كشف الصراع الأميركي الإيراني هشاشة الاقتصاد العراقي واعتماده شبه الكامل على النفط ومضيق هرمز والاستيراد الخارجي. وأدت الحرب إلى تراجع الصادرات والإيرادات، وارتفاع كلف النقل والتأمين، وتشديد القيود على الدولار، وإضعاف الاستثمار والعلاقات الإقليمية. وتتطلب المواجهة توحيد القرار السياسي والأمني، ومكافحة الفساد، وتنويع الاقتصاد ومنافذ تصدير النفط، وتطوير القطاع الخاص...
تحرير: حسين علي حسين
عقد مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية، يوم السبت الموافق 13/6/2026، حلقته النقاشية الشهرية في ملتقى النبأ الأسبوعي، الكائن في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، حيث قدم الدكتور حسين السرحان، الباحث في مركز الفرات، ورقته التي جاءت تحت عنوان: "العراق وجيواقتصادية الصراع الأميركي-الإيراني: الحكومة العراقية في مواجهة تحديات اقتصادية داخلية ودولية". وشارك في هذه الحلقة النقاشية عدد من المفكرين والأكاديميين ومديري المراكز البحثية والمهتمين، بمداخلات قيمة أضافت إلى هذه الورقة عمقًا وفائدة. وقد ورد في الورقة:
في البداية، يكتسب هذا الموضوع أهمية كبيرة، كون الصراع في المنطقة، منذ حزيران 2025 ولغاية اليوم، امتد امتدادات أفقية، إضافة إلى امتداداته العمودية، وتوسع بشكل كبير وشمل منطقة الشرق الأوسط بشكل شبه كامل. لذلك، فإن كل أدوات هذا الصراع ومستجداته بدأت تنعكس على المنطقة عمومًا، ومنها العراق.
ومن هذه الأهمية، ارتأينا أن نناقش هذا الموضوع في ورقة بحثية مبسطة حول هذا الجانب. طبعًا، إشكاليتنا في هذا الموضوع أنه، رغم تأكيد الحكومات العراقية المتعاقبة والمتابعين والخبراء والمختصين، وحتى المسؤولين التنفيذيين في الدولة العراقية، على أهمية إنجاز منافذ إنتاجية للعراق وضرورة تنويع الاقتصاد، وحتى في موضوع النفط وضرورة تنويع منافذ تصديره، إلا أن العراق لا يزال يدور في الدائرة نفسها، ومن دون أي إنجاز في هذا المجال.
هذه إشكالية واسعة نحاول أن نجيب من خلالها عن سؤال أساسي، هو: لماذا لم نستطع أن نتخلص من أن نكون أسرى لأحداث المنطقة الإقليمية؟ سواء ما يتعلق بالتوترات أو الصراع أو الحرب أو غير ذلك. ولنفترض أن تطورات الصراع والمنحنيات الجديدة له، فإن الحرب الأميركية - الإيرانية قادت إلى صعوبات وتحديات اقتصادية داخلية للاقتصاد العراقي وللدولة العراقية، وأيضًا نتجت عنها تحديات دولية. وهذه التحديات ليست جديدة بقدر ما برزت إلى السطح أكثر بوجود هذه الحرب.
لذلك، نتعامل مع المتغير الأساسي في هذه الورقة ضمن الصراع في الحرب الإيرانية-الأميركية. هذه الحرب كانت في أشد صورها منذ شباط 2026 ولغاية اليوم، وكانت في بداياتها تطورات عسكرية استمرت أربعين يومًا تقريبًا، تم استخدام القوة العسكرية فيها، والردع التقليدي من كلا الطرفين. وفي الوقت الذي استخدمت فيه الولايات المتحدة الأميركية قوتها النارية في تعزيز وتكثيف ضرباتها الجوية على إيران، استطاعت إيران أيضًا أن توسع أهدافها بمستويات أفقية لتشمل دول المنطقة ككل.
بمعنى أن كلا الطرفين استخدم قواته في موضوع الردع التقليدي بشكل كامل، لإجبار الطرف الآخر على خلق بيئة مواتية للتفاهم ولوقف إطلاق النار فيما بعد.
كلا الطرفين أيضًا، والولايات المتحدة الأميركية منذ بداية نيسان إلى اليوم، كان هناك تلويح باستخدام القوة العسكرية. وقد أكد كل الخبراء أن وقف إطلاق النار ليس توقفًا نهائيًا، وإنما كان لتحسين شروط التفاوض، وخلق بيئة جديدة للتفاوض. وأصبحت الولايات المتحدة الأميركية تستخدم القوة العسكرية باتجاه خلق بيئة جديدة للتفاوض من أجل الوصول إلى اتفاق معين.
من جانب آخر، استخدم ترامب الحرب النفسية بشكل كبير، والهدف من ذلك أنه كان يلوّح دائمًا بالوصول إلى اتفاق قريب. وكان الهدف من هذا، أو في جزء أساسي منه، التضليل السياسي، ومن جانب آخر الحرب النفسية. لكن السبب الأهم هو إذكاء وترسيخ الصراع بين أقطاب النظام الإيراني؛ فالدولة الإيرانية بعد رحيل المرشد الأعلى تحولت إلى تيار معتدل يمثله رئيس البرلمان قاليباف ووزير الخارجية عراقجي، وتيار آخر متشدد يمثله وحيدي والحرس الثوري الإيراني.
وبالتالي، فإن هذا الصراع برز أكثر عندما اتهم الحرس الثوري وزير الخارجية بأن هذه التغريدات ليست بيانات رسمية وليست تصريحات للدولة. ونعتقد أن جزءًا من أهداف ترامب هو إذكاء الصراع بين أقطاب السلطة في إيران. وهذه الحرب، بالقرب من نهايتها، حدث فيها صراع جيواقتصادي واضح، تمحور الصراع الجيواقتصادي الأميركي-الإيراني في المنطقة حول ثلاث نقاط أساسية، وهي:
أولًا: موضوع توفير الطاقة، وهذا مهم بالنسبة إلى الجانب الإيراني؛ لأنه ما يعادل 30 إلى 40 مليار دولار تقريبًا يدخل إلى إيران من خلال تصدير النفط عبر أسطول الظل، وتصدير النفط بأسعار مخفضة لأواسط آسيا والصين والدول الأخرى، وتم استخدام عرقلة سلاسل الإمداد للاقتصاد العالمي في هذه المنطقة.
ثانيًا: ضعف الحركة الملاحية الدولية، كشفت هذه الحرب ضعفًا ووهنًا كبيرًا في النظام التجاري العالمي أو في حركة الملاحة الدولية، بسبب أن هذا المضيق الذي يعبر من خلاله خُمس إنتاج الطاقة العالمي، يعبر منه أيضًا خُمس حركة مستلزمات القطاع الزراعي، كالأسمدة الكيماوية وغيرها.
وقد أثر هذا أيضًا على القطاع الزراعي على المستوى العالمي، ولاحظنا التأثيرات نفسها التي تركتها هذه الحرب في الحرب الروسية - الأوكرانية. فهذه الحرب جاءت لتؤكد أن هناك هشاشة وضعفًا كبيرًا في حركة الملاحة الدولية والتجارة الدولية.
ثالثًا: موضوع عصب التمويل، لقد أرادت الولايات المتحدة أن تعرقل موضوع حصول إيران على التمويل بالدولار، ولهذا استخدمت واشنطن العقوبات الاقتصادية، والحصار المالي والاقتصادي لتطويق إيران، فيما ردت إيران بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لرفع كلفة الطاقة عالميًا عبر استخدام موقعها الجغرافي كورقة ضغط استراتيجية.
هذا الهدف الإيراني جاء في خدمة الولايات المتحدة بشكل آخر، من جانبين:
الجانب الأول: استطاع ترامب والإدارة الأميركية أن يوظفا موضوع مضيق هرمز في استغلال أسعار الطاقة العالمية، وأصبحت هي المجهز الأول، كونها المنتج الأول في العالم للنفط. ومع ذلك، استطاعت أن تحدد أسعار الغاز والطاقة بالنسبة إلى أوروبا وحلفائها في جنوب شرق آسيا.
