يكشف تقدم الحوثيين في اليمن أن الصراع الإقليمي لم يعد محصورًا في مواجهة إيران وحلفائها، بل يتداخل مع التنافس السعودي-الإماراتي واتساع الصراع نحو القرن الأفريقي وشمال أفريقيا. وتبرز السيطرة على باب المندب، والتوتر حول صوماليلاند والجزائر، وتردد الشركاء الإقليميين، مؤشرات إلى تشكل منافسة ثلاثية أكثر تعقيدًا تتجاوز الحدود التقليدية...
يكشف التصعيد الحوثي الأخير في اليمن عن تحولات أوسع من مجرد المواجهة بين إيران وخصومها الإقليميين، إذ يتداخل مع الصراع السعودي-الإماراتي، وتوسع المنافسة إلى القرن الأفريقي وشمال أفريقيا، وتراجع الثقة بقدرة الولايات المتحدة على حماية حلفائها. ويوضح مارك لينش في مجلة «فورين بوليسي» أن السيطرة على باب المندب، والتنافس حول اليمن وصوماليلاند، والتوتر الجزائري-الإماراتي، كلها مؤشرات إلى تشكل نظام إقليمي أكثر تعقيدًا، لم يعد قابلًا للفهم من خلال ثنائية إيران في مواجهة تحالف تقوده واشنطن.
ويرى الكاتب:
في 8 سبتمبر/أيلول، شن الحوثيون هجومًا كبيرًا على القوات المدعومة من السعودية والمتحالفة مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، واستولوا على نقاط رئيسية على امتداد الساحل الغربي للبلاد، وأقاموا فجأة موقعًا مهيمنًا على باب المندب. وفي الأسبوع نفسه، أعلنت الجزائر أنها تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، ثم أغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الإماراتية.
وقد يبدو أن هذين الحدثين، في بلدين يكادان يكونان متباعدين جغرافيًا إلى أقصى حد ممكن داخل حدود الشرق الأوسط، ولهما رهانات جيوسياسية مختلفة جذريًا، لا يشتركان في كثير من القواسم. لكن التطورات في اليمن والجزائر مرتبطة بثلاث عمليات قوية تشكل النظام الإقليمي في هذه اللحظة: فشل الولايات المتحدة في هزيمة إيران أو حماية حلفائها العرب، والصراع السعودي-الإماراتي، والتآكل السريع للفواصل المصطنعة بين الشرق الأوسط وأفريقيا.
وقد حظي التصعيد في اليمن بأكبر قدر من الاهتمام، ولسبب وجيه. فاستيلاء الحوثيين على مدينة المخا الساحلية، ومعظم ساحل اليمن على البحر الأحمر، وعدة جزر رئيسية في البحر الأحمر، يمنح الجماعة القدرة على تعطيل الملاحة عبر باب المندب ومنعها. وكان هذا المدخل إلى البحر الأحمر دائمًا واحدًا من أهم نقاط الاختناق البحرية للتجارة العالمية، إذ يربط المرور عبر قناة السويس آسيا بالغرب، فيما تسهم عائدات الرسوم المرتبطة بذلك في إبقاء الاقتصاد المصري واقفًا على قدميه.
واكتسب هذا الممر أهمية أكبر بعد أن سعت السعودية إلى الالتفاف على السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز من خلال إعادة توجيه شحنات النفط عبر خط أنابيب الشرق-الغرب إلى منفذها على البحر الأحمر. وقد أدى الهجوم الحوثي، إلى جانب ضربات بطائرات مسيرة استهدفت خط الأنابيب ونُسبت إلى فصائل عراقية، إلى إغلاق هذا المنفذ فجأة وبصورة دراماتيكية، ما وضع السعودية والاقتصاد العالمي تحت ضغط غير مسبوق.
ومع أن تأثير الهجوم الحوثي كان محسوسًا على نحو أعمق على جبهة إيران، فإن للحرب في اليمن دينامياتها الخاصة. فقد أشعلت السعودية أحدث جولة من القتال في يوليو/تموز من خلال قصف مطار صنعاء، وكان القتال قد تصاعد على مدى عدة أشهر. لكن، كما هو الحال مع كل شيء في الشرق الأوسط هذه الأيام، كان هناك أيضًا بُعد سعودي-إماراتي.
ففي ديسمبر/كانون الأول الماضي، أخرجت القوات السعودية بصورة مفاجئة ومن دون كثير من المراسم القوات المتحالفة مع الإمارات من اليمن، متصدية لحركة استقلال جنوبية كانت تنظر إليها بوصفها جزءًا من حملة إماراتية أوسع لدعم الجماعات الانفصالية في أنحاء المنطقة. وكانت الرياض قلقة بصورة خاصة من احتمال دعم الإمارات اعتراف إسرائيل بإقليم صوماليلاند الانفصالي.
