يتناول المقال أثر العالم الرقمي في النمو الطبيعي للأطفال، موضحًا كيف يمكن للشاشات والهواتف وألعاب الفيديو أن تزاحم الخبرة الواقعية والحركة والتفاعل الاجتماعي، وتؤثر في التركيز والمشاعر والنمو المعرفي. ويؤكد أن التربية الرقمية تبدأ من وعي الآباء، وبناء المناعة النفسية والذكاء العاطفي، وتنظيم التعرض للمحتوى، وحماية الطفل من التحول...
تتواصل سلسلة التربية الرقمية بتعمق وتحليل في موضوع تتعاظم أهميته كلما اتسعت آثار العالم الرقمي في حياة الإنسان، ولا سيما في مرحلة الطفولة التي تُعد أكثر المراحل قابلية للتأثر وأعمقها أثرًا في تكوين العقل والشخصية. ففي هذه المرحلة تتأسس الملامح الأولى للإنسان، وتتكون أنماط إدراكه وسلوكه واستجاباته، ومن خلالها تبدأ عملية بناء الفرد الذي سيحمل لاحقًا دوره في الأسرة والمجتمع والحياة العامة.
فالطفل يمكن أن يتأثر بالتكنولوجيا بطريقة أعمق من غيره، وقد تتحول الوسائل الرقمية من أدوات نافعة إلى بيئة تفرض نفسها على وعيه وتفكيره وسلوكه إذا لم توجد تربية رقمية واعية تحمي نموه الطبيعي وتمنعه من أن يصبح مجرد متلقٍ أو تابع لما يصل إليه من الأجهزة والمنصات والمحتويات.
وهذا البحث يأتي إكمالًا للبحث السابق، لينتقل من تعريف التربية الرقمية وضرورة التحصين إلى أبرز المخاطر التي يمكن أن تواجه الأطفال أثناء استخدام الإنترنت والعالم الرقمي. لكن الحديث عن هذه المخاطر لا يبدأ من الطفل وحده، وإنما يبدأ من الآباء أنفسهم، لأننا نتساءل دائمًا: لماذا لا يهتم كثير من الآباء بأهمية التربية الرقمية، ولماذا لا يدركون ضرورة الوعي بكيفية التعامل مع العصر الرقمي وأخطاره، مع أن أبناءهم يعيشون داخله يوميًا؟
لقد تحدثت كثيرًا مع الآباء في هذا الموضوع ونبهتهم إلى خطورة القضية، لكن الملاحظة التي تتكرر هي وجود حالة من عدم الاهتمام وعدم إدراك المخاطر، إلا عند من ابتلي بالمشكلة ورأى نتائجها بنفسه؛ فالذي لم يمر بالتجربة ولم يشاهد نتائجها قد يتعامل معها باستخفاف، أما الذي رأى النتائج فقد يبدأ بعد ذلك بإدراك حجم الكارثة التي مر بها. ولذلك فإن المشكلة لا تبدأ فقط من غياب المعلومات عن الطفل، بل من غياب الوعي عند الأب والأم أيضًا، ومن هنا يمكن القول إن الآباء يحتاجون هم أنفسهم إلى تربية رقمية قبل أن يربوا أبناءهم رقميًا.
فالإنسان الذي يريد أن يربي ابنه على الاعتدال في استخدام الهاتف ينبغي أن يسأل نفسه أولًا عن علاقته هو بالهاتف. وإذا كان الأب متعلقًا بالجهاز الذكي والهاتف الذكي تعلقًا شديدًا، وكذلك الأم، فكيف يمكن أن يتوقعا من الطفل أن يتعامل معه بطريقة مختلفة؟ نحن نلاحظ عندما نسير في الشارع أن معظم الناس يحملون أجهزة الموبايل في أيديهم؛ هذا يتصفح، وذاك يتحدث، وآخر يستخدم الهاتف حتى وهو يقود السيارة، وفي مختلف الأوقات، حتى إنك قد تنظر إلى عشرة أشخاص فلا تجد إلا واحدًا منهم قد لا يحمل الهاتف في يده.
وأصبحت هناك حالة يمكن أن نسميها متلازمة الموبايل؛ فالإنسان إذا لم ير هاتفه قد يشعر بنوع من الارتباك والقلق والتيه والضياع، وإذا انقطع الإنترنت تظهر حالة مشابهة من الاضطراب، وكأن جزءًا من استقرار الإنسان النفسي أصبح مرتبطًا بوجود الهاتف والاتصال بالشبكة. وعندما يكون الأب أو الأم في هذه الحالة من التعلق الشديد أو الإدمان المهووس والتعلق المرضي، ويعيش البيت كله داخل حالة من الاستخدام الرقمي المستمر، يصبح من الصعب أن نطلب من الطفل أن ينمو بعيدًا عن هذا النمط، لأنه يرى النموذج أمامه كل يوم ويتعلم منه قبل أن يتلقى أي نصيحة مباشرة.
ولهذا ينبغي أن يكون الخطاب الأول موجهًا إلى الآباء: اهتموا، وأدركوا الخطر، وتعلموا كيف تتعاملون مع هذه القضية، ولا تأخذكم حالة اللهو ولذة تصفح الهاتف الذكي، تلك اللذة الوهمية التي يمكن للإنسان أن يصبح مدمنا عليها. وهناك أيضًا تصفح الريلز وما يمكن أن يتركه هذا النمط من الاستهلاك المتواصل للمقاطع القصيرة من أثر سلبي في الإنسان، وهي قضية تستحق أن نتوقف عندها في بحث مستقل لاحقًا.
حق الطفل في بيئة رقمية آمنة
وعن الإمام السجاد عليه السلام: «وَحَقُّ وَلَدِكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْكَ وَمُضَافٌ إِلَيْكَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا بِخَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَأَنَّكَ مَسْئُولٌ عَمَّا وُلِّيتَهُ مِنْ حُسْنِ الأَدَبِ، وَالدَّلاَلَةِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالمَعُونَةِ لَهُ عَلَى طَاعَتِهِ، فَاعْمَلْ فِي أَمْرِهِ عَمَلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُثَابٌ عَلَى الإِحْسَانِ إِلَيْهِ، مُعَاقَبٌ عَلَى الإِسَاءَةِ إِلَيْهِ» (رسالة الحقوق).
