إن شعار «من أطباق نظيفة إلى مدن نظيفة» يمثل مفهوماً ذكياً يربط السلوك اليومي بالمواطنة البيئية. النظافة الحقيقية لا تكمن في شوارع مرفوعة النفايات ظاهرياً، بل في طريقة التعامل مع الفضلات ومنع هدر الغذاء والماء والطاقة، وتحويل المعرفة الأكاديمية من صفحات المحاضرات إلى ممارسات حية داخل المجتمع...

قد ينتهي الطعام من الطبق خلال دقائق، لكن أثره في الماء والطاقة والنفايات قد يبقى طويلًا. وبين مائدة تبدو نظيفة ومدينة تسعى إلى النظافة، تفاصيل يومية صغيرة تصنع فرقًا كبيرًا: ماذا نشتري؟ كم نستهلك؟ ماذا نهدر؟ وأين تذهب البقايا بعد أن تختفي من أمامنا؟

من هنا يكتسب شعار اليوم العالمي لتنظيف البيئة لعام 2026، «من أطباق نظيفة إلى مدن نظيفة»، معنى يتجاوز النظافة بمعناها الظاهر، ليطرح أسئلة أوسع عن سلوك الاستهلاك، وهدر الغذاء، وإدارة المخلفات، وحماية موارد الماء والطاقة. وفي العراق، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا في ظل تحديات النفايات وشح الموارد والحاجة إلى تحويل الوعي البيئي من خطاب موسمي إلى ممارسة يومية.

لكن هل تكفي حملات التوعية؟ وهل يمكن للجامعة أن تغيّر سلوك الطالب كما تغيّر معارفه؟ وهل تتحول بقايا الطعام من عبء على المدينة إلى مورد يمكن الاستفادة منه؟

حول هذه الأسئلة وغيرها، نحاور الأستاذة الدكتورة أماني إبراهيم التميمي، عميدة كلية علوم الطاقة والبيئة سابقًا والناشطة في مجال البيئة والتعليم الأخضر، في حوار يفتح ملف العلاقة بين الطبق والمدينة، وبين المعرفة والسلوك، وبين ما نرميه اليوم وما قد يعود إلينا غدًا في صورة مشكلة بيئية أو فرصة للحل.

دكتورة أماني، يربط شعار هذا العام «من أطباق نظيفة إلى مدن نظيفة» بين المائدة والمدينة. من تجربتكِ في البيئة والتعليم الأخضر، ما الحلقة التي يغفلها الناس بين هذين الطرفين، ويجب أن نفهمها حتى يتحول الشعار إلى عمل؟

(من اطباق نظيفة الى مدن نظيفة) من وجهة نظري هو شعار ذكي وذو ابعاد كبيرة، تفسير اطباق نظيفة يشمل مفهومين اولهما هي المادة المصنوعة منها الاطباق مثل الفرفوري او الستيل وهي مواد صديقة للبيئة والابتعاد عن استخدام البلاستيك المضر بالصحة والبيئة والمفهوم الثاني هو ان يحتوي الطبق الكمية المناسبة من الطعام والابتعاد عن الهدر، الحلقة التي يغفلها الناس هو السلوك اليومي ابتدأ من الشراء والاستهلاك والفرز واين ينتهي بقايا الطعام وكيف يمكن لسلوكهم اليومي ان يحد من هدر الغذاء والماء والطاقة، والدور الحقيقي للتعليم الاخضر هنا ان يحول هذه الممارسات من معلومات في محاضرة الى سلوك يومي وهو ما يطلق عليه مفهوم (المواطنة البيئية).

لو طُلب منكِ تصميم حملة عراقية تحت هذا الشعار، ما الرسالة التي ستختارينها، وما العبارة الشائعة في التوعية البيئية التي ستستبعدينها لأنها قد تُفهم خطأ؟ 

رغم لا وجود حقيقي لشعار متداول يخص الحفاظ على نظافة بغداد وهذه مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية ومنظمات مجتمع محلي والناشطين، والشعار هو (نظافة بغداد تبدأ من مائدة الطعام) وهو يحتاج حملات وعي كثيرة للمواطنين، العبارة الشائعة هي (حافظ على نظافة مدينتك) كون الشوارع النظيفة لا يعني ان المدينة نظيفة وانما طريقة التخلص من الفضلات هي التي ستحدد مدى نظافة بيئتك ومدينتك.