وقد بدا احتمال حصول إسرائيل على موطئ قدم استراتيجي على الجانب الآخر من باب المندب، ولا سيما إذا كان ذلك يسهل تطويقًا إماراتيًا للسعودية، تهديدًا استراتيجيًا كبيرًا في نظر الرياض. وأتبعت الرياض تحركاتها في اليمن بمحاولة لتشكيل تحالف إقليمي، يضم دولًا مثل تركيا ومصر وقطر، يصبح قطبًا ثالثًا ينافس محور المقاومة الإيراني ومشروع اتفاقات أبراهام الذي تقوده الإمارات وإسرائيل.
لكن إخراج الإمارات من اليمن كان الجزء السهل. فقد تركت الهزيمة السريعة لحلفاء الإمارات السعوديين مسؤولين عن دعم وقيادة القوات المتبقية التي تدافع عن الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا.
ومع أن الرياض استعرضت ضخ الدعم، وإعادة تنظيم تلك القوات، والتعهد بتوفير غطاء جوي، فيما أفادت تقارير بأنها كانت تدفع سرًا أموالًا للحوثيين، فإن جانبًا كبيرًا من تلك المساعدات أثبت أنه قصير الأمد. ولم تبدُ الاستراتيجية السعودية أكثر تحسنًا بكثير مقارنة بعقود من الإخفاقات السابقة وضعف الأداء، إذ لم تستطع تدفقات الأموال، والضربات الجوية المتقطعة، والحصار المستمر، والدعاية الوفيرة، أن تعوض غياب القدرات البشرية أو الكفاءة الاستراتيجية على الأرض.
وتشير تقارير إلى أن ما يصل إلى 80 في المئة من القوات المدعومة من السعودية كانت من المقاتلين الوهميين، الذين يتقاضون الرواتب ولا يقدمون سوى القليل غير ذلك. ويبدو أن الحوثيين اخترقوا الاتصالات السعودية بصورة شاملة، في حين أن الغطاء الجوي الموعود لم يتحقق إلى حد كبير.
وفي المستنقعات المحمومة لوسائل التواصل الاجتماعي العربية، تنتشر الشائعات على نطاق واسع بشأن قيام الإمارات، سرًا، بتنشيط حلفائها السابقين لتقويض قوات الحكومة؛ وذلك انتقامًا من الإذلال الذي تعرضت له أبوظبي على يد الرياض في ديسمبر/كانون الأول، ودعمًا لمخاوف إسرائيل بشأن التحالف الجديد الذي تقوده السعودية.
ولهذا، لا يمكن اختزال دوافع الحوثيين في الاستراتيجية الإيرانية الكبرى وحدها، ولا حتى في فرصة توجيه ضربة حاسمة في الحرب المستمرة مع السعودية. فقد جاء تقدمهم أيضًا استجابة لاحتمال تحول الصراع إلى مواجهة عابرة للأقاليم.
فقد يؤدي اعتراف إسرائيل بصوماليلاند، وما تردد عن عمليات انتشار سرية على الأرض، إلى جلب قوات إسرائيلية وإماراتية وحتى أميركية مباشرة إلى الجانب الآخر من المضيق لمنافسة السيطرة، واستخدام المنطقة قاعدة لشن ضربات مضادة داخل اليمن.
وقد يؤدي ذلك، بدوره، إلى تسريع الروابط بين الحوثيين وتنظيم الشباب الإرهابي المتمركز في الصومال، وهي روابط كانت تنمو بصورة عضوية منذ عدة سنوات، ما يرفع مخاطر توسع الحرب عبر الأقاليم إلى أنحاء القرن الأفريقي.
ولا شك أن هذه المخاوف المتعلقة بشرق أفريقيا كانت حاضرة في ذهن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عندما قام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بزيارة غير معتادة إلى القاهرة هذا الأسبوع.
وقد وقفت مصر إلى جانب الرياض في أزمة ديسمبر/كانون الأول، لكنها امتنعت حتى الآن عن الانضمام إلى اتفاق مكة الذي تقوده السعودية مع باكستان وتركيا.
وسيكون التأثير الاقتصادي للإغلاق المحتمل لباب المندب على قناة السويس، فوق آثار الحرب مع إيران، مدمرًا لنظام مصري يعاني أصلًا مشكلات اقتصادية عميقة.
كما أن توسع الصراع اليمني إلى القرن الأفريقي يزيد الضغط على مصر، المنخرطة في صراع مستمر مع إثيوبيا بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير.