هذا النص يضع المسؤولية بصورة واضحة؛ فهو يتحدث عن الخير والشر والإحسان والإساءة، ويبين أن للولد حقًا على أبيه، وأن الأب مسؤول عن حسن أدبه ودلالته ومعونته، ولذلك فإن من حق الطفل في عصرنا أن يوفر له الأب بيئة آمنة في العصر الرقمي، وأن يحمي توازنه وصحته النفسية وصحته الاجتماعية ونموه الطبيعي، لأن هذه الحماية أصبحت اليوم جزءًا من حسن التربية والرعاية.
لقد اجتاحت الموجة التكنولوجية العالم بأسره، ولم يكن العراق بمنأى عن آثارها وتحولاتها، حتى وجد كثير من الآباء أنفسهم أمام بيئة رقمية لم ينشؤوا فيها ولم يتلقوا تأهيلًا كافيًا لفهم آلياتها ومخاطرها. وقد يستخدم الأب الهاتف الذكي يوميًا، لكنه لا يمتلك بالضرورة معرفة دقيقة بما يجري داخل هذا العالم من محتويات وتأثيرات، ولا بحدود ما يحمله من منافع وأضرار. وعندما يتعلق الأمر بأبنائه، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا، ويبدأ التساؤل الجاد عن العلامات التي تكشف بدء تأثر الطفل، وعن الكيفية التي يمكن من خلالها احتواء الخطر والتعامل معه قبل أن يتحول إلى مشكلة يصعب ضبطها.
فمن حق أطفالنا علينا أن ينشؤوا في بيئة آمنة تثري معارفهم وتطور مهاراتهم، ومن حقهم أن ينموا النمو السليم وأن يعيشوا حياة صحية متوازنة، وهذا يتحقق بالوعي وبذل الجهد والوقت للتعرف على بيئتهم الرقمية وضبطها وتوجيهها التوجيه الأمثل.
وتزداد أهمية هذا الوعي عندما ننظر إلى حجم حضور الشاشات في حياة الأطفال؛ إذ أصبح مفهوم وقت الشاشة يشمل الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الكمبيوتر أو التلفزيون أو الجهاز اللوحي أو نظام الألعاب المحمول أو وحدة تحكم الألعاب أو الهاتف الذكي خارج الاستخدام المدرسي، في وقت تشير فيه التقديرات إلى وجود أكثر من اثني عشر نوعًا مختلفًا من الوسائط المرتبطة بالشاشات المتاحة للأطفال. وعلى الرغم من أن ما بين 75 و80% من الآباء أعربوا عن قلقهم من تأثير الوسائط الرقمية، فإن الشاشات ما تزال حاضرة بقوة في حياة الأبناء؛ إذ تشير البيانات إلى أن 40% من الأطفال يمتلكون أجهزة لوحية خاصة بهم في سن الثانية، وترتفع النسبة إلى 60% في سن الرابعة.
وتتسع الظاهرة مع التقدم في العمر؛ إذ يمتلك 42% من الأطفال هواتف في سن العاشرة، وترتفع النسبة إلى 71% في سن الثانية عشرة، وتصل إلى 91% في سن الرابعة عشرة. وفي دراسة أجريت في بغداد، تبين أن 90% من الأطفال في سن عشر سنوات فما دون يستخدمون الهواتف الذكية، وأن 37% منهم يمتلكون هواتف خاصة بهم. أما في الولايات المتحدة، فقد وجد أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثماني سنوات واثنتي عشرة سنة يقضون في المتوسط أربع ساعات وأربعًا وأربعين دقيقة يوميًا أمام الشاشات، باستثناء الاستخدام المدرسي أو أداء الواجبات المنزلية، كما تضاعف بين عامي 2015 و2019 الاستخدام اليومي للكمبيوتر في أداء الواجبات أو مشاهدة مقاطع الفيديو عبر الإنترنت.
وهذه الأرقام تكشف أن القضية لم تعد تتعلق باستخدام عرضي أو محدود لجهاز واحد، وإنما ببيئة كثيفة من الشاشات والأجهزة، وهو ما يجعل فهم آثارها الصحية والنفسية والاجتماعية والمعرفية جزءًا أساسيًا من مسؤولية التربية الرقمية.
ومن هنا ينبغي أن نتناول الأخطار بالتدريج: الأخطار الصحية، والنفسية، والاجتماعية. لكن قبل الدخول في هذه التفاصيل لابد أن نفهم أولًا ماهية الطفل وكيف يتشكل، لأن فهم المخاطر يبدأ من فهم احتياجات الطفل نفسه وطبيعة المراحل التي يمر بها.
مراحل نمو الطفل وبناء العلاقة مع العالم الحقيقي
المرحلة الأولى: المرحلة الحسية الحركية، وتستمر منذ الولادة وحتى حوالي عامين، ويتعلم الأطفال خلالها من خلال حواسهم وأفعالهم، ويطورون مفاهيم أساسية مثل ثبات الأشياء، وفهم أن الأشياء تستمر في الوجود حتى عندما لا يمكن رؤيتها. ويهيمن على تفكير الطفل في هذه المرحلة مظهر العالم، ولا يزال غير قادر على التفكير المنطقي بالصورة التي تظهر في المراحل اللاحقة.
فالطفل منذ اليوم الأول وحتى نحو سنتين لا يعرف الحياة إلا من خلال ما تستقبله حواسه؛ يرى الأشياء ويحس بها ويتعامل معها من خلال العالم الخارجي، ولذلك تكون هذه المرحلة في جوهرها مرحلة اتصال مباشر بالأشياء الموجودة حوله.
المرحلة الثانية: ما قبل العملياتية، وتمتد من سن سنتين إلى سبع سنوات، ويبدأ الأطفال فيها باستخدام الرموز واللغة، لكنهم يواجهون صعوبة في التفكير المنطقي، وقد يجدون صعوبة في رؤية الأشياء من وجهات نظر الآخرين. وبعد السنتين وحتى سن الخامسة يبدأ الطفل بالحكم على الأشياء وتعلمها واختبارها، ويتكون لديه تدريجيًا نوع من التفاعل معها.
ثم تأتي المرحلة العملية الملموسة بين سن السابعة والحادية عشرة، ويصبح الأطفال أكثر منطقية في تفكيرهم، ويبدأون بالتفكير في أفكار ومشاعر الآخرين بصورة أكثر واقعية وفهم علاقاتها وتأثيراتها، وكل هذا يبقى مرتبطًا بالعالم الخارجي وبالأشياء الواقعية الموجودة أمامهم.
