استمرار هذه الظَّاهرة يقوم على منظومة تربويَّة وأخلاقيَّة تنتقل من جيل إلى آخر، وتتجدَّد بالممارسة والقدوة، حتَّى أصبحت الخدمة الحسينيَّة جزءًا من الهوية الدِّينيَّة والاجتماعيَّة، ومظهرًا من مظاهر الانتماء لمدرسة الإمام الحسين وفي كلِّ موسم من مواسم الزِّيارة تتجدَّد هذه الخصال الحميدة في صور متعدِّدة من البذل والتَّعاون...
يثير مشهد الملايين من الرِّجال والنِّساء، والشَّباب وكبار السِّن، الذين يبذلون أوقاتهم وأموالهم وجهودهم في خدمة زائري الإمام الحسين (عليه السلام) من غير انتظار لأجر مادِّي أو منفعة شخصيَّة، تساؤلًا يستحق التَّأمل: ما الذي يدفع هؤلاء إلى هذا العطاء المستمر؟
وكيف استطاعت هذه الظَّاهرة أن تحافظ على حضورها واتِّساعها جيلًا بعد جيل، حتَّى أصبحت واحدةً من أبرز صور العمل التَّطوعي في العالم؟
إنَّ الخدمة الحسينيَّة هي ثقافة راسخة تشكَّلت في وجدان المؤمنين عبر قرون، وتجدَّد حضورها في كلِّ عام مع مواسم الزِّيارات، ولا سيَّما في زيارة الأربعين. ويظهر هذا التَّجدُّد في الإقبال الواسع على تقديم مختلف أشكال الخدمة، من إطعام الزَّائرين، وتوفير أماكن الرَّاحة والإيواء، والرِّعاية الصحيَّة، والإرشاد، والنَّقل، وغيرها من صور العطاء التي يشارك فيها أفراد من مختلف الأعمار والشَّرائح الاجتماعيَّة، بروح من التَّعاون والإيثار.
ولا يمكن تفسير هذه الظَّاهرة من خلال المقاييس الماديَّة وحدها؛ لأنَّ الدَّافع إليها يتَّصل بمنظومة من المعاني الإيمانيَّة والأخلاقيَّة والإنسانيَّة، يتقدَّمها حبُّ الإمام الحسين (عليه السلام)، وطلب القرب من الله (تعالى)، واستشعار شرف خدمة زائريه (عليه السلام)، إلى جانب ما تغرسه هذه الخدمة من الرَّحمة، والتَّكافل، والإحسان، وبذل المعروف. ولا تقتصر هذه القيم على البعد الوجداني أو الأخلاقي، فهي مستندة إلى توجيهات القرآن الكريم التي حثَّت على المبادرة إلى أعمال الخير، وربطتها بالإخلاص والثَّواب الإلهي، فقال الله (تعالى): (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)(1)، كما قال (سبحانه): (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ)(2)، وهما آيتان تؤكِّدان أنَّ قيمة العمل تقاس بما يحمله من إخلاص، ونفع قبل أيِّ اعتبار آخر.
وقد أولى أهل البيت (عليهم السلام) خدمة المؤمنين عناية كبيرة، لما لها من منزلة عند الله (تعالى)؛ عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ، قَالَ :سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ: "إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً فِي الْأَرْضِ يَسْعَوْنَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ، هُمُ الْآمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وَمَنْ أَدْخَلَ عَلى مُؤْمِنٍ سُرُوراً، فَرَّحَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(3)، وهو توجيه يبيِّن عظيم الأجر المترتب على خدمة النَّاس، ويكشف جانبًا من الدَّوافع التي تجعل المؤمن يُقبل على العطاء برغبة وطمأنينة، من غير انتظار لمكسب دنيوي.
ولذلك، فإنَّ خدمة الإمام الحسين (عليه السلام) هي ترجمة عمليَّة للإيمان، وتجسيد لمبادئ النَّهضة الحسينيَّة التي قامت على التَّضحية والعطاء والوفاء. ولهذا يستمر الخادم في بذل جهده ووقته وماله عن قناعة راسخة، مستشعرًا أنَّ ما يقدِّمه هو مشاركة في إحياء رسالة الإمام الحسين (عليه السلام)، وتقرُّب إلى الله (تعالى) عن طريق خدمة عباده.
