في العراق، يمكن أن يبدأ السؤال عن الديمقراطية من مشروع ماء تأخر، أو معاملة لا يعرف صاحبها سبب توقفها، أو معلومة عن الإنفاق العام يصعب الوصول إليها. هذه تفاصيل تبدو بعيدة عن صناديق الاقتراع، لكنها تحدد المسافة بين المواطن والمؤسسة، وتكشف مقدار ما يملكه الناس من قدرة على السؤال...
في العراق، يمكن أن يبدأ السؤال عن الديمقراطية من مشروع ماء تأخر، أو معاملة لا يعرف صاحبها سبب توقفها، أو معلومة عن الإنفاق العام يصعب الوصول إليها. هذه تفاصيل تبدو بعيدة عن صناديق الاقتراع، لكنها تحدد المسافة بين المواطن والمؤسسة، وتكشف مقدار ما يملكه الناس من قدرة على السؤال والاعتراض والحصول على إجابة. ومن هذه المسافة اليومية، يكتسب اليوم الدولي للديمقراطية معناه المحلي، فيما يستعد العالم لإحيائه في الخامس عشر من سبتمبر/أيلول.
تأتي المناسبة عام 2026 بعد دورة انتخابية عراقية جديدة، وفي سياق دولي تظهر فيه مؤشرات تراجع الحريات، بالتوازي مع بحث متزايد عن وسائل تجعل المشاركة أكثر تأثيرًا. وتتيح قراءة التقارير الدولية والبيانات العراقية الانتقال من السؤال عن وجود الانتخابات إلى أسئلة أدق: من يستطيع الوصول إليها؟ وكيف تتحول نتائجها إلى رقابة؟ ومن يقرر أولويات الإنفاق؟ وما الذي يحدث لصوت المواطن حين ينتقل من قريته بسبب شح المياه، أو يفقد أوراقه، أو يعجز عن استخدام خدمة رقمية؟
وتقود هذه الأسئلة إلى صورة مركبة. فالعراق يمتلك مؤسسات انتخابية وتمثيلًا سياسيًا متنوعًا، وتظهر فيه مبادرات لإصلاح الإدارة ومكافحة الفساد، لكنه يواجه أيضًا قيودًا على الحريات وضعفًا مؤسسيًا وفجوات في الوصول إلى الحقوق. ولا تقدم التقارير وصفة واحدة لهذه التحديات؛ إنما توفر نقاطًا يمكن الانطلاق منها لفهم ما تحقق، وما يزال يحتاج إلى اختبار مستقل ومعلومات متاحة للرأي العام.
من الاقتراع إلى القدرة على التأثير
أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم الدولي للديمقراطية في عام 2007، وجرى إحياؤه للمرة الأولى عام 2008. ويصف الاتحاد البرلماني الدولي المناسبة بأنها فرصة لمراجعة وضع الديمقراطية ومناقشة مشاركة المواطنين ودور البرلمانات. ومع مرور السنوات، اتسعت موضوعاتها لتشمل الحقوق والتمثيل والمشاركة العامة، بما يعكس تعدد الشروط التي تحتاجها الممارسة الديمقراطية حتى تظل قادرة على الاستجابة للمجتمع.
وتبدو الخلفية الدولية للمناسبة ثقيلة هذا العام. فتقرير «الحرية في العالم 2026»، الصادر عن فريدوم هاوس، يرصد تراجع الحرية العالمية خلال 2025 للسنة العشرين المتتالية، مع تدهور الحقوق السياسية والحريات المدنية في 54 دولة وتحسنها في 35 دولة. وتكتسب الإشارة إلى الدول التي تحسنت أهمية خاصة؛ لأنها تمنع تحويل الاتجاه العالمي إلى حكم حتمي، وتترك مساحة لفحص الإصلاحات والعوامل التي تسمح للمؤسسات باستعادة قدرتها.
أما تقرير «حالة الديمقراطية في العالم 2025» للمؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، فيشير إلى تراجع أكثر من نصف الدول المشمولة في جانب رئيسي واحد على الأقل خلال السنوات الخمس السابقة. ويقيس التقرير التمثيل والحقوق وسيادة القانون والمشاركة، ويرصد ضغوطًا على استقلال القضاء وحرية الصحافة ونزاهة الانتخابات. وتساعد هذه المقاربة على فهم كيف يمكن أن تتحسن بعض الإجراءات، بينما تتراجع ضمانات أخرى داخل البلد نفسه.
ويقدم معهد «في ديم» في تقريره لعام 2026 مدخلًا بحثيًا آخر، يستند إلى قياس أبعاد متعددة للديمقراطية. ولا يجوز دمج تصنيفاته حسابيًا مع درجات فريدوم هاوس أو مؤشرات المؤسسة الدولية؛ فكل جهة تستخدم تعريفات وأدوات مختلفة. المقارنة المفيدة تبحث عن نقاط الاتفاق والاختلاف، وتحدد سنة البيانات، بدل صناعة ترتيب واحد يوحي بأن تجربة سياسية كاملة يمكن اختزالها في رقم خالٍ من السياق.