لو تتبّعنا وجبة عراقية من إنتاج مكوناتها إلى التخلص من بقاياها، أين يظهر الترابط بين الماء والطاقة والغذاء؟ وأي جزء من هذه الرحلة تختارينه لتوضيح أن هدر الطعام يمتد أثره إلى موارد يحتاجها العراق؟

الهدر وتلوث البيئة يرافقان مراحل انتاج الوجبة العراقية الى التخلص من بقاياها، ابتداءً من انتاج الغذاء واعداده والاستخدام المفرط لأكياس النايلون الى فتح الثلاجة لأوقات كثيرة بدون جدوى الى هدر الماء بكميات كبيرة في عملية غسل وتحضير الوجبة الى عدم فرز النفايات العضوية والاستفادة منها والتخلص منها بشكل صحيح، من وجهة نظري اختار مرحلة اعداد الوجبة وما يتبقى منها بعد الاكل.

عندما يتخلص الناس من بقايا الطعام، قد يطمئنون إلى أنها مواد طبيعية ستتحلل. ما الذي ينقص هذا الفهم؟ وكيف تختلف النتيجة البيئية باختلاف المكان والطريقة التي تتحلل بها هذه البقايا؟ 

ثقافة تحلل بقايا الطعام والاستفادة منها تكاد تكون غير موجودة في المجتمع العراقي فهو لا يفكر ابعد من حدود منزله للأسف، لو كان هناك وعي حقيقي لكانت هذه الفضلات العضوية أفضل سماد للمزروعات، ومن المؤكد ان تحليل بقايا الطعام في المكان المناسب سوف يقلل من تلوث البيئة، تحلل بقايا الطعام قد تنتج عنه انبعاثات وروائح وعصارة ملوثة في حالة اختلاطها مع نفايات اخرى في مكب النفايات.

 قد يبدو شارع نظيفًا لأن نفاياته رُفعت صباحًا، بينما تبقى آثار طريقة التخلص منها بعيدة عن الأنظار. ما الذي يجب تتبّعه في رحلة مخلفات الطعام حتى نستطيع تقييم نظافة المدينة بيئيًا؟ وأين تستطيع الجامعة أن تساعد في كشف هذه الصورة؟ 

اهم مرحلة هي فرز مخلفات الطعام والمخلفات بشكل عام لأنها لا تحتوي على طعام فقط فهي مزيج من بلاستيك وفضلات أخرى، يعتقد المواطن بانه قد تخلص منها لكنها ستعود الى منازلنا على شكل هواء ملوث او ماء ملوث او طعام ملوث، دور الجامعة هو كشف الصورة علميا للمواطنين واعطاء الحلول للجهات المعنية ولا ننسى دور نشر الوعي الذي يقوم به الاستاذ الجامعي سواء على مواقع التواصل الاجتماعي او عبر شاشة التلفاز والراديو.

من واقع تجربتكِ في كلية علوم الطاقة والبيئة، كيف تقيّمين الدعوة إلى تحويل مخلفات الطعام إلى طاقة؟ ما الأسئلة التي ينبغي طرحها قبل تبنّي مشروع كهذا في مدينة عراقية، وكيف نحفظ أولوية تقليل الهدر عند الحديث عن الاستفادة منه؟ 

في كلية علوم الطاقة والبيئة قمنا بتجربة في الاقسام الداخلية عن طريق الاستفادة من بقايا الطعام وتحويلها الى سماد عضوي وفعلا تم الاستفادة من هذه التجربة الني كانت مشروع تخرج لطالب في قسم البيئة وحققت استفادة عملية من المخلفات العضوية، مثل هذه المشاريع من الضروري الترويج لها الاسئلة ما هي كمية مخلفات الطعام الناتجة يوميا وزنا، هل توجد الية فرز للمخلفات ما النسبة المخلفات العضوية القابلة للمعالجة وهل المشروع مجدي اقتصاديا؟

كيف نحفظ اولوية تقليل الهدر هي تبقى في مقدمة المشروع أي نمنع الهدر اولا ثم نستفيد مما لا يمكن تجنبه.

طالب يستطيع شرح أضرار هدر الطعام في الامتحان، ثم يتكرر الهدر في وجبته اليومية؛ ما الذي يستحق المراجعة في طريقة تعليمه؟ وكيف نعرف إن كانت المشكلة في فهمه، أو في المهارة التي يحتاجها، أو في الخيارات التي توفرها له الجامعة؟

 هدر الطعام هذا سلوك يومي يبدا من العائلة ومن المدرسة ولا يمكن ان يكون الامتحان الجامعي سببا في عدم تكرار الهدر لذلك يجب أن ينتقل التعليم من التلقين والامتحان إلى التطبيق والممارسة. ولنعرف سبب المشكلة يجب إدراك بعض الحقائق منها هل يفتقد المعرفة؟ هل يفتقد المهارة والسلوك العملي؟ أم أن خيارات الجامعة نفسها لا تساعده على تقليل الهدر؟ ويمكن قياس ذلك من خلال ملاحظة سلوكه قبل وبعد التطبيق، وليس من خلال درجة الامتحان فقط.

