يناقش التقرير تصاعد الدين الداخلي في العراق وتزايد اعتماد الحكومة على البنك المركزي والمصارف لتمويل النفقات التشغيلية، وما يترتب على ذلك من ضغوط على الاستقرار النقدي والسيولة والائتمان. ويعرض مخاطر مقايضة الديون بأصول الدولة، إلى جانب مقترحات لترشيد الإنفاق، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وإصلاح القطاع المصرفي، واستعادة الثقة...
تحرير: حسين علي حسين
ضمن نشاطه الدوري، قدم مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية ورقة بحثية ناقشت «تمويل الدين الداخلي في العراق.. تزايد دور البنك المركزي وإشكالية السداد»، وأُقيمت هذه الحلقة ضمن نشاطات ملتقى النبأ الأسبوعي الذي ينعقد في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، وحضر هذه الحلقة، التي انعقدت يوم السبت الموافق 12/9/2026، نخبة من رؤساء المراكز البحثية والأكاديميين والباحثين، حيث قدم الباحث في مركز الفرات الدكتور حسين السرحان هذه الورقة البحثية قائلًا:
ان ما دفعنا لاختيار هذا الموضوع أمران أساسيان؛ الأمر الأول: هو تصاعد الدين الداخلي في العراق بشكل عام، والذي بلغ مستويات كبيرة جدًا. والأمر الثاني: هو موضوع نية الحكومة أو تخطيط الحكومة لتسديد هذا الدين، وتسديد مساهمات البنك المركزي في موضوع الدين الداخلي، وإشكالية هذا السداد.
وقد اختصرنا ذلك بهذا العنوان العام. وقبل كل شيء، دعونا نقسم الورقة إلى ثلاثة محاور:
المحور الأول: وظائف البنك المركزي بشكل عام؛ لأننا نريد أن نصل إلى موضوع أساسي، وهو موضوع خطة الحكومة بتحويل ممتلكات أو ملكية بعض الأصول العامة إلى ملكية البنك المركزي كنوع من التسوية للديون الداخلية والمستحقات المالية تجاه هذا البنك. ولكي نؤصل هذه الورقة أو هذا الموضوع بشكل عام ونحلله بشكل تفصيلي أكثر، دعونا نوضح ما هو دور البنك المركزي في العراق.
المحور الثاني: موضوع الدين الداخلي؛ وسوف نشتغل على موضوع الدين الداخلي في العراق وما هي مساهمة البنك المركزي في ذلك، لكي نعرف لماذا وصل الدين إلى هذه الأرقام العالية جدًا.
المحور الثالث: التداعيات السياسية والاقتصادية؛ لذلك دعونا نأخذ التداعيات السياسية والاقتصادية لإقرار خطة الحكومة بتحويل بعض ممتلكاتها أو بعض أصولها إلى ملكية البنك المركزي.
فالبنك المركزي -وفق قانون 56 لسنة 2004- لا يستطيع أن يمول الحكومة بشكل كامل، لذلك انحسرت أهدافه الأساسية بضمان استقرار الأسعار المحلية، وتحديد وجود نظام مالي قائم على المنافسة، وموضوع السيطرة وتحديد سعر صرف العملة بالدرجة الأساس. لكننا عمليًا، منذ سنة 2003 إلى اليوم، نرى أن المهمة الأساسية هي موضوع سعر الصرف، وإدارة الاحتياطيات الأجنبية والذهب وغيره، وتنفيذ سياسة نقدية ثابتة أو مستقرة نوعًا ما؛ هذا هو الهدف الأساسي، بالإضافة إلى خزن عملات الدولة من الذهب، وتحسين نظام المدفوعات وفق الدفع الإلكتروني، وإدارة تراخيص وتصاريح خاصة بشركات الصيرفة والمالية والشركات والبنوك، وأيضًا القيام ببعض المعاملات الإضافية وفق قوانين الإطار القانوني العراقي.
البنك المركزي تولى مهمة الاستقرار النقدي في العراق، وإدارة السياسة النقدية ورسمها، وإدارة سعر الصرف؛ فهذه هي المهام الأساسية للبنك المركزي بشكل تفصيلي. كذلك إدارة الورقة النقدية والمسكوكات حق حصري للبنوك المركزية، وكذلك الرقابة والإشراف على النظام المصرفي. وبعد عام 2018 دخل موضوع الإرهاب، وتم تأسيس دائرة خاصة بغسيل الأموال، وكذلك إدارة أنظمة الدفع الوطنية، وتطوير الإشراف على موضوع التسوية ونظام الدفع الإلكتروني في العراق؛ وبالنتيجة هو مدير ووكيل مالي للحكومة.
هذه الفقرة أساسية جدًا، فموضوع الوكيل مهم؛ لأن الحكومة تصدر السندات عن طريق البنك المركزي، أو الأصح حوالات خزينة يصدرها البنك المركزي، وتحصل الحكومة على أموال لكي تغطي مصاريف النفقات التشغيلية، وأيضًا موضوع إدارة السيولة والتحكم في إدارة المصارف التجارية الحكومية والخاصة. هذه هي المهام الأساسية للبنك المركزي وفق الفلسفة أو السيستم الاقتصادي في العراق.
بمعنى: التحويلات المالية والدفع الإلكتروني، والهدف الأساسي هو استقرار سعر الصرف والحفاظ على قيمة العملة، وأيضًا إدارة الدفع الإلكتروني، وكذلك موضوع التصاريح والموافقات الخاصة بالبنوك وشركات الصيرفة؛ هذه هي المهام الأساسية للبنك المركزي. لماذا نوضح هذا الشيء؟ لكي نعرف فيما بعد: هل خطة الحكومة ستؤثر على هذه المهام أم لا تؤثر؟ بمعنى: هل ستصادر هذه المهام أم لا؟
نأتي إلى البنك المركزي والدين الداخلي في العراق: إن القطاع المصرفي في العراق يوجد فيه 72 مصرفًا، منها سبعة مصارف حكومية والبقية مصارف خاصة، وقسم من الحكومية تجارية، والمصارف الخاصة أيضًا قسم منها تجارية وأخرى إسلامية، والحكومي فيه مصرف النهرين الإسلامي والبقية مصارف تجارية. وسوف أعرض جدولًا يوضح لنا مساهمة القطاع المصرفي في تمويل الموازنة بعد لجوء الحكومة إلى الدين الداخلي. وهنا يوجد لدينا ثلاثة أمور أساسية:
وهي السندات التي تصدرها وزارة المالية، وحوالات الخزينة التي تصدرها وزارة المالية من البنك المركزي وفق المادة 34 من قانون الإدارة المالية رقم 6 لسنة 2019. وكل هذه القضية تتعلق بقضية التمويل الأساسي في العراق، فما هي هذه المصروفات الأساسية؟ يوجد لدينا رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية.
دور البنك المركزي أخذ يتوسع في موضوع تمويل الدين الداخلي، من خلال السندات والحوالات المحسومة والدين على وزارة المالية بالمساهمة في الدين الداخلي. هذا الدين على وزارة المالية سوف نستعرضه أيضًا بعد قليل وفق مؤشر بياني سوف يوضح لنا هذا الجانب.
هذا الاقتراض وتوسيع الدين الداخلي له أسبابه؛ فإذا أردت أن يكون التمويل سريعًا تذهب إلى حوالات الخزينة، وإذا أردت تمويلًا على المدى المتوسط تذهب نحو السندات التي تصدرها الحكومة بفوائد معينة. وحوالات الخزينة مدتها لا تتجاوز سنة، فتكون سريعة في تحصيل المال لكي يتم التصرف بها، لذا فإن اتساع الدين الداخلي توسع مع الظروف الأمنية والإقليمية وتعثر الإيرادات النفطية في الفترة الأخيرة.
نحن نحتاج شهريًا إلى ثمانية (8) تريليونات دينار للنفقات الأساسية التي تشمل رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية، فأصبحت مهمة الدين الداخلي تتم بعيدًا عن أدواته المعروفة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وهذه هي الإشكالية الشائكة والمعضلة الكبيرة التي تحدث تجاه البنك المركزي. هناك بيانات الآن؛ حتى سنة 2021 نحن سحبنا القطاع المصرفي الخاص والعام باتجاه توسع الدين الداخلي، وبالتالي قدرته على الائتمان انخفضت، وكذلك قدرته على إدارة السيولة انخفضت، ووجود سياسات خاصة بتمويل الاستثمارات المحلية انخفض أيضًا بسبب هذا الجانب.
وهذه المصارف تبحث عن ربح مضمون في بيئة أمنية هشّة وبيئة اقتصادية غير مستقرة نسبيًا، وكذلك بيئة أمنية وسياسية غير مستقرة، لذلك تبحث عن أمرين أساسيين: الأمر الأول: هو إدارة السيولة بشكل يجعلها هي التي تتحكم بذلك. والأمر الثاني: أنها تبحث عن ربح مضمون، والربح المضمون يأتي من خلال حوالات الخزينة ومن خلال السندات التي تشتريها من وزارة المالية، فهذه أرباحها مضمونة في ظل هذا الوضع الأمني الهش.