أما المرحلة العملياتية الرسمية فتبدأ من مرحلة المراهقة فصاعدًا، ويطور فيها الإنسان القدرة على التفكير المجرد وحل المشكلات الافتراضية، وتبدأ شخصية الإنسان وحياته بالتشكل بصورة أوسع على أساس السنوات السابقة.
وتتأثر هذه المراحل التنموية بعدد من العوامل الرئيسية، في مقدمتها النضج البيولوجي الذي تتطور معه القدرات بصورة طبيعية، والتفاعل مع البيئة الذي يشكل فهم الطفل وعمليات التعلم لديه، والخبرات الاجتماعية التي توفرها التفاعلات مع الأقران والبالغين، ثم التوازن بوصفه الدافع الداخلي إلى تحقيق الانسجام بين ما يعرفه الطفل وما يختبره بالفعل.
وهذه المراحل كما تطرح في الحديث تبين أن السنوات الأولى حتى الحادية عشرة تمثل أساسًا مهمًا في علاقة الطفل بالعالم الحقيقي، لأن ما يكتسبه خلالها من خبرات وتجارب يصبح جزءًا من القاعدة التي تتشكل عليها شخصيته لاحقًا.
الخروج المبكر من العالم الحقيقي إلى العالم الافتراضي
ومن هنا يحتاج الطفل منذ اليوم الأول إلى التعامل أساسًا مع العالم الخارجي الحقيقي والواقعي؛ فهو يرى لعبته والتراب والطعام والأشياء من حوله، ويمسك الأشياء بيده، ويمر بتجارب معها، ويتعلم أين توجد، ومن أين جاءت، وإلى أين ذهبت، وإذا ضاعت لعبته يبدأ بالبحث عنها، وكل ذلك ينتمي إلى عالم حقيقي ملموس تتكون فيه خبرته بالتجربة والاحتكاك.
أما عندما نعطي الطفل في عمر سنة أو سنتين جهاز الموبايل وننقله بصورة مبكرة من العالم الحقيقي الخارجي إلى العالم الافتراضي والإلكتروني، فإننا نغير هذا المسار، ويمكن أن نخلق نوعًا من الاختلال؛ لأن الطفل الذي يفترض أن يبني معرفته الأولى من الأشياء المادية والتجارب المباشرة يصبح جزء كبير من انتباهه مرتبطًا بعالم افتراضي جاهز يقدم له الصور والأصوات والحركة من دون أن يعيش التجربة نفسها.
وهنا تبدأ المشكلة؛ لأن عملية التربية التي مر بها الإنسان تاريخيًا باعتبارها عملية ارتباط مباشر بالعالم الواقعي يمكن أن تتعرض للاختلال، فيحدث نوع من الخروج المبكر من العالم الحقيقي إلى العالم الافتراضي، ومن هذه النقطة يمكن أن تنشأ مشكلات تتعلق بالنمو والتفاعل والتعلم.
فالطفل في مراحل نموه يحتاج إلى تنمية جسدية وبيولوجية، وإلى تنمية نفسية واجتماعية أيضًا، حتى ينمو بوصفه شخصًا وإنسانًا طبيعيًا، ثم ينتقل بعد الحادية عشرة إلى مرحلة يبدأ فيها تشكيل الشخصية الاعتبارية والحقيقية بصورة أوسع. ولذلك يحتاج قبل ذلك وفي أثنائه إلى الوجود في العالم الحقيقي المادي، لا أن يصبح العالم الافتراضي بديلًا عنه، ويحتاج إلى ما يسميه علماء التربية النضج البيولوجي؛ أي أن ينضج جسديًا وبيولوجيًا، وهذا يقتضي أن يتحرك جسمه.
فنحن نرى الطفل بطبيعته يركض ويتحرك ولا يكاد يستطيع الجلوس؛ فمنذ أن يستيقظ في الصباح إلى أن يأتي الليل وينام وهو في حركة مستمرة، وهذه الحركة ليست أمرًا زائدًا أو عبثيًا، وإنما هي جزء من عملية النمو نفسها؛ لأن جسمه يحتاج إلى أن يتحرك، وعضلاته تحتاج إلى أن تنمو، وأعصابه وحواسه تحتاج إلى أن تعمل في عالم متغير ومتعدد.
لكن عندما نعطي الطفل الهاتف، يحدث أن تهدأ الحركة، وعندما تهدأ الحركة بصورة مستمرة يمكن أن يتعطل جانب من مسار النمو البيولوجي الطبيعي؛ لأن الطفل لا يعود يتحرك بالقدر نفسه، وتخفت حركة العضلات والأعصاب، وتتأثر طريقة استخدام الحواس والعين والسمع والحركة. والمقصود هنا أن الطفل عندما يحرم نفسه أو تحرمه البيئة من الحركة الطبيعية والتجربة الحسية المستمرة فإن مسار نموه لا يبقى مطابقًا للنمط الطبيعي الذي يحتاج فيه إلى الحركة والتفاعل.
عندما تتحول هيمنة الشاشات إلى أخطار صحية
ولا تقف آثار قلة الحركة عند حدود فقدان الخبرة الواقعية؛ فبقاء الطفل ساعات طويلة أمام التلفزيون أو ألعاب الفيديو أو الهاتف الذكي يحوله إلى نمط حياة قليل الحركة، وهو ما يمكن أن يزيد عوامل خطر السمنة، ولا سيما عندما يقترن الجلوس الطويل بتناول الحلوى والوجبات السريعة أثناء المشاهدة أو اللعب. وترتبط السمنة بدورها بزيادة خطر عدد من الأمراض المزمنة، ومنها أمراض القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم وارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم.
كما تثار مخاوف من تأثير الإفراط في استخدام الشاشات في نمو بعض وظائف الدماغ، وخصوصًا القشرة الجبهية المرتبطة بالحكم واتخاذ القرار والتحكم في الانفعالات، مع الإشارة إلى أن ألعاب الفيديو سريعة الوتيرة والشديدة التحفيز تعد من أكثر أنماط وقت الشاشة إثارة للجهاز العصبي لما يصاحبها من ارتفاع مستويات الاستثارة.
وتضاف إلى ذلك مشكلات النوم؛ فالضوء المنبعث من الأجهزة الإلكترونية يمكن أن يتداخل مع دورة النوم، كما أن الاستغراق في التصفح أو اللعب يؤخر موعد نوم الطفل ويجعله يفقد الإحساس بالوقت، فينام متأخرًا أو يحصل على نوم غير كافٍ، وهو ما ينعكس لاحقًا على المزاج والتركيز والتحصيل الدراسي.
