كُن واعظا لنفسِك تنجُ

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

القرآن الكريم أكبر وأهمّ واعظ، وكذلك الأحاديث الشريفة هي الواعظ الكبير للإنسان، غير أن هذه المواعظ الخارجية تظل معطلة ما لم يستجب لها واعظ من داخل النفس البشرية... فالإنسان في معترك شديد بين نور العقل ونار الشهوات؛ فإذا اتّخذ واعظاً من نفسه ينجو شيئاً فشيئاً، وإلاّ يبتلى ويحترق دنياً وآخرة...

(الإنسان هو محل نزاع هاتين الطاقتين العظيمتين: نور العقل ونار الشهوات)

سماحة المرجع الشيرازي

القرآن الكريم هو النور الهادي والموعظة الأكبر التي أودعها الله تعالى في أمتنا، فهو الخطاب الإلهي المباشر الذي يخاطب العقول والقلوب، ويهزّ الوجدان الجمعي بآياته المحكمة، ليزجر النفس عن غيها وينشلها من غفلتها، وتأتي الأحاديث الشريفة في المرتبة التالية مباشرة، لتكون المبيّنة والواعظة العظيمة التي تفسر مقاصد القرآن بأسلوب نبوي سمح، يقرب المفاهيم ويغرس القيم في السلوك اليومي للإنسان. 

غير أن هذه المواعظ الخارجية، مهما عظمت ورسخت، تظل معطلة ما لم يستجب لها واعظ من داخل النفس البشرية، لأن أهم مراتب العظة أن يتخذ الإنسان من نفسه حارساً وواعظاً على ذاته، حيث يبدأ ذلك بقرار واعٍ وعزيمة صادقة على التأمل والاعتبار بكل ما يدور حوله، وحين يتأمل المرء تقلب الأحوال، ومرور الأيام، ومصائر الآخرين، ثم يعزم في باطنه على ألا تمر هذه العبر دون أن يغير من مساره، سوف يتحول السمع والبصر إلى أدوات موصلة إلى الحكمة وإلى العقلانية التي تجعل الإنسان متوازنا في كل شيء.

إن الوعظ الداخلي هو المحرك الحقيقي للتوبة والإصلاح، لأنه ينبع من ضمير حي وإرادة صلبة تصمم على التطبيق والعمل، فتحول كلمات القرآن وهدي السنة من نصوص مسموعة إلى واقع حي وسلوك ملتزم، ليكون المرء حينها قد تحقق بالوعظ الحقيقي واستفاد من أكبر المعينين على طريق هدايته وصلاحه.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة عنوانها ضرورة وعظ النفس:

(إنّ القرآن الكريم أكبر وأهمّ واعظ، وكذلك الأحاديث الشريفة، بعد القرآن الكريم، هي الواعظ الكبير للإنسان. ومن المهم جدّاً أن يتّخذ الإنسان من نفسه واعظاً لها، يعزم ويصمّم على أن يتّعظ بما يرى في أطرافه، ولما يجري من حوله، من مختلف القضايا، ومن مختلف الأمور، أي يتّخذ واعظاً من نفسه).

يعيش الإنسان في هذه الحياة في معترك دائم وصراع طاحنة رحاه بين القوة العاقلة والنزوات الشهوانية، فالعقل هو الهبة الإلهية الكبرى والقبس النوراني الذي أودعه الله في أعماق البصيرة، ليكشف به ظلمات الجهل، ويهديه نحو معالي الأمور والفضائل، مؤمناً له طريق السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة. 

متى يكون العقل سيدا لغرائزه

وفي المقابل تأتي الشهوات التي غُرست في النفس لحكمة الابتلاء؛ فإذا ما تُركت دون زمام من العقل والدين، تحولت إلى نار محرقة تدفع صاحبها نحو الظلم والشرور والشره للسيئات. إن هذا التدافع المستمر يضع المرء أمام خيار حيوي: إما أن يُعمل عقله فيكون سيداً لغرائزه يرتقي بها إلى ما فيه الخير والصلاح، وإما أن يستسلم لسطوة الشهوة فيصير أسيراً لها، تتجاذبه المهالك وتفصله عن غايته السامية، لذلك فإن الفوز الحقيقي يكمن في تغليب نور العقل ليظل الموجه والمسيطر على شعلة الشهوات.

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:

(الإنسان في معترك شديد، بين نور العقل ونار الشهوات. فالعقل الذي أودعه الله سبحانه وتعالى في الإنسان، يرشده دائماً ويدعوه إلى الفضائل، وإلى الخير، وإلى السعادة في الدنيا والآخرة. وأما الشهوات، وهي التي جعلها الله تعالى في الإنسان أيضاً، تدعوه دائماً إلى المظالم، وإلى الشرّ، وإلى السيّئات).

ويضيف سماحته قائلا: (إذن، الإنسان هو محل نزاع هاتين الطاقتين العظيمتين، نور العقل ونار الشهوات. فإذا اتّخذ واعظاً من نفسه، ينجو شيئاً فشيئاً من نار الشهوات، وإلاّ يبتلى ويحترق دنياً وآخرة). 

الله تعالى رؤوف بعباده، وهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، فقد جرت سنته الإلهية بأن سبقت رحمته غضبه، وكانت أوسع وأسبق من أي عقاب، غير أن هذه الرحمة الواسعة تحاط دائماً بالحكمة المطلقة والعدل الإلهي حيث لا تقتضي الحكمة أن تتساوى الرحمة تجاه الجميع، خاصة بالنسبة للظالمين الذين استغلوا مهلة الدنيا لمعصية الخالق واعتدوا على حقوق الناس وأشاعوا الفساد والظلم. 