المحور الأوَّل: المحبَّة الصَّادقة أساس الخدمة
تستند الخدمة الحسينيَّة في جوهرها إلى محبَّةٍ صادقةٍ للإمام الحسين (عليه السلام)؛ وهذه المحبَّة هي قوَّة دافعة تنعكس في السُّلوك والعمل والعطاء. فعندما يستقر حبُّ الإمام (عليه السلام) في قلب المؤمن، يصبح البذل في سبيل إحياء نهضته وخدمة زائريه أمرًا نابعًا من قناعة راسخة، يجد فيه الخادم سعادةً وطمأنينةً، لا عبئًا أو تكليفًا ثقيلًا.
وقد جعل القرآن الكريم المحبَّة الصَّادقة لله (عزَّ وجلَّ) ورسوله (صلَّى الله عليه وآله) أساسًا للطَّاعة والعمل، فقال (تعالى): (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(4)، فربط بين المحبَّة والعمل، وجعل صدق المحبَّة ظاهرًا في السُّلوك والالتزام. ولهذا، فإنَّ محبَّة الإمام الحسين (عليه السلام) تظهر في الحرص على إحياء شعائره، وخدمة زائريه، والمحافظة على الأهداف التي ضحى من أجلها؛ لأنَّ المحبَّة الحقيقيَّة تتجسَّد في المواقف والأفعال، ولا تقف عند حدود المشاعر.
ولهذا، ينظرُ خَدَمةُ الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الخِدمة بوصفها تعبيرًا عمليًّا عن الولاء، فهي وسيلة لترجمة الانتماء إلى نهج أهل البيت (عليهم السلام) من خلال نكران الذَّات، وحسن الخلق، وبذل الجهد في راحة الآخرين.
كما تعدُّ الخدمة الحسينيَّة طريقًا يتقرَّب به المؤمن إلى الله (تعالى)؛ لأنَّ خدمة النَّاس من الأعمال التي حثَّ عليها الإسلام، وجعلها من أفضل القربات؛ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): "قَالَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ): الْخَلْقُ عِيَالِي، فَأَحَبُّهُمْ إِلَيَّ أَلْطَفُهُمْ بِهِمْ، وَأَسْعَاهُمْ فِي حَوَائِجِهِمْ"(5)، وهو ما يكشف المكانة الرَّفيعة لخدمة الآخرين في المنظور الإسلامي.
ومن المعاني التي تميِّز الخدمة الحسينيَّة شعور الخادم بالفخر والاعتزاز حين يوفق لخدمة زائري الإمام الحسين (عليه السلام)؛ إذ ينظر إلى هذه الخدمة على أنَّها نعمة وتوفيق إلهي قبل أن تكون جهدًا شخصيًّا. ولذلك يحرص كثير من المؤمنين على المشاركة فيها كلَّما سنحت لهم الفرصة، ويعدُّون ذلك من أعظم صور القرب إلى الله (تعالى) والوفاء للإمام الحسين (عليه السلام). روي عن الإمام الصَّادق (عليه السلام): "مَن أرادَ اللهُ بِهِ الخَيرَ قَذَفَ في قَلبِهِ حُبَّ الحُسَينِ (عليه السلام) وحُبَّ زِيارَتِهِ، ومَن أرادَ اللهُ بِهِ السُّوءَ قَذَفَ في قَلبِهِ بُغضَ الحُسَينِ (عليه السلام) وبُغضَ زِيارَتِهِ"(6). ويتجلَّى أثر هذه المحبَّة في صور التَّفاني التي يشاهدها النَّاس في المواكب الحسينيَّة، حيث يبذل الخادم ماله ووقته وطاقته برضا وسرور، ويواصل عمله ساعات طويلة من غير انتظار لشكر أو مكافأة. وقد وصف القرآن الكريم مثل هؤلاء بقوله (عزَّ وجلَّ): (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)(7)، وهي صورة تعكس تقديم مصلحة الآخرين على المصلحة الشَّخصيَّة، وتجعل العطاء سمةً من سمات الإيمان.
