أكد الإمام الشيرازي الراحل على الحقيقة الغائبة بكون السياسة جزءاً من الوسائل المتاحة لتحقيق غايات رسالية سامية يمكن أن نتلمسها من سيرة رسول الله، وسيرة أمير المؤمنين، عندما قدما الوجه المشرق للعمل السياسي بما يخدم الانسان ويحفظ كرامته ويحقق طموحاته...
المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي اكتشف في وقت مبكر جداً ضرورة إلتقاء الدين بالسياسة عند نقطة الوعي، فهو عالم دين معروف بشخصه وأسرته العلمائية العريقة، ولم يمارس العمل السياسي قط، بيد أنه دعا في مؤلفاته وأحاديثه مع عامة الناس، ومع الشريحة المثقفة تحديداً، الى وعي السياسة، محذراً من مغبة السقوط في فخّ الكراهية التي صنعتها السياسة نفسها في دول معروفة بالهيمنة والتسلّط بالعالم –يقول سماحته- لإبعاد الناس عن السياسة وتأثيرها على حياتهم.
سوء الفهم الذي كلفنا الكثير
ما ساعد المشاعر السلبية في اختراقها نفوس الناس –في مختلف البقاع الاسلامية- الفارق الكبير في الغايات والمناهج والوسائل، فالسياسة تتبع منهج "الغاية تبرر الوسيلة"، وتسعى لتحقيق مصالح مادية، بينما الدين يعطي الأولوية للمعنويات بدءاً ببناء شخصية الإنسان وفق ملكات روحية وأخلاقية، مثل؛ التقوى، والصبر، والتواضع، والصدق، والأمانة، مروراً بتطبيق قيم دينية مثل العدل والحرية والمساواة، والى صياغة شخصية ايمانية تضع نُصب عينيها المحاسبة الكبرى بعد الموت يوم القيامة أمام الله –تعالى-، واذا اراد القيام بعمل ما فانه يفكر بكل الامور المحيطة بهذا العمل، فهو "لا يطلب النصر بالجور"، يقول أمير المؤمنين، عليه السلام.
هذا الفارق ظهر الى الوجود عندما ابتعد علماء الدين عن ساحة الحياة فانتهزت السياسة الفرصة لقيادة المشهد، طبعاً؛ الاسباب عديدة لسنا بوارد الخوض فيها، جزءٌ منها يعود الى اسباب داخلية وذاتية عند المسلمين، الى جانب اسباب خارجية واضحة تجسد في حركة الاستعمار طيلة قرنين من الزمن، فقد تمت صياغة الانظمة السياسية للبلدان الاسلامية بقوة السلاح وعلى أشلاء الناس، ومعروفٌ أن موضوع "الدماء"، والارواح من أشد ما يتوقاه عالم الدين الذي يتطلع الى يوم الحساب قبل النظر الى مجريات الامور في الحياة الدنيا، ومن نافلة القول؛ التذكير بصعوبة إصدار الفتوى لمواجهة السياسة كما حصل في ايران (التنباك)، وفي العراق (ثورة العشرين)، لخشية مراجع الدين من إراقة الدماء دون تحقيق الاهداف المنشودة بالقضاء على الظلم والانحراف والطغيان.
هنا تحديداً يمكن تسليط الضوء على المنطقة الرخوة في الفكر الاسلامي –الديني الذي استغلته "العواصم الكبرى" لإيهام الشعوب بأن سعادتهم تكمن في اتباع ما يصدر من القصر الجمهوري أو البلاط الملكي، وأن المعارضة يعني إراقة الدماء والتورط في المخافر والسجون وغرف التعذيب، وحتى أعواد المشانق! بينما غاب عن الكثيرين أن هذا الفكر الممتد الى عهد رسول الله، صلى الله عليه وآله، يتضمن فقرات في مقارعة الظلم والانحراف من خلال فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتنكّر لكل اشكال الصنمية البشرية بعد تحطيم الصنمية الحجرية، وهذا هو الطريق الصحيح المؤدي الى السعادة لا غيره.
والى هذا كان يدعو الامام الشيرازي الراحل بأن يكون لدينا "فهماً للسياسة"، كما جاءء في كتابه؛ "الفهم السياسي"، فالمواطن في أي بلد مسلم، وحتى في بلاد المهجر، عليه أن يتفهم ويتثقف سياسياً، كما أن عليه أن يتثقف دينياً ليتمكن من اتخاذ الموقف المناسب إزاء اشخاص او قضايا معينة، وأن لا يكون سكوته أو جهله بمجريات السياسة وبالاً عليه في قادم الايام كما حصل لشعوب عدّة.
وفي مؤلفات أخرى في إطار التثقيف السياسي، يؤكد سماحة الإمام الراحل على الحقيقة الغائبة بكون السياسة جزءاً من الوسائل المتاحة لتحقيق غايات رسالية سامية يمكن أن نتلمسها من سيرة رسول الله، وسيرة أمير المؤمنين، صلوات الله عليهما، عندما قدما الوجه المشرق للعمل السياسي بما يخدم الانسان ويحفظ كرامته ويحقق طموحاته، لا أن تكون وسيلة لتضليله والعبث بمصيره.