وفي العراق، أُجريت الانتخابات البرلمانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2025. ونقلت رويترز عن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أن المشاركة النهائية المعلنة بلغت 56.11%، وأن ائتلاف الإعمار والتنمية تصدر النتائج بـ46 مقعدًا من أصل 329. وقد عكست هذه النتيجة الحاجة إلى بناء التحالفات للوصول إلى أغلبية، وأبقت العلاقة بين اختيار الناخبين والتفاوض بين القوى السياسية موضوعًا أساسيًا لفهم ما يأتي بعد الاقتراع.
غير أن نسبة المشاركة تحتاج إلى قراءة دقيقة. فقد أوضحت أسوشيتد برس في تغطيتها أن أعدادًا كبيرة من المؤهلين للتصويت لم تحدث تسجيلها وتحصل على بطاقات الناخبين. لذلك تختلف النسبة المحسوبة بين المسجلين عن تلك المحسوبة بين جميع المؤهلين. وهذه ليست ملاحظة حسابية هامشية؛ إذ تحدد مقدار ما نعرفه عن المشاركة، وتمنع تفسير رقم الإقبال وحده بوصفه قياسًا شاملًا للثقة أو الرضا السياسي.
ويفتح ذلك زاوية أقل حضورًا في التغطيات الانتخابية: رحلة المواطن قبل يوم التصويت. فتقييم المشاركة يحتاج إلى معرفة وضوح إجراءات التسجيل، وقرب المراكز، وإتاحة المعلومات، وقدرة العامل أو النازح أو الشخص ذي الإعاقة على استكمال المتطلبات. كما يحتاج إلى التمييز بين المقاطعة السياسية، وعدم الاهتمام، والعائق الإداري. جمع هذه الحالات تحت تسمية واحدة يحجب أسبابًا مختلفة، ويجعل معالجة ضعف المشاركة أقل دقة.
وتكتسب مرحلة ما بعد الاقتراع أهمية مماثلة. فالناخب يحتاج إلى معرفة كيف صوت ممثله على الموازنة، وما الأسئلة الرقابية التي وجهها، وما التشريعات التي شارك في إعدادها، وكيف تابع شكاوى دائرته. وهذه معلومات يمكن أن تجعل الصلة بالبرلمان مستمرة وقابلة للتقييم. أما الاكتفاء بأخبار اللقاءات والتصريحات، فيصعب معه التمييز بين الحضور الإعلامي والعمل المؤسسي الذي يغير قرارًا أو يكشف خللًا أو يصحح إنفاقًا.
وتدخل الأحزاب نفسها في دائرة المساءلة حين تعرض برامجها. فالبرنامج الذي يحدد مشكلة وكلفة وجهة تنفيذ وموعدًا يمنح الناخب مادة يمكن الرجوع إليها، بينما يصعب تقييم الوعود العامة عن الازدهار وتحسين الخدمات. وكذلك يحتاج تغيير الموقف بعد الانتخابات إلى تفسير معلن: هل تغيرت الموارد، أم ظهرت معلومات جديدة، أم فرض التفاوض تنازلًا؟ وجود تفسير لا يلزم الجمهور بقبوله، لكنه يتيح نقاشًا يستند إلى قرار معروف، ويقلل المساحة التي يملؤها التخمين بشأن أسباب الانتقال من وعد انتخابي إلى سياسة مختلفة بعد الوصول إلى المؤسسة.
ويعكس تقييم فريدوم هاوس للعراق لعام 2026 هذه الصورة المتداخلة. فالمنظمة تقر بوجود انتخابات دورية تنافسية وتمثيل لمجموعات سياسية ودينية وقومية، لكنها ترى أن الفساد وضعف المؤسسات ونشاط جماعات مسلحة خارج إطار القانون تعرقل الحكم الديمقراطي. ومنحت العراق 31 نقطة من مئة، ضمن تصنيفها «غير حر». ويظل هذا حكمًا صادرًا عن منهجية المنظمة، يخص الحقوق السياسية والحريات المدنية، ويحتاج إلى عرضه مع تفسيره، لا استخدامه بديلًا عن الوقائع.
ويقدم تقرير التنمية البشرية الوطني العراقي لعام 2025، المنشور لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، نقطة انطلاق محلية بعنوان «المواطنة وصياغة عقد اجتماعي جديد». وقد جمع التقرير بيانات كمية ونوعية، بينها استطلاعات ومناقشات جماعية ومقابلات معمقة. وتكمن أهمية هذا الاختيار في التعامل مع المواطن بوصفه صاحب تصور عن حقوقه ومسؤولياته، والاستعانة بذلك لفهم العلاقة بين التنمية والمؤسسات، إلى جانب الإحصاءات الرسمية.
وعلى المستوى العربي، يناقش الباروميتر العربي في تقرير منشور عام 2025 تفضيلات النظم السياسية استنادًا إلى استطلاعات الموجة الثامنة في 2023 و2024. وتوضح مادته أن فهم الجمهور للديمقراطية وتقييمه لنتائجها يحتاجان إلى التفكيك. ولا يصح تحويل خلاصة إقليمية إلى نسبة عراقية من دون الرجوع إلى عينة العراق وسؤال الاستطلاع؛ فالتأييد لفكرة عامة لا يجيب تلقائيًا عن الرضا عن حكومة أو حزب أو تجربة محددة.