وقد ينتج عن التعلق الشديد بالأجهزة أيضًا بعض السلوكيات الخاطئة؛ إذ قد يلجأ الطفل إلى الكذب من أجل زيادة وقت الاستخدام، فيدعي أنه لم يجلس طويلًا أمام الجهاز، أو يتظاهر بالنوم ثم يخفي الهاتف في فراشه ليستعمله بعد ذلك، فتتحول المشكلة من مجرد وقت شاشة إلى نمط سلوكي يؤثر في الصدق والانضباط والقدرة على التحكم في الذات.
ويؤدي الجلوس الطويل في وضعيات غير صحيحة إلى تقوسات وآلام مزمنة في الرقبة والظهر وأسفل الظهر، وخصوصًا مع استعمال الأجهزة اللوحية والهواتف في وضعيات تجعل الرأس والرقبة منحنيين مدة طويلة. كما يمكن أن تظهر مشكلات في النظر وجفاف العين نتيجة التحديق المتواصل في الشاشات، وخصوصًا الأجهزة الصغيرة التي تدفع الطفل إلى تقريب وجهه منها أثناء اللعب أو مشاهدة المقاطع.
ومن المخاطر التي تثار أيضًا القلق والاكتئاب؛ لأن الوقت الطويل أمام الشاشات يمكن أن يزيد العزلة ويضعف التفاعل الإنساني المباشر في فترة يحتاج فيها الطفل إلى العلاقات الاجتماعية بوصفها جزءًا من التأسيس النفسي والعاطفي، فيعتاد الوحدة والعالم الافتراضي على حساب بناء القدرة على التواصل الواقعي.
وتتداخل هذه النتائج مع المشكلات التعليمية؛ فقلة النوم، وضعف التركيز، وكثرة السرحان، والتعلق المستمر بالشاشة يمكن أن تخفض مستوى التحصيل المدرسي وتضعف الرغبة في المذاكرة، وهي نتائج لا تنفصل عن ظاهرة تشتت الانتباه التي سنأتي إليها لاحقًا.
كما يمكن أن تسهم بعض ألعاب الفيديو العنيفة والمحتويات التي تقوم على مشاهد العدوان في الميل إلى العنف، إذ قد يعتاد الطفل المشهد العنيف ويصبح أقل حساسية تجاهه، أو يبدأ بتقليد ما يراه واستعمال العنف في حل المشكلات أو التعامل مع الآخرين.
وهناك كذلك حديث عن تأثيرات الأجهزة الإلكترونية في الدماغ مرتبطة بالتعرض المستمر للأجهزة وما يصاحبه من توتر وصداع وزيادة في الانفعالات والإحباط، وهي كلها تجعل من القضية الصحية جزءًا أساسيًا من مفهوم التربية الرقمية، لا مجرد نتيجة جانبية للاستخدام المفرط.
النضج الاجتماعي
والطفل يحتاج، إلى جانب النضج البيولوجي، إلى التفاعل مع البيئة منذ اليوم الأول وحتى الحادية عشرة بمراحل مختلفة؛ يحتاج إلى التواصل لكي يتعرف ويتعلم ويستكشف معنى الحياة، وإلى الخبرات الاجتماعية والتفاعلات التي تسهم في بناء التوازن داخل شخصيته.
ويمكن تقريب هذه الفكرة بمثال قوي: لو أخذنا طفلًا في عمر سنتين أو ثلاث أو أربع سنوات ووضعناه في غرفة وحده سنوات، فلا يركض ولا يتحرك بحرية، وكأنه داخل قفص، ولا يتفاعل مع البيئة الخارجية، ولا ينظر إلى الأشياء ويتأملها ويفكر فيها، ولا يتواصل مع الآخرين، ولا يحصل على خبرات ولا يحتك بالناس، ثم أخرجناه بعد سبع أو ثماني سنوات، فإنه سيكون غريبًا وسيعيش حالة من الاغتراب الكامل.
والمقصود من هذا المثال تقريب معنى فقدان التفاعل، لا القول إن استعمال الهاتف يساوي حرفيًا العيش في غرفة مغلقة، لكن حين يصبح الموبايل بديلًا واسعًا عن العالم الحقيقي يمكن أن يسلب الطفل أجزاء من الخبرة التي يفترض أن يحصل عليها من الحركة والتواصل والاستكشاف. وعندما تلغى عنده مساحات من النضج البيولوجي والتفاعل الاجتماعي ومعرفة البيئة الخارجية والتعلم والاستكشاف والفضول، فإن جوانب أساسية من وجوده تتعطل، وهو ما يمكن أن نعبر عنه بقوة بعبارة «معوق»؛ أي إن قدرته على التكوين المتوازن تتعرض للعطل لأنه لم يحصل على الخبرات التي يحتاجها.
وهذه القضية ستظهر آثارها في كثير من المشكلات المرتبطة بنمو الأطفال، لأن الملامح الحقيقية لجسم الطفل وعضلاته تبدأ بالتشكل من خلال النمو الطبيعي، وإذا أصبح النمو غير طبيعي فقد تظهر مشكلات تمتد معه حتى المراحل اللاحقة من حياته، ومنها ما يتعلق بالأعصاب أو البصر أو الإدراك.
ضياع النمو الطبيعي وبناء القدرة على التكيف
من هنا نصل إلى القضية المركزية في هذا البحث: ما أسباب ضياع النمو الطبيعي في العصر الرقمي؟ فعندما يحدث الاختلال عند الطفل يمكن القول إن جزءًا من طفولته يبدأ بالضياع؛ لأن أهم ما يحتاج إليه هو التعامل مع الأشياء الخارجية وتعلم معانيها باللعب والاحتكاك والحركة، فالبيئة الاجتماعية تحفزه وتمنحه الخبرات، ويتعلم من خلالها التكيف مع العالم الخارجي.
فالطفولة الطبيعية تعني أن يتعلم الطفل التكيف بالاحتكاك مع الخارج، وأن يخوض خبرات اجتماعية مختلفة، وأن تتطور لديه القدرة النفسية على التحمل والصبر والشجاعة واستيعاب الألم والفشل، وأن يتعلم من أخطائه وتجربته، لأن التجربة وليس المعلومات وحدها هي الأساس في بناء النمو العاطفي والاجتماعي. ومن خلال هذه التجارب يتعلم الطفل كذلك مواجهة التحديات الصعبة والتفاوض وإدارة النزاعات، وتتكون شخصيته من تراكم التجارب الواقعية لا من تدفق المعلومات عليها فقط.
