تقوم الاستخارة على طلب الخير من الله عند الحيرة بعد إعمال العقل والمشورة، ولا تُشرع في الواجبات أو المحرمات أو المستحبات الواضحة، وإنما في الأمور المباحة وموارد التزاحم. وتتنوع صورها بين الدعاء والقرآن والسبحة والرقاع والاستشارة، وغايتها ترسيخ التوكل والرضا، وطمأنينة النفس، مع تجنب التكرار والالتزام بنتيجتها واحترام ضوابطها...
تواجه الإنسان في مسيرة حياته مواقف تتعدَّد فيها الخيارات، وتتشابه فيها الوجوه، فلا يتَّضح له موضع المصلحة، ولا يستطيع أن يجزم بما تؤول إليه العواقب، فيقف حائرًا أمام قرار يحتاج إلى ترجيح سليم. وقد اقتضت رحمة الله (تعالى) أن يفتح لعباده أبوابًا تعينهم على تجاوز هذه الحيرة، فشرع لهم وسائل تهديهم إلى حسن الاختيار، ومنها الاستخارة التي تمثِّل توجهًا صادقًا إلى الله (سبحانه)، وطلبًا لاختياره فيما خفيت مصلحته على الإنسان بعد إعمال الفكر، والإفادة من المشورة، وبذل الوسع في تشخيص الأصلح.
ولا تعني الاستخارة إلغاء دور العقل أو الاستغناء عن التخطيط والدراسة؛ وإنَّما تأتي في المرحلة التي يبذل فيها الإنسان ما يستطيع من أسباب المعرفة، ثمَّ يفوِّض أمره إلى الله (سبحانه)، راجيًا أن يختار له ما فيه الخير في دينه ودنياه. ولهذا جاءت النصوص الشريفة تؤكِّد منزلتها وآثارها المباركة، فقد رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «بَعثَني رسولُ اللَّهِ (صلَّى الله عليه وآله) على اليَمنِ، فقالَ وهُو يُوصيني: يا عليُّ، ما حارَ مَنِ اسْتَخارَ، ولا نَدِمَ مَنِ اسْتَشارَ» (1).
ويكشف هذا الحديث عن أصلين عظيمين في صناعة القرار؛ أوَّلهما طلب الخير من الله (تعالى)، وثانيهما الإفادة من خبرة أهل الرأي؛ ليجتمع التوكل مع الأخذ بالأسباب، فيسير الإنسان على هدىً وبصيرة.
المحور الأوَّل: تعريف الاستخارة وفوائدها
المطلب الأوَّل: بيان مفهوم الاستخارة
معرفة مفهوم الاستخارة مدخل أساسي لفهم حقيقتها وأحكامها الفقهيَّة؛ لأنَّ الوقوف على معناها اللغوي والاصطلاحي يكشف عن الغاية التي شُرِّعت من أجلها، ويزيل كثيرًا من المفاهيم غير الدقيقة المرتبطة بها.
والاستخارة لغةً: «رضا الله لك؛ أي: أعطاك الله ما هو خير لك، والخيرة، بسكون الياء، اسم منه، والاستخارة طلب الخِيرَة، وأستخيرك بعلمك؛ أي: أطلب منك الخيرة متلبسًا بعلمك؛ بخيري وشرِّي»(2). ويتبيَّن من هذا المعنى أنَّ الاستخارة هي طلب الخير ممَّن أحاط علمًا بجميع المصالح والمفاسد، وهو الله (سبحانه وتعالى).
وتدور الاستخارة في الاصطلاح حول تفويض الأمر إلى الله (تعالى)، وطلب هدايته إلى الأصلح عند الاشتباه بين الخيارات المباحة. وقد عُرِّفت بأنَّها: «الاستشارة من الله (سبحانه وتعالى) عند التحيّر في إنجاز عمل معيَّن، أو أنَّها دعاء إلى الله (تبارك وتعالى) بأن يرشده إلى ما فيه الصلاح»(3). وينسجم هذا المعنى الاصطلاحي مع أصلها اللغوي؛ إذ يجتمع فيه طلب الخير مع تفويض الأمر إلى الله (عزَّ وجلَّ) بعد أن يبذل الإنسان وسعه في التفكير، ويدرس أبعاد المسألة، ويستشير أهل الخبرة والرأي. ومن ثمَّ لا تُعدُّ الاستخارة بديلًا عن العقل أو المشورة؛ وإنَّما هي عبادة يتقرَّب بها المؤمن إلى الله (تعالى) عندما لا يتبيَّن له وجه المصلحة، فيسأله أن يختار له ما هو خير في دينه ودنياه، اعتمادًا على علمه المطلق، وحكمته البالغة.