وتظهر هنا قيمة بناء تغطية عراقية تتابع العلاقة بين الوعود والنتائج عبر الزمن. فالمشروع المتعثر يحتاج إلى تسلسل يوضح موعد إقراره وتمويله والجهة المنفذة ونسب الإنجاز، كما يحتاج الإجراء الإصلاحي إلى متابعة ما تغير بسببه. بهذه الطريقة، يستطيع الجمهور تقييم المؤسسة بذاكرة موثقة، وتصبح المسؤولية أقل عرضة للضياع بين الحكومات المتعاقبة أو لتبدل الأولويات مع كل موسم انتخابي.
الموازنة والخدمات حيث تصبح المساءلة ملموسة
في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط، يحمل النقاش الديمقراطي بعدًا ماليًا مباشرًا. ففي تقرير نشرته رويترز في سبتمبر/أيلول 2024، قُدرت مساهمة النفط بنحو 90% من إيرادات الدولة آنذاك. ويُستخدم هذا الرقم هنا لتوضيح بنية الاعتماد في تلك الفترة، وليس بوصفه نسبة محدثة لعام 2026. وهو يفسر لماذا تصبح تقلبات الأسعار العالمية جزءًا من النقاش بشأن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
وتنشأ من هذه البنية مسألة تتجاوز الاقتصاد إلى المساءلة: كيف يتابع المواطن عوائد مورد عام لا يراها مباشرة، ثم يعرف نصيب الخدمات والاستثمار منها؟ فالانتقال من أرقام الإيرادات إلى أثر الإنفاق يحتاج إلى بيانات تربط الأموال بالمشروعات والمستفيدين. ومن دون هذه الصلة، يمكن أن تبقى الموازنة وثيقة كبيرة يختلف عليها السياسيون، بينما يعجز سكان حي عن معرفة المبلغ المخصص لشبكة الصرف الصحي أو سبب تأخر تنفيذه.
وتوفر نتائج مسح الموازنة المفتوحة لعام 2023 خط أساس تاريخيًا مهمًا. فقد منح المسح، الصادر عن شراكة الموازنة الدولية، العراق ثماني نقاط من مئة في الشفافية، وصفرًا في المشاركة العامة، و46 نقطة في الرقابة المركبة. وتقيس هذه الدرجات جوانب محددة من إتاحة الوثائق وفرص المشاركة وأدوار المؤسسات. ولا تعني درجة المشاركة انعدام كل نشاط مدني، كما لا يجوز تقديم نتائج 2023 بوصفها تقييمًا آنيًا لعام 2026.
وتبرز في نتائج المسح نفسها زاوية تتعلق بتصميم الإصلاح: فقد اختلف تقييم الرقابة التشريعية عن تقييم الرقابة التدقيقية، ما يشير إلى أهمية فحص حلقات المساءلة كلًا على حدة. ونشر وثيقة حسابية لا يضمن أن يناقشها البرلمان، ومناقشتها لا تضمن تصحيح المخالفات. لذلك يصبح السؤال العملي عن مسار الملاحظة الرقابية: من تسلمها، ومتى رد عليها، وما القرار الذي ترتب عليها، وهل أُعلن ذلك للجمهور؟
ويمكن للموازنة المبسطة للمواطن أن تقلل هذه المسافة إذا عرضت الإيرادات وأولويات الإنفاق والمخاطر بلغة مفهومة. لكن قيمتها تتوقف أيضًا على توقيت النشر؛ فالمعلومات التي تصل بعد حسم القرارات تساعد على الاطلاع أكثر مما تساعد على التأثير. ويستحق النقاش العام نافذة تسبق الإقرار، تسمح للجامعات والنقابات والمنظمات والمواطنين بمراجعة الخيارات، مع إعلان كيفية التعامل مع الملاحظات، بدل الاكتفاء بإثبات عقد لقاء تشاوري.
وتكشف الخدمات عن مشكلة أخرى هي تعدد الجهات المسؤولة. فقد يرتبط مشروع واحد بالتخصيص الاتحادي والإدارة المحلية والتعاقد والرقابة الفنية، ويصعب على المواطن تحديد موضع التعثر. ومن الزوايا المفيدة هنا بناء خريطة مسؤوليات لكل مشروع، تنشر مع جدول زمني ومراحل تمويل واضحة. عندئذ يمكن توجيه السؤال إلى الجهة المختصة، وتقييم أدائها، بدل انتقال الشكوى بين مكاتب تنسب التأخير إلى بعضها من دون تفسير قابل للتحقق.
ويمنح التعداد السكاني مدخلًا إضافيًا لفحص عدالة التوزيع. فقد نقلت أسوشيتد برس في فبراير/شباط 2025 نتائج أظهرت وصول عدد السكان إلى نحو 46.1 مليون نسمة، مع بيانات عن السكن والتعليم والعمل والخدمات. وتتجاوز أهمية التعداد الرقم الإجمالي إلى إتاحة أساس أحدث للتخطيط. فالتوسع العمراني وتغير أحجام الأسر والمناطق يفرضان مراجعة توزيع المدارس والمراكز الصحية والبنى التحتية، والشرح العلني للمعايير المستخدمة في تخصيص الموارد.