الجانب الثاني: إنها استخدمت أو وظفت هذا الشيء لعرقلة الملاحة، وذلك لمنع تصدير النفط الإيراني وحركة البضائع أو السلع الداخلة إلى إيران. كل هذه المواجهة الجيواقتصادية هي حاليًا في هذا الإطار، ضمن موضوع سلاسل الطاقة، وسلاسل التصدير، وأيضًا عصب التمويل بالنسبة إلى الجانب الإيراني.
هذا الجانب لم ينعكس على إيران فقط، وإنما شمل حتى حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في المنطقة، وهم دول الخليج العربي، وموضوعنا الخاص هو موضوع الحكومة العراقية. كل هذه الصراعات وكل هذه الخطوات الجيوسياسية في المنطقة تركت أثرها على الاقتصاد العراقي، وبرزت لنا تحديات اقتصادية دولية وإقليمية وداخلية.
وقبل أن أبدأ بالتحديات الداخلية، دعوني أبحث في موضوع التحديات الدولية. وقد كانت هناك سابقًا، قبل الحرب، تحديات دولية بخصوص الدولار النقدي والحصول على الدولار. والجانب الثاني هو موضوع تهريب الأموال والدولار وغسل الأموال إلى دول مثل إيران ودبي وإسطنبول أو أنقرة. وهذه من المعوقات الكبيرة التي كانت سابقة للحرب، وإذا تشكلت إرادة دولية للحد من هذه الأمور، فهذا لا يعني القضاء عليها، وإنما لا تزال قائمة.
وهناك مشكلة في موضوع الاستيراد، وهذه هي نقطة الضعف الأساسية. السلع الغذائية بأغلبها، والسلع الرأسمالية، وأي إمكانيات أو مواد لرأس المال الثابت في العراق، تشكل نقطة ضعف كبيرة بالنسبة إلى العراق. وتوجد تحديات داخلية أساسها الفساد، والهدر في الإنفاق العام، وأيضًا الترهل في هيكلية الدولة، وضعف القطاع الخاص، وقد تحدثنا عنها كثيرًا.
المهم هو موضوع التحديات الدولية، وواحدة من هذه التحديات موضوع الدولار النقدي؛ لأن دخول الفصائل في العراق على خط المواجهة واستهداف الأراضي السعودية والكويتية وضعا العراق في موضع صعب جدًا. السبب هنا أنه بعد 2018، في حكومة عادل عبد المهدي وحكومة مصطفى الكاظمي، استطاع العراق أن يدخل بقوة إلى دول الخليج، وبالذات إلى المملكة العربية السعودية، وحصل تطور اقتصادي جيد، وهو موضوع مجلس الاقتصاد العراقي-السعودي. ولكن بعد استهداف السعودية بـ500 مسيّرة وصاروخ، أصبح العراق في وضع حرج جدًا مع محيطه الإقليمي.
ومع أن حكومة السوداني فشلت في تنشيط المجلس الاقتصادي العراقي-السعودي، فإن هذا المجلس حصل منه العراق على مكاسب جيدة فيما يخص البنية التحتية على مستوى الحدود، واستطاع العراق أيضًا أن يصدر آلاف الأطنان من السلع الزراعية إلى المملكة العربية السعودية. لكن حكومة السوداني فشلت في تنشيط هذا الجانب. هذا هو التحدي الأول.
أما التحدي الثاني فيتعلق بموضوع سلاسل التوريد العالمية. نحن في العراق نتأثر بشكل مباشر بأي تأثير في موضوع سلاسل التوريد العالمية، من خلال زيادة الأسعار وكلف التأمين وكلف النقل؛ لأننا نعتمد بشكل كبير على الاقتصاد العالمي، لأن اقتصادنا استيرادي بالدرجة الأساس.
الجانب الثالث هو الموقف العراقي غير الرسمي من الحرب والمساند للجمهورية الإسلامية في إيران، وقد وضع العراق في خانة صعبة مع الولايات المتحدة الأميركية ونظام البنك الفيدرالي الأميركي فيما يخص النقد الوارد للعراق. فمنذ شباط 2026 ولغاية اليوم، وعلى حد علمنا، لم يتم نقل أي حمولة دولار نقدي للعراق من الولايات المتحدة الأميركية، وهذا يمثل تحديًا آخر.
وهناك تحدٍّ آخر أيضًا، هو أن دول المنطقة بدأت تفكر بإيجاد بدائل لمضيق هرمز. فمثلًا، الإمارات العربية المتحدة أخذت تتجه نحو ميناء الفجيرة، وهو خارج مضيق عمان. والمملكة العربية السعودية وقعت اتفاقًا مبدئيًا مع الأردن وسوريا وتركيا لإنشاء خط نقل سكك حديدية يعبر إلى أوروبا. هذا الموقف يبعد العراق عن سلاسل التوريد العالمية وما خُطط له من خلال ميناء الفاو الكبير وطريق التنمية الذي لم نرَ له أي جانب عملي.
لأن مشروع طريق التنمية لم يتحقق عمليًا على الأرض العراقية بسبب غياب التمويل، فقد فشل العراق في الحصول على تمويل استثماري لطريق التنمية، رغم أنه أبقى الباب مفتوحًا فيما يخص مشاركة الكويت والمملكة العربية السعودية وحتى الإمارات وقطر. دعاهم العراق للدخول إلى هذا المشروع، لكنه فشل في الحصول على التمويل اللازم كتمويل استثماري لهذا المشروع.
نقطة أخرى، هذا الصراع الجيواقتصادي يخص أيضًا موضوع تصدير النفط، وهو يهم العراق بشكل كبير جدًا بسبب اعتماد الموازنة بنسبة تقارب 90% على صادرات النفط والغاز، والجانب الآخر أن 60 إلى 65% من الناتج المحلي الإجمالي نحصل عليه من تصدير النفط. إذن، لو أتينا إلى موضوع تصدير النفط على مدار الشهور الأربعة الماضية، خلال شباط لم تكن لدينا أية مشكلة، فالعراق يصدر بمعدل متوسط 90 إلى 100 مليون برميل شهريًا، بإيرادات، مثلًا، في شهر شباط بلغت 6.8 مليار دولار أميركي. في آذار، وفي وسط الحرب، أصبحت صادرات العراق 18 مليون برميل، أي من 90 مليونًا إلى 18 مليون برميل، بعائدات 2 مليار دولار فقط. وفي نيسان، الشهر الرابع، من 18 مليون برميل شهريًا انخفضت إلى النصف تقريبًا، إلى 9.84 مليون برميل شهريًا. وبالنسبة إلى شهر أيار، لا يوجد أي رقم بهذا الخصوص، لكن بعض التخمينات تقول إن العراق صدر ما يقارب 10 ملايين برميل نتيجة بعض السماحات، وبموجب الأسعار بلغت الإيرادات تقريبًا مليار دولار فقط.
فمن 7 مليارات دولار إلى مليار دولار، وهذا يشكل تحديًا اقتصاديًا كبيرًا للحكومة العراقية. وفق هذا الصراع وهذه التطورات الجيواقتصادية في المنطقة، ابتعد العراق عن أن يكون مهمًا وأن يكون له دور في موضوع سلاسل التوريد العالمية، وهذا الوضع أضعف العراق بشكل كبير.
بالنسبة إلى الظروف الأمنية نتيجة الحرب، فقد أضعفت الاقتصاد العراقي وعرقلت النظام المصرفي العراقي، وزادت من المخاوف. والنظام المصرفي تابع إلى أحزاب وفصائل مسلحة، وهذه الأمور أصبحت لها مردودات سلبية على الاقتصاد العراقي وعلى الاستثمارات الأجنبية التي لا تتجاوز مليار دولار في العراق. وهذه التحديات غير منظورة من قبل غير المتابعين، لكن في المستقبل سوف تكون لها آثار كبيرة على الاقتصاد العراقي وعلى الدولة العراقية. أما التحديات الداخلية فمعروفة لدى الجميع.