المطلب الثَّاني: فضل الاستخارة
حظيت الاستخارة بمكانة في النصوص الشريفة؛ لما تتركه من آثار إيمانيَّة وتربويَّة في نفس المؤمن، ولما تؤدِّيه من دور في ترسيخ الصلة بالله (تعالى) عند مواجهة المواقف التي يشتبه فيها وجه المصلحة. وقد جاءت روايات عديدة تؤكِّد فضلها، وتكشف هذه النصوص أنَّ الاستخارة هي عبادة تقوم على حسن التوكل، وصدق الالتجاء إلى الله (تعالى)، والرضا بما يختاره لعبده؛ عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مِن سعادَةِ ابنِ آدَمَ اسْتَخارَتُهُ اللهَ ورِضاهُ بما قَضى اللهُ، ومِن شِقْوَةِ ابنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخارَةَ اللهِ وسَخَطُهُ بما قَضى اللهُ»(4). وعنه (عليه السلام): «أنزل الله: إنَّ مِن شَقاءِ عَبْدي أنْ يَعمَلَ الأعْمالَ، ولا يَستَخِيرُني»(5).
وعنه (عليه السلام): «مَن دَخَلَ في أمْرٍ بغَيرِ اسْتِخارَةٍ، ثُمَّ ابْتُليَ لَم يُؤجَرْ»(6). والسبب في ذلك أنَّ الله (تعالى) هيَّأ له الوسائل التي تزيل عنه تردُّد القرار؛ ولكنَّه لم يسلكها. وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «ما أُبالي إذا استخرت على أيِّ طرفيّ وقعتُ»(7).
ويمكن الوقوف على أبرز وجوه فضل الاستخارة وآثارها فيما يأتي:
1. ترسيخ حسن الظن بالله (تعالى) والرضا بقضائه: فإنَّ المستخير يفوِّض أمره إلى الله (سبحانه)، معتقدًا أنَّ الخير فيما يختاره له، فيزداد يقينًا بكمال علمه، وسعة رحمته، وشمول حكمته، امتثالًا لقوله (جلَّ جلاله): ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾(8).
2. الاسترشاد بالله (تعالى) في معرفة وجوه المصلحة: فإنَّ الاستخارة تمثِّل طلبًا للهداية الإلهيَّة عند التحيّر بين الأمور المباحة، فيلجأ المؤمن إلى رب العالمين، العالم بخفايا الأمور وعواقبها، فيطلب منه أن يوفقه إلى الأصلح في دينه ودنياه، فتكون سببًا في طمأنينة النفس واستقرار القرار.
3. الإعانة على سلامة الاختيار واجتناب الندم: لأنَّ الاستخارة تدفع الإنسان إلى اتخاذ قراره في إطار التوكل على الله (تبارك وتعالى)، بعيدًا عن التسرع والهوى، فيكون أقرب إلى الإصابة، وأبعد عن أسباب الخسارة والندم، حتى إذا جاءت النتائج على خلاف رغبته علم أنَّ الخير فيما اختاره الله (سبحانه) له، فرضي بقضائه واطمأن قلبه.
4. تحقيق معنى الاستعانة بالله (سبحانه) والتوكل عليه: فالاستخارة من أبرز صور الافتقار إلى الله (تعالى)؛ لأنَّ العبد يعترف بعجزه عن الإحاطة بعواقب الأمور، ويقر بأنَّ العلم الكامل والهداية التامة لله وحده، ومن صدق في استعانته بالله (تعالى) نال عونه وتسديده، قال (تعالى): ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (9). ومن مجموع هذه الآثار يتبيَّن أنَّ فضل الاستخارة لا يقتصر على الوصول إلى قرار معيَّن؛ وإنَّما يمتدُّ إلى بناء شخصية المؤمن القائمة على الثقة بالله (سبحانه)، والتسليم لحكمته، والأخذ بالأسباب المشروعة، ثمَّ تفويض النتائج إليه (تعالى)، وهو ما يمنح الإنسان الطمأنينة والرضا في مختلف شؤون حياته.