المحور الثَّاني: الخدمة امتداد لرسالة كربلاء
مثَّلت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) مشروعًا إصلاحيًّا متكاملًا قام على الإيمان بالله (تعالى)، والدِّفاع عن الحقِّ، وصيانة كرامة الإنسان، والاستعداد للتَّضحية في سبيل المبادئ. وقد أصبحت هذه المُثُل مصدر إلهام للأجيال المتعاقبة، فتجلَّت في صور متعدِّدة من العمل الصَّالح، ومن أبرزها خدمة زائري الإمام الحسين (عليه السلام)، التي ينظر إليها المؤمنون على أنَّها امتداد عملي لرسالة كربلاء وتجسيد لأهدافها في الواقع.
ومن ثمَّ، فإنَّ كلَّ عمل يرسِّخ مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام) والأهداف التي ضحَّى من أجلها، ويجعلها حاضرة في حياة النَّاس يُعدُّ امتدادًا للرِّسالة التي حملها الإمام الحسين (عليه السلام).
ويستلهم خَدَمة الإمام الحسين (عليه السلام) من واقعة كربلاء روح البذل والسَّخاء، فيحرصون على تقديم ما يستطيعون من جهد ووقت ومال لخدمة الزَّائرين، اقتداءً بالمواقف العظيمة التي شهدتها تلك النَّهضة المباركة. فالتَّضحية الذي جسَّدها أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) أصبحت مدرسة أخلاقيَّة تعلِّم الإنسان تقديم المصلحة العامَّة، ومواساة الآخرين، وتحمُّل المشقَّة في سبيل المبادئ.
كما تمثِّل الخدمة الحسينيَّة صورة عمليَّة لتحويل المبادئ إلى ممارسات يوميَّة، فبدل أن تبقى الرَّحمة، والتَّكافل، والإحسان، والوفاء، مفاهيم نظريَّة، تصبح واقعًا يعيشه الخادم والزَّائر معًا. ففي كلِّ وجبة طعام تقدَّم، وكل كأس ماء يناول لعطشان، وكل مساعدة تقدم لمحتاج، وكل كلمة طيِّبة تقال لزائر، تعكس مبادئ عاشوراء في صورة عمل نافع يلامس حياة النَّاس.
المحور الثَّالث: العطاء الذي يعود على صاحبه
قد يبدو في الظَّاهر أنَّ خادم الإمام الحسين (عليه السلام) هو الطَّرف الذي يقدِّم الجهد والوقت والمال دون أن يحصل على مقابل مادِّي، إلَّا أنَّ التَّأمل في آثار هذه الخدمة يكشف أنَّها تمنح صاحبها مكاسب أخلاقيَّة وإنسانيَّة عميقة. فالعطاء في المنظور الإسلامي يُقاس بما يقدِّمه الإنسان، وبما يتركه في نفسه من آثار إيجابيَّة، وبما يبنيه من أخلاق تنعكس على سلوكه وعلاقته بالله (تعالى) وبالنَّاس.
ومن أبرز الثِّمار التي يجنيها الخادم الطَّمأنينة والرِّضا النَّفسي؛ إذ يشعر بأنَّ ما يقوم به يحمل غاية سامية تتجاوز المصالح الشَّخصيَّة، فيجد في خدمة الزَّائرين راحة للقلب وسكينة للنَّفس. وقد أشار القرآن الكريم إلى أثر الإيمان في تحقيق الطَّمأنينة؛ قال الله (تعالى): (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)(8). ولمَّا كانت الخدمة الحسينيَّة من الأعمال التي يُبتغى بها وجه الله (تعالى)، فإنَّها تغرس في نفس الخادم شعورًا بالرِّضا والسَّكينة؛ لأنَّه يرى في عطائه سبيلًا للتَّقرُّب إلى الله (تعالى) وإحياء رسالة الإمام الحسين (عليه السلام).
كما تمنح هذه الخدمة الإنسان شعورًا عميقًا بالانتماء إلى المجتمع الحسيني، فهو يعمل ضمن منظومة يجمع أفرادها هدف واحد يتمثَّل في خدمة زائري الإمام الحسين (عليه السلام). وهذا الانتماء يدعم معاني الأخوة، ويقوي الرَّوابط الاجتماعيَّة بين المشاركين، فيشعر الخادم بأنَّه جزء من مشروع إنساني وإيماني كبير.
