مكافحة الفساد تحتاج إلى الانتقال من رد الفعل إلى الوقاية، فالرقابة التي تبدأ بعد ضياع المال العام تكون أقل فاعلية من الرقابة التي تمنع حدوث التجاوز منذ البداية، ويتطلب ذلك وضوح الصلاحيات وتوثيق الإجراءات، وتقليل التعاملات التي تسمح بالتدخل الشخصي، وتعزيز الرقابة الداخلية والخارجية، فضلا عن إتاحة قنوات آمنة للإبلاغ عن حالات الفساد...
ما تزال قضية الفساد الإداري والمالي واحدة من أكثر القضايا التي تستنزف مؤسسات الدولة وتضعف ثقة المواطن بها، خصوصا عندما يشعر الناس أن الإجراءات المتخذة لمواجهته لا تتجاوز حدود المعالجة الشكلية، بينما تبقى الأسباب الحقيقية والجذور التي تسمح بظهوره واستمراره قائمة داخل بعض المؤسسات.
فمكافحة الفساد لا يمكن أن تتحول إلى مجرد بيانات وتصريحات أو إجراءات مؤقتة تظهر عند وقوع قضية ثم تتراجع بعد انتهاء الاهتمام بها، فهي تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالوقاية، وتصل إلى التحقيق والمحاسبة واسترداد الأموال وتعزيز الرقابة.
المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في وجود حالة فساد هنا أو مخالفة هناك، فالأخطر هو تحول الفساد إلى سلوك يجد لنفسه منافذ داخل الجهاز الإداري، مستفيدا من التعقيدات والضعف الرقابي وتداخل الصلاحيات، فعندما يشعر الموظف أو المسؤول أو المتعامل مع المؤسسة الحكومية أن احتمال اكتشاف المخالفة محدود، وأن العقوبة يمكن تجاوزها أو تأخيرها، فإن البيئة تصبح أكثر قابلية لانتشار الفساد.
ومن المؤشرات التي تستحق التوقف عندها قضايا الكسب غير المشروع وما يرتبط بها من شبهات تتعلق باستغلال الوظيفة أو النفوذ لتحقيق منافع مالية، فالأصل أن تكون الوظيفة العامة مسؤولية مرتبطة بخدمة المواطنين وحماية المال العام، وليست وسيلة للحصول على منافع شخصية.
وعندما تظهر قضية تتضمن دفع مبلغ من المال في مقابل الإفراج عن متهم أو تخفيف إجراء قانوني بحقه فإن الواقعة، إذا ثبتت أمام الجهات المختصة، تكشف عن مشكلة تتجاوز الشخص المعني إلى آلية العمل التي سمحت بحدوث مثل هذا التصرف.
فدفع المال للحصول على الإفراج أو التأثير في مسار إجراء قانوني يمثل، -عند ثبوته- مؤشرا خطيرا على وجود خلل في منظومة النزاهة والرقابة، فالإجراء القانوني يجب أن يستند إلى القانون والأدلة وقرارات الجهات القضائية المختصة، وليس إلى قدرة أحد الأطراف على دفع المال أو استخدام النفوذ، ومن هنا تظهر أهمية التحقيق المستقل والشفاف في مثل هذه الوقائع.
وتزداد خطورة المشكلة عندما تتحول الإجراءات المضادة للفساد إلى إجراءات شكلية، فقد يتم تشكيل لجنة للتحقيق، أو إصدار توجيه إداري، أو الإعلان عن اتخاذ تدابير بحق بعض الموظفين، ثم تنتهي القضية من دون معالجة الظروف التي سمحت بالمخالفة. وفي هذه الحالة يصبح التعامل مع الفساد قريباً من معالجة النتائج بدلاً من معالجة الأسباب.
مكافحة الفساد تحتاج إلى الانتقال من رد الفعل إلى الوقاية، فالرقابة التي تبدأ بعد ضياع المال العام تكون أقل فاعلية من الرقابة التي تمنع حدوث التجاوز منذ البداية، ويتطلب ذلك وضوح الصلاحيات وتوثيق الإجراءات، وتقليل التعاملات التي تسمح بالتدخل الشخصي، وتعزيز الرقابة الداخلية والخارجية، فضلا عن إتاحة قنوات آمنة للإبلاغ عن حالات الفساد، مع حماية المبلغين من الضغوط والانتقام.



اضف تعليق