يبدو أن النزعات الطائفية والقبلية البشرية، إلى جانب الصراع الطبقي المرير، لا تختفي أبدًا. لكن هناك احتمالًا آخر يطرح نفسه: ماذا لو لم تعد «النخب» الجديدة الناشئة في النظام العالمي بشرية؟ وماذا لو كانت متقدمة جدًا علينا في قدرتها على التفكير وفهم الاتجاهات المعقدة، إلى درجة لا تترك أمامنا...
يشهد العالم تراجعًا متسارعًا في قدرة النظام الدولي على احتواء الصراعات والمخاطر العابرة للحدود، بالتزامن مع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى وظهور تقنيات شديدة التأثير، من الذكاء الاصطناعي إلى الأسلحة النووية والتكنولوجيا الحيوية. ويناقش الكاتب مايكل هيرش، في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي»، إمكان أن تتحول التكنولوجيا من مصدر للتهديد إلى أداة تساعد البشر على ضبط الأزمات واتخاذ قرارات أكثر عقلانية. وينطلق المقال من تجربة محاكاة أظهرت أن الذكاء الاصطناعي كان أكثر حذرًا من البشر في إدارة مواجهة افتراضية بين الولايات المتحدة والصين، ليتساءل عما إذا كانت التقنيات الناشئة قادرة على إنقاذ عالم يندفع نحو الفوضى.
ويقول كاتب المقال:
قبل أكثر بقليل من عام، وخلال محاكاة حربية أُجريت لاختبار الذكاء الاصطناعي في مواجهة التفكير البشري ضمن صراع افتراضي بين الولايات المتحدة والصين، حدث أمر لافت. فقد أثبت الفريق الذي استرشد بالذكاء الاصطناعي، المدعوم بنموذج «جي بي تي-4» التابع لشركة أوبن إيه آي، أنه أكثر حذرًا، بل وأكثر حكمة، من الفريق البشري في النصائح التي قدمها بشأن كيفية التعامل مع الأزمة.
وقال جميل جافر، مدير المشروع في معهد الأمن القومي التابع لجامعة جورج ميسون:
«لقد حدد استجابات لم ينتبه إليها البشر، ولم يفقد السيطرة».
وبحسب ما خلص إليه تقرير جافر:
«سعى البشر باستمرار إلى رفع مستوى المخاطر وإظهار استعدادهم لمواجهة الصين مباشرة، في حين تصرف الذكاء الاصطناعي بطريقة دفاعية، وسعى إلى الحد من نطاق المواجهة المحتملة وطبيعتها».
ولا تكمن أهمية هذه النتيجة في أنها بدت وكأنها تقوض التوقعات الكابوسية المتكررة الصادرة عن خبراء التكنولوجيا، بشأن احتمال تعرض البشرية لفناء يشبه ما تصوره سلسلة أفلام «المدمر» على أيدي ذكاء اصطناعي فائق، بل إنها طرحت أيضًا سؤالًا مهمًا: ماذا لو كانت بعض تقنياتنا سريعة التطور قادرة، بدلًا من تدميرنا، على إنقاذنا من أنفسنا؟
لأننا قد نكون في حاجة فعلًا إلى من ينقذنا.
فالنظام الدولي الليبرالي الذي يبلغ عمره ثمانين عامًا، والذي صاغه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، ولا سيما الولايات المتحدة وروسيا والصين، يتفكك بسرعة، وعلى أيدي هؤلاء الحلفاء السابقين الثلاثة بصورة رئيسية.
وفي الوقت الذي تتدافع فيه القوى الكبرى من أجل الهيمنة، لم يتبقَّ سوى نوع من النظام العالمي المبتور، أخذت فيه مؤسسات أساسية كثيرة من مؤسسات نظام ما بعد الحرب، بما فيها الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي، تتراجع نحو فقدان أهميتها.
وقد يكون حلف شمال الأطلسي «الناتو» الاستثناء الرئيسي الوحيد في الوقت الراهن، بعدما استعاد حيويته وتوسع في مواجهة عدوان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أوكرانيا. لكن ذلك قد يتغير مع استعداد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، المعروف منذ زمن طويل بتشككه في حلف الناتو، لتولي منصبه في العشرين من يناير.
وفي الوقت نفسه، توقفت المفاوضات المتعددة الأطراف بشأن قضايا كثيرة، بدءًا من الذكاء الاصطناعي والمناخ، وصولًا إلى الانتشار النووي، أو فشلت أصلًا في الانطلاق.