وللنقاش والإجابة من قبل الحاضرين الكرام، أطرح هذين السؤالين لإغناء هذه الورقة البحثية:
السؤال الأول: كيف تقيّم التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية، وهل أضافت تحديات اقتصادية جديدة على العراق؟
السؤال الثاني: ما مسارات السياسات الاقتصادية اللازمة للحكومة العراقية لمواجهة هذه التحديات الاقتصادية؟
المداخلات
- الأستاذ الدكتور خالد العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:
هذه الحلقة البحثية مهمة ومؤلمة في الوقت نفسه، ندرس فيها تداعيات الحرب الإيرانية - الصهيو - أميركية على الاقتصاد العراقي. فقد عودنا الباحث الدكتور حسين السرحان على اختياره الموضوعات المهمة التي تجعل الإنسان يفكر ليس في الحاضر، وإنما في المستقبل.
بالنسبة إلى الحرب الأخيرة التي وصفها صناع القرار في طهران، قالوا إن الجغرافيا الإيرانية أصبحت أهم من إنتاج السلاح النووي، وبالنتيجة اعتبروا أن سيطرتهم على مضيق هرمز تعادل امتلاكهم للقنبلة النووية. وهذا يعني أن هذه الحرب الأخيرة أثبتت أن الجغرافيا منحت إيران ميزات إضافية في الصراعات الإقليمية والدولية.
ومهما كانت نتيجة هذه الحرب، وحتى لو رجعت إيران من إيران الثورة إلى إيران الدولة، أي إلى حدودها الطبيعية، أعتقد أن إيران اكتسبت قدرة ردع كبيرة وامتلكت أدوات تأثير لا تتعلق بالمستوى الإقليمي فحسب، وإنما تتعداه إلى المستوى العالمي، حيث فرضت نفسها كلاعب عالمي وليس لاعبًا إقليميًا فقط، وأصبحت مؤثرة سواء امتلكت السلاح النووي أم لا.
في المقابل، خانت الجغرافيا العراق خيانة كبيرة جدًا في هذه الحرب. فقد أثبت العراق أنه دولة محصورة في عنق الزجاجة فيما يتعلق بقضية مضيق هرمز، وأنه دولة داخلية تصبح أسيرة الجغرافيا وأسيرة الانفراجات الخارجية والإقليمية، ما لم يكن لدى العراق حكومة لديها رؤية استراتيجية مختلفة، ولديها برنامج عملي لفتح الخيارات الاقتصادية أمامها.
التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب كبيرة للغاية، ولهذا بقي العراق أسيرًا لمنفذ التصدير الوحيد للنفط العراقي، وهو مضيق هرمز. وهذا أثبت أن الجغرافيا لا تعمل لمصلحة العراق في أي صراع إقليمي. من جانب آخر، فهو، أي العراق، أسير الاقتصاد الريعي الذي جعل العراق يعتمد على النفط فقط. بمعنى، لو ضُربت أسعار النفط على المستوى الدولي، فهذا يعني أن العراق يمكن أن يتعرض إلى انهيار اقتصادي.
وقد سمعت ذلك من الدكتور أحمد بريهي، إذ قال: نحن في العراق، منذ الآن إلى ستة شهور، يمكن أن نستمر، ولكن بعد هذه الشهور الستة سنواجه مشكلة كبيرة لو استمرت هذه الحرب. لذلك فإن المحصلة النهائية لهذه الحرب هي أن وضع العراق في خطر، ليس في الجانب السياسي وحده، وإنما وضعنا الاقتصادي سيكون في خطر أكبر؛ لأنه يهدد الدولة والمجتمع في العراق.
أما المسارات المطلوبة في الجانب الاقتصادي، لكي تتمكن الحكومة من مواجهة هذه التحديات، فطبعًا لا يمكن أن نتكلم عن مسارات اقتصادية ناجحة وهناك مسارات سياسية وأمنية معوجة. هناك نظام مترابط بين هذه المجالات، فإدارة الدول نظام كامل ومتكامل، يؤثر بعضه على البعض الآخر. وبالنتيجة، لا يمكن أن تتحدث عن مسار اقتصادي ناجح ولديك مسار سياسي وأمني خاطئ.
لذلك، واحد من الأمور المهمة أن ينبغي على العراق أن يستعيد مكانته كدولة من دون وجود خطوط موازية تسلب الدولة قرارها السياسي والأمني. لذلك، أول الأشياء أننا نحتاج إلى وحدة قرار سياسي وأمني في العراق، وهذا مهم للغاية. كذلك نحن بحاجة إلى سيادة القانون، وأن يستعيد العراق سيادة القانون، والنتيجة أن يكون القانون فوق الجميع، ولا توجد استثناءات مهما كانت هذه الاستثناءات.
في الجانب الآخر، نحتاج إلى مؤسسات دستورية فاعلة. وإذا لم يتوفر لدينا هذا على صعيد البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإنه لا يمكن أن تكون الدولة ناجحة إطلاقًا.
والشيء الآخر أننا نحتاج إلى برنامج عملي قابل للتنفيذ، بمعنى أن يكون مدى الدولة متناسقًا مع قدرتها. وبالنتيجة، نحن غير محتاجين إلى حكومة شعارات، وإنما نحتاج إلى حكومة برامج حقيقية يمكن تنفيذها. هذه البرامج الحقيقية، إذا استوفت النقاط الأولى التي ذكرتها سابقًا حول الحكومة، فإن أول شيء ينبغي التركيز عليه هو قضية تنويع مصادر الدخل للدولة العراقية. فالاقتصاد العراقي ينبغي ألا يبقى أسيرًا لإنتاج النفط، وهذا هدف مهم.
وبالنتيجة، إذا تكلمنا عن تنويع مصادر الدخل، فهذا لا يعني البحث عن تنويع القطاع الخاص الحالي، وأن نعطي للقطاع مساحة أوسع للعمل. ليس هذا هو القطاع الخاص الذي نراه اليوم؛ إنه قطاع طفيلي، أليس كذلك؟ يعيش على امتصاص قدرات الدولة الاقتصادية وامتصاص قدرات المواطنين، بالتواطؤ مع الطبقة السياسية أو أصحاب السلطة والنفوذ. كلا، نحن بحاجة إلى قطاع خاص تنافسي، قطاع خاص يستطيع فعلًا أن يقدم خدمات ويحقق أرباحًا.
وفي هذه الحالة، نحن محتاجون، لكي ننشط القطاع الخاص، إلى أن يدخل القطاع الدولي إلى العراق، وهو الاستثمار الأجنبي. والأخير ينبغي أن يحرج القطاع الخاص العراقي من خلال دخوله إلى السوق العراقية وعمله على توفير فرص عمل جيدة وما شابه ذلك، وهذا أمر مهم جدًا.
الشيء الآخر أننا نحتاج إلى تنويع منافذ التصدير للنفط العراقي. أنا أقول دائمًا إن العالم كله يتقدم، باستثناء العراق، الذي يرجع إلى الوراء، وهذا أمر عجيب. فمن نهاية السبعينيات إلى الآن والعراق يتراجع إلى الوراء. ففي السبعينيات كانت توجد لدينا منافذ تصدير متعددة، كان لدينا خط التصدير السوري-اللبناني، أي عبر طرابلس وبانياس، وكان لدينا خطان، وكانت سوريا تستحصل رسوم مرور. وكذلك كان لدينا الخط التركي، وكان يعمل بفاعلية.
أيضًا، كان لدينا خط ميناء العقبة، وكذلك خط عبر الأراضي السعودية إلى ميناء ينبع. كانت لدينا أربعة خطوط، بالإضافة إلى خط هرمز، أي خمسة خطوط تصدير. ولكن مع بداية الحرب العراقية-الإيرانية والعداء مع سوريا، تم إلغاء خطي سوريا ولبنان. وعندما دخلنا إلى الكويت، تم إلغاء الخط عبر السعودية التي اعتبرت أن امتداد الخط العراقي داخل السعودية جزء من تعويضات الحرب واستولت عليه.
اليوم، من غير المعقول بعد 23 سنة أننا لا نعرف كيف ننوع منافذ التصدير، وهذا خلل بالنسبة إلى الحكومة. الثروات العراقية الأخرى ينبغي تفعيلها؛ لدينا الغاز، ونحن نُعد من الدول الغازية، ولكن لم نستثمر الغاز كما يجب. ولدينا الفوسفات، إذ نُعد دولة رئيسة من دول العالم بالنسبة إلى الفوسفات، ولكننا لم نستثمر ثروة الفوسفات.