المحور الثَّاني: متى تُشرع الاستخارة؟
لم تُشرع الاستخارة في جميع شؤون الإنسان؛ وإنَّما شُرعت عند التحيّر في تشخيص وجه المصلحة في أمر مباح، بعد إعمال الفكر، والإفادة من المشورة، وتعذر الوصول إلى قرار يطمئن إليه الإنسان. أمَّا إذا كان الحكم الشرعي واضحًا، أو كانت المصلحة راجحة على نحو بيِّن، فلا يبقى موضوع للاستخارة؛ لأنَّ وظيفتها كشف ما خفيت مصلحته، لا تغيير الأحكام الشرعية أو استبدالها. ويتَّضح ذلك من خلال الموارد الآتية:
أوَّلًا: الواجبات الشرعيَّة
لا تُشرع الاستخارة في الواجبات؛ لأنَّ الشارع المقدس قد بيَّن حكمها وألزم المكلَّف بها، فلا معنى لطلب الاختيار فيما أوجب الله (تعالى) فعله. فمن دخل عليه شهر رمضان المبارك وهو واجد لشرائط التكليف، وجب عليه الصيام، ولا مجال للاستخارة في أصل أدائه. وكذلك من تحقَّقت لديه الاستطاعة الشرعية للحج، وجب عليه الحج، فلا يصح أن يجعل الاستخارة بديلًا عن الامتثال للتكليف الشرعي.
ثانيًا: المحرَّمات الشرعيَّة
كما لا تُشرع الاستخارة في المحرَّمات؛ لأنَّ الشريعة قد نهت عنها نهيًا قاطعًا، فلا يجوز للمكلَّف أن يستخير في ارتكاب ما حرَّمه الله (تعالى)؛ إذ إنَّ وظيفة الاستخارة طلب الخير، ولا خير فيما نهى الله (تعالى) عنه.
ثالثًا: المستحبات الراجحة
لا تحتاج الأعمال التي ثبت رجحانها شرعًا في أصل الإتيان بها إلى استخارة؛ لأنَّ الشارع قد دلَّ على فضلها واستحبابها. فمن أراد زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، أو أداء الحج المستحب مع توفر شرائطه، وعدم ترتب عنوان ثانوي يمنع منه، فلا يشرع له أن يستخير في أصل الإتيان بهذه الأعمال؛ لأنَّها من القربات التي حثَّت عليها النصوص الشرعيَّة.
رابعًا: موارد التزاحم والتحيّر
قد يقع التزاحم بين أمرين راجحين، أو بين خيارين مباحين، بحيث يتعذر الجمع بينهما، ولا يستطيع المكلَّف تشخيص ما هو الأصلح بعد التفكير والاستشارة، ففي مثل هذه الموارد تُشرع الاستخارة؛ لأنَّها تؤدِّي دورها الحقيقي في طلب الهداية الإلهيَّة إلى ما فيه الخير. ومن أمثلة ذلك أن يتعارض أداء عمل خيري مع عمل خيري آخر في وقت واحد، أو تتعدَّد أمام الإنسان الخيارات المباحة التي لا يستطيع ترجيح أحدها على الآخر، فيلجأ إلى الله (تعالى) طالبًا أن يختار له ما فيه صلاح دينه ودنياه. ولذلك فإنَّ «مواردها موارد الحيرة في الأمور المباحة دون الواجبة والمحرَّمة، وعدم الوصول بعد التحقيق والتشاور إلى نتيجة واضحة» (10).
خامسًا: تكرار الخيرة في الأمر نفسه
«أخذ الخيرة على خيرة أخرى ينبغي تركه؛ لأنَّ التكرار مخلّ، وهو من علامة الوسواس المذموم» (11). وأمَّا من أراد المخالفة للخيرة فليتصدَّق قبل ذلك (12).
سادسًا: تقبُّل نتيجة الاستخارة وإن خالفت الرغبة
أحيانًا يستخير الإنسان فتأتي الخيرة بما يكره أو بما لا يرغب، فيشعر بالحزن، وربما يصل به الأمر إلى السخط على الله (سبحانه وتعالى) -والعياذ بالله-. مع ذلك، فإنَّ الاستخارة، في حقيقتها، تكون دائمًا لصالح الإنسان، حتى وإن بدت مخالفة لرغباته؛ ولهذا فإنَّ الإنسان لن يدرك الحكمة والمصلحة الكامنة في الاستخارة التي نهاه الله (تعالى) بها عن الإقدام على عمل ما، إلا في يوم القيامة، حيث تنكشف له الأمور على حقيقتها.
لذلك، فإنَّ السخط على الله (سبحانه وتعالى) أو اتهامه في قضائه وقدره يُعدُّ من الأمور المذمومة للغاية؛ لأنَّه ينافي التسليم لحكمته المطلقة ورحمته الواسعة، والإيمان الحقيقي يقتضي الرضا بما يختاره الله (تعالى) للعبد؛ لأنَّه الأعلم بمصلحته، حتى وإن خفيت عليه الحكمة في ظاهر الأمر. وعن بعض أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «قُلتُ لِأَبي عَبدِاللَّهِ (عليه السلام): مَن أبغَضُ الخَلقِ إلَى اللَّهِ؟
قالَ: مَن يَتَّهِمُ اللَّهَ.