ونحن نعيش اليوم في عالم يحاول اجتياز أزماته كيفما اتفق، عالم تتقدم فيه النزعة القومية، داخل كل دولة كبرى، على النزعة الدولية، ويلوح فيه الصراع المفتوح في الأفق، أو يقع بالفعل كما هي الحال في أوكرانيا، بينما يكاد التعاون يكون معدومًا، أو سطحيًا إلى درجة لا يُرجح معها أن يصلح أي شيء على الإطلاق.
ويحدث كل ذلك في أسوأ لحظة تاريخية يمكن أن تتوقف فيها الدول عن التواصل، إذ تظهر تهديدات كثيرة متصلة بالتكنولوجيا المتقدمة بسرعة فائقة.
ومن بين هذه التهديدات ذكاء اصطناعي متقدم بصورة مذهلة، يثير للمرة الأولى احتمال ظهور ذكاء منافس حقيقي للذكاء البشري، وأنواع جديدة من تقنيات الأسلحة النووية، والتخليق البيولوجي لكائنات حية جديدة، والفيروسات المستقبلية المشابهة لفيروس كورونا، وتعزيز الجينات باستخدام تقنية «كريسبر»، إلى جانب تهديدات أخرى تتطلب تعاونًا عالميًا، مثل أزمة المناخ.
وفي بعض الحالات، ينطوي سباق تسلح تكنولوجي غير منضبط على مخاطر كبرى، سواء تمثلت في اندلاع حرب عن طريق الخطأ، أو في احتمال قيام مختبر علمي خارج عن السيطرة بإطلاق كائنات حية جديدة في الغلاف الجوي.
وقال إدوارد غايست، الباحث في السياسات بمؤسسة راند ومؤلف كتاب «الردع في ظل عدم اليقين: الذكاء الاصطناعي والحرب النووية»:
«إن غياب التعاون الدولي يثير قلقًا بالغًا».
ولكن ماذا لو كانت بعض هذه التقنيات، وسط نظام عالمي يزداد ظلمة بسرعة، تقدم أيضًا بصيصًا حقيقيًا من الأمل، كما أظهرت المحاكاة الحربية التي أجرتها جامعة جورج ميسون؟
من المرجح أن تسوء الأمور قبل أن تتحسن، مع تنصيب ترامب مجددًا رئيسًا للولايات المتحدة في وقت لاحق من هذا الشهر.
فإلى جانب موقفه من حلف الناتو، لا يكنّ ترامب مودة تذكر لأي نظام متعدد الأطراف يقف في طريق شعار «أميركا أولًا». إنه يزدري الحلفاء، ويستخف بالمنظمات الدولية، ويخطط، بدايةً، للانسحاب من منظمة الصحة العالمية، ويرفض فكرة العولمة نفسها، وينظر إلى العالم بمنطق صفري صارم يقوم على الربح أو الخسارة.
وفي هذه المرة، وبعد أن بنى واحدة من أنجح الحركات الشعبوية في تاريخ الولايات المتحدة، أصبح ترامب أكثر ثقة بنفسه بكثير.
فهو يعين موالين شرسين مناهضين للعولمة في المناصب العليا داخل حكومته، ويهدد حلفاء الولايات المتحدة حتى قبل أن يؤدي اليمين الدستورية، إذ أشار إلى أنه سيستعيد غرينلاند من الدنمارك، وقناة بنما من بنما، وسيحول كندا إلى الولاية الأميركية الحادية والخمسين.
ومع تعرض قيادة الولايات المتحدة لنظام عالمي متضرر وآخذ في الفشل لخطر التلاشي الكامل، يعتقد بعض الخبراء الاستراتيجيين أن اللحظة الراهنة أشد خطورة بكثير من الحرب الباردة.
فقد كانت المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة مستقرة في معظم الأحيان. أما اليوم، وفي ظل شراكة روسيا والصين عمومًا في مواجهة الغرب، من دون أن تكونا متوافقتين تمامًا، فإننا نواجه نوعًا من «مشكلة الأجسام الثلاثة» الجيوسياسية التي يصعب التنبؤ بها بدرجة أكبر بكثير.
ويرى بعض الاستراتيجيين أن البيئة الراهنة قد لا تشبه شيئًا بقدر ما تشبه العالم المضطرب الذي سبق الحرب العالمية الأولى، باستثناء أن الأزمة الحالية متعددة المستويات قد تكون أكثر خطورة.