بمعنى، نحن كإنسان لديه ثروة، وتصرفك بهذه الثروة يحدد ما إذا كنت مستثمرًا جيدًا أم سيئًا، كما هو الحال مع اليانصيب. يقال اليوم إن 70% من الذين يحصلون على اليانصيب بعد 5 سنوات من فوزهم به يعودون أفقر مما كانوا عليه، نعم هم حصلوا على ثروة كبيرة، لكنهم لم يعرفوا كيف يتصرفون بها. لكن الـ30% هؤلاء هم الذين يعرفون كيف يستثمرون ثرواتهم، وبعد خمس سنوات يصبحون أغنى وأقوى وأكثر قدرة.
اليوم نحن لدينا ثروة، ولكن علينا أن نعرف كيف نستثمرها. فإذا بقينا نعاني من الفساد، فهذه الآمال والطموحات والبرامج كلها لا يمكن أن تحقق شيئًا مع وجود آفة الفساد. فالفساد الإداري والمالي ينخر في مؤسسات الدولة ولا يمكنها من القيام بأي شيء. وإذا وجدنا حكومة فعلًا، كما يقال إن هذه الحكومة الجديدة حكومة اقتصادية، وإذا حصلنا على حكومة تضع برامج وتكون قادرة على تنفيذها، فهذا هو المطلوب. وأعتقد أن الحلول متوفرة، وعلينا أن نحاول أن نتعظ من هذه الحرب التي أثبتت وأشّرت لنا نقاط ضعف كبيرة ينبغي أن نحذر منها.
- الشيخ مرتضى معاش:
إن المشكلة في العراق بنيوية، فهذه الأزمات التي مرت علينا، مثل كورونا، أو أزمة أوكرانيا، أو أزمة مضيق هرمز، كلها تكشف واقع الأزمة البنيوية الموجودة في العراق.
وأول مشكلة هي أهمية أن يكون الحل داخليًا، كما ذكر الدكتور خالد العرداوي، الذي قال كلمة مهمة جدًا، إذ قال إن كل الحلول موجودة. وأتصور أننا طرحنا خلال السنوات الماضية ما يقارب ألفي حل من هذه الحلول.
كل الحلول موجودة وهم يعرفونها، ولكن المشكلة تكمن في الدولة العراقية، أزمة الدولة، أو إن الأزمة في الدولة. وحتى لو رجعنا إلى القانون والدولة، تبقى الأزمة موجودة. فالدولة العراقية تحتاج إلى إعادة بناء من جديد، كدولة كاملة، وليس مجرد سن قوانين وأنظمة وهياكل. بل إعادة الدولة، فهي من الزمن القديم، وهي نتاج الإرث العثماني والبريطاني، ومن ثم الإرث الجمهوري، وأقصد القوانين التي أوجدت الدولة.
لذلك، فإن مشكلة الفصائل التي ذكرها الدكتور حسين السرحان، فهل هذا يعني أن قبل الفصائل لم يكن هناك فساد قوي في الدولة؟ بل كان موجودًا، لكن البعض استفاد أيضًا من هذه القضية. فالمشكلة هي أن أي رئيس وزراء يأتي لا يمكنه أن يقاوم ويقف أمام إرث الدولة العراقية المتجذر، وبالنتيجة يدمر هذا الإرث الدولة العراقية بواسطة البيروقراطية والفساد، ويقاوم التغيير. هذا أولًا.
الشيء الثاني المهم جدًا: من يقبل بالتنازل عن الامتيازات؟ الآن، قضية الخبير الاقتصادي المعروف، هذا تكلم عن قضية امتيازات موجودة في مجلس النواب، فذكر هذا الخبير أن مجلس النواب يتقاضى امتيازات بهذا الحجم، فتم شن حملة شديدة عليه، مما اضطره إلى أن ينسحب. لذا، ليس هناك أحد يقبل بالتنازل عن هذه الامتيازات، وهي التي تستنزف كل ميزانية الدولة وتمنع أي تقدم.
لو نريد أن نقوم بخطوات لتقدم القطاع الخاص، نحو الاستثمارات، ونحو تفعيل السياحة الدينية والاستفادة منها، فهناك موانع ومقاومة لأي تغيير يحصل.
وإلا فإن القطاع الخاص بحد ذاته، إذا كان قطاعًا عمليًا وواقعيًا، وليس فيه عقبات بيروقراطية، فسوف يكون نشيطًا جدًا ويستوعب كل العمالة العراقية، ويكون بديلًا في عملية تمويل الموازنة. لكن المشكلة أن هذه الأنظمة الموجودة تمنع أي تغيير. فالمشكلة هي قضية التغيير. والآن رئيس الوزراء الجديد يشن حملة على الفساد، وكنت أتمنى أن يكون هو الموضوع الذي نبحثه في هذه الحلقة، ونبحث في هل أن مواجهة الفساد اليوم حملة واقعية أم هي كالحملات السابقة؟ فكل رئيس وزراء يأتي ويشن حملة، ثم تكون الضغوط عليه كثيرة، فيتنازل ويتخلى عن هذه الحملة.
لذا، فإن هذه المشكلة تبقى موجودة في عمق البنية التحتية. وحتى لو تجاوزنا أزمة الحرب، حيث يقال: يوم غد يتم توقيع الاتفاق، مثلًا، وبعدها يتم فتح مضيق هرمز وتُحلّ المشكلة، ولكن من يعرف ألا تأتي أزمة أعظم وأقوى من هذه الأزمة، وتكون هي الضربة القاضية للمشكلة العراقية؟
لذلك، فإن هناك امكانية بناء مسار سياسات قادرة على حل الازمات، ولكن تحتاج إلى عملية تمكين للخبراء والاقتصاديين، وتمكين أهل الإصلاح والخير في عملية البناء وفي عملية تطبيق هذه المسارات، لكي ينجح الاقتصاد العراقي ويخرج من هذه المشكلة الكبيرة. وإلا، في يوم ما قد يأتي الانهيار، وبالنتيجة لا يبقى شيء.
- الأستاذ علي حسين عبيد، كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:
بالنسبة إلى الإجابة عن السؤال الأول، هل هناك مشكلات يعاني منها العراق نتيجة هذه الحرب؟ في الحقيقة، إن المشكلات متجذرة أصلًا في الواقع العراقي قبل الحرب الإيرانية - الأميركية، وهي مشكلات، كما ذكر سماحة الشيخ مرتضى معاش، بنيوية متجذرة في الواقع العراقي.
ولذلك، عندما حدثت هذه الحرب، برزت أيضًا مشكلات خطيرة وكبيرة وعرّت الواقع العراقي بشكل كبير. وأبسط هذه المشكلات وأكثرها وضوحًا هي انخفاض تصدير النفط العراقي إلى أقل من 200 ألف برميل نفط يوميًا. والآن تمر الدولة بمشكلة كبيرة تتعلق بإمكانية مضاعفة التصدير حتى تضمن جزءًا قليلًا جدًا، ربما يصل إلى 20% مما يمكن أن يحقق دفع الرواتب.
والأرقام تؤكد أن المبلغ المطلوب لتوزيع الرواتب يبلغ تقريبًا 6 تريليونات، ونحن ربما نصدر نفطًا تبلغ قيمته أقل من تريليون واحد، وهذه مشكلة كبيرة جدًا، خصوصًا في ظل الاقتصاد الريعي الذي يعتمد على بيع النفط فقط. وقد اقترح بعض المعنيين بعض الحلول، منها طبع 25 تريليونًا من العملة العراقية من دون تغطية مالية بالعملة الصعبة، وهذه كارثة اقتصادية. وأيضًا اقترحوا بعض الحلول الترقيعية التي لا تجدي نفعًا. ولذلك، الحقيقة أن المشكلات تضاعفت بشكل كبير بعد هذه الحرب.
أما فيما يخص الإجابة عن السؤال الثاني، فنقول: ماذا يمكن أن يفعل العراق لمعالجة ومكافحة هذه المشكلات وأسبابها وللتخلص منها؟ أنا أعتقد أن هذه الحكومة الجديدة هي الحكومة الوحيدة من بين جميع الحكومات السابقة التي توفرت لها فرصة حقيقية لكي تثبت ذاتها، ولكي تؤكد أنها حكومة ناجحة ومختلفة عن الحكومات السابقة.