والحياة في جانب كبير منها قائمة على الفعل ورد الفعل. فالطفل يعرف مثلًا أن النار محرقة عندما يقترب منها أو يحاول لمس شيء ساخن، فيمر بتجربة تجعله يعرف أن هذا الشيء مؤذٍ وأن عليه ألا يقترب منه. إنه يتعلم بالتجربة وبالاحتكاك مع البيئة الخارجية، ومن خلال ذلك تتكون لديه القوة والقدرة على التكيف ومقاومة التحديات، ويتعلم من أخطائه وتجربته، وفي الوقت نفسه تتطور قدراته النفسية والعضلية والجسمية؛ قلبه وأوعيته وحركته ودماغه وعينه وسائر أعضائه تنمو بصورة طبيعية، ويتعلم أيضًا التحمل والصبر نتيجة الاحتكاك بالحياة.
ولو عزلنا طفلًا في البيت ولم نسمح له بالخروج واللعب مع الأطفال الآخرين، فإنه لن يحصل على الاحتكاك الطبيعي، وعندما يخرج بعد ذلك إلى أطفال آخرين قد يشعر بالغربة ولا يعرف كيف يتعامل معهم؛ لأن الأطفال في تفاعلهم الطبيعي يتنافسون ويتصارعون ويتعاركون ويلعبون، وقد يضرب أحدهم الآخر أحيانًا ثم يعودون إلى اللعب، وهذه كلها حركة إنسانية مشتركة وطبيعية يتعلم الطفل من خلالها كيف يواجه، وكيف يتراجع، وكيف يتفاوض، وكيف يصبر، وكيف يعود إلى العلاقة بعد الخلاف.
وهذا كله يمثل نموًا طبيعيًا تدريجيًا، بينما الانغماس الكامل في التكنولوجيا الرقمية وألعاب الفيديو والهاتف الذكي يمكن أن يسلب الطفل جانبًا كبيرًا من هذا النمو إذا تحول إلى بديل عن العالم الخارجي، ومن هنا تبدأ الهشاشة النفسية والضعف النفسي؛ لأن الشخصية لا تتكون في الفراغ، وإنما تتكون من خلال مواجهة التحديات الخارجية.
فالطفل يذهب إلى المدرسة ويخرج للعب، لأنه يختلط ويتعلم ويخوض تجارب ويحتك بالآخرين، ومن خلال ذلك تتكون لديه تدريجيًا ما يمكن تسميته المناعة النفسية. وهذه المناعة لا تبنى بإبعاد الطفل عن كل ضغط وتحدٍّ، وإنما من خلال تعرضه الطبيعي لمواقف مختلفة يتعلم كيف يتعامل معها ويخرج منها أكثر قدرة على التكيف.
ويمكن تقريب هذا المعنى بالمناعة الجسمية؛ فالمقصود ليس تعريض الطفل إلى المرض عمدًا، وإنما أن الجسم في الحياة الطبيعية يحتك بالبيئة ويتعامل مع تغيراتها ويتعلم بناء مقاومته للأمراض بصورة تدريجية، كما يتعرض الطفل في مسار حياته العادي إلى أمراض الطفولة والإنفلونزا وغيرها، ويطور جسمه مقاومته. وبالطريقة نفسها تبنى المناعة النفسية من خلال التعرض الطبيعي للتحديات والضغوط والخبرات المختلفة، لأن الحماية المطلقة من كل تحدٍّ يمكن أن تجعل الطفل هشًا عند أول مواجهة حقيقية.
وهناك مثال جميل يضرب بالأشجار؛ فالأشجار التي تتعرض للرياح تصبح أشجارًا قوية، لأن الشجرة عندما تأتيها الرياح من جهة تمد جذورها في الاتجاه المقابل لكي تثبت نفسها، ثم عندما تأتي الرياح من جهة أخرى تقوي جذورها في ذلك الاتجاه أيضًا، وهكذا تنمو الجذور بالتدريج وتصبح أكثر قوة.
ويقال إن تجربة أجريت على أشجار من النوع الذي اعتاد أن تمر عليه الرياح، فوضعت في مكان لا توجد فيه رياح، فنمت بسرعة كبيرة جدًا، لكنها عندما تعرضت بعد ذلك لأي ريح سقطت مباشرة، لأن جذورها كانت ضعيفة.
وهذا المثال يوضح معنى التربية الحقيقية: أن تربي الطفل في مواجهة الضغوط، وأن تكون لديه قدرة على التكيف مع مختلف التحديات. فإذا أخذت منه كل تجربة وكل احتكاك وكل مواجهة، ثم جعلت الشاشة هي البديل الأكثر حضورًا في حياته، فإنك لا تحميه بقدر ما قد تحرمه من بناء الجذور التي يحتاجها عندما يواجه العالم لاحقًا.
اللعب الطبيعي واستعادة العالم الحقيقي
ويتضح معنى النمو الطبيعي بصورة أكبر عندما ننظر إلى اللعب في الهواء الطلق؛ فهو ليس نشاطًا ترفيهيًا زائدًا عن حاجة الطفل، وإنما يمثل جزءًا من النمو الشامل. فاللعب والحركة خارج البيت يساعدان في تحسين اللياقة القلبية والمهارات الحركية، ويسهمان في بناء الجسم بصورة متوازنة، ويمنحان الطفل فرصة للتعرض الطبيعي للبيئة والاستفادة من أشعة الشمس وما يرتبط بها من تكوين فيتامين د.
ولا تنحصر قيمة اللعب الخارجي في الصحة البدنية، بل تمتد إلى النمو المعرفي والاجتماعي والعاطفي؛ فالطبيعة تمنح الطفل مجالًا للاستكشاف والتجربة وحل المشكلات، وتفتح أمام حواسه عالمًا متنوعًا يثير الدهشة والفضول والخيال، كما تسمح له بأن يتعامل مع مواقف غير مصممة سلفًا ولا تقدم له استجابة جاهزة كما تفعل كثير من التطبيقات والألعاب.
واللعب مع الأطفال الآخرين يوفر له تفاعلات اجتماعية غير منظمة يتعلم من خلالها التفاوض وحل النزاع والتعاون والمنافسة واحترام الحدود وفهم ردود أفعال الآخرين، كما يمنحه فرصة لإدارة إحباطه وغضبه وفرحه وانتصاره وخسارته. ومن هنا يصبح اللعب الحقيقي جزءًا من بناء الإنسان نفسيًا واجتماعيًا، وليس مجرد طريقة لتمضية الوقت بعيدًا عن الشاشة.