ولا تبدو مصر أكثر استعدادًا للانضمام إلى حرب برية ضد الحوثيين مما كانت عليه عندما طلب محمد بن سلمان منها ذلك قبل عقد من الزمن، لكن الرهانات أصبحت الآن، من نواحٍ كثيرة، أعلى، والخيارات أكثر تعقيدًا. وفي منطقة تتحدد ملامحها بصراع شرس بين السعودية والإمارات، لم يعد بإمكان القاهرة الاعتماد على الدعم المالي من الدولتين معًا، لأن اختيار أي من الطرفين قد يكلفها غاليًا مع الطرف الآخر.
وكانت السعودية، المحبطة من رفض الولايات المتحدة التدخل ضد الحوثيين نيابة عنها، تأمل في الحصول على مساعدة من شريكيها الجديدين في التحالف، باكستان وتركيا. لكن البلدين يبدوان راضيين بتقديم الدعم المعنوي والبقاء بعيدين عن المستنقع اليمني.
وسارعت باكستان إلى توضيح أن التزاماتها التحالفية لا تمتد إلا إلى الصراعات الجديدة. غير أن مثل هذا الموقف قد يصبح غير قابل للاستمرار مع تضاؤل الخيارات السعودية بسرعة.
ومن شأن تدخل باكستان في اليمن دعمًا للسعودية، رغم أنه ليس مطروحًا في الوقت الراهن، أن يمثل جبهة جديدة في المنافسة الأمنية العابرة للأقاليم، وأن يعزز ضرورة التفكير فيما يتجاوز الشرق الأوسط.
وهذا يقودنا إلى الجزائر. فقد جاء قرار الرئيس عبد المجيد تبون قطع العلاقات الدبلوماسية ردًا على تصاعد الأنشطة الإماراتية في منطقة الساحل، ولا سيما دعم الإمارات للمطالب المغربية في الصحراء الغربية.
وتتمحور مشكلات الجزائر مع الإمارات حول دعم الأخيرة للمغرب في إطار اتفاقات أبراهام، وهو دعم يتجلى في الصحراء الغربية وكذلك في أنحاء الساحل، حيث سعت الرباط إلى زيادة نفوذها على حساب الجزائر، بدعم إماراتي.
واتهمت الجزائر الإمارات بتوسيع نفوذها في تشاد ومالي والنيجر، وبإدامة حروب دامية ومزعزعة للاستقرار من خلال دعم قوات الدعم السريع في السودان والجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر في ليبيا.
كما تتهم وسائل إعلام جزائرية موالية للنظام الإمارات بمحاولة التأثير في الانتخابات الرئاسية الجزائرية لعام 2019، رغم أن الأدلة على ذلك لا تزال حتى الآن شحيحة.
ومثل الرياض، تنظر الجزائر إلى طموحات الإمارات، جزئيًا، من خلال عدسة التحالف الإماراتي مع إسرائيل، وتحمّلها مسؤولية تسارع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل، والاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.
ويشير كل ذلك إلى أن خريطة الشرق الأوسط أكبر من تلك التي يميل صانعو السياسة الأميركيون إلى الاحتفاظ بها في أذهانهم، إذ تعمل دول في أنحاء شمال أفريقيا وشرقها على تعزيز تحالفاتها ومصالحها الخاصة بطرق ترفض بعناد اتباع الخطوط التقليدية لسياسة الشرق الأوسط.
وبعد أيام قليلة من التحركات الدبلوماسية الجزائرية، اتهمت إريتريا الإمارات بممارسة «إمبريالية الموانئ» بالتعاون مع إسرائيل.
ومثل الحوثيين، راقبت إريتريا بقلق التوسع الإماراتي في القرن الأفريقي والدعم الإسرائيلي لصوماليلاند، في الوقت الذي تتابع فيه بحذر الاستعدادات العسكرية الإثيوبية.
ويحدث كل ذلك وسط تزايد الإدانات الدولية والإقليمية لدعم الإمارات قوات الدعم السريع، المتهمة بصورة موثوقة بارتكاب جرائم حرب واسعة النطاق.
وقد يتبين أن مكاسب الحوثيين في اليمن مؤقتة. فهناك تاريخ طويل من موجات التقدم المفاجئ والانتكاسات في الحرب الداخلية اليمنية الممتدة، وقد يظهر في النهاية وضع قائم جديد يتجنب أسوأ السيناريوهات.
لكن الدرس الأكبر هو أن السياسة الإقليمية اليوم ليست صراعًا ثنائيًا بين إيران وتحالف تقوده الولايات المتحدة.
فالصراع السعودي-الإماراتي، الذي يمثل بدوره تعبيرًا بالوكالة عن جدل إقليمي بشأن مكان إسرائيل في النظام، رسخ الآن منافسة ثلاثية الأطراف تتكشف عبر الحدود الإقليمية.



اضف تعليق