قُلتُ: وأحَدٌ يَتَّهِمُ اللَّهَ؟!
قالَ: نَعَم، مَنِ استَخارَ اللَّهَ فَجاءَتهُ الخِيَرَةُ بِما يَكرَهُ فَسَخِطَ، فَذلِكَ يَتَّهِمُ اللَّهَ» (13).
وعن المفضل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ما اسْتَخارَ اللهَ (عزَّ وجلَّ) عَبدٌ مؤمنٌ إلَّا خارَ لَهُ، وإنْ وَقَعَ ما يَكْرَهُ» (14).
المحور الثَّالث: من أقسام الاستخارة
أوَّلًا: الاستخارة المنسوبة إلى الإمام صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)
«وهي: أن تأخذ سبحة ذات مائة حبَّة، فتسمي الله، ثمَّ تصلي على النبي وآله ثلاث مرَّات، ثمَّ تسمي الله، وتقبض بيدك قبضة من حبَّات السبحة فتعدها زوجًا زوجًا؛ فإن بقيت واحدة فالخيرة جيِّدة، وإن بقي زوج فالخيرة غير جيِّدة»(15).
ثانيًا: الاستخارة بالرقاع
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إِذَا أَرَدْتَ أَمْرًا فَخُذْ سِتَّ رِقَاعٍ، فَاكْتُبْ فِي ثَلَاثٍ مِنْهَا: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ خِيَرَةً مِنْ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانَةَ افْعَلْه، وَفِي ثَلَاثٍ مِنْهَا: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ خِيَرَةً مِنَ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانَةَ لَا تَفْعَلْ، ثُمَّ ضَعْهَا تَحْتَ مُصَلَّاكَ، ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ؛ فَإِذَا فَرَغْتَ فَاسْجُدْ سَجْدَةً وَقُلْ فِيهَا مِائَةَ مَرَّةٍ: أَسْتَخِيرُ الله بِرَحْمَتِه خِيَرَةً فِي عَافِيَةٍ، ثُمَّ اسْتَوِ جَالِسًا وَقُلِ: اللَّهُمَّ خِرْ لِي وَاخْتَرْ لِي فِي جَمِيعِ أُمُورِي فِي يُسْرٍ مِنْكَ وَعَافِيَةٍ، ثُمَّ اضْرِبْ بِيَدِكَ إِلَى الرِّقَاعِ فَشَوِّشْهَا وَأَخْرِجْ وَاحِدَةً؛ فَإِنْ خَرَجَ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ افْعَلْ فَافْعَلِ الأَمْرَ الَّذِي تُرِيدُه، وَإِنْ خَرَجَ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ لَا تَفْعَلْ فَلَا تَفْعَلْه، وَإِنْ خَرَجَتْ وَاحِدَةٌ افْعَلْ وَالأُخْرَى لَا تَفْعَلْ فَأَخْرِجْ مِنَ الرِّقَاعِ إِلَى خَمْسٍ فَانْظُرْ أَكْثَرَهَا فَاعْمَلْ بِه وَدَعِ السَّادِسَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَيْهَا» (16).
ثالثًا: الاستخارة بالقرآن الكريم
«إذا أردت أن تتفاءل بكتاب الله، فاقرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات، ثمَّ صلِّ على النبي وآله ثلاثًا، ثمَّ قل: اللَّهُمَّ إنّي تفاءلت بكتابك، وتوكلت عليك، فأرني من كتابك ما هو مكتوم من سرك المكنون في غيبك. ثمَّ افتح القرآن وخذ الفأل من الخط الأول في الجانب الأول، من غير أن تعد الأوراق والخطوط»، وكذا أُورد مسندًا إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)(17).
رابعًا: الاستخارة بالاستشارة
عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إِذا أَرادَ أَحَدُكُمْ أَمْرًا فَلا يُشاوِرْ فيهِ أَحَدًا حَتّى يَبْدَأَ فَيُشاوِرَ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ).
فَقيلَ لَهُ: ما مُشاوَرَةُ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ)؟
قالَ: يَسْتَخيرُ اللهَ فيهِ أَوَّلًا، ثُمَّ يُشاوِرُ فيهِ، فَإِنَّهُ إِذا بَدَأَ بِاللهِ أَجْرَى الله لَهُ الْخَيْرَ عَلى لِسانِ مَنْ شاءَ مِنَ الْخَلْقِ»(18).