المشاعر والذكاء العاطفي
ولا تتوقف القضية عند الجانب الجسدي أو السلوكي، بل تمتد إلى المشاعر والعواطف؛ لأن المشاعر نفسها تتطور من خلال وجود الإنسان مع الآخرين والتفاعل معهم. ويمكن أن نأخذ مثالًا من الألعاب الجماعية الرياضية، مثل كرة المنضدة؛ فهي تقوم على وجود لاعبين أو أربعة لاعبين، وعندما يلعب الطفل مع طفل آخر تحدث عملية فعل ورد فعل، وتسديد ورد للتسديد، وتفاعل وتنافس بينهما.
وخلال هذا التفاعل يبدأ الطفل بقراءة مشاعر الآخر؛ يرى عينيه وحركاته ورد فعله، ويعرف هل هو مرتاح أم منزعج، ويلاحظ متى يفرح ومتى يغضب، ويتعلم بصورة تدريجية فهم مشاعر الآخرين والتعامل معها. وفي الوقت نفسه تظهر مشاعره هو وطاقاته ومتعة المشاركة والتنافس.
أما إذا أخذ الإنسان المضرب ولعب كرة المنضدة وحده، فإنه سيمل ويضجر؛ لأنه لا توجد عملية تبادل وتفاعل حقيقي. ومن هنا فإن ألعاب الفيديو والهاتف الذكي، عندما تصبح بديلًا عن التفاعل الطبيعي، يمكن أن تؤدي إلى تجميد المشاعر والعواطف والتفاعل مع الآخرين، فلا يتعلم الطفل كيف يعيش بوصفه كائنًا اجتماعيًا، وقد يتحول إلى إنسان منعزل اجتماعيًا لا يعرف كيف يدير مشاعره عندما يكبر.
وهذا يقودنا إلى مفهوم حديث في علم النفس هو الذكاء العاطفي، أي القدرة على فهم المشاعر واستخدامها وإدارتها والتعامل مع الآخرين من خلالها. فقد تجد إنسانًا ذكيًا جدًا في الرياضيات، لكنه ضعيف في التعامل مع المجتمع، ولا يعرف متى يتكلم ومتى يسكت، وكيف يحترم الآخرين، وكيف يقرأ مشاعرهم وردود أفعالهم. وهذا يعني أن التفوق في جانب معرفي لا يعوض الضعف في القدرة على التواصل وإدارة المشاعر.
فالذكاء العاطفي يتعلمه الإنسان في الحياة الحقيقية من خلال الاحتكاك بالناس، ومن ملاحظة الوجوه والأصوات والمواقف والتجارب، ومن الخطأ والتصحيح والمنافسة والتعاون، ولذلك فإن الطفل الذي تقل عنده هذه الخبرات بسبب الانغماس في الشاشة قد يفقد جزءًا من فرص التعلم التي يحتاجها حتى يصبح كائنًا اجتماعيًا متوازنًا.
وقد صُممت أدمغتنا لتكون فعالة عندما تحفز البيئة التفاعلية والاجتماعية الفضول والاستكشاف، ولذلك فإن الانغماس المفرط في الوسائط الرقمية في مرحلة الطفولة، عندما يحد من التفاعل الاجتماعي، يمكن أن ينعكس على النمو العام للطفل، لأن التفاعل مع الناس ليس نشاطًا ثانويًا بل جزء من البناء المعرفي والعاطفي.
استخدام الشاشات والتوحد الاجتماعي والافتراضي
ويبرز في هذا السياق النقاش حول العلاقة بين الاستخدام المكثف للوسائط الرقمية وبعض المظاهر التي تتشابه مع صعوبات التواصل الاجتماعي. فاضطراب طيف التوحد يرتبط باختلاف في النمو العصبي ينتج عنه تحديات مستمرة في التواصل الاجتماعي والتفاعل، في حين تتناول بعض الدراسات موضوع التعرض المبكر والكثيف للشاشات وما يصاحبه من ضعف في فرص التواصل الحقيقي.
وقد وجد الباحثون، اعتمادًا على بيانات أكثر من 80 ألف طفل، أن الأولاد الذين تعرضوا للشاشات ساعتين على الأقل يوميًا خلال العام الأول من العمر كانوا أكثر عرضة بشكل ملحوظ لتشخيص التوحد عند بلوغ الثالثة. ويأتي هذا في وقت ارتفعت فيه معدلات تشخيص اضطراب طيف التوحد عبر العقود؛ إذ تشير الأرقام إلى معدل طفل واحد من كل 5000 طفل عام 1975، ثم حالة واحدة من كل 500 طفل عام 2005، ووصل المعدل في عام 2014 إلى حالة واحدة من كل 68 طفلًا، ثم أشير لاحقًا إلى معدل وصل إلى حالة من كل 45 طفلًا.
وفي دراسة أميركية عام 2017 ظهرت لدى الأطفال والمراهقين الذين يرتفع استخدامهم للعالم الافتراضي أعراض مثل ضعف القدرة على قراءة المشاعر وتكوين الصداقات، وهي مظاهر أطلق عليها بعض المختصين في دول أوروبية مثل فرنسا ورومانيا وصف التوحد الافتراضي؛ أي الحالة التي تضعف فيها صلة الطفل بواقعية التفاعل الاجتماعي وتعلم المهارات التواصلية الأساسية، فتتشابه بعض الأعراض الظاهرة مع أنماط من الصعوبات التي نراها في اضطراب طيف التوحد.
كما تشير دراسة أسترالية مماثلة إلى ضعف القدرة على التعرف على المشاعر وقراءة تعبيرات الوجه عند مستخدمي التطبيقات الرقمية بكثافة مقارنة بالمستخدمين الأقل استخدامًا أو غير المستخدمين، وقد يمتد ذلك إلى صعوبات في فهم المشاعر والتعبير عنها، أو إدراك بعض الإشارات الاجتماعية، أو تقبل الاختلاف في وجهات النظر واختيار الأسلوب المناسب للتعبير عنها.
والمهم في سياق التربية الرقمية هو أن الطفل يحتاج في سنواته الأولى إلى الوجوه الحقيقية والأصوات الحقيقية والتفاعل المباشر، لأن قراءة المشاعر لا تبنى من الصورة وحدها، وإنما من حياة كاملة من الفعل ورد الفعل والنظر والحوار والمواقف المتنوعة.