ولا تكفي مساواة المحافظات في مبلغ ثابت لإثبات الإنصاف. فالاحتياج يتأثر بعدد السكان والتكاليف والفقر والأضرار السابقة وبعد المناطق عن الخدمات. ومن ثم، تصبح العدالة مسألة يمكن مناقشتها عبر معادلات معلنة، مع تبرير الاستثناءات، لا عبر مقارنة أرقام منفصلة. وتتيح هذه المقاربة أيضًا مساءلة الجهات التي تملك تخصيصات مرتفعة عن كفاءة التنفيذ، من دون افتراض أن زيادة الإنفاق تؤدي تلقائيًا إلى تحسن الحياة اليومية.
وفي ملف الفساد، أشار تحليل نشره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في فبراير/شباط 2026 إلى حصول العراق على 28 نقطة من مئة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025. وهذه الدرجة ليست نسبة الأموال المسروقة، بل مؤشر لتصورات فساد القطاع العام ضمن منهجية محددة. وناقش التحليل ضرورة تحويل الإصلاحات إلى ممارسة مستقرة، بما يجعل النزاهة مرتبطة بوضوح الإجراءات واتساق تطبيقها، وقدرة المؤسسات على العمل عبر الدورات السياسية.
وتساعد هذه القراءة على تفادي الخلط بين كثرة الإعلانات عن القضايا ونجاح مكافحة الفساد. فزيادة الملفات قد تعكس توسع الكشف، وقد تتزامن مع استمرار المشكلة؛ لذلك يحتاج التقييم إلى مؤشرات متعددة، مثل تنفيذ الأحكام واسترداد الأموال وإصلاح الإجراء الذي أتاح المخالفة. كما أن التعويض عن الضرر العام يشمل منع تكراره، وهو ما يربط القضاء بالإدارة والتعاقد والتدقيق الداخلي، بدل حصر النزاهة في لحظة إحالة شخص إلى التحقيق.
وفي إقليم كردستان، عرض برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ديسمبر/كانون الأول 2025 تقريرًا تابع 149 قضية فساد كبير، وأشار إلى إنشاء محكمة متخصصة في أربيل وإلى تحديات تتعلق بسرعة البت وتنفيذ القرارات واسترداد الأصول. وتوفر هذه المتابعة مثالًا على تغطية تركز على مسار القضية داخل المؤسسة. لكنها لا تمثل وحدها قياسًا لحجم الفساد في الإقليم، ولا تسمح باستنتاج معدل انتشاره من عدد الملفات التي وصلت إلى القضاء.
وتفتح الرقمنة مجالًا للتحسين إذا قللت الاحتكاك غير الضروري وسمحت بتتبع الطلبات. وقد ناقش تحليل البرنامج الإنمائي توسع بعض الخدمات الرقمية العراقية بوصفه عاملًا يمكن أن يقلص فرص الفساد اليومي. غير أن تقليل عدد المراجعات يحتاج إلى قواعد واضحة أيضًا؛ إذ يستطيع الإجراء الغامض الانتقال من نافذة ورقية إلى شاشة. ويظهر الاختبار الحقيقي في وضوح الرسوم وأسباب الرفض وآلية التظلم، وقدرة المواطن على متابعة معاملته من بدايتها إلى نهايتها.
وثمة تكلفة قلما تحضر في الحسابات: الوقت الذي يخسره المواطن للحصول على حق أو خدمة. فالانتظار والتنقل واستكمال متطلبات غير واضحة يمكن أن يفرضا عبئًا أشد على العامل بأجر يومي أو من يسكن بعيدًا. ولا تتطلب معالجة هذه الزاوية ادعاء وجود رقم وطني جاهز؛ بل قياس زمن إنجاز المعاملات وعدد الزيارات، ونشر الفروق بين الدوائر، ثم استخدام النتائج لإصلاح الإجراءات وتحديد الاختناقات التي يتحملها الناس.
ومن هنا يصبح تقييم الخدمة مدخلًا للمشاركة، بشرط ألا يتوقف عند جمع الشكاوى. فالمؤسسة التي تنشر عدد الطلبات، ونسب الاستجابة، وأسباب التأخير، وما تغير نتيجة الملاحظات، تمنح الجمهور أدوات للتحقق. ويضع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الحكم المستجيب والخاضع للمساءلة والحكم التشاركي ضمن محاور عمله في العراق. وهذه أولويات يمكن اختبارها في المدرسة والمستشفى والبلدية، حيث تتكون خبرة المواطن الفعلية مع الدولة.