وقد دخل على موضوع الإسكان والعقارات، لكنه بعد فترة من سنة 2000 فصاعدًا -نلاحظ مثلًا القروض المتعثرة وعدم تسديدها نتيجة وفيات أو نتيجة تأخر الرواتب أو غير ذلك- حدث لدينا تعثر كبير جدًا في تسديد القروض، وهذه النسبة تصاعدت كثيرًا وساهمت أيضًا في موضوع الاستثمار الداخلي وتأثيرها على هذه التجربة، والتأثير على الائتمان والقروض.
في المقابل، هناك دور واسع من خلال حوالات الخزينة ومن خلال السندات، بالتوازي مع البنك المركزي والقطاع المصرفي الحكومي، ولكن بعد سنة 2021 انخفضت هذه الفقرة في هذا الجانب.
الآن نأتي إلى الدين الداخلي: طبعًا بعد عام 2003، الحكومة العراقية اعتمدت على الاقتراض العام في تمويل العجز بالموازنات العامة. هذا العجز من أين جاء؟ نحن في التسعينات كنا نعتمد على الرصيد النقدي والسحب على المكشوف، بعد ذلك أصبحنا نعتمد على الدين الداخلي؛ فمثلًا النفقات التشغيلية ازدادت بفعل توسع الهيكل الإداري للدولة، فصارت الزيادة من أقل من 100 ألف موظف في الدولة إلى أن وصلنا إلى 3 ملايين موظف في الدولة.
غالبًا ما يكون الدين الداخلي على شكل أوراق مالية، وهي السندات التي تصدرها وزارة المالية وتبيعها في آجال أكثر من سنتين وتعطي عليها أرباحًا، أو حوالات خزينة محسومة يشتريها البنك المركزي من المصارف التجارية الخاصة. وقد تم تخويل وزارة المالية وفق قانون وزارة المالية رقم 95، وهو قديم، بإصدار سندات قصيرة الأجل مدتها معروفة ومحددة وفق القانون. أيضًا وفق قانون المالية رقم 6 لسنة 2011، حسب المادة 39، خُوّلت وزارة المالية أن تصدر حوالات مالية، وحوالات الخزينة يصدرها البنك المركزي لكن لمصلحة وزارة المالية.
أما السندات فهي لتغطية العجز في الموازنة العامة ضمن الحدود القصوى، لكن الذي جرى لدينا في العراق أنه حدثت معضلة، وهي أن مساهمة القطاع المصرفي ازدادت بشكل كبير بحيث أصبحت تشكل خطرًا على القطاع المصرفي ومساهمته في الدين الداخلي. ما يهمنا هو السندات وإجمالي الدين الداخلي، ونلاحظ مساهمة البنك المركزي فيه وكم هي النسبة.
وعندما نأتي إلى سنة 2026 يكون الأمر مختلفًا؛ حيث توجد وسائل إعلام ذكرت أن المساهمة تجاوزت المبلغ السابق، وقد وصلنا إلى 106 تريليونات دينار، بزيادة 15 تريليونًا عن العام الماضي 2025؛ بمعنى أن هذه الزيادة حدثت في الشهور الستة الأخيرة من عام 2026، وهذا الأمر خطير جدًا، لذلك نحن تهمنا مساهمة البنك المركزي بشكل كبير في هذا الموضوع.
ولكي نعرف لماذا تقوم الحكومة اليوم بالتخطيط لتسديد الدين الداخلي، وقبل ذلك لماذا جاءنا هذا الدين الداخلي؟ ونعني ارتفاع الدين الداخلي بالتزامن مع ارتفاع النفقات العامة التي بلغت 46 تريليونًا حتى نهاية أيار 2026، مقابل إيرادات عامة قيمتها 33 تريليونًا؛ وهذا يعني أن الفجوة تبلغ 11 تريليونًا تقريبًا أو 13 تريليونًا عن العام الماضي. هذا ما حدث في الشهور الستة الأولى من 2026، وإذا استمر الأمر على هذا الوضع في الشهور الستة الأخرى من نفس العام فسيكون لدينا مبلغ 26 تريليونًا هو الفرق عن العام الماضي، وهذه قفزة خطيرة جدًا على الوضع الاقتصادي.
لذلك فإن الحكومة توجهت بشكل كامل إلى الدين الداخلي. وتوجد لدينا إيرادات فعلية ونفقات فعلية وعجز أو فائض؛ نلاحظ في 2025 الإيرادات الفعلية 121 تريليونًا، والنفقات الفعلية 41 تريليونًا، والفرق 19 تريليونًا، وهذا هو العجز في الموازنة. وأخذنا 17 تريليونًا من المصارف المحلية، وهذا ما جعل الدين الداخلي يزداد؛ لذلك يوجد لدينا فرق كبير بين الإيرادات العامة والنفقات العامة في عامي 2025 و2024، يعني بدأ التصاعد من 2023 ولغاية 2025. وفي عام 2026 -وفق هذه الأزمة الجيوسياسية والجيواقتصادية وما يجري في المنطقة ومضيق هرمز- سوف تتصاعد هذه النسب بشكل خطير جدًا.
هناك زيادة في الدين الداخلي في أول ستة شهور من 2026 تبلغ 15 تريليونًا؛ بمعنى أنه إذا استمرت هذه الزيادة بنفس المنوال في الشهور الستة الأخرى من عام 2026 فسوف تبلغ الزيادة 30 تريليونًا، وهذه زيادة كبيرة جدًا، وهي فقط لنفقات أساسية: رواتب ومتقاعدين ورعاية اجتماعية؛ بمعنى أننا لا نستخدم هذه الأموال في الموازنة الاستثمارية. لذلك فإن قفزات إجمالي الدين الداخلي سريعة جدًا، أي من 2022 إلى 2026 القفزات سريعة جدًا والنسب كبيرة جدًا في هذا الموضوع.
في نفس الوقت، سوف نلاحظ إجمالي التزامات وزارة المالية لصالح البنك المركزي؛ حيث ذكرت لكم سابقًا أنه وفق المادة 29 من قانون البنك المركزي، لا يُسمح لهذا البنك أن يعطي أموالًا للحكومة مباشرة، لذلك يشتري البنك السندات من الحكومة ويشتري منها حوالات الخزينة ويبيعها إلى المصارف التجارية، وهذه مساهمته، ويعطي ديونًا وقروضًا بطريقة لا أمتلك فكرة عنها.
نلاحظ التفصيلات بشكل كبير؛ حيث تبلغ حوالات الخزينة 8 تريليونات، والسندات تبلغ عشرة تريليونات؛ هذه القروض التي تقترضها الحكومة من البنك المركزي العراقي.
الآن نأتي إلى المحور الثالث، وهو الشغل الشاغل: يوجد لدينا مقايضة الديون بالأصول، فماذا تعني؟ نقل الملكية هو نوع من التسوية بين الحكومة والبنك المركزي، وهذه لم تحدث سابقًا في العراق، ولا تسمح الأطر القانونية للبنك المركزي ووزارة المالية أو قوانين الموازنات بنقل بعض أصول الدولة إلى البنك المركزي، حيث تتجه الحكومة إلى نقل بعض أصول وعقارات الدولة للبنك المركزي لتسوية الديون التي عليها لصالح البنك.
هذه الخطوة تأتي في إطار معالجة الدين العام ومواجهة التعثر المالي الحكومي في سداد هذه الالتزامات نقدًا، فالحكومة تسعى من خلال هذا الإجراء إلى تسوية قيودها المحاسبية دون الحاجة إلى توفير سيولة نقدية فورية قد تضغط على الموازنة العامة.
ما هي طبيعة الخطة؟ طبعًا العراق حاليًا يعاني من مشكلة اقتصادية كبيرة جدًا تهدد الرواتب والالتزامات التشغيلية، وهذا الأمر دفع بالسيد رئيس الوزراء لوضع خطة لبيع أصول الدولة، من بينها نحو 1000 قصر ومنشأة باقية من نظام صدام حسين، وسط تحذير خبراء من هذا المسار لأنه يعيد كابوس الخصخصة، وهذه هي نفس الوصفة الروسية التي أعلنت إفلاس الدولة في 1998.
ففي مقايضة الديون بالأصول، تقوم الدولة بنقل ملكية أراضٍ وعقارات مميزة تابعة للدولة إلى محفظة البنك المركزي، وعلى أثرها من الممكن أن تُخصم القيمة التقديرية لهذه الأصول من إجمالي الديون المستحقة على وزارة المالية لصالح البنك المركزي.
فما هي المخاوف الاقتصادية لهذا الموضوع؟ طبعًا هذا الموضوع خطير جدًا، وبعض الخبراء يعتقدون أو ينظرون إلى أن:
1. تحويل هذه الأصول يؤدي إلى خفض قيمتها وتقليل قيمتها لأغراض المقايضة.