النمو المعرفي وتسطح الذكاء
ومن هنا ننتقل إلى تأثير الأجهزة الرقمية والذكية في النمو المعرفي للأطفال. فقد تصور بعض الناس مع بداية الموجة التكنولوجية الهائلة أن هذه التكنولوجيا ستؤدي بالضرورة إلى تطور الذكاء الإنساني، وأن كثرة المعلومات وسهولة الوصول إليها ستجعل الإنسان أكثر ذكاء، لأن الإنسان عندما تصبح المعلومات في متناول يده يمكن أن يتعلم بسرعة أكبر.
لكن ما نراه في بعض الحالات يمكن أن يسير في الاتجاه المعاكس، بحيث تظهر حالة من الغباء والسطحية والتفاهة بدل أن تكون هناك عملية نمو حقيقي في الذكاء، والمقصود هنا ليس إطلاق حكم على الإنسان بأنه غبي، وإنما الإشارة إلى أن كثرة المعلومات لا تساوي بالضرورة قدرة على التفكير.
فالسبب أن التدفق الهائل للمعلومات قد يؤدي إلى عدم قدرة الإنسان على تحليل المعلومات واستيعابها، وإلى غياب التفكير النقدي، فيتحول إلى مجرد متلقٍ يتلقى المعلومات بصورة سطحية ومن طرف واحد ومن جهة واحدة. وهذا ليس هو الذكاء؛ لأن الذكاء يتضمن التحليل والإدراك والقدرة على فهم الأفكار والقضايا والمسائل، أما مجرد تخزين المعلومات من دون قدرة على تحليلها فلا يمثل نموًا معرفيًا حقيقيًا.
وقد ارتبط الإفراط في استخدام الشاشات في الدراسات بقصر فترات الانتباه وانخفاض التركيز وضعف القدرة على معالجة المعلومات، لأن التدفق المستمر للمحفزات يمكن أن يرهق عقل الطفل ويزيد العبء المعرفي، فيتلقى كميات كبيرة من الصور والمعلومات دون أن يملك الوقت الكافي لتحليلها أو تحويلها إلى معرفة عميقة. كما تشير دراسات إلى أن الاستخدام المفرط للوسائط الرقمية يمكن أن يؤخر تطور اللغة، وخصوصًا لدى الأطفال في عمر السنتين وما دون ذلك، وهي مرحلة يفترض أن يكون فيها التواصل المباشر مع الوالدين والبيئة مصدرًا رئيسيًا لاكتساب اللغة.
فالمشكلة الأساسية هي أن التكنولوجيا تحولت عند كثير من الناس من عامل يمكن أن يخدم النمو المعرفي الطبيعي إلى عامل للمتعة واللذة، ثم انتقلت من المتعة واللذة إلى الإدمان والانغماس الشديد، من دون وجود وعي ورؤية لكيفية تأثير هذه الأجهزة، وهذا يؤدي إلى اختلال النمو المعرفي عند الأطفال.
وإذا نظرنا إلى جيل ألفا، أي الجيل المولود منذ نحو عام 2010 والذي نشأ في ذروة التطور التكنولوجي، فإن هناك ملاحظات تتعلق بعلاقته بالدراسة؛ إذ يظهر عند بعض أفراده ضعف في الاهتمام بالدراسة أو الاعتقاد بأهميتها، مع تعلق شديد بالأجهزة، حتى تصبح المعرفة التي يتلقاها آتية من هذه الأجهزة بما فيها من الغث والسمين والسيئ والجيد.
وهكذا يمكن أن تتحول المعلومات كلها إلى تغذية معرفية سيئة وإلى نوع من التخزين المعرفي السيئ والعبء على الأطفال، بدل أن تكون المعرفة عملية منظمة تساعد الطفل على الفهم والتحليل والنقد.
التشتت والاندفاع وعدم المرونة الإدراكية
ومن أبرز نتائج اختلال النمو المعرفي التشتت وعدم التركيز وعدم القدرة على التعامل مع العالم الخارجي بتركيز وفهم، وبالنتيجة ضعف القدرة على التعلم الطبيعي في الحياة. ويمكن ملاحظة ذلك عند المراهق أو الشاب، بل وحتى الكبير، عندما يجلس للدراسة وتكون أمامه الصفحة، وبجانبه الهاتف الذكي والآيباد والكمبيوتر؛ يقرأ قليلًا، ثم يحمل الموبايل ويقلب فيه قليلًا، ثم يعود إلى الصفحة، ثم ينتقل مرة أخرى، وهذه هي حالة التشتت.
وكثيرًا ما يقول الآباء: لماذا يفشل أولادنا في الدراسة؟ ثم يضعون لهم مدرسًا خصوصيًا، مع أن المشكلة في بعض الحالات ليست مشكلة مدرس خصوصي، وإنما مشكلة تركيز؛ لأن حول الطالب مشتتات ومشوشات كثيرة.
وحتى إذا أخذت جهاز الموبايل من يده فإن فكره يمكن أن يبقى متعلقًا بالهاتف: ماذا جاء؟ هل وصلت رسالة؟ ماذا حدث في اللعبة؟ ماذا حدث اليوم؟ ماذا تكلموا؟ ماذا قالوا؟ وما الموضوع الجديد؟ وهكذا تبقى المشوشات قائمة في ذهنه حتى بعد ابتعاد الجهاز عنه، لأن المشكلة لم تعد فقط في وجود الهاتف أمام العين، وإنما أصبحت في ارتباط الذهن المستمر به.
وهنا تأتي قضية مهمة تتعلق بنتيجة التعرض المكثف للهواتف الذكية والإنترنت، بل وحتى بعض أنماط التعرض الخفيف؛ فقد يقول بعض الناس: نحن نستخدم الكمبيوتر أو اللابتوب أو الآيباد من أجل التعلم فقط. لكن المختصين وعلماء النفس المتخصصين في القضايا الرقمية وآثارها يرون أن هذا التعرض يمكن أن يرتبط بارتفاع درجات ما يسمى الاندفاع وعدم المرونة الإدراكية، وخصوصًا عند الفتيات.
وقد أظهرت إحدى الدراسات أن التعرض المكثف للهواتف الذكية والإنترنت، مع أنماط أخرى من استخدام الكمبيوتر والتلفزيون، ارتبط بارتفاع درجات الاندفاع وعدم المرونة الإدراكية، وأن كل ساعة إضافية يوميًا من استخدام الهاتف الذكي والإنترنت ارتبطت بارتفاع درجة الاندفاع. كما تبين أن مدة التعرض ترتبط بالاندفاع العاطفي وجمود الإدراك، بصرف النظر عن عوامل أخرى مثل صحة الطفل أو وزنه أو مدة نومه.