من يبقى خارج المشاركة رغم وجوده داخل المجتمع
تبدأ بعض فجوات المشاركة قبل الوصول إلى السياسة بمعناها المباشر. فالوثيقة المدنية تتيح إثبات الهوية والانتفاع بخدمات وإكمال معاملات، ويستطيع فقدانها أن يضاعف هشاشة الأسرة النازحة. وفي مادة نشرتها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في فبراير/شباط 2025، تناولت جهودًا امتدت سنوات لدعم حصول عراقيين نازحين وضعفاء على وثائق مدنية. ويمنح هذا الملف معنى ملموسًا للمواطنة، عبر قدرة الشخص على إثبات حقوقه أمام المؤسسات.
ومن هذا المدخل، يصبح من المشروع فحص الصلة بين الوثائق والتسجيل الانتخابي، من دون افتراض أن كل فاقد لوثيقة حُرم من الاقتراع. فالتحقق يحتاج إلى بيانات عن الحالات والإجراءات والبدائل المتاحة، وإلى معرفة ما إذا كان تغيير السكن أو تعذر العودة يزيد الكلفة. وهذه زاوية تربط الإدارة بالتمثيل، وتمنع اختزال النازح في احتياجات الإغاثة، إذ يظل صاحب حق في التأثير في القرارات التي تحدد عودته وخدماته ومستقبله.
ويستحق الأشخاص ذوو الإعاقة اختبارًا مماثلًا يتجاوز الإعلان عن شمولهم. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش في تقرير عام 2021 عوائق أمام مشاركتهم السياسية في العراق، بينها صعوبات الوصول وإتاحة المعلومات. ويصلح التقرير كمرجع تاريخي للأسئلة التي ينبغي متابعتها، لا كدليل تلقائي على استمرار جميع العوائق في انتخابات 2025. فالحكم على الوضع الأحدث يتطلب فحص التغييرات والاستماع إلى تجارب أصحاب الحق أنفسهم.
وتشمل معايير المتابعة سهولة دخول المركز، ووضوح المواد الانتخابية، وإتاحة وسائل مساعدة مناسبة، وحماية سرية الاختيار. فوجود مرافق لا يعالج وحده كل مشكلة، وقد تصبح المساعدة غير المنظمة سببًا في تقليص الاستقلالية. كما أن المشاركة تبدأ في الحملات والندوات والأحزاب، ما يجعل تهيئة المكان واللغة ووسائل الاتصال جزءًا من عدالة المجال السياسي، ويمنع حصر الإتاحة في إجراء استثنائي يوم الاقتراع.
وفي تمثيل النساء، تنص الحزمة المعلوماتية الأممية لانتخابات 2025 على ضمان ما لا يقل عن ربع مقاعد مجلس النواب للنساء، وتوضح تخصيص تسعة مقاعد لمكونات عراقية. وتوفر هذه الترتيبات ضمانات محددة للحضور داخل المؤسسة. وتكمن الخطوة التالية في قياس أثر هذا الحضور على عمل البرلمان، مع الفصل بين العدد، والمواقع القيادية، والقدرة على إدراج قضايا في جدول الأعمال أو متابعة تنفيذ تشريع.
وتعرض قاعدة بيانات الاتحاد البرلماني الدولي، وقت المراجعة، وجود 84 امرأة في مجلس النواب العراقي، بما يقارب 25.5% من أعضائه. وعالميًا، بلغت حصة النساء 27.5% من المقاعد البرلمانية الوطنية في مطلع 2026. وتساعد المقارنة على تحديد موقع التمثيل العددي، لكنها لا تكشف وحدها عن توزيع النفوذ داخل الكتل واللجان، أو مدى وصول المرشحات إلى التمويل والإعلام والدوائر التي تصنع القرار السياسي.
وتبرز هنا زاوية الوقت المتاح للمشاركة. فمواعيد الاجتماعات، وبعد المقرات، ومتطلبات السفر والرعاية الأسرية، كلها اعتبارات يمكن أن تؤثر في قدرة أشخاص على مواصلة العمل العام. ولا يخص هذا النساء وحدهن، لكنه يلفت إلى أن المساواة في القواعد تحتاج إلى فحص شروط استخدامها. ويمكن للأحزاب والمؤسسات أن تعلن ترتيبات المشاركة وأن تقيس من يتغيب ولماذا، قبل تفسير الغياب بوصفه ضعفًا في الاهتمام أو الالتزام.
وبالنسبة إلى الشباب، ينبغي التفريق بين الحضور في حملات التعبئة وبين امتلاك دور في صياغة البرامج واختيار المرشحين ومراقبة الأداء. فالصور والندوات لا تكفي لتحديد وزن المشاركة. وتستحق التغطية البحث في قواعد الترقي داخل الأحزاب، وشفافية اختيار القيادات، وقدرة الأعضاء الجدد على تقديم مقترحات ومناقشتها. وبهذا يصبح الحديث عن تجديد الحياة السياسية مرتبطًا بمسارات قابلة للفحص، بدل الاكتفاء بتكرار أن المستقبل للشباب.