2. إن هذا المسار لا يمثل حقيقة الأزمة المالية، بل هو مجرد ترحيل لهذه الأزمة واستنزاف لأصول سيادية لا يمكن تعويضها من خلال نفقات تشغيلية كالأجور والرواتب، وبالتالي خسارة الحكومة المقبلة فرصة استخدامها في الاستثمار وتمويل الخدمات والمشاريع في الحكومات القادمة؛ بعبارة أخرى: نقل هذه الأصول يسوي المديونية صوريًا في الميزانيات الدفترية الحسابية، لكنه لا يحل العجز المالي المستمر أو هيكلية الموازنة العامة للدولة.
3. تقويم الأصول وعدم الشفافية؛ حيث تُثار مخاطر ومخاوف من إمكانية إعادة بيعها أو تسويقها مستقبلًا بأسعار تقل عن قيمتها الحقيقية. هذا النوع يثير نقاشات حول مدى تأثير ملكية البنك المركزي لأصول عينية عقارية أو إنشائية على دوره الأساسي المتمثل بإدارة السياسة النقدية -كما ذكرنا في بداية هذه الحلقة النقاشية- والحفاظ على استقرار العملة والقطاع المصرفي، من خلال كيفية دخول أصول عينية أو إدارة عينية على إدارة نقدية.
هنا سوف يحدث تضارب في الاقتصاد؛ فالبنك المركزي هيئة تميل إلى الإدارة النقدية، وهو لا يملك الخبرة الكافية والهيكل الإداري اللازم لإدارة وتطوير أصول عينية أو عقارية أو شركات إدارية. وهنا سوف يحدث نوع من الخلط بين مسار البنك المركزي المحايد ودوره كمالك لأصول الدولة، فيضعف استقلاليته ويجعله شريكًا مباشرًا للسياسات المالية الحكومية، وهذا الأمر بصراحة موضوع خطير جدًا. كذلك استنزاف هذه الأصول، وهنا تكمن الخطورة في قضية استخدام هذه الأصول في ديون تشغيلية وقتية وليست دائمة.
وأخيرًا، كلما توسعت أزمة الدين الداخلي فهذا يعني أن هناك إصرارًا على عدم حل أو تجاوز أو مواجهة هذه الأزمة الهيكلية؛ وإلا ما معنى أن النفقات تزيد على الإيرادات؟ فهذا يعني أن هناك أزمة هيكلية، وكلما اتسعت هذه الفجوة فهذا يعني زيادة الدين الداخلي، أو كلما ازداد الدين الداخلي فهذا يعني أن هذه الفجوة في تزايد مستمر، وهذه الحالة تضعف الثقة بالاقتصاد.
كذلك مثلما أشرنا سابقًا، إن موضوع مساهمة الجهاز المصرفي -كما يحدث في العراق حاليًا- في تمويل الدين الداخلي يضعف قدرته على تحريك الاقتصاد؛ فقد لاحظنا مثلًا أن البنك المركزي طرح الكثير من المبادرات، إحداها مثلًا موضوع تمويل العقار عبر صندوق الإسكان والمصرف العقاري بقروض منه مباشرة، فساهم بتحريك الاقتصاد بعد 2014 بعد أزمة داعش. لذا فإن قدرته مستقبلًا كبنك مركزي على طرح هكذا مبادرات سوف تكون محدودة؛ لأن الشغل الشاغل لهذا البنك سيبقى قضية تمويل الحكومة، وليس قضية إدارة السياسة النقدية في البلد.
فالدين الداخلي مؤشر على هشاشة الاقتصاد ووجود أزمة هيكلية فيه، وكذلك قدرة الجهاز المصرفي على تمويل وتنشيط الاقتصاد (والجهاز المصرفي يشمل البنك المركزي والقطاع الخاص والمصارف التجارية الحكومية) سوف تكون محدودة.
والجانب الثاني: عادةً الدين الداخلي لا تكون فيه مشكلة إذا كان الهدف منه تحريك دورة الدخل في الداخل، لكن مشكلتنا تكمن في أن هذا الدين الداخلي لم يذهب باتجاه القطاعات المهمة، بل يذهب باتجاه النفقات التشغيلية، وهذه النفقات لا يوجد لدينا قطاع إنتاجي داخلي من الممكن أن يحرك دورة الدخل من خلالها؛ كلا، نحن اقتصاد استيرادي، فدورة الدخل يمكن أن تتحرك في الصين وفي إيران وفي تركيا أيضًا، أما في العراق فلا تتحرك؛ لذلك نسبة الفقر في تزايد مع أن النفقات العامة كبيرة جدًا.
والآن نطرح على حضراتكم السؤالين التاليين لإغناء هذه الورقة البحثية، وهما:
السؤال الأول: لماذا يُعدّ تزايد معدلات الدين الداخلي في العراق مشكلة اقتصادية تحتاج إلى معالجة حقيقية؟
السؤال الثاني: ما هي السياسات الاقتصادية اللازمة للحكومة لمواجهة أزمة السيولة النقدية في تمويل النفقات التشغيلية؟
المداخلات
- الأستاذ الدكتور خالد العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:
هذا الموضوع يؤشر خللًا هيكليًا في الاقتصاد العراقي. بالنسبة إلى السؤالين المطروحين، طبعًا السؤال الأول أجاب عنه الدكتور حسين السرحان، وأصبح واضحًا بالنسبة إليكم، أما السؤال الثاني فهو حول السياسات الاقتصادية اللازمة للحكومة لمواجهة أزمة السيولة النقدية في تمويل النفقات التشغيلية. أنا أعتقد أن النفقات التشغيلية أصبحت في الاقتصاد العراقي مثل كرة الثلج، بمعنى أنها لم تجد من يحاول أن يوقفها.
وإنما واصلت التدحرج بشكل مستمر، بحيث إنها في كل يوم وفي كل سنة تكبر أكثر من السنة التي قبلها. وبالنتيجة، نحن حين حولنا الاقتصاد العراقي من اقتصاد إنتاجي إلى اقتصاد استهلاكي، وجعلنا من الريع النفطي مصدر تمويل الرواتب والامتيازات الحكومية، أعتقد أننا خلقنا مشكلة كبيرة لأنفسنا، بحيث لا يمكن لهذه الأزمة أن تُحل مع استمرار هذه السياسة التوظيفية في الدولة العراقية؛ سياسة توظيف خاطئة، واستراتيجيات التنمية لم يُكتب لها النجاح بعد سنة 2003.
ولا يوجد لدينا رأس مال حقيقي خاص، سواء كان داخليًا أو خارجيًا، يستطيع أن يحرك الإنتاج، ويوفر فرص عمل حقيقية للعاطلين، فهو سيستم (نظام) متكامل؛ يعني مخرجات التعليم تتصادم مع التوظيف، وتتصادم مع قدرات الحكومة على توفير فرص العمل، وتنتج لنا مستويات عالية من الفقر بشكل مستمر. لذا يبدو لي أن البنك المركزي هو مجرد حل أخير للحكومة، ولم تتوفر حلول حقيقية لحل هذه المشكلة بشكل صحيح.
لذلك أنا أعتقد أن هذا الموضوع صعب للغاية، ومواجهة هذه الأزمة صعبة للغاية، وأنا أخشى أن الوقت قد فات على الحكومات العراقية، سواء الحالية أو القادمة، في إيجاد معالجات حقيقية. نحن الجالسون في هذه الندوة نتوقع دائمًا أننا حين نرفع صوتنا لصناع القرار في بغداد، فهنالك صانع قرار حقيقي مسؤول بشكل كامل عن كيفية بناء الدولة وبناء البلد وحل مشكلاته. هذا هو توقعنا، يأتي بهذا الشكل، لكن ما يجري في الواقع مختلف للغاية؛ فصانع القرار الموجود في بغداد يريد أن يسيّر الأمور (كل يوم بيومه)، ولا يمتلك رؤية للمستقبل، ومنشغل بالصراعات السياسية الداخلية، ولذلك هذا ليس نظامًا فعّالًا لإدارة الدولة. لهذا، وفي ظل الإدارة الحالية للدولة، أعتقد أننا ذاهبون نحو الأسوأ.
- الدكتور علاء الحسيني، أكاديمي وباحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:
بالتأكيد معدلات الدين قد تشكل مشكلة اقتصادية، ولكن يمكن أن يُنظر إليها من جانب آخر على أنها تمثل حلًا اقتصاديًا لمواجهة مشاكل مثل التضخم وغيره، أو لسداد القروض وغيرها، لكن بحدود مخطط لها على أن تكون ديونًا راشدة، وليست لغرض سداد رواتب وأجور ومنافع اجتماعية للرئاسات الثلاث وما شاكل ذلك.
لذلك هذا يعني أننا نحكم على البنك المركزي أو على الاحتياطي بالإعدام إذا واصلنا هذه السياسة الخاطئة. هي أداة اقتصادية، ومن الممكن أن نحولها إلى أداة خيّرة من الممكن أن تعالج لك المشاكل الاقتصادية، ومن الممكن أن تتحول إلى مشكلة حقيقية تأتي على الأموال وعلى الاحتياطيات وغيرها، ويكون الدين للطوارئ فقط، ولا نعني بالطوارئ تخصيص الديون للمنافع الاجتماعية للرئاسات وما شاكل ذلك.