لو أردتِ تدريس العلاقة بين الطعام والماء والطاقة انطلاقًا من وجبة يشتريها الطالب داخل الحرم الجامعي، كيف تصمّمين هذه التجربة؟ وما الاكتشاف الذي تتوقعين أن يؤثر في اختياراته أكثر من المحاضرة؟ 

اصمم التجربة بان يأخذ الطالب وجبة حقيقة من الحرم الجامعي واسأله عن كمية الماء المستهلك في اعداد هذه الوجبة وكم الطاقة التي تم استخدامها وماذا سيحدث لمخلفات هذه الوجبة ومن ثم سأستخدم لغة الارقام والاحصائيات التي تشير الى كمية الهدر في المياه العذبة في العراق وانتقل الى البعد الانساني لاختيار وجبة الطعام والية التخلص من البقايا وأثرها البيئي والصحي على انتشار الامراض واهم اكتشاف اريد ان يصل اليه الطالب ان اختيار الوجبة مرتبط بكمية الماء والطاقة والنفايات وتلوث البيئة.

كيف نعلّم الطلبة التمييز بين طعام صالح للأكل كان يمكن تجنّب هدره، وأجزاء غير مأكولة تتطلب معالجة بوصفها مخلفات؟ وما أثر هذا التمييز في دقة البحوث والحملات التي تنفّذها الجامعات لتقليل هدر الطعام؟ 

حقيقة هذه الفكرة غير متداولة في الجامعات وانا بأذن الله سوف اقود حملة توعوية عملية تربط اختيار الوجبة الغذائية بهدر المياه والطاقة والحفاظ على البيئة والحقيقة ليس الطالب فقط يحتاج مثل هذه الحملات التوعوية بل حتى الاساتذة والموظفين وبالعودة للسؤال بالبداية افهم الطالب ان ليس كل ما يرمى من الطبق يعتبر هدر فعلى سبيل المثال (نصف لفة) يمكن اكلها ولم تأكل يسمى هدر غذائي يمكن تجنبه ام النوع الاخر هو رمي شيء لا يؤكل على سبيل المثال ( قشر الموز) هذه مخلفات غذائية وليست طعام مهدور، معرفة هذه المعلومات للطالب تساعده في اجراء حسابات عملية عن كمية الهدر الغذائي وكمية المخلفات الغذائية التي يمكن معالجتها والاستفادة منها.

خلال عمادتكِ بين ٢٠١٩ و٢٠٢٣، ما التجربة الأقرب إلى تحويل المعرفة البيئية إلى ممارسة داخل الكلية؟ سواء تعلّقت بالطعام أو الماء أو الطاقة، ماذا تعلّمتِ منها ويمكن تطبيقه اليوم على موضوع هدر الغذاء؟

 تجربة الزراعة المائية وهي ايضا مشروع بحث لطالب بأشراف اساتذة كانت ناجحة في تقليل استخدام المياه والاستغناء عن السماد، التجربة الثانية هي مشاريع الطلبة التي تم تنفيذها في مشتل الكلية في اتمتة عملية السقي باستخدام الذكاء الصناعي وهو يقلل الهدر بالطاقة والمياه، تجربة استخدام الالواح الشمسية في محاولة لتقليل استخدام المولدات الاهلية وبالتالي تقليل من تلوث البيئة وهدر الطاقة، تجربة الري بالتنقيط وهي ايضا تجربة تم تنفيذها في حدائق الكلية لتقليل هدر المياه بالإضافة الى تجربة الاستفادة من بقايا الطعام في الاقسام الداخلية مسبقة الذكر.

من تجربتكِ في الإدارة الجامعية، ما العائق الذي يصعب على الناس رؤيته عندما يطالبون الجامعة بأن تصبح خضراء؟ وهل تتذكرين موقفًا واجهتِ فيه هذا العائق، وكيف تعاملتِ معه؟ 

العائق الذي يصعب على الناس رؤيته هو ضعف البنى التحتية وضعف توفير موارد مالية بالمناسبة وهذه فرصة لتوضيح كيف يمكن تحويل الابنية الى خضراء اولا نحتاج الى بناية جديدة او بناية يمكن اعادة ترميمها وهذا يدخل به نوع المواد المستخدمة في البناء وتصميم البناية بشكل عام على سبيل المثال ان تكون البناية بتجاه الرياح وتسمح بدخول ضوء الشمس ان تستخدم مواد عازلة تعتمد على مصادر الطاقة المتجددة لتوليد الطاقة الكهربائية وغيرها وهذه يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار عند تصميم بناية خضراء ورغم هذه المتطلبات لكننا ككلية ومنذ سنة 2019 وفرنا أكثر من 20 امبير ناتج من الواح الخلايا الشمسية لتشغيل مختبر الطاقة المتجددة وكان هذا انجاز حقيقي لكلية مستحدثة حكومية وبنفس الوقت كان الطبة يقومون بتجارب عملية على هذه الالواح من حيث الصيانة والكفاءة.