إن شمول الظالم الجائر بالرحمة ذاتها التي تنال المظلوم والمحسن يتنافى مع مبادئ العدالة والحكمة، وينقض فلسفة الثواب والعقاب التي بُنيت عليها الحياة الدنيا كمحل للابتلاء والتكليف. فالرحمة بالظالم دون ردعه أو محاسبته تُعد إهداراً لحقوق المظلومين وتفريطاً في الانتصار لهم، وهو ما يتنزه عنه رب العالمين. 

لذلك تنزل رحمة الله تعالى بأهل الإحسان والتوبة، بينما يجري عدله بحكمته الشاملة على الظالمين والمعتدين، ليبقى الميزان الإلهي قائماً بالعدل والقسط، وتبدو الحكمة في وضع كل أمر عند نصابه الصحيح، بين رحمة ينالها المؤمنون وعدل يقتص من الظالمين.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي:

(لا شكّ، إنّ الله تعالى رؤوف بعباده، في الدنيا والآخرة، والله هو الرحمن والرحيم، وقد سبقت رحمته غضبه، ورحمته أوسع من غضبه، ورحمة الله متقدّمة على غضب الله، مع ذلك، لا تقتضي الحكمة، الرحمة بالنسبة إلى الظالمين الذين ظلموا الناس في الدنيا، فهذا خلاف الحكمة).

والشر درجات متباينة وكذلك القائمون بالشر درجات، لأن أشرّ الظالمين وأعظم الظلم خطراً وأثراً هو ظلم الحكومات بالنسبة إلى الشعوب، فقد يقع الظلم في إطار فردي، كأن يظلم الزوج زوجته أو العكس، أو يظلم الأب أو الأم أولادهما، أو يقع الجور بين فرد وآخر، وعلى الرغم من أن الظلم قليله كثير وصغيره كبير في الميزان الأخلاقي، إلا أن أثره يظل محصوراً في نطاق ضيق ويمسّ عدداً محدوداً من الأفراد. 

طريق الفضيلة والاستقامة

أما الحكومة الظالمة فإن خطرها يتجاوز الحدود الفردية ليطال الألوف والملايين من البشر في آن واحد، فالسلطة الظالمة تسلب الشعوب حرياتها المقررة، وتنتزع منهم أرزاقهم وراحتهم، وتصادر أفكارهم وتصادر حقهم في الحياة الكريمة، مما يجعل أثر هذا الجور شاملاً ومدمراً للمجتمعات بأسرها. لهذا السبب يُعدّ ظلم الحكومات أقسى أنواع الجور وأشدها خطورة، لأنه يحوّل أدوات القيادة والحماية إلى وسائل للقهر والحرمان المسلط على الأمة بأكملها.

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول في ذلك:

إن (شرّ الظالمين، وشرّ الظلم هو ظلم الحكومات بالنسبة إلى الشعوب، فقد يظلم الزوج زوجته، وقد تظلم الزوجة زوجها، وقد يظلم الفرد فرداً آخراً، وان كان الظلم قليله كثير، وصغيره كبير، ولكنه ظلماً لفرد واحد، وكذلك ظلم الأب أو الأمّ لأولادهما. ولكن الحكومة الظالمة تظلم الألوف والملايين من الناس، وتسلبهم حريّاتهم، وتسلبهم أرزاقهم وراحتهم، وتسلبهم أفكارهم).

لذا يجب على كل مؤمن أن يتخذ من نفسه واعظاً حازماً وحارساً دقيقاً على جوارحه وتصرفاته، حتى يحمي سلوكه من الوقوع في غياهب الظل، لأن مراقبة الذات ومحاسبتها باستمرار هما الدرع الواقي الذي يمنع صدور أي جور، سواء كان صغيراً أو كبيراً؛ فالظلم يبدأ أحياناً بنظرة أو كلمة وينتهي بانتهاك الحقوق. 

حيث يحمي هذا الواعظ الداخلي الإنسان من أن يظلم نفسه بالمعاصي وإهدار العمر فيما لا ينفع، ويمنعه بالقدر ذاته من التعدي على حقوق الآخرين أو المساس بكرامتهم وأموالهم. إن النجاة الحقيقي في الدنيا والآخرة لا تتحقق إلا بسلامة القلب واليد من مظالم العباد وأنفسهم، والاعتصام بضمير حي يصحح المسار كلما مالت النفس، ليلقى العبد ربه بنفس زكية وسليمة.

من هنا يؤكد سماحة المرجع الشيرازي قائلا:

(على كل مؤمن أن يتّخذ واعظاً من نفسه، حتى لا يصدر منه الظلم، لا صغيره ولا كبيره، ولا ظلم على نفسه، ولا على غيره، حتى ينجو).

وأخيرا تكمن النجاة الحقيقية للإنسان في يقظة ضميره واتخاذه من نفسه واعظاً يستمد هداه من القرآن والسنة، ليحكم عقله وينتصر على شهواته، وبذلك يحمي نفسه ومجتمعه من آفات الظلم بكافة أشكاله ودوافعه، مستلهماً من رحمة الله تعالى ومن عدله الحكمة والدافع للسير على طريق الفضيلة والاستقامة.

اضف تعليق