وتفتح الجامعات والنقابات والجمعيات المهنية مجالات لتعلم إدارة الاختلاف ومراجعة الموازنات وانتخاب الممثلين. ويمكن قراءة هذه المؤسسات بوصفها مواقع لاكتساب مهارات المشاركة، من كتابة مقترح إلى طلب محضر اجتماع ومراجعة قرار. وهذه زاوية تفسر أهمية القواعد الصغيرة في الحياة العامة: تداول المسؤوليات، وإعلان شروط الترشح، وتوثيق الإنفاق، وإتاحة الاعتراض. فالممارسة اليومية تمنح المفاهيم السياسية معنى يمكن اختباره قبل الوصول إلى المناصب الكبرى.
ويطرح تمثيل المكونات سؤالًا يتجاوز عدد المقاعد المخصصة: هل يملك الممثل صلة قابلة للمساءلة مع الناس الذين يتحدث باسمهم؟ ويمكن فحص ذلك عبر مكاتب التواصل، وإعلان المواقف، ومتابعة احتياجات المناطق، وإتاحة المعلومات بلغات يفهمها السكان. ويظل التمثيل متصلًا أيضًا بالخدمات والملكية والتعليم والعودة الطوعية، وهي ملفات ينبغي ألا تغيب خلف التفاوض على المواقع، أو تختزل في حضور رمزي في المناسبات العامة.
وتضيف الفروق الجغرافية طبقة أخرى إلى النقاش. فقد تملك منظمة في العاصمة قدرة على الوصول إلى الاجتماعات والمعلومات لا تتوافر لمبادرة صغيرة في ناحية بعيدة. وإذا اقتصرت المشاورات على الجهات الأكثر ظهورًا، فقد يتكرر استبعاد الأصوات الأقل موارد. ومن البدائل الممكنة تنويع مواقع الاجتماعات ووسائل المشاركة، ونشر معايير دعوة المشاركين، وتوثيق آراء المناطق المختلفة، بما يسمح بمراجعة من حضر ومن غاب عن النقاش.
وتتصل بذلك فكرة الديمقراطية التداولية التي يتناولها مكتب الأمم المتحدة للشراكات في فعالية مرتبطة بمناسبة 2026. وتبحث الفعالية كيفية إدخال أصوات متنوعة في صنع القرار وتعزيز قدرة الناس على التأثير. وفي السياق العراقي، يمكن تصور تطبيق محدود على أولوية خدمية محلية، يضم سكانًا بخبرات مختلفة ويتلقى معلومات واضحة عن البدائل والكلفة، مع التزام الجهة المسؤولة بتفسير استجابتها للمخرجات. وهذا مقترح تحليلي، لا وصف لتجربة عراقية ثبت تنفيذها.
وتكمن قيمة مثل هذه الآليات في تصميمها: كيف يُختار المشاركون؟ وهل يحصلون على معلومات متوازنة؟ ومن يضمن عدم احتكار النقاش؟ وما صلة النتيجة بالقرار؟ فزيادة الاجتماعات ليست غاية بذاتها. وعندما يعرف المشاركون حدود دورهم وما يمكن تغييره، تصبح المشاورة أكثر صدقية، حتى إن لم تتبن المؤسسة جميع المقترحات، شرط أن تشرح أسبابها وتتيح متابعة ما التزمت به ضمن وقت معلوم.
المياه والفضاء الرقمي وما يتغير بعد انتهاء يونامي
تظهر إحدى أقل زوايا الديمقراطية تناولًا عند النظر إلى حركة السكان المرتبطة بالمناخ. فبحسب مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، ظل 31,001 أسرة، أي 186,006 أشخاص، نازحين بسبب عوامل مناخية وبيئية عبر 12 محافظة في سبتمبر/أيلول 2025. وأفاد التقرير بأن 83% من الأسر نزحت داخل محافظتها الأصلية، بينما انتقلت 63% إلى مواقع حضرية. وهذه بيانات لجولة رصد محددة، وليست تقديرًا آنيًا لعدد النازحين في 2026.
وتتجاوز دلالة هذه الحركة فقدان مصدر دخل أو تغيير عنوان السكن. فانتقال الأسر إلى المدن يعيد توزيع الطلب على الماء والمدارس والصحة والسكن، ويضع الإدارة المحلية أمام سكان قد لا تعكس الخطط السابقة احتياجاتهم. ومن الناحية السياسية، يفتح ذلك سؤالًا عن تمثيل المقيمين الجدد في المشاورات الخدمية، وعن تحديث البيانات التي تستند إليها القرارات، بدل استمرار التعامل مع المدينة كما كانت قبل حركة النزوح.
وتبرز أيضًا مصالح المناطق التي يغادرها السكان. فالأرض والمياه وسبل العيش تظل موضوعات عامة، حتى عندما تتراجع القدرة على البقاء في المكان. ومن هنا يمكن فحص كيفية تمثيل المزارعين والصيادين وسكان الأهوار في قرارات تخص استخدام الموارد. ولا يعني إدخالهم إلى النقاش حسم الخيارات مسبقًا، بل تمكينهم من الاطلاع على البدائل والآثار والمخاطر، وإتاحة الاعتراض أو طلب التعويض وفق الإجراءات المعمول بها.