سابقًا، حين كانت تتشكل الحكومات، لم تكن أمامها هذه المشكلات الاستراتيجية الكبرى. ولكن الآن أمام هذه الحكومة الجديدة مشكلة كبيرة جدًا تؤثر تأثيرًا كبيرًا على حياة العراقيين بشكل مباشر، وبإمكان هذه الحكومة التصدي لها. لكن هذا الأمر يتطلب خلق عوامل مهمة، ولا نعني بذلك أن تتوفر القدرة للحكومة نفسها فقط، بل يتطلب الأمر إرادة سياسية فعلية من الطبقة السياسية كلها، من الكتل السياسية، والأحزاب السياسية، ورؤساء الأحزاب والكتل.
هؤلاء، إذا لم يتخذوا قرارًا وتصميمًا حقيقيًا لإنجاح هذه الحكومة ودعمها وتوفير الإمكانات التي تمكن رئيس الوزراء الجديد الزيدي من التخلص من المشكلات التي يواجهها العراق، فمن الطبيعي أن تفشل هذه الحكومة أيضًا وستكون مثل سابقاتها.
- الدكتور خالد الأسدي، أكاديمي وباحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:
البلدان العربية والإسلامية وبلدان العالم كلها توجد لديها خطط استراتيجية للخروج من المآزق، إلا العراق. المشكلة في العراق تتعلق بالنظام البرلماني الحزبي، فهذا النظام يجعل الأحزاب نفسها هي التي تضع القوانين، وهي قوانين يضعونها لكي تفيدهم وتحقق مصالح أحزابهم. وهذه المشكلة تعني أن أي حكومة عراقية تأتي وتتشكل وتريد أن تصلح الأمور، يجب أن تكون خطواتها الإصلاحية حاصلة على رضا الأحزاب، ورضا الأحزاب يكون من خلال حصولها على مكاسب أكثر. لذلك، سوف تتفاقم الأزمات أكثر من قدرة الحكومة على إيجاد الحلول.
لا توجد خطة استراتيجية واضحة المعالم لخروج العراق من هذه الأزمات، لا الآن ولا في المستقبل. فالحكومة التي تأتي يجب أن تضع وتقدم الخطط الاستراتيجية التي تعالج الأزمات إذا أردنا أن نطور الواقع بشكل فعلي. لكن الحكومات التي تأتي لا تُحسن غير إطلاق الشعارات فقط، وهذه الحكومة الجديدة لم نحصل منها حتى على شعارات.
فأقل شيء أن الحكومات السابقة كنا نستطيع أن نذكر لها شعاراتها وما رفعته من أقوال، وما أعطته من وعود ولم تنفذها. لكن هذه الحكومة تخلو حتى من الشعارات. الشيء الآخر والأصعب على هذه الحكومة أن أي قرار يصدر منها يمكن للأحزاب أن تنقضه، لذا لا تستطيع أن تقدم شيئًا. بمعنى، هذه الحكومة لا يوجد لها سند، وليس لها أحد يدافع عنها، وهي بحاجة كبيرة إلى من يدافع عنها في البرلمان. وفي البرلمان لا يوجد أحد يدافع عنها. لذلك، فإن أي قرار يصدر من هذه الحكومة ويمس مصالح الأحزاب يكون مرفوضًا منها داخل البرلمان.
لذلك، لا توجد مسارات وقرارات واحدة من الممكن أن تقدمها الحكومة للمجتمع أو يمكنها أن تعظّم الإيرادات من خلالها. فإيرادات العراق منذ 2003 إلى حد الآن، كما ذكر الأساتذة المشاركون، محصورة بتصدير النفط فقط. وعندما توقف تصدير النفط بسبب الحرب توقفت الإيرادات كلها. وهذه المشكلة تحتاج إلى ثورة حكومة على أصحاب الدولة العميقة لكي يتحقق التغيير إلى الأفضل.
- الأستاذ حامد عبد الحسين، باحث في مركز الفرات للتنمية الاستراتيجية:
توجد لدينا مشكلة في إنتاج الأزمات، وهناك حالة مرضية سبق أن اطلعت عليها تقول إن الكلى نفسها وبحد ذاتها تنتج الرمل أو الحصى، وليس بسبب النظام الغذائي. فالمجتمع أو الدولة نفسها هي التي تنتج هذه المشكلات. لذلك، فإن هذا الموضوع يتعلق بطبيعة المشكلة التي نعاني منها، فمشكلتنا بنيوية تتعلق بالدولة ونظرتها للأمور بشكل عام.
هذه هي النقطة التي تسببت بالأزمات والتحديات الدولية. فالمشكلة الرئيسة داخلية وليست خارجية، والأزمات الثانوية تنمو وتترعرع على الأزمات الداخلية. فنحن إذا ما عالجنا الأزمة الداخلية، فمن المؤكد أنها سوف تتلاشى، أو نقلل من حجم تأثير الأزمات الدولية التي تتعلق، مثلًا، بالدولار والتحويلات النقدية. فإذا كان لدينا اليوم اقتصاد نشيط وفاعل وفيه نظام تنويع للصادرات، فسيكون هناك تنوع في توليد الدولار، ولن نكون مختزلين بأداء الدول فيما يخص الدولار والتحكم به.
سواء على المستوى الإداري من ناحية البنك الفيدرالي، أو اقتصاديًا من حيث الإيرادات، فإذا كان لدينا تنوع في توليد الدولار، فإن الأثر الخارجي سوف يكون قليلًا. لماذا؟ لأن لدينا تنوعًا في الداخل. فالموضوع يتعلق بدور الدولة في الاقتصاد بشكل عام، وهذا غالبًا ما نذكره، لكن يبدو أن هناك تعتيمًا أو ضبابية حول هذا الموضوع.
وسوف أضرب مثالًا هنا لكي تكون الصورة واضحة. دائمًا ما يذكر في إطار قواعد اللعبة، خصوصًا مع توجهنا باتجاه اقتصاد السوق، فأية لعبة اليوم توجد فيها قواعد تحدد مجرياتها. كرة القدم مثلًا فيها قوانين معروفة وملزمة للجميع، مثلًا إذا لامست الكرة يد اللاعب، فهذه تعني حالة خطأ لصالح الخصم، في ظل وجود حكم عادل.
هنا المسألة نفسها. الدولة يجب أن تعتمد منهج القواعد، والباقي يخص الفاعلين الاقتصاديين، حيث يصبح هناك تفاعل اقتصادي على مستوى المنافسة من حيث المنتجين ومن حيث المستهلكين. المنتج تلقائيًا، بحكم المنافسة، سوف يرفع من الجودة ويخفض من السعر لصالح المستهلك، والمستهلك أيضًا يبحث عن المنفعة.
لذلك، على الدولة أن تتجه إلى موضوع القواعد، هذا بالإضافة إلى الدور التنموي، وليس الدور الاقتصادي. بمعنى، هناك فرق بين أن تأخذ الدولة الدور التنموي، أي نضع القواعد الخاصة بالقطاع الخاص والمستهلكين وأصحاب المصلحة ليأخذوا دورهم واستحقاقهم داخل الاقتصاد، وبين أن تذهب الدولة نحو التحكم بالإنتاج وامتلاك وسائل الإنتاج بشكل عام. بالنتيجة، هنا سوف تحجم من دور القطاع الخاص وترفع من حجم التكاليف والأسعار، وهذا بالتأكيد ليس عملًا اقتصاديًا صحيحًا وفق المنطق الاقتصادي.
إننا سوف نعود إلى أن يكون دور الدولة منظمًا ومنسجمًا مع الدستور الموضوع في 2005، لكي يبدأ تلقائيًا موضوع الفساد بالاختفاء. فالفساد ظاهرة وليس سببًا، ظاهرة أو من أعراض التحول الاقتصادي في 2003 من الدولة إلى القطاع الخاص، فظهر الفساد. لذلك، إذا رجعنا لبحث دور الدولة، سوف يتراجع الفساد تلقائيًا، وهذه نقطة رئيسة وجوهرية، بالإضافة إلى أن جزءًا من التحديات الدولية سوف يقل، خصوصًا ما يتعلق بالدولار وتحويله.