ومن الآثار الواضحة للخدمة الحسينيَّة بناء العلاقات الإنسانيَّة القائمة على الاحترام والتَّعاون وحسن المعاملة؛ إذ يلتقي المتطوعون بأشخاص من أعمار وثقافات وبلدان مختلفة، ويتعاونون معهم في أداء أعمال متعدِّدة، ممَّا يوسِّع دائرة التَّعارف، ويقوي أواصر المودَّة، ويغرس ثقافة العمل بروح الفريق الواحد.
وتسهم الخدمة كذلك في تنمية جملة من الأخلاق التي يحتاجها الإنسان في حياته، وفي مقدِّمتها الصَّبر، والتَّواضع، والعطاء، وحسن التَّعامل. فالخادم قد يعمل ساعات طويلة، ويتحمل المشقَّة والزُّحام، ويقدِّم راحة الآخرين على راحته، ممَّا يدربه عمليًّا على الصَّبر وضبط النَّفس. كما أنَّ التَّعامل مع مختلف الزَّائرين يربي فيه لين الجانب واحترام النَّاس.
ومن المكاسب التي تحقِّقها الخدمة الحسينيَّة أيضًا تنمية روح الالتزام والعمل الجماعي؛ لأنَّ إدارة المواكب تعتمد على التَّعاون بين أفراد كثيرين، لكلٍّ منهم مهمَّة محدَّدة، ولا يتحقَّق نجاح العمل إلَّا بتكامل الأدوار، واحترام النِّظام، والالتزام بالخطة المرسومة. وتكسب هذه التَّجربة المتطوع مهارات عمليَّة في التَّواصل، وتحمل الأعباء، وحسن إدارة الوقت، والتَّعامل مع المواقف المختلفة، وهي خبرات تنعكس إيجابًا على حياته الأسريَّة والاجتماعيَّة والمهنيَّة.
كما تؤكِّد روايات أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ نفع النَّاس وإدخال السُّرور عليهم من أفضل الأعمال عند الله (تعالى)؛ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ: "إِنَّ فِيمَا نَاجَى اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) بِهِ عَبْدَهُ مُوسى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: إِنَّ لِي عِبَاداً أُبِيحُهُمْ جَنَّتِي، وَأُحَكِّمُهُمْ فِيهَا، قَالَ: يَا رَبِّ، وَمَنْ هؤُلَاءِ الَّذِينَ تُبِيحُهُمْ جَنَّتَكَ وَتُحَكِّمُهُمْ فِيهَا؟، قَالَ: مَنْ أَدْخَلَ عَلى مُؤْمِنٍ سُرُوراً"(9). وتكشف هذه النُّصوص الشَّريفة أنَّ ما يقدِّمه الخادم من جهد في خدمة الآخرين يعود إليه بأثر تربوي وإيماني، إلى جانب ما يرجوه من الثَّواب والأجر عند الله (تعالى).
المحور الرَّابع: لماذا تستمر هذه الثَّقافة عبر الأجيال؟
من الظَّواهر الاجتماعيَّة والدِّينيَّة التي حافظت على حضورها واستمرارها عبر القرون (الخدمة الحسينيَّة)، على الرَّغم من اختلاف الأزمنة والظُّروف، ولا نريد هنا الخوض في الجانب الغيبي المرتبط بها. فإذا تجاوزنا هذا الجانب، وجدنا أنَّ استمرارها يرتبط بعوامل اجتماعيَّة وثقافيَّة، في مقدِّمتها نجاحها في غرس قيمها في نفوس الأجيال المتعاقبة، لا بمجرَّد ارتباطها بموسم الزِّيارة. حتَّى أصبحت جزءًا من الهوية الدِّينيَّة والاجتماعيَّة لكثير من المجتمعات. وقد تحقَّق هذا الامتداد من خلال التَّربية، والقدوة، والمشاركة العمليَّة، فانتقلت ثقافة الخدمة من الآباء إلى الأبناء، ومن جيل إلى آخر، محافظةً على رسالتها وأهدافها.