لذا أقول إن تخطيط الدين العام في قوانين الموازنة يراد له أن يكون بيد أناس مختصين في أروقة وزارة المالية وفي مجلس الوزراء، لكي يتم إعداد موازنة حقيقية قادرة على أن توجد توازنًا ما بين الاقتراض الداخلي والخارجي أولًا، وما بين سداد القروض المستحقة وما بين الاقتراض الجديد، حتى تكون هنالك رؤية مالية ونقدية حقيقية قادرة على أن تعالج جزءًا من مشاكل البلد.
البنك المركزي، كما أتصور، أنه وُضع لأدوار مهمة، ولكن في نفس الوقت هي أدوار خطيرة، مثلًا ما ورد في الورقة فيما يتعلق بغسل الأموال ومكافحة الإرهاب، يكون للبنك المركزي ريادة في هذا المجال، وبالفعل غسل الأموال في البلد هو أحد أصعب المشاكل الكبيرة التي أتت على جزء كبير من السيولة النقدية في الداخل.
بدليل أن الفساد والفاسدين اليوم، لما تمت قضية محاصرة الحوالات إلى الخارج بشكل كبير من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وربط البلد بنظام سويفت وغيره، والتحويلات من خلال البنوك والمصارف الأهلية التي تسير عليها بعض الكتل وبعض الشخصيات الفاسدة، لجؤوا إلى سحب كمية كبيرة من العملة الوطنية والاحتفاظ بها خارج قطاع التداول، لذلك من الممكن للبنك المركزي أن يأتي بحلول من خلال محاصرة جرائم غسل الأموال وساحة الإرهاب.
هذه الجرائم الموجودة في البلد ليست بالهينة. الحقيقة تحتاج إلى جهد استخباري بالدرجة الأولى، وهذا لا يمكن أن يكشفه البنك المركزي، ولكن الأجهزة الأمنية والاستخبارية من الممكن أن تؤدي دورًا داعمًا من خلال مجلس مكافحة الفساد، وهذه المهمة موجودة في هذا المجلس، لكن يحتاج الأمر إلى تعظيم ودعم دورها، ويجب أن تكون هناك إرادة لمكافحة هذه الجرائم؛ لأنها جزء كبير من المشكلة، هي والفساد الإداري والمالي الموجود في البلد.
السياسات الاقتصادية في مواجهة أزمة السيولة، كما ذكرتم، كثيرة، لكن تحتاج إلى إرادة أيضًا، وتحتاج إلى تعامل بحسن نية ما بين المؤسسات العامة للدولة. وزارة المالية بالدرجة الأولى مسؤولة، هي ووزارات قطاعية أخرى مثل وزارة النفط، وتعظيم الإيرادات والسير في أتمتة أكبر لقطاع الإيرادات وذهابه إلى قطاع الدولة، لكي تختفي نقاط سوداء في هذه الأماكن، مثلما حصل في قضية الأمانات الضريبية وغيرها، حتى يكون ممكنًا أن نحد من هذه المشاكل أو نأتي على حلول معينة في هذا المجال.
- الشيخ مرتضى معاش:
إن الإشكال الرئيس في قضية الدين الداخلي يبدأ من تداخل الوظائف بين السياسة النقدية والسياسة المالية؛ فالدين العام ليس في الأصل من اختصاصات البنك المركزي، لأن الوظيفة الأساسية للبنك تتمثل في الحفاظ على العملة واستقرارها وما يرتبط بها من سياسات نقدية، بينما يقع الدين الداخلي ضمن مسؤوليات السياسة المالية التي تديرها الحكومة. لكن البنك المركزي دخل عمليًا في هذا المسار بسبب طبيعة الاقتصاد العراقي نفسه، إذ يمثل النفط الغطاء الأساس للاقتصاد، وتمثل عائداته المورد الرئيس الذي تستند إليه الدولة في تمويل نفقاتها، ولذلك أصبح تمويل العجز والدين مرتبطًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالأموال النفطية الموجودة لدى البنك المركزي.
ويتداخل مع ذلك عامل آخر يتمثل في دور صندوق النقد الدولي، الذي يأتي تدخله بصورة غير مباشرة ضمن منظومة الحفاظ على استقرار الاقتصاد العراقي ومنع انهيار العملة. وهنا تظهر خطورة توسع الدين الداخلي؛ لأن من أهم مخاطره إضعاف قيمة العملة وقوتها الشرائية، كما حدث في تجارب دول أخرى. فكلما توسعت الدولة في سحب الأموال من المصارف والبنوك لتغطية العجز، انعكس ذلك على قوة العملة، ثم انتقل أثره بصورة مباشرة إلى المواطن من خلال تراجع قدرته الشرائية، وهذه من أهم الإشكالات التي ينبغي الوقوف عندها عند دراسة الدين الداخلي وآثاره الاقتصادية والاجتماعية.
لكن معالجة المشكلة لا ينبغي أن تتوقف عند حجم الدين وحده، بل يجب أن تبدأ من السؤال عن الأسباب التي أدت إلى اتساع النفقات التشغيلية بهذا الشكل. فالجداول والأرقام تحتاج إلى دراسة أعمق لطبيعة هذه النفقات، لأن جزءًا منها، أو ربما جزءًا كبيرًا منها، يدخل ضمن ما يمكن تسميته بالنفقات الفضائية. فعندما تحتاج دائرة حكومية إلى عشرة موظفين، ثم يجري تعيين مئتي موظف فيها، لا نكون أمام معالجة للبطالة بقدر ما نكون أمام تضخم في الإنفاق العام. وتزداد المشكلة حين يكون بعض هؤلاء الموظفين غير منتظمين في الدوام، أو تكون عملية توظيفهم مرتبطة باعتبارات حزبية أو سياسية، فتتحول الوظيفة العامة من أداة لخدمة الدولة والمجتمع إلى باب إضافي من أبواب الاستنزاف المالي.
ومنذ عام 2003، وبحسب البيانات الواردة في الورقة ابتداءً من عام 2007، يمكن تحليل مسار الدين العام خلال الفترة الممتدة من 2007 إلى 2026، بما في ذلك الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في قراءة نسب الزيادة واتجاهاتها. والنتيجة التي تظهر من هذه القراءة هي ارتفاع الدين بنحو 18 ضعفًا، وهي زيادة كبيرة تشير إلى اتساع النفقات التشغيلية، بما فيها النفقات الوهمية. وهذا يقود إلى ملف أوسع يتعلق بالفساد وانعدام الاستثمار؛ لأن المشكلة لا تكمن في ارتفاع الإنفاق وحده، وإنما في طبيعة هذا الإنفاق وغياب مردوده الإنتاجي.
ومن هنا، فنحن لا نتحدث عن التقشف بوصفه حرمانًا أو تعطيلًا للدولة، وإنما نتحدث عن التوازن في النفقات وإعادتها إلى حدودها الطبيعية. وهناك فارق كبير بين ترشيد الإنفاق وبين التقشف. فالمشكلة التي نواجهها اليوم هي وجود مظاهر واسعة من الترف الحكومي، سواء في تجهيز الأثاث أو السيارات أو الحمايات أو الإنفاق المبالغ فيه على المكاتب والمستلزمات. وقد نجد موظفًا صغيرًا يمتلك سيارة من أحدث الموديلات ويبالغ في تجهيز مكتبه، وهذه الصورة لا تقف عند حالة فردية، بل يمكن أن تتكرر ضمن هيكل إداري هائل يمتد في مؤسسات الدولة المختلفة، وتظهر بين حين وآخر شواهد تؤكد وجود هذا النمط من الإنفاق.
لذلك يمكن الوصول إلى صورة أكثر واقعية للنفقات التشغيلية عندما نفصل بين النفقات الحقيقية الضرورية والنفقات التي تتعرض للاستنزاف. فإذا جرى حذف النفقات الفضائية والترفيهية، ومنع استحداث المناصب والإضافات غير الضرورية، فمن الممكن تقليل الحاجة إلى الدين الداخلي بصورة كبيرة. وربما لا يصل الأمر إلى تصفير الدين بالكامل، لكنه بالتأكيد يمكن أن يؤدي إلى انخفاض كبير في حجم الدين العام، لأن جانبًا مهمًا من المشكلة يرتبط باتساع الإنفاق أكثر مما يرتبط بنقص الموارد وحده.
وهذه هي المشكلة الهيكلية التي أشار إليها الباحث في الورقة، لكن وصفها بالهيكلية وحده لا يكفي؛ لأنها تحولت أيضًا إلى مشكلة ثقافية واجتماعية. فهناك ثقافة اجتماعية تشجع المسؤول على الإنفاق والتعيين والتوظيف والاستجابة المستمرة للمطالب، حتى عندما تتجاوز هذه المطالب قدرة الدولة وحاجتها الفعلية. وبذلك لا تعود المشكلة حكومية خالصة، بل يصبح المجتمع نفسه شريكًا في إنتاجها واستمرارها عندما ينظر إلى الدولة بوصفها المصدر الدائم للتوظيف والإنفاق، بدل أن ينظر إليها بوصفها مؤسسة مسؤولة عن إدارة الموارد وتحقيق التوازن وحماية مستقبل الأجيال.