مثلًا، التداعيات التي أشار إليها الباحث في السؤال، بحكم اعتماد العراق على مضيق هرمز، فهذا سوف يقلل من السلع داخليًا، وهذا سوف يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهذا جزء من التداعيات. النقطة الثانية تتعلق بأن صادراتنا، 90% منها، تخرج من مضيق هرمز، لذا قلت الإيرادات النفطية، وحاليًا نحن نبحث عن كيفية حل مشكلة قلة الإيرادات المالية للأشهر القادمة، خصوصًا السادس والسابع والثامن وإلى ما لا نهاية.
أشار بعض الحاضرين وتساءلوا: كيف تدفع الدولة الآن الرواتب؟ هذه الرواتب إلى حد الآن تُدفع من الشهور السابقة؛ لأنه تقريبًا دورة النفط تستمر إيراداتها ثلاثة أشهر، فالشهر السادس والخامس والرابع لا توجد مشكلة لدينا. وحاليًا سوف نواجه مشكلة في الشهر السادس، إذا لم تعثر الدولة على حل معين لأزمة السادس صعودًا.
هذه التداعيات جعلت لدينا بيئة الاستثمار بيئة معقدة، وهذا قلل من رغبة المستثمر الأجنبي في الدخول إلى العراق، وسوف يؤثر ذلك في كل المتغيرات الاقتصادية، إضافة إلى ما ذكرته بخصوص التضخم. وهذا من المؤكد سوف يثير موضوع البطالة، ومن ثم نعود إلى مسألة الاحتجاجات ونرجع إلى المربع الأول نفسه.
بالنسبة إلى المسارات، فمن المؤكد سوف تكون مختلفة؛ فإما العودة إلى مسألة الاقتراض أولًا، أو إلى مسألة سعر الصرف، وسوف نرجع أيضًا إلى السنوات السابقة، إضافة إلى موضوع الضرائب. وكل هذه مسارات صعبة سوف تواجهنا. هذه هي الأمور الثلاثة لا غيرها، فأين تذهب؟
بالنتيجة، لا بد أن نفكر بحل جذري، وبالتأكيد لا يوجد حل من دون ألم، سواء كان عبر الاقتراض أو سعر الصرف أو الضرائب. لذلك، لا بد أن نفكر بدور الدولة لكي نحل المشكلات بشكل جذري؛ لأنه كما ذكرنا، كل هذه القضايا وقتية، وسوف نستمر في إنتاج الأزمات ما لم نجد حلًا للمشكلة الجذرية من خلال تقوية دور الدولة في الاقتصاد.
فلا بد أن تأخذ الدولة الدور التنموي، ويكون الدور الاقتصادي والإنتاجي للقطاع الخاص، إضافة إلى أن تكون الدولة فاعلة في منع التجاوز وزرع المنافسة بشكل حقيقي، لكي يكون لديها سوق عمل منضبط ويعمل بإيقاع واضح، ولا يعيش طفيليًا على الدولة.
- الأستاذ محمد علاء الصافي، باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:
المسارات السياسية كثيرة جدًا، وأصبحت معروفة لكي تُتبع للخروج من هذه المشكلات. وأول نقطة ذكرها الدكتور خالد العرداوي بخصوص الاستثمار الأجنبي، الذي لا يمكن أن يدخل إلى البلد من دون وضع أمني مستقر. واليوم، لحسن الحظ، أن الموضوع لا يخص الوضع الأمني في العراق، وإنما يشمل جميع المنطقة، والشر يعم، والعراق يكون مأمنًا بعض الشيء بخصوص هذا الموضوع.
لكن إذا تم حل الأزمة، فسوف نعود إلى مشكلاتنا. مثلًا، النظام المصرفي متخلف جدًا عن جميع دول المنطقة، وليس دول العالم فقط. فالنظام المصرفي اليوم يعيق دخول الاستثمار الأجنبي والشركات العالمية الضخمة. ومن دون دخول شركات الاستثمار العالمية الكبيرة، لا يمكن للقطاع الخاص في العراق أن يتطور. فالمشكلة اليوم لا تنحصر فقط بالقطاع العام ومسارات الحكومة.
القطاع الخاص اليوم أيضًا متواطئ في الفساد مع القطاع العام، والقطاع الخاص اليوم يُقاد من قبل رؤوس الفساد الكبيرة التي تحكم الدولة وتحرك البيادق باسم القطاع الخاص. لذلك، لا يريدون للاستثمار الأجنبي أن يدخل العراق. وبالنتيجة، من هو المستفيد من هذا الإجراء؟ طبعًا، بعض التجار العراقيين المسيطرين على مشاريع الدولة العراقية، سواء في قطاعات البناء والإنشاءات أو في المشاريع الاستهلاكية، بمعنى لا توجد مشاريع إنتاجية حقيقية.
حتى تفضيل الحكومة لأشخاص أو مؤسسات أو جهات بعينها، أيضًا حقق موضوع الاحتكار. بمعنى، لم يتحقق لدينا اليوم قطاع خاص حقيقي، وفيه منافسة بحيث يكون المستهلك والزبون والمواطن هو الذي يستفيد من هذه المنافسة. لا في قطاع الاتصالات، ولا في مشاريع الإنتاج الحيواني، ولا في الإنتاج الزراعي، ولا في كل القطاعات التي تخص البتروكيمياويات، ولا قطاع الحديد والصلب، ولا في الصناعات الغذائية وغيرها.
هذه هي ركائز الاقتصاد الحقيقي، بعيدًا عن موضوع الاتجاه نحو قضية تصعيد سعر الصرف وتنزيل سعر الصرف، أو زيادة الضرائب في هذا المجال، أو عمل عقود في التعليم العالي للطلبة، وما إلى ذلك، أو الأمر بوضع غرامة مرورية. هذه طرق ترقيعية وبدائية في الوقت نفسه، أدخلت المواطنين في دوامة ومشكلات ومناشدات، وبالنتيجة في وضع اقتصادي سيئ.
في حين توجد حلول واضحة جدًا، وهم يعرفونها طبعًا من خلال المستشارين الموجودين والجهات الموجودة التي أدخلت الدولة في هذا النفق المظلم. والكارثة الأكبر أنهم حاليًا يذهبون باستمرار للاقتراض من الصندوق الدولي، وهذه الأمور نعرف جيدًا تبعاتها، والإصلاحات التي تأتي نتيجة لها لا نستطيع أن نسميها إصلاحات، وإنما حلول قاسية جدًا على المواطنين، وسوف تظهر لاحقًا سواء في قطاع الطاقة أو في قطاع سعر الصرف.
- الأستاذ حسين علي حسين، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:
هناك مجموعة تحديات تشكلت بسبب هذه الحرب:
النقطة الأولى: إن أول تحدٍّ يواجهه العراق هو زيادة حالة عدم اليقين الاقتصادي وارتفاع مخاطر الاستثمار. فأنا كشخص في العراق، إذا توفر لدي مبلغ من المال حاليًا، فأنا لا أغامر باستثمار هذا المبلغ، بل سوف أحتفظ به عندي. فما سبب هذا الشيء الذي أقوم به؟ السبب أنني لا أمتلك اليقين الكافي بالاقتصاد العراقي، وأنني سوف أستفيد من مبلغي إذا قمت باستثماره بسبب الوضع الحالي. طبعًا، أنا أقصد هنا رؤوس الأموال البسيطة للناشئين، وليس رؤوس الأموال الكبيرة. كذلك لا توجد لدينا بيئة اقتصادية مستقرة تستطيع أن تستقبل المستثمرين الأجانب، شركات كبرى أو غيرها.
النقطة الثانية: التقلب في أسعار النفط وما يرافقه من صعوبة في قضية التخصيص المالي من الموازنة العامة. نحن لدينا مشكلة في قضية التخطيط طويل الأجل، ولم نحظَ بحكومة تفكر وتخطط للمستقبل، بل كل تفكيرها ينصب على الحاضر، أي الآن. وأعطي هنا مثالًا بسيطًا حول النبي يوسف، عندما ذهب إلى حاكم مصر في وقتها بحلم أن هناك سبع سنوات وفرة مقابل سبع سنوات جفاف. في الحكومات العراقية توفرت سبع سنوات وفرة، لكن هل فكروا في السنوات السبع للجفاف التي ستأتي لهم؟ أمر طبيعي أنهم لم يفكروا في ذلك.