وتؤدي الأسرة الدَّور الأوَّل في غرس حبِّ الخدمة في نفوس الأبناء؛ لأنَّها البيئة التي تتشكَّل فيها المرتكزات والاتِّجاهات الأولى. فعندما ينشأ الطِّفل في بيت يعتاد أفراده المشاركة في خدمة زائري الإمام الحسين (عليه السلام)، ويشاهد ما يبذله والداه من جهد وعطاء، تنمو لديه مشاعر المحبَّة لهذه الشَّعيرة، ويصبح الإسهام فيها جزءًا من سلوكه الطَّبيعي.
ويأتي أثر القدوة في مقدِّمة الوسائل التَّربويَّة التي تحفظ استمراريَّة الخدمة الحسينيَّة، فالأبناء يتعلَّمون من الأفعال أكثر ممَّا يتعلَّمون من الأقوال. وعندما يشاهدون آباءهم وأمهاتهم يشاركون في إعداد الطَّعام، أو تنظيم المواكب، أو استقبال الزَّائرين، أو تقديم المساعدة للمحتاجين، فإنَّهم يكتسبون هذه السُّلوكيات بالمشاهدة والممارسة. وقد بيَّن القرآن الكريم أنَّ رسول الله محمَّدًا (صلَّى الله عليه وآله) هو القدوة الحسنة لجميع المؤمنين، فقال الله (تعالى): (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (10)، فالقدوة الصَّالحة تُعدُّ من أنجح الوسائل في نقل المكارم وترسيخها في النُّفوس.
كما أنَّ مشاركة الأطفال والشَّباب في أعمال المواكب منذ الصغر تسهم في تنمية روح العطاء والانتماء؛ إذ تُتاح لهم فرص تناسب أعمارهم وقدراتهم، كالمساعدة في تنظيم أماكن الخدمة، أو توزيع المياه، أو استقبال الزَّائرين، أو المشاركة في الأعمال التَّطوعيَّة البسيطة. وعن طريق هذه الممارسات يكتسبون مهارات التَّعاون، والانضباط، وتحمُّل الأمانة، ويشعرون بأنَّهم شركاء في خدمة الإمام الحسين (عليه السلام).
وتسهم المواكب الحسينيَّة كذلك في نقل الخبرات من جيل إلى آخر، حيث يعمل كبار السِّن والشَّباب جنبًا إلى جنب، فيتعلَّم الجيل الجديد أساليب التَّنظيم، وآداب الخدمة، وكيفيَّة التَّعامل مع الزَّائرين، وحسن إدارة الأعمال، في إطار من التَّعاون والاحترام المتبادل. وبهذا تنتقل الخبرة العمليَّة، وتنتقل معها الثَّوابت التي قامت عليها هذه الخدمة، مثل الإخلاص، والصَّبر، وتقديم الآخرين على النَّفس، والالتزام، فيغدو كلُّ جيل امتدادًا لمن سبقه في حمل هذه الرِّسالة.
المحور الخامس: الخدمة رسالة إلى العالَم
لم تعد الخدمة الحسينيَّة ظاهرة يقتصر أثرها على المجتمعات التي تحتضن الزِّيارات المليونيَّة؛ وإنَّما أصبحت رسالة إنسانيَّة يتابعها الملايين عبر وسائل الإعلام ومنصات التَّواصل، ويقف عندها باحثون وإعلاميون وزائرون من مختلف الجنسيات والثقافات. ويرجع ذلك إلى أن هذه الخدمة تقدم نموذجًا عمليًّا لأخلاق تتجاوز حدود الدِّين واللغة والقوميَّة، فتخاطب الإنسان من خلال الممارسة والسُّلوك، وتقدِّم صورة واقعيَّة عن المبادئ التي نهض من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام).