ولهذا فإن مسار المعالجة يبدأ من الحوكمة وضبط النفقات ومحاسبة الفاسدين، لكنه لا يتوقف عند ذلك، لأن هناك مشكلة أخرى لا تقل أهمية تتمثل في انحباس دورة المال وضعف حركتها داخل الاقتصاد. فالاقتصاد يحتاج إلى دورة مالية مستمرة، وكلما انحبست الأموال خارج الجهاز المصرفي ضعفت قدرة الدولة والاقتصاد على الاستفادة منها. ومن وجهة نظري، فإن أحد أسباب أزمة الدين العام يرتبط بضعف الثقة الاجتماعية بالنظام المصرفي؛ فالمواطن لا يزال غير مستعد لإيداع أمواله في المصارف، ويفضل الاحتفاظ بها خارج الدورة المصرفية، وهذا يؤدي إلى إضعاف دورة المال العام.
وفي بعض الدول، تتحرك دورة المال بصورة أكثر انتظامًا لأن المواطنين يودعون أموالهم في المصارف ولا يحتفظون في البيوت إلا بالمبالغ اللازمة للحالات الطارئة. وحين توجد هذه الثقة، تتحول الأموال المدخرة إلى جزء من الدورة الاقتصادية، وتصبح المصارف أكثر قدرة على توفير السيولة والتمويل وتحريك النشاط الاقتصادي.
ومن هنا تبرز أهمية بناء نظام مصرفي قادر على حماية أموال المواطن واستعادة ثقته. فإذا شعر المواطن بأن أمواله محمية، وأن النظام المصرفي يتمتع بالكفاءة والموثوقية، فسيتجه إلى إيداع أمواله في البنوك، وسيستفيد بعض المودعين من الأرباح التي يحصلون عليها مقابل هذه الإيداعات. وعندها تتحول الأموال المكتنزة إلى سيولة متحركة داخل الاقتصاد، وتسهم دورة المال العام في تمويل الدين الداخلي بدل أن تبقى السيولة خارج الجهاز المصرفي.
فالدين العام، في أحد أبعاده، يرتبط بضعف السيولة التي تحتاج إليها الدولة، وإذا كانت السيولة موجودة أصلًا لدى المواطنين لكنها خارج المصارف، فإن المشكلة تصبح مشكلة ثقة ونظام مصرفي بقدر ما هي مشكلة موارد مالية. لذلك فإن معالجة الدين الداخلي لا تنفصل عن إصلاح الجهاز المصرفي، واستعادة ثقة المواطن به، وإعادة تحريك دورة المال داخل الاقتصاد. وحين تتحرك هذه الدورة بصورة طبيعية ومنتظمة، يتحرك معها الجسم الاقتصادي كله، تمامًا كما تتحرك الدورة الدموية في جسم الإنسان، فتصل الحياة إلى مختلف أجزائه وتستعيد المنظومة الاقتصادية قدرتها على العمل والتوازن.
- الدكتور علاء الكاظمي، أكاديمي وباحث سياسي:
يبدو أن هذه المشكلة ليس لها علاج، وإذا أردنا الآن أن نتحدث عن الحلول، فلا نتكلم عن حلول واقعية؛ لأن الحلول الواقعية لا تحتاج إلى أن نتباحث في الحل، وإنما تحتاج إلى وجوه جديدة، لأن الوجوه الموجودة الآن لا تنتج حلولًا واقعية، لذلك إذا أردنا التباحث فإننا سوف نتكلم عن الحلول الترقيعية، لا أكثر ولا أقل.
لكن أريد هنا أن أشير إلى فقرة لم تشر إليها الورقة البحثية، وقد ذكر الباحث أن الدين 107 تريليونات، لكنه لم يشر إلى ديون المستثمرين التي قيمتها 90 تريليونًا، أي أن المستثمرين في حكومة السوداني يطلبون ديونًا قيمتها 90 تريليونًا، ونعني بهم المقاولين، وهذه استحقاقاتهم المالية، لم يتحدث عنها أحد، وهي تعتبر من الدين الداخلي، بمعنى: فيصبح الدين الداخلي 197 تريليونًا.
أما بالنسبة إلى الحلول فهي ترقيعية أيضًا، وقد تم ذكر الكثير منها في الورقة النقدية؛ مثلًا استخدام المزيد من السيولة والاحتياطي، وهذا أيضًا لا يحل لنا المشكلة بقدر ما يعمقها أكثر، وكذلك استمرار الاقتراض الداخلي، وكذلك تأخير الرواتب حيث أخذنا نلاحظه بأنفسنا، ولكن أهم اقتراح، وهو يضر بالاقتصاد أيضًا: خفض سعر الدينار. فإذا أصبح سعر الصرف 150 ألف دينار، فهذا من الممكن أن يوفر 200 مليار دينار عراقي كعوائد من المليار دولار الواحد، فهذا يمكن أن يكون أحد الحلول التي ستلجأ إليها الحكومة إذا تفاقمت الأزمة. بالطبع حتى هذا الحل لا ينهي الأزمة، ولكنه يقلص الفجوة، إلا إذا صار سعر الصرف 185 ألف دينار، عندها يمكن غلق الفجوة، وهذا سوف يتسبب لنا بألم كبير.
نحن عادة ما نشير إلى قيمة الرواتب بـ8 تريليونات، لكن يوجد لدينا أيضًا 3 تريليونات يجب أن تُضاف، وهي فواتير الدواء والكهرباء والبطاقة التموينية. هذه أيضًا الحكومة ملزمة بها شهريًا، فيرتفع المبلغ من 8 تريليونات دينار إلى 11 تريليون دينار.
بعض الحلول أيضًا: إيقاف المشاريع، وتأجيل المشتريات، حيث توجد مشتريات يمكن تأجيلها أيضًا، وبيع الأصول غير الضرورية، وأرى أن هذا الشيء مهم؛ نحن تحدثنا عن بيع الأصول، لكننا لم نتطرق إلى بيع الأصول غير الضرورية، وهذا جرى مثلًا في أوكرانيا حين باعت رئيسة الوزراء الطائرة الرئاسية وأوقفت كل شيء كانت تراه مصاريف زائدة، وهذه الفقرة من الممكن أن تخفف من الأزمة التي نمر بها أيضًا.
كذلك زيادة حصتنا في أوبك، وقد لاحظتُ تحركًا في هذا الاتجاه، لكن لا أعرف مدى جديته؛ بمعنى: مقارنة مع السعودية التي يُقدّر عدد سكانها بـ34 مليون نسمة، حصتها في أوبك من التصدير 9 ملايين برميل، بينما عدد سكان العراق 45 مليون نسمة وحصتنا من تصدير النفط 3.4 ملايين برميل نفط، فإذا تم رفع حصة العراق في أوبك يمكن أن تحد نوعًا ما من الأزمة.
بالطبع أرى أن استمرار الوضع مع ارتفاع سعر النفط -وقد تجاوز الآن 100 دولار للبرميل الواحد، والعراق مستثنى الآن في مضيق هرمز- فهذا يمكن أن يخفف عنا؛ بمعنى أن الشهور الستة القادمة، إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه وازداد سعر النفط ولدينا استثناء للعراق في هرمز، فإن هذا الأمر يخفف من أزمتنا.
القضية الأخيرة، وقد أشار إليها الشيخ مرتضى معاش في مداخلته: الإمام علي عليه السلام في بداية مجيئه إلى الحكم، ولما لاحظ أن الأموال كانت بيد فلان وعلان، كانت أول قضية قام بها في الإصلاح الاقتصادي قوله: إن هذه الأموال حتى لو كانت قد زُوِّج بها النساء وبُسِر بها الإماء لقمتُ بإرجاعها، فكل الأموال التي تمت سرقتها سوف أعيدها بشكل كامل، وهذا هو الحل الواقعي فعلًا. أما ما حصل في العراق منذ عام 2003 إلى الآن فهو كبير جدًا، فإن فتحنا ملف الكهرباء وحدها سنحصل على عوائد كبيرة، وهذه هي أبرز الحلول الممكنة.
- الدكتور أحمد الجبوري، عضو رابطة التربويين في كربلاء المقدسة:
نأمل من الحكومة أن تأخذ هذا الموضوع بعين الاعتبار، لا سيما أن مخرجات هذه الحلقة النقاشية ستصل إلى الجهات المعنية. لقد طُرحت وجهات نظر قيمة من الأساتذة الذين سبقوني في المداخلات.
وبالانتقال إلى المحور الثاني المتعلق بالنفقات التشغيلية، وبما أننا نتحدث عن الموازنة التشغيلية، فنحن نقصد بذلك الرواتب، وشبكة الرعاية الاجتماعية، وحقوق المتقاعدين.
لقد ذكر الإخوة المناقشون الكثير من الحلول، وجميعها طروحات سديدة، ولكنها طويلة الأمد — باستثناء ملف استرداد الأموال من الفاسدين — إذ إن التحول من الاقتصاد الريعي إلى تنشيط قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة وغيرها يتطلب سنوات طويلة. وللأسف، لم تستغل الحكومات المتعاقبة الفترات الماضية لتنويع مصادر الدخل.