خامسًا: الاستخارة بالدعاء فقط
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أستَخيرُ اللهَ، وأَستَقدِرُ الله، وأَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، أرَدتُ أمْرًا فَأَسأَلُ إلهي إن كانَ ذلِكَ لَهُ رِضًا أن يَقضِيَ لي حاجَتي، وإن كانَ لَهُ سَخَطًا أن يَصرِفَني عَنهُ، وأَن يُوَفِّقَني لِرِضاهُ»(19).
هذه بعض أنواع الاستخارة، ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ أصعب أنواع الاستخارة هي الاستخارة بالقرآن الكريم؛ إذ تتطلَّب من صاحبها علمًا ومعرفة عميقة بكيفية استخراج الدلالات من الآيات القرآنية. فالاستخارة بالقرآن ليست مجرد قراءة عابرة؛ بل تحتاج إلى فقه في تفسير الآيات، وفهم السياق بشكل صحيح؛ لتتمكَّن من استنباط الإجابة الصحيحة التي توجه الشخص نحو الخيار الأنسب.
وممَّا يُروى في هذا المجال أنَّه «درس الشيخ مرتضى الأنصاري في بداية شبابه عند المرحوم شريف العلماء في حوزة كربلاء المقدسة، ثمَّ عاد إلى شوشتر الإيرانية، فلم ترضَ أمه أن يرجع إلى كربلاء ليواصل دراسته، فألحَّ عليها كثيرًا؛ ولكن دون جدوى، وأخيرًا وافقت على الاستخارة بالقرآن الحكيم... فإن كانت الآية تكشف عن وجوب ذهاب ولدها وافقت على ذهابه، وإلا فلا!
فاستخار الشيخ مرتضى، وظهرت الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾(20)، فأسرَّتها الآية، ووافقت على ذهابه.
فذهب الشيخ مرتضى، وصار من كبار العلماء والمراجع الذين عادت إليهم الرئاسة الكبرى للمسلمين والشيعة في العالم»(21).
وممَّا تقدَّم يتبيَّن أنَّ الاستخارة تمثِّل منهجًا شرعيًا متكاملًا في التعامل مع موارد الحيرة، يقوم على الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله (تعالى)، فلا تنفصل عن التفكير السليم، ولا تغني عن المشورة، ولا تُستعمل لتغيير الأحكام الشرعية أو تجاوزها، وإنَّما شُرعت لتكون عونًا للمؤمن عندما يشتبه عليه وجه المصلحة بعد بذل وسعه في البحث والتحقيق.
وقد كشفت النصوص الشريفة أنَّ الاستخارة عبادة قبل أن تكون وسيلة للاختيار، فهي تغرس في النفس حسن الظن بالله (تعالى)، والرضا بقضائه، والثقة بحكمته، وتربي المؤمن على تفويض الأمر إلى من أحاط بكل شيء علمًا، فيطمئن قلبه إلى ما يختاره الله (سبحانه) له، سواء وافق رغبته أم خالفها، إيمانًا بأنَّ الخير فيما يقدره (سبحانه) لعباده.
كما ظهر أنَّ للاستخارة ضوابط وحدودًا ينبغي مراعاتها، فلا تكون في الواجبات ولا في المحرَّمات ولا في المستحبات الواضحة الرجحان. ويكون محلها موارد التحيّر بين الأمور المباحة أو عند التزاحم بين المصالح، بعد استنفاد وسائل المعرفة والاستشارة. ومن هنا كانت المعرفة الصحيحة بأحكامها وآدابها ضرورة لتصحيح كثير من الممارسات الخاطئة التي نشأت عن سوء فهم حقيقتها أو التوسع في استعمالها خارج مواردها المشروعة.
وفي ضوء ذلك، فإنَّ المؤمن إذا جمع بين إخلاص النية، وإعمال العقل، والإفادة من مشورة أهل الخبرة، ثمَّ لجأ إلى الله (تعالى) بالاستخارة، كان أقرب إلى الإصابة، وأبعد عن الندم، ونال من بركات التوكل والتسليم ما يورثه سكينة النفس وطمأنينة القلب. وهذا هو المقصد الأسمى الذي أرادت الشريعة ترسيخه، وهو أن يبقى العبد متصلًا بربه (سبحانه) في جميع شؤونه، مستعينًا به، راضيًا باختياره، واثقًا بأن تدبير الله (تعالى) خير من تدبيره لنفسه، مصداقًا لقوله (سبحانه): ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (22).



اضف تعليق