النقطة الثالثة: عقدة إدارة الأزمات. وهنا تبرز مشكلة فيما يتعلق بإدارة الأزمات. فالمشكلة موجودة حاليًا في العراق. نحن ضمن اختصاصنا في كلية الإدارة والاقتصاد، قسم إدارة الأعمال، يوجد لدينا مفهوم اسمه "إدارة الأزمات". فالأزمة شيء قصير الأمد، لكن المشكلة الموجودة في العراق أن الأزمة فيه طويلة الأمد وليست قصيرة الأمد، وهذا ما نواجهه الآن في العراق: أزمة تجر وراءها أزمة، ولا نصل إلى حل نهائي. بحيث عندما نريد أن نصل إلى حل لهذه الأزمة الحالية، توجد لدينا قبلها عشر أزمات لم نحلها في وقتها، بحيث حدثت حالة تعايش مع الأزمات، بمعنى لا نستطيع أن نحلها فنضطر إلى التعايش معها بحلول مزيفة.
النقطة الرابعة والأخيرة: تصاعد التحديات المصرفية الإدارية، لا سيما ما يتعلق بالتحويلات المالية الخارجية وفق المعايير الدولية. كل هذه الأمور واردة وتحدث فيها مشكلات. نحن في العراق توجد لدينا جاليات من دول أخرى، وهذه الجاليات تحاول أن ترسل أموالًا إلى الخارج وتستقبل أموالًا من الخارج، لكن النظام المصرفي الحالي لدينا لا يسمح لهم بإجراء العمليات المالية بأمان واستقرار؛ لأنه في أي لحظة يمكن أن يُسرق منك مبلغ كبير. وهذه النقاط كلها عبارة عن تداعيات تواجه العراق بسبب الحرب.
أما فيما يتعلق بالحلول أو المسارات الاقتصادية والسياسية للحل، فمنها مثلًا تنويع مصادر الدخل، وتطوير القطاع المصرفي بحيث يكون أمينًا ومستقرًا، وبناء بيئة عمل صحيحة للمستثمرين المحليين والخارجيين، وبناء احتياطات مالية، وتعزيز الأمن الغذائي الداخلي، وبناء سياسة التوريد، وأمور أخرى تم ذكرها سابقًا. ويمكن للحكومة أن تقوم بها جميعًا إذا فكرت في تغيير وضع العراق، ولم تفكر بنفسها فقط كما فعلت الحكومات السابقة.
- الأستاذ محمد علي جواد تقي، كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:
هذا الموضوع مهم جدًا ومؤلم جدًا في الوقت نفسه، وأستعير هذا التوصيف من الدكتور خالد العرداوي، الذي كان توصيفًا في محله. الموضوع شائك ويتعلق بوضعنا الاقتصادي الداخلي، ويتعلق بالحرب بين أميركا وإيران. وهذا النزاع بدأ منذ وقت طويل وليس الآن، وما يميزه اليوم هو التصعيد العسكري، وإلا فهو صراع ممتد منذ 1979 إلى حد الآن.
ما أستطيع أن أضيفه هنا في هذا الموضوع، للأسف، أن الدولة العراقية والسياسيين لا يوجد فيهم مسؤول اقتصادي في الدولة، وإنما هم أدوات وأشخاص يتسلمون مناصب ثم يتلاعبون بمصير الشعب، للأسف. وفيما يتعلق بالصراع الأميركي- الإيراني، فإن المسؤولين أعطوا أو وفروا للجانبين كل موارد التنمية وفرص التقدم في العراق، إلى الجانبين الأميركي والإيراني، وهذا لا يخفى على جميع الإخوة.
إن العراق من أكثر الدول قابلية على النهوض الاقتصادي، من حيث الأيدي العاملة، والقوة الشبابية، حتى إن إيران تفتقد ذلك. فالعراق يمتلك مساحة جغرافية وقوة بشرية، وإلى آخره. لكن امتلاك العراق للطاقة الشبابية مسألة مهمة جدًا بالنسبة إلى الاقتصاد، أيدي عاملة، والإحصاء السكاني بيّن هذه القضية، إلى جانب الثروات المعدنية والزراعة والصناعة والموقع الجغرافي للعراق. كثير من هذه المزايا لم يتم استخدامها بالشكل الصحيح.
على العكس من ذلك، ومن خلال متابعة شخصية بسيطة، إن هذه المزايا تحولت من أن تكون فرص تنمية للعراق ولنا نحن وللمسؤول المنتخب، بينما الآخرون استفادوا أيما استفادة، وبقي العراق تابعًا ومقيدًا وفاقدًا للاستقلال. والاستقلال السياسي هو أساسًا مفقود، ولكن استقلال القرار الاقتصادي هو شيء مهم جدًا. كان يوجد لدينا نظام اقتصادي مركزي، وتحولنا بفضل الديمقراطية الجديدة، والانفتاح على العالم، والدخول في نظام السوق المفتوح، مع فسحة مالية غربية، ولكن غير محدد أن لدينا فعلًا اقتصادًا مفتوحًا.
أضرب مثلًا عن فيتنام ورواندا، وهما بلدان خرجا من أزمات ومآسٍ وحروب وقتال، لكنهما اليوم أصبحا من الدول المتقدمة، بينما نحن يوجد لدينا كل شيء ولم نستثمره.
الشيء الثاني في مسارات الصراع الإيراني، هناك تنافس على النفوذ منذ البداية، وهو واضح جدًا. فقد تغير شكل النظام في إيران، وتغير شكل النظام في المنطقة بشكل عام. فقضية شرطي المنطقة كانت تتمثل بشخص واحد، والآن هناك صوت عال كشرطي للمنطقة، وهو شيء واضح. وبعد أربعين أو خمسين سنة، تطور هذا الصراع والتهافت على التصنيع العسكري، والحرب الأميركية - الإيرانية خلقت وضعًا جديدًا في المنطقة.
سابقًا، لم يكن هناك غالب ومغلوب، ولم يكن الإيرانيون يعلنون النصر وغلبتهم على أميركا. الآن، بحسب تحليلي، صار هناك تقاسم في الانتصار، وهناك نوع من التوازن إلى حد ما. ترامب يمتدح الإيرانيين وأنهم بارعون بالدبلوماسية، ويقول إن إيران بلد عظيم وقوي، ولكن بالنتيجة سوف تنتهي الحرب تمامًا ويحدث اتفاق، ويشمل حتى لبنان وإسرائيل أيضًا.
بالنسبة إلى الاقتصاد العراقي والتعامل بين إيران وأميركا، يتعاملان بشروط المنتصر، والمنتصر له شروطه، وهذا شيء معروف. والعراق هو أضعف الدول في المنطقة. بالنسبة إلى التوازن بين الأميركيين والإيرانيين فيما يخص العراق، سوف يكون مختلفًا؛ لأن ظروف العراق ستكون قاسية جدًا وشديدة، بعدما يأخذ المنتصرون مكاسبهم في المنطقة. لهذا، لا تكون هناك فرصة للعراق إلا إذا حدثت ثورة قوة أو حدث انقلاب اقتصادي، وليس سياسيًا، يحول العراق إلى التنمية، وإلا سيكون العراق بين منتصرين.
- الأستاذ حسين شاكر العطار، أكاديمي وباحث سياسي:
الأساس منذ البداية خاطئ، وأعني الأساس السياسي والاقتصادي والإداري والبنيوي للدولة، منذ الأساس يسير بطريقة خاطئة. لأن الأساس خاطئ، فالمتوقع أن هذه التحديات الاقتصادية الأخيرة كانت متوقعة بحسب الكثير من الخبراء والأساتذة الأكاديميين. فمنذ 25 عامًا، حين بدأ فضاء الحرية والرأي، بدأ المختصون بالتحدث عن التحدي للحكومة وللناس وللعالم، لكن لم تكن هناك آذان صاغية.
الوضع الإداري في العراق أساسًا هو وضع قديم مع تفشي البيروقراطية، وبنوا عليه عملية سياسية خاطئة واستمروا في ذلك. سابقًا، للأسف الشديد، كانت الدولة تحت رحمة دكتاتور واحد، والآن يوجد لدينا 15 أو 20 دكتاتورًا، لذا لا يوجد أي تغيير. سابقًا كنا نسكت إلى أن نموت، والآن نتكلم إلى أن نموت.