إن لدينا اليوم تجارب لدول قريبة من العراق تمتلك ثروات نفطية هائلة، ولكنها وصلت إلى مرحلة لم تعد معها بحاجة ماسة إلى عوائد النفط، إذ أصبحت تملك تنوعًا اقتصاديًا يغطي نفقاتها، ولا تعتمد على التصدير كليًا؛ فنراها تصدر النفط، ولكنها ترتكز بشدة على السياحة، والزراعة، والاستثمار العقاري، كما هو الحال في دول الخليج.
وبالحديث عن الموازنة التشغيلية، فهناك حل سريع وسهل وقابل للتطبيق، لكنه يتطلب إرادة جادة لتنفيذه بصورة عاجلة، ويتمثل في الآتي: لقد حدد القانون المخصصات الممنوحة للرواتب والرعاية الاجتماعية والتقاعد بسقف لا يتجاوز 200% من الراتب الاسمي، وهذا إجراء معروف ومعمول به قانونًا.
غير أن ما نلاحظه — كما أشار بعض الإخوة — هو تضخم أعداد الموظفين من عدة آلاف إلى ثلاثة أو أربعة ملايين موظف. نعم، هذا التضخم يشكل عبئًا كبيرًا، ولكن لو أُعيد ترتيب الموازنة التشغيلية بالشكل الصحيح لما واجهنا هذه الأزمة، ولما تراكم علينا الدين الداخلي، ولما أُقحم البنك المركزي في هذه المسألة.
كنت أتمنى أن يُعرض في هذه الحلقة جدول يوضح تفاصيل الموازنة التشغيلية، بدءًا من الرئاسات الثلاث ووصولًا إلى جميع الوزارات؛ إذ يُلاحظ أن الرئاسات الثلاث هي الأكثر استنزافًا للأموال، ولا سيما من خلال رواتب التقاعد الخاصة بالنواب، ورؤساء الوزراء، ورؤساء الجمهورية السابقين. فلو فُعّل القانون وحدد المخصصات بحيث لا تتجاوز الحدود القانونية بدلًا من وصولها إلى 400% و500% و600%، بل وحتى 900% في بعض الحالات — ورغم أن هذا الطرح قد لا يروق للبعض، إلا أننا نبحث عن حلول اقتصادية جذرية — ولو جرى تعديل سلم الرواتب وتخفيض هذه المخصصات، لوفّر ذلك للدولة مليارات بل تريليونات الدنانير.
يُضاف إلى ذلك ملف المناصب التي تُمنح بناءً على المجاملات، وهي بأعداد كبيرة؛ إذ لا بد من تقليصها لكي تكفي الإيرادات المتاحة لتغطية النفقات، ودون الحاجة إلى الاقتراض من البنك المركزي أو أي جهة أخرى. وهذا يعد حلًا أوليًا وبسيطًا يُضاف إلى بقية الحلول المطروحة.
- الأستاذ حامد الجبوري، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:
مبدئيًا، أود أن أشير إلى أن العراق توجه بعد عام 2003 نحو اقتصاد السوق، وهذا يتطلب موازنة أصغر تتلاءم مع آليات السوق، باعتبار أن السوق هو المحرك الأساس للاقتصاد؛ مما يعني نفقات أقل وإيرادات أقل، وهو ما يُعبَّر عنه بـ«توازن الموازنة» في المالية العامة. أما عندما يُعطى الدور الرئيس للدولة ويكون من مهامها، فهذا يعني حاجتها إلى ممارسة أدوار أكبر وضخ نفقات أكثر، دون اشتراط توازن الموازنة، إذ لا مانع حينها من تجاوز النفقات للإيرادات، ولهذا السبب وقعنا في هذا المأزق.
فمن الناحية العملية، وعلى الرغم من توجهنا نحو اقتصاد السوق، إلا أن الدولة لا تزال تؤدي الدور الأكبر وتتحمل نفقات متزايدة في ظل إيرادات مرنة تتأثر بتقلب أسعار النفط، نظرًا لاعتمادنا المفرط عليه. كما اتجهنا بعد عام 2003 نحو ترسيخ استقلالية المؤسسات، على أساس أن كل مؤسسة تؤدي دورًا محددًا وتسعى لتحقيق هدف معين دون تدخل من الجهات الأخرى.
ومن هذه المؤسسات البنك المركزي، الذي يسعى للحفاظ على قيمة العملة والاحتياطيات الأجنبية لاستخدامها في حالات الطوارئ. لكننا نلاحظ اليوم أن الدولة لجأت إلى البنك المركزي وأقحمته في ملف الإيرادات والسيولة، بعيدًا عن وظائفه الرئيسة التي ينبغي أن يركز عليها.
وهنا حدث اختلال في الأولويات؛ إذ أصبح البنك المركزي ينشغل بالدورة المالية العامة لتغطية الرواتب، في حين أن السياسة المالية هي المسؤولة حصرًا عن توفير الرواتب وتغطية النفقات بنوعيها الاستهلاكي والاستثماري. وعند مراجعة النفقات الاستثمارية والتشغيلية، نلاحظ أنه منذ بداية الشهر الأول من السنة الحالية (2026) وحتى الآن، بلغت نسبة النفقات التشغيلية 96% مقابل 4% فقط للنفقات الاستثمارية، وهو ما يعكس الخلل الهيكلي الصارخ في هيكل الإنفاق، بينما المفترض أن يكون العكس.
والنقطة الأخرى المتعلقة بهذا الموضوع، ولا سيما ما يخص السؤال الأول، تتمثل في وجود مشكلة اقتصادية تكمن في استخراج النفط باعتباره أصلًا اقتصاديًا حقيقيًا، وكان يُفترض تعويضه بأصل قائم فوق الأرض (أي نقل الثروة من باطن الأرض إلى سطحها)، كبناء مدرسة، أو إنشاء مشروع معين، أو مشروع مياه، أو مركز تجاري؛ لأن الأصل المادي يولد دخلًا مستدامًا.
في حين أننا لا نزال نستخرج هذا الأصل ونحوله إلى سيولة نقدية ونصدره للخارج، ثم نحصل على الدولار ونحوله إلى استهلاك، وهو ما يُعبَّر عنه في الاقتصاد بـ«التسرب نحو الخارج»؛ ويشبه ذلك شخصًا يمتلك أموال طوارئ يعتمد عليها ويستهلكها في احتياجاته اليومية، وبمجرد تعثره المالي يلجأ إلى الاقتراض وتحمل أعباء الفوائد.
فهذه الأسباب تمثل جانبًا من المشكلات الناجمة عن تحويل الأصل الحقيقي إلى أصل سائل استهلاكي بدلًا من توجيهه لنشاط إنتاجي، وهذا ما يتعلق بالسؤال الأول.
أما بالنسبة إلى السؤال الثاني، فنحن بحاجة ملحة إلى إعادة النظر في الضغط المالي وترشيد النفقات قدر الإمكان للحد من حجم الدين الداخلي. وفي المقابل، يجب العمل على تعزيز الإيرادات غير النفطية من خلال الأتمتة وتفعيل الجمارك وغير ذلك، مما يحد من اتساع الدين الداخلي. وتبرز هنا نقطة ثانية تتمثل في إعادة النظر في سياسة الدعم، وقد يظن البعض أن هذا يدعو إلى رفع الأسعار على المواطن، لكن هذا ليس هدفنا بالتأكيد.
فهذه المسألة تشبه المفاضلة بين الضريبة التصاعدية والضريبة المقطوعة؛ إذ إن فرض ضريبة بنسبة 20% على جميع المواطنين يعد إجراءً غير عادل؛ لأنه يساوي بين الطبقات الميسورة والطبقات الكادحة، وهو أمر غير منطقي ولا يراعي العدالة الاجتماعية. لذا نحتاج إلى تطبيق ضرائب تصاعدية عادلة، إلى جانب اعتماد أسعار عادلة للمنتجات النفطية.
على سبيل المثال، تُعفى الطبقات الاجتماعية محدودة الدخل من إلغاء الدعم أو تخفيضه ليظل مستمرًا لها بنسبة 100%، بينما تحتفظ الطبقات المتوسطة بنسبة محددة من الدعم، ويُرفع الدعم كليًا عن الطبقات الميسورة. ويحقق هذا الإجراء ميزات متعددة؛ إذ سيؤدي أولًا إلى تقليص النفقات، وثانيًا إلى الحد من عمليات التهريب لأن الأسعار ستصبح مقاربة للأسواق المجاورة، مما يقلل من الدين الداخلي.
فضلًا عن ذلك، سينتج عن هذا التوجه أثر بيئي إيجابي نتيجة انخفاض استهلاك الوقود، مما يقلل من التلوث البيئي. وهذه هي النقاط الرئيسة التي من شأنها المساهمة في تخفيض الدين العام.