ويمتد أثر القرار البيئي إلى أجيال لم تدخل سجل الناخبين بعد. فاختيار موقع مشروع، أو السماح باستخدام مورد محدود، أو تأجيل صيانة بنية أساسية، يمكن أن يرتب كلفة طويلة تتجاوز مدة الحكومة أو المجلس. وتتيح هذه الزاوية النظر إلى نشر دراسات الأثر وتقديرات الصيانة والمخاطر بوصفه جزءًا من المسؤولية العامة. كما تمنح المدارس والجامعات والمنظمات المعنية بالبيئة دورًا في النقاش، عبر تقديم المعرفة ومراجعة البدائل، مع بقاء صلاحية القرار لدى المؤسسات التي تتحمل مسؤوليته وتوضح علنًا أسس المفاضلة بين المنافع الحالية والتكاليف التي ستنتقل إلى المستقبل.
وفي تطور يجمع بين البيئة والنزاهة، أطلقت الحكومة العراقية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 المرحلة الثانية من مبادرة مكافحة الفساد والتحكيم، بدعم أوروبي. وتتناول المرحلة قضايا المياه والأراضي والتلوث والتراخيص والاستثمارات المناخية، مع خطط لتطوير أدوات للشفافية والمساعدة القانونية. وتوفر هذه المبادرة مدخلًا رسميًا للاعتراف بأن إدارة الموارد الطبيعية ملف للمساءلة، وأن أثر الفساد قد يظهر في نوعية الماء والهواء ومستقبل الأراضي الزراعية.
لكن الإعلان عن المبادرة يختلف عن إثبات نتائجها. فالمتابعة الصحفية تستطيع أن تبحث لاحقًا في تشغيل الأدوات الموعودة، وعدد المستفيدين، وإتاحة المعلومات، والتغير الذي طرأ على إجراءات الترخيص أو معالجة الشكاوى. وتفيد هذه المقاربة في حماية النقاش من المبالغة في الإنجاز أو نفيه مسبقًا، إذ تجعل التقييم مرتبطًا بمؤشرات معلنة وبتجربة المجتمعات المتضررة، وتربط التمويل والأنشطة بالنتيجة التي يفترض أن تصل إلى الناس.
وفي الفضاء الرقمي، تبدو العلاقة بين البنية التحتية والحقوق أكثر وضوحًا. فقد منح تقرير «الحرية على الإنترنت 2025» العراق 41 نقطة من مئة ضمن تصنيف «حر جزئيًا»، مع تحسن نقطة واحدة عن النسخة السابقة. ويغطي التقرير أساسًا الفترة من يونيو/حزيران 2024 إلى مايو/أيار 2025، ويرصد تحسنًا في بعض سرعات الاتصال، مقابل استمرار عوائق تتعلق بالكلفة والكهرباء وحقوق المستخدمين. وهذا مؤشر مختلف عن تصنيف الحرية العامة للبلاد.
كما وثق التقرير انقطاعات للشبكة مرتبطة بمنع الغش في الامتحانات، وقيودًا على المحتوى. وتطرح هذه الوقائع سؤال التناسب بين الهدف الإداري والأثر الأوسع على الجمهور. فالإنترنت أصبح قناة للعمل والتعليم والخدمات والتواصل، ويمكن أن يتأثر بانقطاعه أشخاص لا صلة لهم بالمشكلة التي يستهدفها القرار. وتحتاج مراجعة هذه السياسات إلى بيانات عن كلفتها وفاعليتها والبدائل الممكنة، وإلى شرح علني لطريقة اتخاذ القرار ومدته ونطاقه.
وتتطلب رقمنة الإدارة الانتباه إلى من لا يستطيع استخدام التطبيق أو إكمال الطلب بنفسه. فقد يكون العائق ضعف الاتصال أو اللغة أو الإعاقة أو قلة الخبرة. وإذا اختفت البدائل المساعدة، يمكن أن تتحول الخدمة الأسرع للبعض إلى حاجز أمام آخرين. ومن معايير التصميم الجيد إتاحة قناة دعم واضحة، وشرح المتطلبات، وحماية البيانات، وإبقاء مسار يمكن تتبعه عند وقوع خطأ، حتى لا يُحمّل المستخدم مسؤولية خلل لا يملك إصلاحه.
وتكتسب البيانات الشخصية قيمة سياسية أيضًا حين تتوسع قواعد المعلومات والخدمات. فالثقة تحتاج إلى معرفة الغرض من جمع البيانات، والجهات المخولة بالوصول إليها، وكيفية تصحيح الأخطاء والاعتراض على الاستخدام غير المبرر. وهذه أسئلة تحليلية عن جودة الحوكمة الرقمية، وليست ادعاءً بوقوع استخدام معين. وهي تجعل تقييم المنصة متعلقًا بحقوق مستخدميها، إلى جانب سرعتها وعدد المعاملات التي تنجزها وقدرتها على تقليل المراجعات المباشرة.