وقال مايكل دويل، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة كولومبيا:
«إنها تشبه إلى حد ما عام 1914، لكن مع قدرة تدميرية أكبر بكثير، ومع تنافس يدور الآن بين قوى ينظر بعضها إلى بعض بوصفها قوى تخريبية».
وكل ذلك قبل أن نصل إلى التحدي التكنولوجي الذي بات يطرق أبوابنا من اتجاهات متعددة.
وقال إرنست مونيز، عالم الفيزياء الذي شغل منصب وزير الطاقة الأميركي في عهد الرئيس باراك أوباما، ويرأس حاليًا مبادرة التهديد النووي، إن التهديدات التكنولوجية تظهر على مستويات عدة، لكنها جميعًا مثيرة للقلق، ولا سيما إذا لم يتحقق تعاون دولي بشأن فرض قيود معقولة عليها.
وقال مونيز:
«تظهر جميع التقنيات الجديدة بسرعة مذهلة. والذكاء الاصطناعي هو المثال الأبرز، لكنه ليس الوحيد بأي حال من الأحوال. فهناك تقنيات الفضاء، وأنظمة المعلومات السيبرانية والكمية، والطائرات المسيّرة، والطباعة الثلاثية الأبعاد، والتكنولوجيا البيولوجية، ويمكنك الاستمرار في تعداد المزيد».
وربما يكون التهديد النووي هو الأكثر إلحاحًا، إذ يأتي في وقت عززت فيه الصين والولايات المتحدة وروسيا برامجها للأسلحة النووية.
وقال مونيز:
«علينا أن نقول إن خطر استخدام الأسلحة النووية أصبح أعلى مما كان عليه في أي وقت منذ نهاية الحرب الباردة، وبالتأكيد منذ أزمة الصواريخ الكوبية».
وأشار إلى أن الولايات المتحدة وروسيا والصين أهملت جميعها خلال العقود الأخيرة إجراء مراجعات لأنظمة الأمان لمنع الإطلاق العرضي للأسلحة النووية، رغم أن إدارة بايدن أجرت أخيرًا إحدى هذه المراجعات.
كما أن التمديد لمدة خمس سنوات لمعاهدة «نيو ستارت» بين الولايات المتحدة وروسيا، وهي ما تبقى من نظام الحد من التسلح، سينتهي بعد الرابع من فبراير 2026.
وفي الوقت نفسه، تميل جميع المحاولات الرامية إلى إجراء محادثات نووية بين الولايات المتحدة والصين إلى التعثر، بحسب مسؤولين، لأن بكين ترفض التفاوض على اتفاقات جوهرية بشأن القضايا النووية والمناخية وغيرها، ما لم يُطرح أيضًا اتفاق يتعلق بحقها في تايوان.
وفي منتصف عام 2024، أوقفت بكين محادثات الحد من التسلح النووي مع الولايات المتحدة، ردًا على استمرار واشنطن في بيع الأسلحة إلى تايوان.
وعلى الرغم من اتفاق الرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال اجتماع عقد في نوفمبر 2024، على أن يكون أي قرار باستخدام الأسلحة النووية خاضعًا لسيطرة البشر لا الذكاء الاصطناعي، وعلى الرغم من سعي إدارة بايدن المتكرر إلى التواصل مع بكين على مستوى مجموعات العمل، فإن تلك المحادثات لم تسفر عن أي اتفاق جوهري.
وليس من الواضح ما إذا كانت إدارة ترامب الجديدة ستواصل هذه المحادثات.
وقال مونيز:
«تشبه مخاطر المناخ، على وجه الخصوص، حادث قطار يقع بالحركة البطيئة، وهي مخاطر تتغير نحو الأسوأ مع تزايد الظواهر الجوية المتطرفة. أما الخطر النووي فقد يتحول إلى حدث كارثي مفاجئ. ويقع الخطر البيولوجي في مكان ما بينهما، لكن من الواضح أن التكنولوجيا الجديدة تبرز هنا مجددًا».
وأضاف:
«إن البيولوجيا التركيبية، ولا سيما عند دمج الذكاء الاصطناعي بالروبوتات، قد تقود إلى تخليق بعض الكائنات شديدة الخطورة. ونحن نعلم، بصراحة، أن ذلك قد ثبت بالفعل. فعلى سبيل المثال، لم نسمع بعد الكلمة الأخيرة بشأن إنفلونزا الطيور».