فهم السياسة لا التسييس
ثمة فارق كبير بين الأمرين، الاول؛ التمكين بسبر أغوار السياسة من خلال متابعة وسائل الاعلام، وايضاً؛ متابعة مواقف وتصرفات رجل السياسة للتحقق من المصداقية، ثم التعرف على البديل الأفضل، والخطوة الأهم؛ إجراء عملية التطابق بين الممارسة السياسية وبين الثوابت الدينية والأخلاقية. كل هذا يمثل نوعاً من الاستشراف من موقع القوة، بينما التسييس يكون بالنقيض تماماً، فرجل السياسة هو الذي يتابع ويراقب حركات وسكنات المواطن لمعرفة كيفية تفكيره ونمط رغباته ليكون في خدمة السياسة القائمة مقابل فتات الاموال والامتيازات، ولا فرق إن كانت هذه السياسة في ظل نظام ديكتاتوري، أو نظام ديمقراطي، ولا أدلّ على ما نقول من الشعب العراقي الذي عاش مسيّساً طوال قرن من الزمن، فهو يحفظ أسماء الوزراء، وضباط الانقلاب العسكري، وتفاصيل حياتهم، لكنه يعجز عن إيصال معاناة ومأساة حياته الى هؤلاء بغية حلها وتحقيق العيش الكريم رغم تصفيقه، وإعلان الولاء المطلق لهم.
المشكلة في أن العمل السياسي عندنا تحول من وسيلة للخدمة، الى سلّم للارتقاء الشخصي نحو المكاسب المادية، وإن كلف الأمر، انتهاك حقوق الآخرين، بل وإراقة الدماء، وهذا أحد أسرار الاستقرار السياسي في البلدان الغربية، فالرئيس والوزير والمدير لا يعدون سوى موظفين في الدولة، لهم فترة زمنية تنتهي ويعودوا أشخاصاً عاديين بين افراد المجتمع، لذا يكون همّهم تحقيق أكثر قدر من المنجزات لكسب التأييد والمحبوبية بين الجماهير، ربما تفيدهم لجولات انتخابية قادمة، وهذه المعادلة هي التي يعرفها ويفهمها المواطن في اوربا والولايات المتحدة –مثلاً- من رجل السياسية لا غير.
وقد سبق المنهج الاسلامي في الحكم هذه الدول جمعاء بمنظومة قيمية متكاملة تدير عمل المسؤول في الدولة، وفي مقالنا السابق عن رؤية أمير المؤمنين، عليه السلام، إزاء مسألة الحكم في ضوء الحديث عن مناسبة الغدير، بينّا كيف أنه، عليه السلام، اراد نشر الوعي السياسي بين الامة في ذلك الزمان المصادف تقريباً للقرن السابع الميلادي، فقال لهم: "دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإنّ الآفاق قد أغامت، والمحجّة قد تنكّرت، واعلموا أنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغِ إلى قول القائل، وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمَن وليّتموه أُموركم، وأنا لكم وزيراً، خير لكم منّي أميراً"، ولهذا المقطع من الخطبة الواردة في نهج البلاغة، إشارات معيارية دقيقة لمن يريد ممارسة السياسة والحكم وفق قيم السماء.
إن غياب هذا الوعي الجماهيري هو الذي جعل شخصاً مثل معاوية يصنع معياراً خاطئاً لرجل السياسة في الدولة الاسلامية، الامر الذي أغاض أمير المؤمنين بشدة عبر عنه بتقريع أهل الكوفة بخذلانهم إياه: "واللهِ ما معاويةُ بأدهى منّي ولكنّهُ يغدرُ ويفجرُ ولولا كراهيةُ الغدرِ كنتُ مِن أدهى النّاسِ ولكِنَّ كُلَّ غدرةٍ فجرة وكُلَّ فجرةٍ كفرة ولكُلِّ غادرٍ لواءٌ يُعرَفُ بهِ يومَ القيامةِ واللهِ ما أستغفلُ بالمكيدةِ ولا أستغمزُ بالشّديدة"، وبدلاً من أن يلتزم الناس –في التاريخ الغابر وحتى اليوم- بالممارسة الصحيحة للسياسة وفق الموازين السماوية، التزموا ظاهر الدين والأخلاق، وكل ما يجنّب الانسان تحمل مسؤولية الواقع الفاسد والتغيير نحو الافضل، فصار التركيز على قراءة القرآن الكريم، وتمجيده وحفظه والإشادة به، وايضاً؛ بناء المساجد الفخمة، وتوزيع الغذاء على الجياع في المناطق الفقيرة، وهو يستحسنه كل سياسي فاسد، بل وحتى حاكم ظالم وطاغية، لأنه يجد في هذا ما يكسبه شرعية من الدين، وشعبية في النفوس، وليواصل الناس صلواتهم وصيامهم وحجهم –كما قال معاوية لأهل الكوفة- ويتسمر التوافد والحضور الغفير في المشاهد المقدسة في كل مكان، ويصلي الناس ويبتهلون الى الله –تعالى- ليزيل هذه الغمّة عن هذه الأمة!



اضف تعليق