من المؤكد في دول تفتقد للشفافية والنزاهة، وايضاً؛ لقيم العدل والانصاف والأمانة والصدق، تترعرع فيها المليشيات المسلحة بغية الحفاظ على المكاسب المالية الى جانب المكاسب السياسية، فمن يهدد الناس وينتهك حقوقهم بقوة السلاح والتهديد هو مصداق الفقير نفسياً...

ما أن تقع جريمة سرقة في أي مدينة يتحرك جهاز نسج الاوهام عند البعض ليرسم صورة افتراضية في الاذهان عن شخص فقير ومعدم قادم من بيئة فقيرة اجبرته على ارتكاب هذا الفعل بدوافع مادية، ولا نسمع يوماً –على الأغلب- أن الناس تفكر من الوهلة الأولى باحتمال أن يكون الجاني من الشريحة الثرية و الميسورة في المجتمع! 

هذه الصورة النمطية؛ فضلاً عن فقدانها للانصاف، فهي تغيّب معايير هامة في الشخصية التي تقف خلف ارتكاب أي خطأ بدافع المال، فالرؤية السطحية للأمور ربما ترسم هذه الصورة المغلوطة والظالمة في كثير من الاحيان، بينما الرؤية المنطقية تدلنا على مواصفات اخرى غير الفقر والحاجة الى المال، أبرزها؛ شُحّ النفس، أو فقدان غِنى النفس، كما تؤشر اليه الرؤية الدينية مسنودةً بكم هائل من الأدلة النقلية (القرآن الكريم و روايات أهل بيت رسول الله)، وايضاً؛ الأدلة العقلية.

الغنى المعنوي بديلاً عن المال

الأرصدة في البنوك، والعقارات، والسيارات، والمراكز التجارية وما أشبه، تمثل اليوم مصداق الغِنى والثروة، ولا مراء في صحة هذا المصداق في جانب منه، بيد أن الغِنى له مصداقاً آخر معنوياً وليس مادياً، يحمل عناوين مثل؛ القناعة، والكفاف، والعفّة، وثمة شريحة لا بأس بها من المعوزين ممن يتصفون بهذه الصفات يشعرون بالسعادة في حياتهم، فهم لا يجدوا في انفسهم الحاجة للتفكير فيما عند الناس من ثروة وأموال، بقدر ما يعدوا أنفسهم اغنياء ومكتفين، الى درجة أن يصفهم القرآن الكريم بالاغنياء رغم فقرهم المدقع في الآية الكريمة من سورة البقرة في سياق الحديث عن الإنفاق: {لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ}، ثم تستوقفنا هذه الآية الكريمة بوصف الشريحة غير المتفهمة لحال هؤلاء بأنهم "جهلة"، وهي مفتاح لبحث مستقل عن وجود قصور مريع في الرؤية وعدم اكتشاف الانسان الفقير او شريحة الفقراء بين افراد المجتمع. 

هذه النفس الكبيرة لها فائدة اقتصادية الى جانب الفائدة الاخلاقية المشار اليها آنفاً، فقد أثبتت التجارب أن اصحاب هذه النفس يكونوا أقدر وأسرع الى العطاء من اصحاب النفوس الشحيحة رغم وفرة اموالهم، ولهذا سببين؛ الاول: أن الفقير ليس عنده من المال ما يخشى خسارته وتراجع كميته كما هو الشعور الطافح لدى بعض الاغنياء، فضلاً عن المقولة التي يكررها هؤلاء بأنهم بذلوا جهوداً مضنية طوال حياتهم حتى تكونت لديهم الثروة، والسبب الثاني: عامل التفهّم والإدراك الحقيقي لمشاعر الفقير وحاجته لتغطية تكاليف المعيشة الصعبة. 

وقد حصل في حالات عدّة عبر وسائل الاعلام، كيف أن من يقدم برنامجاً تلفزيونياً بمضمون انساني، يعطي بائعاً على الرصيف، أو عتالاً في السوق، مساعدة عينية او مالية، نراه يقترح أن تعطي المساعدة لمن هو أحوج منه؟! فهل يحصل مثل هذا الموقف مع شخص له منصب ذو راتب ضخم، او ثري في السوق تأتيه منحة حكومية، هل يتعامل بنفس الروحية والنفسية الكبيرة التي عند ذلك الرجل الذي يبيع الاشياء البسيطة على الأرصفة؟

غنى النفس و دوره الحاسم في توفير الأمن

ربما يبدو من الوهلة الاولى شيءٌ من الغرابة عن علاقة صفة أخلاقية وفضيلة من الفضائل بمسألة كبيرة مثل؛ الأمن في المجتمع والدولة على حدٍ سواء، بيد أن نزعة التفوق والاستئثار بالمال الكامنة في النفوس لا تظهر إلا عندما يحتدم التنافس غير الشريف على الهيمنة في أسواق البورصة، او في سلسلة المتاجر، او سلسلة المطاعم والسعي المحموم لتحقيق النجاح مهما كلف الأمر، ولا ننسى ملف الفساد في دوائر الدولة و دافع شحّ النفس في الانزلاق الى مهاوي الرشوة والاختلاس، كما نلاحظه في مؤسسات الدولة في العراق، وفي عديد الدول الاسلامية، مع بالغ الأسف.

ومن المؤكد في دول تفتقد للشفافية والنزاهة، وايضاً؛ لقيم العدل والانصاف والأمانة والصدق، تترعرع فيها المليشيات المسلحة بعناوين مختلفة بغية الحفاظ على المكاسب المالية الى جانب المكاسب السياسية، فمن يهدد الناس وينتهك حقوقهم بقوة السلاح والتهديد والابتزاز هو مصداق الفقير نفسياً، "ففقر النفس يدفع الانسان الى ارتكاب الجرائم والتجاوز على حقوق الآخرين، بل يدفعه الى قبول الذل والمهانة أمام الظالمين لكي يصل الى بعض الحطام، في حين إن غنيّ النفس ليس لا يرتكب الجرائم وحسب، بل حتى وإن عُرضت له الدنيا فسوف يرفضها ولا يقبلها لأنه لا يشعر بالحاجة اليها". (بحوث أخلاقية- آية الله السيد جعفر الشيرازي).

في كل الاحوال؛ حالة غنى النفس تمثل لوحدها منظومة أخلاقية وقيمية تخدم الاستقرار النفسي للفرد وللجماعة، وتوفر اكبر قدر من الأمن المجتمعي من خلال معالجة إحدى دوافع ارتكاب جرائم السرقة والاختلاس والرشوة وكل ما من شأنه تمزيق أواصر المجتمع وانعدام الثقة وزعزعة الاستقرار العام. نال الغنى من رزق اليأس عما في أيدي الناس و القناعة بما أوتي و الرضا بالقضاء الغني من استغنى بالقناعة من قنع برزق الله استغنى عن الخلق.

اضف تعليق