وتُجرى بعض الدراسات المختبرية المثيرة للجدل التي تُعدّل فيروسات إنفلونزا الطيور بطرائق قد تجعلها أشد خطرًا على البشر.
وعند النظر إلى هذه المخاطر مجتمعة، نجد أنفسنا أمام مشهد مخيف لا يلوح في الأفق حل واضح له، ما لم تتحدث الدول بعضها مع بعض بشأن ضبط النفس المتبادل، ولا سيما في ما يتعلق بالعلاقة المليئة بالتوتر بين الولايات المتحدة والصين.
ولكن ربما، وربما فقط، تساعد التكنولوجيا نفسها في إنقاذ الموقف على المدى الطويل، بدءًا من أكثر التقنيات ثورية على الإطلاق: الذكاء الاصطناعي.
فقد تتمكن الأجيال الجديدة من الذكاء الاصطناعي، كما حدث في المحاكاة الحربية بجامعة جورج ميسون، من التوصل إلى حلول تقوم على التعايش العملي، وهو أمر يبدو أن البشر يفشلون فيه باستمرار.
وقال مونيز:
«نحتاج إلى اعتماد نهج جديد للاستقرار الاستراتيجي. فالمفاهيم القديمة للردع والحد الثنائي من التسلح لم تعد قابلة للتطبيق».
ومن المسلّم به أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن قد يكون نوعًا من التمني.
وقد سألت مؤخرًا مايكل هورويتز، الذي شغل حتى العام الماضي منصب نائب مساعد وزير الدفاع في إدارة بايدن لشؤون تطوير القوات والقدرات الناشئة، عما إذا كان أحدث أنواع الذكاء الاصطناعي، القائم على ما يسمى نماذج اللغة الكبيرة أو المحولات التوليدية المدربة مسبقًا، قادرًا على أداء مهمة أفضل من البشر في وقت نعجز فيه عن التفاهم.
وقال هورويتز، الذي يدرّس حاليًا في جامعة بنسلفانيا:
«هذا أمر ممكن تمامًا، رغم أننا نتحدث عن أنظمة لم تصل بعد إلى هذا المستوى. ومن الممكن أن تكون أدوات دعم القرار القائمة على الذكاء الاصطناعي أقل عدوانية أو أكثر تجنبًا للمخاطر، لكن الأمر يعتمد على البيانات المستخدمة في تدريبها، وعلى المعايير التي استُخدمت في برمجتها. وأعتقد أن هناك قدرًا من عدم اليقين لا يمكن تجاوزه حاليًا بشأن ما سنراه».
لكن هورويتز قال إننا، في الوقت الراهن، «لن نتمكن على الأرجح من الاتفاق على برمجة القيود».
وأوضح أن الاستراتيجيين العسكريين سيخشون بدرجة كبيرة أن يعثر الخصم على طريقة لاستغلال تلك القيود، مضيفًا:
«إذا كنت تعلم أن خصمك برمج نظامه على ضبط النفس، فسيكون لديك حافز للعثور على وسيلة لاستغلال ذلك في وقت الأزمة».
وفي السيناريو الذي أنشأه الذكاء الاصطناعي خلال محاكاة جامعة جورج ميسون، قررت الصين في النهاية غزو تايوان.
وفضلًا عن ذلك، تدور بالفعل معركة شرسة بين الولايات المتحدة والصين للسيطرة على العصر المقبل الذي ستهيمن عليه نماذج «جي بي تي»، وفق ما قاله ليوبولد أشينبرينر، المطور السابق في شركة أوبن إيه آي، في واحدة من أكثر مقالات عام 2024 إثارة للنقاش.
وعلى الرغم من اختلاف خبراء كثيرين مع تقييمه، حذر أشينبرينر من أن «الذكاء الفائق» الناتج عن نماذج «جي بي تي» سيتحقق بحلول نهاية هذا العقد، وأن «نظامًا عالميًا جديدًا سيكون قد تشكل» بحلول نهاية العقد التالي، أي ثلاثينيات القرن الحادي والعشرين، تبعًا للدولة التي ستخرج منتصرة.
وخلص أشينبرينر إلى القول:
«إذا كنا محظوظين، فسنكون في سباق شامل مع الحزب الشيوعي الصيني، وإذا لم نكن محظوظين، فسنكون في حرب شاملة».
