقافية التي تجمع الشعبين منذ قرون، ثم جاءت عقوبات التسعينيات لتخنق شعباً بريئاً، فغزو عام ثلاثة وألفين ليفتح باباً لفوضى طائفية استثمرت فيها أطرافٌ إقليمية ودولية متعددة، وظل ملف السلاح المنفلت خارج سيطرة الدولة، عائقاً بنيوياً ورثته كل الحكومات المتعاقبة أمام أي محاولة جادة لاحتكار الدولة لقرار الحرب والسلم، وقد سعت حكومة العراقية في هذا السياق إلى انتهاج خطٍ متوازن حاول قدر الإمكان تحييد العراق عن أتون الصراعات الإقليمية المشتعلة حوله، وفوق هذا كله يعود إلى الواجهة الجدل حول تحويل محافظة البصرة الغنية بالنفط إلى إقليم مستقل، في مؤشرٍ على أن الهشاشة اللامركزية لم تُحل بعد بنموذج فيدرالي متوازن يرضى الأطراف كافة.
إن التحدي الحقيقي أمام العراق اليوم ليس في غياب الموارد، فهو يملك من النفط والمياه والتاريخ ما يكفى لبناء دولة قوية، بل يكمن التحدي في غياب عقدٍ اجتماعي وسياسي قادر على احترام إرادة الناخبين وتحويل الموارد إلى مؤسسات راسخة تصمد أمام الرياح الإقليمية بدل أن تنحني لها في كل مرة. فهل يستطيع العراق أن يتحول من ساحة توازنات إلى صاحب قرار يحترم صوت شعبه، أم يظل الاستقرار فيه مشروطاً أبداً بحسابات لا علاقة لها بمن يستحق الثقة فعلًا؟



اضف تعليق