وفي الإعلام، رصد تقرير هيومن رايتس ووتش العالمي لعام 2026 استمرار قيود على المجال المدني في العراق خلال 2025. وتمنح هذه الخلاصة أهمية لمتابعة سلامة الصحفيين وحرية التعبير، مع إسناد كل واقعة إلى دليلها. فالتغطية المحلية التي تفحص عقدًا أو تلوثًا أو خدمة تحتاج إلى بيئة تسمح بالسؤال، وإلى حق الجهات المعنية في الرد، وإلى فصل واضح بين النقد المستند إلى وثائق والاتهام الذي يفتقر إلى أساس.
وتظهر زاوية أخرى في اقتصاد الإعلام نفسه: من يمول المؤسسة، وما مقدار استقلالها في اختيار الموضوعات؟ ويمكن للشفافية بشأن الملكية والإعلانات والمصالح أن تساعد الجمهور على فهم المحتوى، من دون افتراض أن كل تمويل يحدد مسبقًا كل موقف. كما أن إتاحة الوثائق للصحفيين والمؤسسات الصغيرة تحد من تفوق من يملك وصولًا خاصًا، وتزيد فرص ظهور ملفات لا تحظى عادة بمكان في النقاش السياسي المركزي.
وللغة التي تُنشر بها المعلومات أثر مماثل. فالبيان القانوني أو المالي قد يكون متاحًا، لكنه يظل صعب الاستخدام إذا امتلأ باختصارات غير مشروحة أو ظهر في صورة لا تسمح بالبحث. ومن ثم، يمكن تقييم الانفتاح بمدى قابلية المعلومة للفهم والمقارنة وإعادة الاستخدام، مع الحفاظ على دقتها. وتفيد نسخ مبسطة وملفات منظمة وشرح للمصطلحات في توسيع دائرة المتابعين، بدل اقتصارها على مختصين أو جهات تملك وقتًا وموارد لتحويل المادة المنشورة إلى معرفة قابلة للاستفادة. وهذه تفاصيل تقنية في ظاهرها، لكنها تؤثر في توزيع القدرة على مساءلة المؤسسات.
ويزيد المحتوى الاصطناعي الحاجة إلى معرفة أصل الصورة والتسجيل والتصريح. وفي التغطية الانتخابية، يمكن أن يبدأ التصحيح المهني من الرجوع إلى النسخة الأصلية والسياق والتاريخ وطلب التأكيد من الجهة المنسوب إليها الكلام. والمطلوب هنا تقوية أدوات التحقق، وتوضيح التصحيحات للجمهور، وإتاحة ردود موثقة. أما اعتبار كل مادة مزعجة تضليلًا، فيضعف القدرة على التمييز بين النقد المشروع والمحتوى المختلق، ويضر بالثقة التي يفترض حمايتها.
وتأتي مناسبة 2026 أيضًا بعد انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي» في 31 ديسمبر/كانون الأول 2025. وأكدت الأمم المتحدة في بيان صدر في الرابع من يناير/كانون الثاني 2026 استمرار عملها عبر الفريق القطري بقيادة المنسق المقيم، ضمن إطار تعاون للتنمية المستدامة. وتشمل مجالات العمل الخدمات والنمو الاقتصادي والبيئة والحكم الرشيد وسيادة القانون؛ لذلك فإن انتهاء البعثة لا يعني انتهاء الوجود الأممي في البلاد.
ويضع هذا التحول التركيز على قدرة المؤسسات الوطنية على الاستمرار، وعلى تحويل الخبرات والمساندة الفنية إلى إجراءات مستقرة. ومن الأسئلة المفيدة متابعة ما يبقى من أنظمة التدريب والبيانات والرقابة بعد انتهاء مشروع أو تبدل جهة داعمة.
فالإصلاح الذي يعتمد على أفراد محدودين أو تمويل مؤقت يحتاج إلى اختبار الاستدامة، بما يشمل الموازنة والاختصاصات وتبادل المعرفة، حتى يستمر أثره في حياة المواطنين عبر تعاقب المسؤولين.
وتلتقي هذه المسارات عند فكرة واحدة قابلة للفحص: قدرة الناس على معرفة ما يجري والتأثير فيه ومراجعة نتائجه. فالانتخابات تتيح اختيار الممثلين، وتتيح الموازنة تتبع الموارد، وتكشف الوثائق والإتاحة عن مدى شمول الحقوق، بينما تظهر المياه والخدمات والفضاء الرقمي أين تتجسد القرارات. وكل مسار منها يحتاج إلى معلومات محددة ومسؤولية واضحة، وإلى مؤسسات تتقبل السؤال وتستطيع تصحيح الخطأ عندما يظهر.
وفي اليوم الدولي للديمقراطية، يمكن أن تكون نقطة البداية العراقية وعدًا أصغر وأكثر قابلية للتحقق: وثيقة تُنشر في موعدها، وشكوى يصل صاحبها إلى جواب، ومشروع يعرف السكان كلفته ومسؤوله، وناخب يجد طريقًا ميسرًا إلى المشاركة. تراكم هذه الوقائع هو ما يمنح المفاهيم العامة وزنها، ويجعل العلاقة بين المواطن والدولة قابلة للبناء على حقوق وإجراءات ونتائج، بدل بقائها رهينة التوقعات التي تتجدد ثم يصعب قياس ما تحقق منها.



اضف تعليق