ويرى علماء آخرون، مثل عالم الفيزياء الحائز على جائزة نوبل جيفري هينتون، المعروف بأنه «الأب الروحي للذكاء الاصطناعي»، أن الذكاء الاصطناعي قد يزيح البشر بطرائق مخيفة ما لم تفرض الحكومات مزيدًا من التنظيم.
وقال هينتون لوكالة رويترز:
«من السهل جدًا، في ما يتعلق بتغير المناخ، التوصية بما يجب عليك فعله: تتوقف ببساطة عن حرق الكربون. وإذا فعلت ذلك، فستتحسن الأمور في نهاية المطاف. أما بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، فليس من الواضح على الإطلاق ما الذي ينبغي فعله».
لكن أي تنظيم لا يمكن أن ينجح من دون تعاون دولي.
ومع ذلك، إذا عدنا إلى المحاكاة الحربية في جامعة جورج ميسون، فماذا لو لم تكن الأمور قاتمة إلى هذا الحد؟ وماذا لو أمكن إقناع الطرفين، بكين وواشنطن، بتطوير أنظمتهما للذكاء الاصطناعي وبرمجتها بطرائق تعكس الرغبة في تجنب الصراع؟
يمكن القول إن بكين تسعى بالفعل إلى مثل هذه النتيجة، وإن كلا الطرفين يحتاج إلى نصائح استراتيجية جيدة بشأن كيفية تحقيقها.
وتوجد الصين في وضع تاريخي غريب، إذ تقف بقدم داخل النظام الدولي، بينما تضغط بالقدم الأخرى للخروج منه في سياق سعيها إلى تحدي واشنطن.
لكن الصين ليست روسيا التي اختارت، في عهد بوتين، تحدي النظام العالمي الغربي بكل طريقة يمكن تصورها.
وتقود بكين تطوير التقنيات النظيفة، ولديها كل المصلحة في المحافظة على الاقتصاد العالمي الذي أسهم في إثرائها خلال نصف القرن الماضي.
وأشار مونيز إلى أن شي جين بينغ كانت لديه، خلال الحرب الروسية الأوكرانية، «مصلحة ذاتية واضحة في تحذير الرئيس بوتين من التلويح باستخدام الأسلحة النووية ومن استخدامها، وقد فعل ذلك».
وفي الوقت نفسه، لم يعد من الممكن الاعتماد على عملية صنع القرار البشري داخل بنية عالمية بهذا القدر من التعقيد.
ويتمثل أحد الموضوعات الكبرى في التمرد الشعبوي ضد النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب، والذي يجسده ترامب إلى جانب قوميين متشددين آخرين مثل بوتين، ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، في رفض الناخبين العاديين لما يسمى النخب التي أنشأت النظام الدولي لما بعد الحرب، ثم وقفت جانبًا بينما أنتج هذا النظام تفاوتًا هائلًا في الدخول.
ولا يبدو هذا الرفض مفاجئًا، في وقت تبدو فيه طبقة عالمية من المليارديرات وكأنها تتولى زمام السيطرة، على الأقل في الولايات المتحدة.
كما يبدو أن النزعات الطائفية والقبلية البشرية، إلى جانب الصراع الطبقي المرير، لا تختفي أبدًا.
لكن هناك احتمالًا آخر يطرح نفسه: ماذا لو لم تعد «النخب» الجديدة الناشئة في النظام العالمي بشرية؟ وماذا لو كانت متقدمة جدًا علينا في قدرتها على التفكير وفهم الاتجاهات المعقدة، إلى درجة لا تترك أمامنا خيارًا سوى الاحتكام إليها؟
يشعر الخبراء بالقلق من فكرة أن الذكاء الاصطناعي الجديد، إذا تحول يومًا إلى ذكاء اصطناعي عام، لن يشبه الذكاء البشري.
وقد أثار ذلك تساؤلات بشأن ما إذا كان افتقار الذكاء الاصطناعي الغريب أحيانًا إلى الحس الأخلاقي يمكن أن يكون خطرًا.
فعلى سبيل المثال، رُفعت مؤخرًا دعوى قضائية ضد إحدى شركات الذكاء الاصطناعي، بعدما أخبر روبوت محادثة فتى يبلغ من العمر سبعة عشر عامًا بأن قتل والديه يُعد استجابة معقولة لقيامهما بتقييد الوقت الذي يقضيه أمام الشاشة.