- الأستاذ محمد علاء الصافي، باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:
لقد تطرق المشاركون في النقاش إلى معظم النقاط الجوهرية، وهنا يحضرني النموذج الروسي الذي وصل بالفعل إلى مرحلة الانهيار في نهاية التسعينيات. وفي تلك الأثناء، عندما تولى الرئيس الحالي لروسيا (بوتين) مقاليد الحكم، معالجًا الكثير من الأزمات التي مرت بها الدولة الروسية آنذاك، ولا سيما مسألة استعادة السيطرة على الأصول التي خرجت عن سلطة الحكومة في عهد (يلتسين) وسلفه؛ حيث عمل بوتين على إحالة العديد من المشاريع وتطويرها، وتحويلها من مشاريع تُجهد الخزينة إلى مشاريع إنتاجية مربحة.
ويمكن القول إن (بوتين) وازن بين التجربة الاشتراكية السابقة والرأسمالية بأسلوب متوازن، وهو نموذج قد يلائم الواقع العراقي اليوم؛ إذ لا يمكننا التحول المفاجئ من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الحر، والذي أراه شخصيًا هدفًا غير واقعي؛ لأن ذلك يعني القفز نحو اتجاه مغاير تمامًا. وكان يُفترض بكل الحكومات المتعاقبة أن تضع في مقدمة أولويات برنامجها، منذ البداية، سلّم رواتب منطقيًا وتجميد التوظيف الحكومي، ليتسنى للقطاع الخاص التحرك بفعالية أكبر.
كما كان يجب تقديم مشاريع قوانين إلى البرلمان للحد من الأزمات؛ فعلى سبيل المثال، نواجه اليوم أزمة خريجي الكليات الطبية لسنوات 23 و24 و25 و26، ناهيك عن دفعة 27 القادمة، وهؤلاء يشملهم قانون التعيين المركزي الذي يلزم الدولة بتوظيفهم. وطالما أقدمت الدولة على فتح كليات وجامعات حكومية وأهلية تستوعب هذه الأعداد، وكان المفترض بها التخطيط المسبق لاستيعابهم، لكونها تمتلك وزارتي التخطيط والتعليم العالي اللتين رسمتا هذه السياسة، فإنها باتت ملزمة بتعيينهم بالنتيجة.
إن الخريج الذي مضى على تخرجه أربع سنوات دون توظيف حكومي يُحظر عليه العمل في العيادات الخاصة؛ إذ تخضعه نقابة الأطباء وغيرها للرقابة والمحاسبة، مشترطة عليه خدمة الدولة لسنوات محددة قبل السماح له بالدخول إلى سوق العمل. وهذا يعني أنه بعد قضائه ست سنوات في الدراسة الجامعية، يصل إلى سن الثلاثين دون القدرة على ممارسة مهنته أو العمل في القطاع الخاص، وهذه كارثة حقيقية تستدعي تعديل القانون بشكل عاجل.
إننا أمام مشكلة هيكلية حتمية، إلى جانب أزمة تشريعية تتطلب تعديل القوانين ضمن أطر محددة، فضلًا عن وضع قضية سلّم الرواتب في صدارة الأولويات. وكان يُفترض بهذه الحكومة (حكومة الزيدي) -التي يُفترض ألا يفكر رئيسها بالانتخابات أو تشكيل كتلة سياسية أو تأسيس حزب- أن تتخذ هذه الإجراءات الحازمة، خلافًا لجميع من سبقوه ممن كانوا مرتبطين بالأحزاب، مما جعل المسألة مجرد ثقافة اجتماعية سائدة.
بناءً على ذلك، تُعد سنة 2026 سنة التحدي الأعظم، والتحدي الأقوى الذي تواجهه الحكومة العراقية منذ عام 2003 حتى الآن. وأرى أن هذه الحكومة إذا بدأت بوضع اللبنات الصحيحة في المسار المناسب، فإن الحكومة التي تليها ستسير على النهج ذاته، مما يجعلها حكومة مفصلية؛ فإما أن تفشل وتعلن استسلامها وعدم قدرتها على اتخاذ أي إجراء، ولا سيما مع أزمة الشح المالي التي أقر بها مسؤولون حكوميون (ومنهم وزارة الصحة التي أعلنت افتقارها للتمويل)، وإما أن تحقق النجاح، وأنا شخصيًا أميل إلى ترجيح سيناريو الفشل.
- الأستاذ حسين شاكر العطار، أكاديمي وباحث:
طرح الإخوة المشاركون في النقاش ملاحظات كان يُفترض أن تجد طريقها إلى التطبيق خلال السنوات الماضية، أما ما وصلنا إليه الآن، فلا أعتقد أن هذه الملاحظات قادرة على معالجة الأزمة، بعد أن تفاقمت مشكلة «كرة الثلج» وباتت تتضاعف باستمرار. وتبرز هنا مسألة حاسمة مفادها أنه لا يمكن تحقيق إصلاح مالي في العراق دون إصلاح إداري وسياسي شامل؛ إذ إن المشكلة تكمن في التشريعات القائمة.
لذا فإن كرة الثلج لا تتوقف، بل تراكم المزيد من التعقيدات، مثل: ملف التوظيف الحكومي، ودعم الوقود، والتوسع المفرط في الرعاية الاجتماعية، ونفقات وزارة الخارجية التي لم يتنبه لها أحد، إضافة إلى مخصصات مصافي النفط. وفي هذا الصدد، أثار الخبير نبيل المرسومي موضوعًا في غاية الخطورة بشأن المصافي؛ إذ لم يُقتطع سوى جزء يسير جدًا من مخصصات كوادرها، فافتُعلت أزمة وقود فورية، رغم أن الدولة تمتلك المصافي والموظفين والشركات، لكن بمجرد المساس بتلك المخصصات الضخمة أبدوا رفضهم القاطع.
إن الدولة عاجزة عن فرض إرادتها على أي جهة، وكنت أردد منذ مدة أننا أمام دولة شبه فاشلة، كونها لا تستطيع السيطرة حتى على أدواتها وموظفيها؛ ولذا فإنه لا مجال للإصلاح دون بيئة قانونية وإدارية صلبة.
أما الحلول الحقيقية والجذرية السريعة، فلا يمكن تحقيقها في ظل الظروف الراهنة إلا بمعجزة. وفي المحصلة، ونظرًا لتشابك هذه المشكلات وغياب المعالجات الجذرية، لا سيما أن صانع القرار يفتقر إلى رؤية بعيدة المدى ويكتفي بإدارة الأزمة عشوائيًا، فإن الوضع يتجه نحو الانهيار في مدة لن تتجاوز العقد القادم؛ فربما تعلن الدولة إفلاسها بحلول عام 2035 أو قبل ذلك، وقد تكون الحكومة الحالية نقطة التحول المفصلية في هذا المسار.
وقد تتوالى بعدها حكومات أخرى، لكنها ستكون حكومات صورية في مواجهة هذه الأزمات العاصفة. ومن ثم، فإننا نحتاج إلى حلول جادة، في مقدمتها الضرب بقوة على بؤر الفساد وتجفيف منابعه، والتعجيل بملف الأتمتة، واستمرار حملات التدقيق المالي.
وإذا لم تُتخذ خطوات حاسمة خلال الربع الأول من عمر الحكومة في سنتها الأولى -بعيدًا عن الاكتفاء بضبط بعض الفاسدين الصغار دون النفاذ إلى العمق، حيث لم تطل حملات مكافحة الفساد حتى الآن سوى القشور- فسيظل الوضع في غاية الخطورة، وسيستمر التضخم بالارتفاع حتى قد يصل سعر الصرف إلى مئتي ألف دينار مقابل المئة دولار، وللأسف الشديد ستستمر كرة الثلج في النمو والاتساع.
- الأستاذ علي حسين عبيد، كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:
إجابة عن السؤال الأول: يُعدّ تزايد معدلات الدين الداخلي في العراق مشكلة اقتصادية معقدة وتتطلب معالجة حقيقية؛ لأنها تعكس خللًا هيكليًا عميقًا في إدارة المالية العامة. يكمن التحدي الأكبر في أن معظم الأموال المقترضة تُوجَّه لتمويل النفقات التشغيلية الاستهلاكية، مثل رواتب القطاع الحكومي المتضخم والرعاية الاجتماعية، بدلًا من استثمارها في مشاريع استثمارية أو بنى تحتية قادرة على توليد عوائد اقتصادية مستدامة لسداد هذه الديون.
كما يؤدي هذا التزايد المستمر إلى ظاهرة (مزاحمة القطاع الخاص)، حيث يستنزف الاقتراض الحكومي معظم السيولة المتاحة لدى المصارف الوطنية والتجارية، مما يقلص قدرة هذه المصارف على تمويل المشاريع الاستثمارية الخاصة ويضعف النمو الاقتصادي خارج القطاع النفطي.
بالإضافة إلى ذلك، يفرض الاقتراض الداخلي المباشر أو غير المباشر من البنك المركزي ضغوطًا متزايدة على الاستقرار النقدي، ما يعرض العملة الوطنية لمخاطر التضخم وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين. وأخيرًا، تخلق هذه الديون حلقة مفرغة تستنزف جزءًا كبيرًا من الموازنات المستقبلية لخدمة الفوائد والأقساط، مما يرهن الاستقرار المالي للبلاد بتقلبات أسعار النفط العالمية ويجعل الإصلاح الشامل أمرًا لا مفر منه.