لو عرضت عليكِ جامعة صور حملات وندوات لتثبت نجاحها في الحد من هدر الطعام، ما المعلومة الغائبة التي ستطلبينها قبل أن تقتنعي؟ وكيف تستطيع الجامعة جمعها بإمكاناتها المتاحة؟

 ولو على حد علمي يكاد يكون لا يوجد حملات بهذا الموضوع ومن الضروري توجيه الجامعات من قبل الوزارة لمثل هذه الحملات التوعوية المعلومة المهمة بالنسبة لي هو نتاج هذه الحملات والندوات على ارض الواقع على سبيل المثال كم كان هدر الطعام قبل الحملة وكم أصبح بعد الحملة، تستطيع الجامعة البدء من كافتيريا الجامعة.

يحمل الطالب إلى الجامعة عادات أسرته، ويحمل إليها ما يتعلمه أيضًا. كيف يمكن للتعليم الأخضر أن يساعده على مناقشة هدر الطعام في بيته باحترام، وأن يقدم حلولًا تناسب ظروف الأسرة؟ وما النشاط التعليمي الذي تقترحينه لهذا الغرض؟

التعليم الاخضر لا يغير الطالب بل يجعله حلقة وصل بين المعرفة الجامعية والسلوك اليومي في البيت

بالمناسبة نحن كجامعة لدينا فريق تطوعي طلابي (فريق التنمية المستدامة) ويمكن ان نطلق حملة توعوية داخل الفريق الهدف منها حساب كمية هدر الطعام في منازلنا خلال اسبوع وهي تجربة عملية من خلالها يمكن تشخيص المشكلة ومناقشتها داخل الاسرة لمعرفة الاسباب والحد منها.

ما السؤال البحثي عن مخلفات الطعام الذي تتمنين أن تضعه بلدية عراقية أمام طلبة وباحثي علوم الطاقة والبيئة؟ وكيف تُصاغ الشراكة بحيث تنتهي بقرار قابل للتطبيق، وتعود بنتيجة يمكن أن يلمسها السكان؟

للأسف البلديات العراقية بعيدة كل البعد عن احصائيات وحلول مخلفات الطعام واجدها ضرورة فعلية لاطلاع اصحاب القرار على اهمية ربط الباحثين والجامعات العراقية بالبلديات لتوفير بيانات واحصائيات يمكن عن طريقها توفير الحلول والتقليل من الهدر في الطعام والمياه والطاقة.

لو اخترتِ التزامًا واحدًا تتبناه جامعة عراقية في ٢٠ أيلول، يجمع تقليل هدر الطعام وحماية الموارد وتعليم الطلبة، فماذا تختارين؟ وما التغيّر الذي ينبغي أن نراه بعد عام حتى نقول إن شعار «من أطباق نظيفة إلى مدن نظيفة» أخذ طريقه إلى الواقع؟

الالتزام الذي اختاره سيكون مستوحاة من شعار (من اطباق نظيفة الى مدن نظيفة) وليكن (جامعة عراقية تبدا من الطبق الى المدن النظيفة)، مشروع يمكن تطبيقه في كافتيريا الجامعة تبدا بفرز بقايا الطعام وقياسها والاهم تحديد خط اساس ولمدة سنة دراسية والنتائج هي التي ستخبرنا مقدار الهدر في الطعام وبعد تعميم هذه التجربة الناجحة وزيادة حملات الوعي الذي سينعكس على سلوكيات الطلبة.

 في ختام هذا الحوار، نتقدم بالشكر إلى الأستاذة الدكتورة أماني إبراهيم التميمي على ما قدّمته من رؤى وتجارب عملية حول هدر الغذاء والتعليم الأخضر ودور الجامعات في حماية الموارد والبيئة. ونأمل أن تسهم هذه الأفكار في فتح مساحة أوسع للنقاش والعمل، وأن يتحول شعار «من أطباق نظيفة إلى مدن نظيفة» من مناسبة للتوعية إلى ممارسة يومية تشترك فيها الجامعة والأسرة والمؤسسات والمجتمع.

اضف تعليق