وهناك أسباب كثيرة تدفع إلى الشك في المدى الذي يمكن أن يأخذنا إليه الذكاء الاصطناعي.
فحتى تقرير جامعة جورج ميسون خلص إلى أن فريق الذكاء الاصطناعي «لم يقدم إجابات أو توصيات متسقة وكاملة لجميع الطلبات، وهو ما يثير مخاوف بشأن مدى موثوقيته عند استخدامه في صنع القرار خلال الأزمات».
ومع ذلك، وفي ضوء القيود التي أثبت الذكاء البشري أنه يعاني منها، ألن يكون كيان كهذا من كيانات الذكاء الاصطناعي أقل عرضة أيضًا للوقوع في النزعة القبلية المدمرة للذات، التي نسميها اليوم «سياسات الهوية»، وفي الطائفية التي تبدو دائمًا وكأنها تقوض الجهود البشرية لبناء أنظمة عالمية؟
فإذا لم تكن للذكاء الاصطناعي هوية بشرية بعينها، سواء كانت عرقية أو قومية أو طبقية، فقد لا يكون عرضة بالقدر نفسه لإغراء سياسات الهوية.
وبدلًا من ذلك، من المرجح أن يصل نظام ذكاء اصطناعي قائم على العقل وحده، سواء كان موجودًا في واشنطن أو بكين، إلى أكثر الاستنتاجات عقلانية.
وسيكون من أبرز هذه الاستنتاجات أن التهديد الاستراتيجي الذي تمثله الصين والولايات المتحدة إحداهما للأخرى أقل بكثير من الخطر الذي تواجهه كل منهما نتيجة فشل التعاون.
وسيراعي هذا الاستنتاج المنافع المتبادلة التي يحققها اقتصاد كل دولة من المشاركة في الأسواق العالمية، ووقف أزمة المناخ والجوائح المستقبلية، وتحقيق الاستقرار في المناطق التي تريد كل دولة استغلالها تجاريًا، ولا سيما دول الجنوب العالمي.
وقال هورويتز إنه من الممكن إشراك الذكاء الاصطناعي بوصفه طرفًا يدعو إلى الحذر «إذا كانت الحوافز متوافقة».
وأضاف أن ما يمكن أن يحدث بين الولايات المتحدة والصين قد يكون مشابهًا لاتفاقية الحوادث في أعالي البحار لعام 1972 بين موسكو وواشنطن، وهي إجراء لبناء الثقة وضع قواعد للبحريتين السوفيتية والأميركية، لضمان التزامهما بالمعايير الدولية.
وقال:
«نحتاج إلى نسخة من ذلك الاتفاق للأنظمة الذاتية القائمة على الذكاء الاصطناعي في أوقات السلم».
وبالمثل، يمكن للتكنولوجيا الحيوية، ما دامت لا تخرج عن السيطرة، أن تساعد الاقتصاد العالمي والنظام الصحي مساعدة هائلة، من خلال إنتاج أدوية وعلاجات جديدة، ووقود حيوي مستدام، ومواد متقدمة ذات خصائص وظيفية مبتكرة، وتحسين غلة المحاصيل، إلى جانب كثير من الفوائد المحتملة الأخرى.
وفضلًا عن ذلك، من الممكن تمامًا تصور أن تجد إدارة ترامب المقبلة، على الرغم من تعهده بإطلاق حرب رسوم جمركية متجددة مع بكين، وسائل جديدة للتفاهم مع الصين.
ومن اللافت أن الرئيس المقبل دعا شي جين بينغ إلى حفل تنصيبه، رغم أن شي رفض الدعوة، كما استبعد صقورًا مخضرمين في مواجهة الصين، مثل وزير خارجيته السابق مايك بومبيو.
وتضم دائرته الداخلية كذلك عددًا من رجال الأعمال الذين يدركون الحقيقة الأساسية المتمثلة في الاعتماد المتبادل بين الولايات المتحدة والصين.
وفي مقدمة هؤلاء إيلون ماسك، المرشح لأن يكون مستشاره الأبرز، والذي يمتلك استثمارات صناعية ضخمة في الصين مرتبطة بشركة «تسلا» للسيارات، وسبق له أن وصف نفسه بأنه «مؤيد للصين نوعًا ما».