وحول المسارات السياسية والاقتصادية ومواجهة التحديات، فلو كنت بديلًا للحكومة لا أبني آجرة، أي طابوقة واحدة، وأبقى أربع سنوات متفرغًا لمكافحة الفساد، الفساد ثم الفساد. إلى حد الآن يوجد هدر، واستنزاف عملة، واستنزاف اقتصاد، وتهريب. لا يمكن بناء أي شيء في العراق من دون محاسبة الفساد وضربه من جذوره ومعالجته، وهذا خير من معالجة مشروع أو مشروعين أو ملف أو ملفين وثلاثة مع زوبعة إعلامية تستمر كم شهر، ومن ثم نرجع إلى المربع الأول. لذلك، يفترض أن تكون محاربة الفساد أساس عمل الحكومة.
حتى وإن كانت هناك خسارة في باقي الملفات، لكن هذا الملف هو الملف الأساس. كذلك يجب تنويع استثمار المعادن وإدخال الاستثمارات الأجنبية، وكذلك تفعيل أنابيب تصدير النفط في سوريا وتركيا والسعودية وغيرها. لكن، للأسف الشديد، العقلية الموجودة عقلية عدائية من دون توفير بديل. يوجد لدينا رئيس مجلس وزراء هو الذي يرسم السياسة.
ولو نأتي إلى الوزراء نجدهم مسلوبي الإرادة، وكل وزير هو وكيل لحزب معين، وهذه جريمة بحق العراق. ومن الواضح جدًا أن الانهيار والفشل نراه على المدى القريب. كذلك النظام الريعي، وخصوصًا ونحن نعاني من مشكلة. فحتى لو كان شخص رئيس الوزراء جادًا، وجلب بعض الشخصيات الجيدة تعمل في مكتبه، لكن الموضوع لا يتعلق بشخص أو اثنين أو ثلاثة، بل يتعلق بمنظومة متخادمة جعلت العراق حاله حال دول أميركا اللاتينية.
حيث تأتي العصابات برئيس حكومة وتسلبه قدراته على ألا يمس شيئًا من اقتصادياتها وأعضائها وميليشياتها. طبعًا، فتح الاستثمار الأجنبي يحتاج إلى قوانين، وهذه هي مشكلتنا التي توجد في القوانين. نظام العراق برلماني، فالقوانين هي التي تحكم. والمشكلة موجودة بالمشرّع الذي لا يفهم دوره، للأسف الشديد. ففي كل دورة برلمانية، فإن 350 برلمانيًا أو أقل قليلًا، من الممكن أن نجد منهم عشرة أو عشرين، ولكن للأسف لدينا 310 نواب، مع احترامي، نطلق عليهم صفة القطيع؛ يُقال له: ارفع يدك، فيرفعها، واخفض يدك، فيخفضها، وهذه جريمة.
هو لا يفهم ما هو الاقتصاد، فكيف يمكن أن يقوم بتشريع قانون؟ أحد المستثمرين الكبار المعروفين في محافظة كربلاء زار تركيا، وقال إن القانون هو الذي يركض وراءك. نحن في العراق يتورط المستثمر ويُبتلى إذا فتح شركة، فخسائر غلق الشركة تفوق خسائره عند فتحها. ولذلك يهرب بعيدًا. ولدينا عشرات الآلاف، إذا لم يتجاوز العدد مئات الآلاف، من الشركات التي إذا خسرت تكتفي بأن تبلغ الضريبة وتهرب خارج العراق.
لأن مجرد الحصول على براءة الذمة لإغلاق الشركة يحتاج إلى ثلاث سنوات عمل وأموال، وهو خسران، وإلا لماذا يريد أن يحل شركته؟
هناك مسألة أخرى، وهي التنسيق الدولي والتعاون مع العالم، ولا يوجد لدينا غير هذا الحل. ونحن، للأسف الشديد، نتجه إلى صندوق النقد الدولي للاقتراض، أو الاستدانة من الدول الخليجية، وهذا رُفض. سعر الصرف يواصل الارتفاع، وطباعة العملة خيار قائم، ولا توجد غير هذه الحلول. أما الحل الأفضل فهو مكافحة الفساد للسنوات الأربع القادمة.
الخاتمة للدكتور الباحث حسين السرحان
تم اثارة موضوع مهم يتعلق بالخبير الاقتصادي الدكتور نبيل المرسومي، ضمن حملة الفساد. وبالمناسبة، الأرقام التي ذكرها الدكتور نبيل موجودة نصًا في جداول الموازنة الثلاثية، وهذا ليس شيئًا جديدًا. والهجمة الإعلامية ضده لم تكن تتعلق بهذا الموضوع، وإنما بموضوع آخر، وهو موضوع المشاريع وأصحاب الشركات الخاصة، وهذا ما سربته جريدة المدى في اجتماع رئيس الوزراء مع الإطار التنسيقي.
خوفي وخشيتي، بصراحة، أن مواجهة الحكومة الحالية التي وقع فيها عدنان الجميلي، هي ملف جاهز، بمجرد ما أبرزته الحكومة كنوع من كسب الشرعية. فعندما جاءت حكومة السوداني جاءت بنور زهير، وكان موضوعه جاهزًا، وهو ملف كامل عليه، وبنت عليه الحكومة، ونفس الملف يعاد في هذه الحكومة. قضية الدكتور نبيل، الخبير الاقتصادي، أثارت موضوع بيع المشاريع الخاسرة، وفي تصوري، وهذا ما نخشاه، أن الإطار التنسيقي يريد من هذه الحكومة أن تكون حكومة غسل أموال في اتجاهين:
الاتجاه الأول: بيع الشركات الخاسرة للدولة، وهذه جريمة أن تباع ويتم تكرار الحالة الروسية في العراق؛ فروسيا أعلنت إفلاسها واتجهت للخصخصة. فإذا كانوا يريدون هيكلة بعض المشاريع، فبإمكانهم مشاركة القطاع الخاص في إدارة هذه الشركات أو تأجيرها للقطاع الخاص. وهناك طريقة ثانية ذكرها المتحدث باسم الحكومة العراقية مع أحد البرامج، تخص صندوق التنمية العراقي. وهذه الدائرة موجودة ومرتبطة برئيس الوزراء، ويراد من هذا الصندوق أن يجمع 250 مليار دولار، وأن بعض الدول وافقت على أن تنضم إلى هذا الصندوق، وكان الموضوع يبشر بالخير.
أما حقيقة هذا الموضوع، فهي أن أموال بعض الفاسدين سوف تأتي إلى هذا الصندوق من دون السؤال: من أين لك هذا؟ ويتم استثماره ودفع فوائد لهم. بالمختصر، هي مؤسسة لغسل الأموال. ونحن نخشى أن تسير الأمور في هذا الاتجاه. ولا يمكن أن أقتنع أن دولًا إقليمية والولايات المتحدة وغيرها يمكن أن تساهم في هذا الصندوق لتنمية العراق من الداخل، فهذا الشيء مستحيل.
وذلك لعدة أسباب، منها عدم قدرته على تسديد الديون، وكذلك لأن الديون عبرت الناتج الإجمالي بنسبة 50%، وكذلك لأن موازنة العراق مبنية على الإيرادات النفطية، والنظام المصرفي متأخر جدًا؛ لأن ما يقارب 96 تريليونًا من النقد العراقي، من أصل 104 تريليونات، سوف تجدونه خارج النظام المصرفي. هذه موجودة عند الناس. فأنا كمستثمر سعودي أو كويتي أو خليجي، آتي لكي أستثمر في العراق، إذا كان شعبه يضم أمواله في البيوت، فكيف أفعل ذلك؟ وأنا هنا أذكر تقارير حكومية.
القصد أن صندوق التنمية الخارجي أمر مستحيل، وحسب تفسيري الشخصي، ممكن من باب ثانٍ. توجد لدينا أموال مجمدة في الإمارات وفي سويسرا وبعض الدول، من الممكن أن تُعاد إلى العراق، وهذا صعب جدًا لأنه يحتاج إلى موافقات دولية. يقال إن هناك في الإمارات مبلغًا يمكن أن يدخل هذا الصندوق. القصد أن هذه المبالغ قد تعود إلى العراق بتوافق دولي.



اضف تعليق