ومن أبرز ما تعكسه الخدمة الحسينيَّة الكرم والجود؛ حيث يبذل الخادم وقته وجهده وماله عن طيب نفس، ويحرص على تلبية احتياجات الزَّائرين دون انتظار منفعة أو مقابل. وهذا العطاء لا يقتصر على تقديم الطَّعام والشَّراب، ويشمل الرِّعاية الصحيَّة، والإرشاد، والإيواء، والنَّقل، وكل ما يخفف عن الزَّائر مشقَّة الطَّريق. وقد أثنى القرآن الكريم على هذا الخلق الرَّفيع بقوله (تعالى): (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)(11)، وهي مبادئ يجد المتلقي تطبيقها العملي في مشاهد الخدمة الحسينيَّة.
ومن السِّمات التي تمنح هذه الخدمة بعدها الإنساني أنَّها تُقدَّم للنَّاس بروح الاحترام والمساواة، فلا يكون اختلاف اللغة أو الجنسيَّة أو الانتماء سببًا في التَّمييز بين الزَّائرين. فالخادم ينظر إلى من يقصده بعين الكرامة الإنسانيَّة، ويحرص على معاملته بأدب ولطف، امتثالًا لما قرَّره الإسلام من تكريم الإنسان.
كما تقدِّم المواكب الحسينيَّة صورة حضاريَّة عن مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام)، ويظهر فيها التَّعاون، والتَّنظيم، والانضباط، والتَّكافل، والعمل بروح الفريق الواحد. وهذه المظاهر تكشف عن أثر القيم الدِّينيَّة في بناء مجتمع متماسك يتقاسم أفراده الأعباء، ويتنافسون في ميادين الخير. وقد دعا القرآن الكريم إلى هذا النَّهج بقوله (جلَّ جلاله): (وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)(12).
ومن الجوانب المهمَّة التي تبرزها الخدمة الحسينيَّة أنَّها تؤكد قدرة العمل التَّطوعي على جمع النَّاس حول منظومة من الفضائل المشتركة، مثل الرَّحمة، والإحسان، والكرم، وخدمة المحتاج، واحترام الإنسان. فهذه المعايير تمثِّل قاسمًا إنسانيًّا مشتركًا يمكن أن يلتقي حوله النَّاس مهما اختلفت ثقافاتهم وعاداتهم.
وممَّا مرَّ تكشف الخدمة الحسينيَّة عن حقيقة راسخة، وهي أنَّ العطاء الصَّادق تنبثق جذوره من الإيمان، والمحبَّة، والوفاء للمبادئ التي نهض من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام). فالخادم يرى فيما يقدِّمه وسيلة للتَّقرُّب إلى الله (تعالى)، وتجسيدًا عمليًّا للرَّحمة، والإيثار، والإحسان التي حملتها رسالة كربلاء.
وقد أوضحت محاور هذا المقال أنَّ استمرار هذه الظَّاهرة يقوم على منظومة تربويَّة وأخلاقيَّة تنتقل من جيل إلى آخر، وتتجدَّد بالممارسة والقدوة، حتَّى أصبحت الخدمة الحسينيَّة جزءًا من الهوية الدِّينيَّة والاجتماعيَّة، ومظهرًا من مظاهر الانتماء لمدرسة الإمام الحسين (عليه السلام). وفي كلِّ موسم من مواسم الزِّيارة تتجدَّد هذه الخصال الحميدة في صور متعدِّدة من البذل والتَّعاون، فتقدم للعالَم نموذجًا عمليًا للعمل التَّطوعي القائم على الإخلاص وخدمة الإنسان.
ومن هنا، تبقى الخدمة الحسينيَّة مدرسةً تربويَّةً وأخلاقيَّةً متجدِّدة، يتعلَّم فيها الإنسان أنَّ قيمة العمل تُقاس بما يتركه من أثر في النَّفس والمجتمع، وبما يقربه إلى الله (تعالى). ولذلك ستظل هذه الثَّقافة حيَّة في وجدان المؤمنين، ما دامت مستندة إلى محبَّة الإمام الحسين (عليه السلام)، وإلى المبادئ الخالدة التي ضحَّى من أجلها، لتبقى المواكب الحسينيَّة شاهدًا على أنَّ أسمى صور العطاء هي تلك التي تُقدَّم بإخلاص، ابتغاء مرضاة الله (تبارك وتعالى)، وخدمةً للإنسان.



اضف تعليق