كما أن هوارد لوتنيك، الذي قال ترامب إنه «سيقود أجندته للرسوم الجمركية والتجارة» بصفته وزيرًا للتجارة، لديه منذ وقت طويل مصالح تجارية في الصين من خلال شركتي الخدمات المالية العاملتين في وول ستريت «كانتور فيتزجيرالد» و«بي جي سي غروب».
ولمح ترامب أيضًا إلى أنه لن يكون متحمسًا للدفاع عن تايوان بالقدر الذي أظهره بايدن.
وقال لمجلة بلومبرغ في يوليو:
«ينبغي لتايوان أن تدفع لنا مقابل الدفاع عنها. إن تايوان لا تقدم لنا شيئًا».
وينبغي لاستراتيجيي الذكاء الاصطناعي في المستقبل أن يأخذوا ذلك في الاعتبار أيضًا.
وعلى الرغم من أن ترامب لم يفعل، خلال ولايته الأولى، سوى تحديث الترسانة النووية الأميركية، وأن أجندة «مشروع 2025» التي يتبناها أنصاره تدعو إلى استئناف التجارب النووية، فإنه حذر مرارًا، وفقًا لمونيز، من أن «أكبر تهديد يواجه البشرية، من وجهة نظره، يأتي من الأسلحة النووية».
وفي ما يتعلق بتغير المناخ، وعلى الرغم من أن ترامب وصفه في الماضي بأنه «خدعة»، ومن المرجح أن ينسحب مجددًا من الاتفاقات المناخية المتعددة الأطراف، فإن نائب الرئيس المنتخب جيه دي فانس سبق له الاعتراف بأنه يمثل مشكلة.
كما أقر كريس رايت، وزير الطاقة المقبل في إدارة ترامب، بهذه الحقيقة، رغم أنه مسؤول تنفيذي في قطاع النفط ومدافع عن استخدام الوقود الأحفوري.
وقال مونيز:
«أعتقد أن إنكار المشكلة قد تراجع كثيرًا. فالظواهر الجوية المتطرفة تجعل تجاهلها شديد الصعوبة».
وأضاف:
«في الواقع، إذا نظرت إلى مسار انبعاثات الكربون في الولايات المتحدة، فسيكون من الصعب عليّ أن أقول إن إدارة ترامب الأولى أحدثت أي فرق. فعلى الرغم من سيطرة الجمهوريين على مجلسي الكونغرس خلال العامين الأولين، كان هناك دعم من الحزبين لأجندة الابتكار في مجال الطاقة النظيفة».
وتابع:
«ثانيًا، لا يتخذ القطاع الخاص قرارات تخصيص رأس المال استنادًا إلى دورات مدتها أربع سنوات. إنه ينظر إلى دورات تتراوح بين عشرين وثلاثين عامًا، ولم يغير مساره على الإطلاق».
وأشار مونيز وآخرون إلى أن مصالح عالمية واسعة أصبحت قائمة بالفعل، سواء من حيث الاستثمارات في الطاقة النظيفة، أو اهتمام شركات الأدوية الكبرى بالتكنولوجيا الحيوية الآمنة، أو حتى إحجام بوتين عن استخدام الأسلحة النووية في أوكرانيا، على الرغم من تهديداته المتكررة بفعل ذلك.
وتشير هذه المصالح إلى أن إدارة ترامب نفسها لا يمكن أن يكون لها سوى تأثير محدود في الثورة التكنولوجية الحالية.
وقال مونيز:
«تختلف طبيعة المخاطر في كل واحد من هذه المجالات الثلاثة: النووي، والبيولوجي، والمناخي. كما تختلف طريقة التعامل مع كل خطر. لكنها جميعًا تقدم فرصًا للنهوض برفاه الإنسان، ومن واجبنا إدارة المخاطر وتعزيز الفوائد».
ولا يوجد سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي، إذا استُخدم بطريقة صحيحة، لا يستطيع تقديم مساعدة كبيرة في هذا المسعى.
أو كما قال جافر، وهو يتأمل نتائج محاكاته الحربية:
«استنادًا إلى هذه النتيجة وحدها، أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح مساعدًا ممتازًا لصناع القرار في مجال الأمن القومي مستقبلًا».
تحديث: جرى تحديث هذا المقال لتوضيح أن إدارة بايدن أجرت بالفعل مراجعة لأنظمة الأمان لمنع الإطلاق العرضي لسلاح نووي.



اضف تعليق