أما الإجابة عن السؤال الثاني، فيتوجب على الحكومة العراقية اعتماد حزمة سياسات اقتصادية متكاملة ترتكز على ترشيد الإنفاق وتنويع الموارد، ويأتي في مقدمة ذلك ضبط الفاتورة التشغيلية عبر إيقاف التعيينات العشوائية في القطاع الحكومي المتضخم، وتدقيق أوراق العاملين للقضاء على الوظائف الوهمية ومزدوجي الرواتب.
كذلك يتطلب الأمر تفعيل الجباية الإلكترونية وتعظيم الإيرادات غير النفطية، ولا سيما من الضرائب والجمارك ومؤسسات الخدمة العامة، للحد من الاعتماد الكلي على تقلبات أسعار النفط. كما ينبغي إصلاح نظام الدعم الحكومي ليُوجَّه حكرًا للفئات الأكثر هشاشة، مع إعادة هيكلة إدارة السيولة عبر تعزيز التحول الرقمي والشمول المالي لدمج الكتلة النقدية المكتنزة خارج الجهاز المصرفي.
وأخيرًا، يعد تنشيط الشراكة مع القطاع الخاص لتولي تشغيل بعض الخدمات الأساسية خطوة حاسمة لتخفيف العبء المالي المباشر عن خزانة الدولة وتحقيق استقرار مالي طويل الأجل.
- الأستاذ كمال عبيد، كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:
أولًا: بخصوص خطورة الدين الداخلي، المشكلة الأساسية ليست في الاقتراض بحد ذاته، وإنما في طبيعة إنفاق هذا الدين. نحن نقترض حتى نغطي مصاريف تشغيلية ورواتب، يعني دين يستهلك ولا ينتج. والاعتماد المتزايد على البنك المركزي لسد هذا العجز يضغط على قيمة الدينار، ويضع الاستقرار النقدي في خطورة حقيقية على المدى البعيد.
ثانيًا: بالنسبة إلى أزمة السيولة والحلول المطلوبة، الحلول لا تمضي بالحلول الوقتية، بل بإجراءات عملية:
تفعيل الجباية وأتمتة الجمارك: (مثلًا: الانتقال للنظام الإلكتروني بالجمارك وبوابات الدفع الإلكتروني للخدمات بدل التعامل النقدي لمنع الضياع والتسرب المالي).
ترشيد الإنفاق التشغيلي غير الضروري، مثلًا: تقليل نفقات إيفادات المسؤولين، وشراء السيارات الحكومية، وضبط شراء المستلزمات الإدارية، وتوجيه هذا المال للصحة والتعليم.
طرح سندات تنمية للمواطنين: (والمقصود بها: بدلًا من أن تقترض الحكومة من البنك المركزي، تطرح ورقة ورقية أو إلكترونية للمواطن، تشتريها منه بمليون دينار مثلًا مقابل فائدة سنوية مضمونة، وتُخصص هذه الأموال لبناء طريق سريع أو مستشفى يُدر أرباحًا، فيستفيد المواطن من الفائدة، وتتحرك السيولة المكتنزة في البيوت).
وهنا أحب أن أتوجه بأسئلة دقيقة إلى الأستاذ الباحث: إلى أي مدى يمتلك البنك المركزي استقلالية حقيقية لرفض تمويل العجز التشغيلي للحكومة إذا ما استمرت أزمة السيولة؟
كيف نستطيع إقناع المواطن بسحب سيولته المكتنزة في البيوت واقتناء سندات حكومية، في ظل ضعف الثقة الحالي بالقطاع المصرفي؟
وهل يوجد مدى زمني أو خطة طوارئ معروفة لوقف نمو هذا الدين قبل أن نصل إلى مرحلة العجز التام عن السداد؟
حررت النص كاملًا مع **الحفاظ على جميع أفكاره ومضمونه من دون حذف أو إضافة**، وتحويل الصياغة الشفهية إلى لغة مكتوبة متماسكة ومترابطة:
- الأستاذ صادق الطائي، باحث وكاتب:
في العادة، يكون البنك المركزي هو الممول الرئيس للمشاريع الكبيرة والصغيرة التي تُبنى في البلد، وهو، في الوقت نفسه، المحفظة الرئيسة للدولة والصندوق الكلي الذي يمثل الوجه المالي للبلد. فكلما كان البنك المركزي قويًا وممتلئًا بالأموال، منح الدولة موقعًا ودورًا سياسيًا مهمًا، وعزز قدرتها على التحرك وإدارة مصالحها.
وفي حالة العراق، فإن الأموال المتأتية من تصدير النفط، إلى جانب بعض الموارد الأخرى القابلة للتصدير، تذهب إيراداتها إلى حسابات البنك المركزي. والدولة التي تمتلك حسابات متعددة ومتنوعة تكون أكثر قدرة على الحركة والمناورة واعتماد التكتيكات المناسبة في إدارة شؤونها الاقتصادية والمالية.
لكن الوضع الآن مختلف؛ إذ إن أميركا هي التي تبيع النفط وتنقله إلى الأراضي الأميركية، حيث توضع أمواله في أحد مصارفها، ثم تُعطى للعراق الأموال اللازمة لتغطية رواتب الموظفين وإدخال بعض المواد الغذائية والاستهلاكية فقط.
أما محاولات بناء معمل أو إنشاء تجمع صناعي أو إطلاق عملية إنتاج، ولو كانت صغيرة، أو طرح فكرة تدفع باتجاه التحسن والتقدم، فإنها تكون مرفوضة أولًا، وتخضع للمحاسبة عليها. وهذا يعني، بالنتيجة، عدم وجود ميزانية حقيقية، وعدم وجود دين داخلي أو نمو صناعي.
ومن هنا، فإن المطلوب هو إخراج المحتل من البلد. وربما يبرر بعض السياسيين والعاملين في الدولة هذا الواقع بالقول إن أميركا مجرد كيان سياسي كبير، وإن دورها يقتصر على الحماية والرعاية والدفاع.
الخاتمة للدكتور حسين السرحان (مقدِّم الورقة البحثية)
في عام 2022، وقبل أن يتولى السيد محمد شياع السوداني رئاسة الحكومة، كان لدينا فائض مالي في الموازنة تجاوز 40 تريليون دينار، فما السبب في ذلك؟ هل هو أداء حكومة السوداني؟ بالتأكيد لا، ولا يعود السبب أيضًا إلى حكومة الكاظمي أو الحكومات التي سبقتها، وإنما جاء الفائض نتيجة الطفرة في أسعار النفط، حيث بلغت الإيرادات النفطية حينها 161 تريليون دينار.
ولكن عند تسلم السوداني لرئاسة الوزراء، يُلاحظ حجم الارتفاع الهائل في النفقات؛ مما يقتضي المساءلة القانونية لمسار هذه الحكومة. والأرقام التي أعرضها لكم هي أرقام رسمية وردت في دراسة صادرة عن البنك المركزي العراقي؛ إذ تظهر التتبع المالي منذ عام 2022 وحتى الآن قفزات كبيرة جدًا في حجم الديون، وأقصد هنا الدين الداخلي تحديدًا دون التطرق إلى الدين الخارجي. ولقد تناولنا في النقاش الإجابة عن السؤال الأول، أما بالنسبة إلى السؤال الثاني المتعلق بضبط النفقات، فنلاحظ أن الهدر المالي القائم يتم ضمن أطر قانونية شرعتها الدولة؛ فنفقات مؤسسة الشهداء تتم وفق قانون، ونفقات مؤسسة السجناء السياسيين مغطاة بقانون، وكذلك نفقات موازنة ومخصصات ورواتب تقاعد أعضاء مجلس النواب ومجالس المحافظات؛ ومن ثم فإن معالجة هذا الملف تتطلب إعادة تنظيم تشريعي جديد يضبط حركة النفقات التشغيلية ويحد منها.
كما نحتاج إلى إطار خاص للتنظيم المالي للنفقات المتداخلة والازدواج المالي؛ ففي ملف الرواتب، على سبيل المثال، يتقاضى البعض راتبًا بوصفه سجينًا سياسيًا، وراتبًا تقاعديًا، إلى جانب تقاضيه راتبًا وظيفيًا جراء عمله في مؤسسات الدولة، مستفيدًا من الثغرات ليحصل على ثلاثة أو أربعة رواتب شهريًا. إضافة إلى ذلك، ينبغي استعادة الثقة بالقطاع المصرفي الخاص عبر بيئة قانونية مشجعة؛ إذ إن قانون المصارف الخاصة لسنة 2004 يتضمن تعقيدات تكبل هذا القطاع وتمنعه من تمويل المشاريع الاستثمارية. فضلًا عن حظر إيداع الأموال والأموال الحكومية الرسمية في المصارف الخاصة بذريعة عدم قدرتها على توفير السيولة، حيث تُودع جميع الموازنات (كموازنات الجامعات مثلًا) حصرًا في مصرفي الرافدين أو الرشيد. بناءً على ما تقدم، تتجلى الحاجة الماسّة إلى صياغة إطار قانوني جديد يُلزم بضغط النفقات ومعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد.






اضف تعليق