ويزداد هذا المعنى أهمية لأن التفاعلات الاجتماعية أساسية للنمو؛ فهي تساعد الطفل على تعلم تنظيم الانفعالات، بينما يمكن لتداخل الوسائط الرقمية مع تفاعل الوالدين والطفل أن يضعف فرص تعلم التركيز والتحكم في المشاعر، ويظهر ذلك لاحقًا في مشكلات داخلية وخارجية مثل ضعف القدرة على التحكم في الاندفاع.
والمقصود بالاندفاع هنا سرعة الهيجان والانفعال الشديد والعدوانية في رد الفعل. فإذا كان الابن جالسًا يتصفح هاتفه، ثم جاء الأب وأخذ منه الجهاز فجأة، قد ينفجر غضبًا ويقول: لقد أوقفت لعبتي، أو خربت لعبتي، أو أفسدت حديثي. وهذا الانفعال يرتبط في هذا السياق بالتعلق الشديد والإدمان، ويظهر بصورة رد فعل اندفاعي وعدواني؛ لأن الطفل لم يحصل على نمو معرفي واجتماعي طبيعي يساعده على بناء رد فعل متزن، وإنما أصبحت تربية الموبايل جزءًا من تكوينه.
وهذه العبارة مهمة؛ لأن المشكلة ليست أن الطفل يستعمل الموبايل فقط، وإنما أن الموبايل نفسه يبدأ بالمشاركة في تشكيل طريقته في التفاعل والانفعال والصبر والانتظار.
وتشير البيانات كذلك إلى أن الارتباط بين الاستخدام المفرط للهواتف الذكية والإنترنت والاندفاعية كان أقوى لدى الفتيات مقارنة بالفتيان، ويربط الباحثون ذلك باختلاف طبيعة الاستخدام؛ إذ تميل الفتيات أكثر إلى استخدام الهاتف والإنترنت للتواصل الاجتماعي ووسائل التواصل، في حين يستخدم الفتيان الألعاب الإلكترونية بدرجة أكبر. كما يمكن أن تؤثر المقارنات الاجتماعية للصور المنشورة على المنصات في الصحة النفسية والعاطفية للمراهقات وفي صورة الجسد، وما يصاحب ذلك من طرق مختلفة للتعامل مع المشاعر السلبية.
الريلز والبحث المتواصل عن الإثارة
وتتصل بالتشتت قضية المحتوى سريع الوتيرة، مثل مقاطع الفيديو القصيرة المحررة والريلز في وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الألعاب، لأن التعرض المتكرر لهذا النمط يمكن أن يدفع الإنسان إلى البحث عن مستويات متزايدة من الإثارة، فيصبح النشاط العادي الذي يحتاج إلى تركيز مستمر، مثل الدراسة أو القراءة أو إنجاز الواجبات المنزلية، أقل قدرة على جذب الانتباه.
كما ترتبط المهام متعددة الوسائط وعدم التوقف عن الانتقال بين المحتويات بارتفاع عدم المرونة الإدراكية، أي ضعف القدرة على الانتقال المنظم بين المهام المختلفة، وهو ما يمكن أن ينعكس على الأداء الأكاديمي وعلى قدرة الطالب على الاستمرار في مهمة واحدة حتى إكمالها.
وهنا نفهم لماذا تتحول لذة الريلز وتتابعها إلى دائرة مستمرة؛ فكل مقطع قصير يعد بمثير جديد، وكل حركة بالإصبع تنقل الإنسان إلى محتوى مختلف، فلا يتعلم العقل الانتظار ولا الاستمرار ولا بناء التركيز الطويل، وإنما يتعلم الانتقال المتواصل بين الإثارات.
وهم الأمان داخل البيت
وهناك قضية أخرى شديدة الأهمية، وهي أن بعض العوائل تتصور أنها إذا منعت أولادها من الخروج إلى الشارع وأبقتهم داخل الغرف، ووفرت لهم اللابتوب والآيباد والأجهزة الذكية وألعاب الفيديو، فإنها بذلك توفر لهم الأمان. فالأسرة ترى الطفل أمامها داخل الغرفة، فلا يذهب إلى الخارج ولا يحتك بأشخاص مجهولين، فتتصور أنها حمت ابنها من الأخطار.
لكن هذا الأمان قد يكون أمانًا ظاهريًا؛ لأن العالم كله أصبح يدخل إلى الغرفة من خلال الجهاز.
وتذكر إحدى المراهقات في قصة ينقلها صاحب أحد الكتب أنها كانت تجلس في غرفتها، وأمها ترعاها وتأتي إليها بالعصير والطعام، وتوفر لها مختلف الأجهزة الذكية، وتعتقد أنها تهتم بها وتحافظ عليها، لكنها لا تعرف ما المحتوى الذي يصل إلى ابنتها عبر هذه الأجهزة ولا ما الذي تتعلمه منها.
فالطفل أو المراهق قد يكون موجودًا جسديًا داخل البيت، لكن المحتوى الذي يصل إليه قادر على التأثير في شخصيته بصورة عميقة، وربما يكون هو العامل الذي يخلق الاختلال بينما الأسرة مطمئنة لأنها ترى ابنها أمامها.
وتصور طفلًا صغيرًا عمره ثلاث سنوات يحمل جهازًا ذكيًا، وفجأة يظهر أمامه محتوى ضار وغير لائق؛ ماذا يحدث لهذا الطفل؟ يمكن أن يتعرض إلى صدمة شديدة، ثم تظهر عنده حالة من الاندفاع والاختلال والاضطراب السلوكي؛ لأنه لم يتعلم كيف يتحكم بنفسه، فيحدث عنده انفعال دون تفكير وهيجان شديد وعنف، ولا يعرف كيف يكون صبورًا، خصوصًا إذا كان قد أصبح متعلقًا بهذا الشيء تعلقًا شديدًا.
وتشير الإحصاءات والأرقام إلى وجود ارتباط بين الهيجان العاطفي عند الطفل أو المراهق وبين مستوى تعرضه للوسائط الرقمية والأجهزة الذكية؛ هل تعرض لها ساعة، أو ساعتين، أو ثلاث ساعات؟ وكلما زاد التعرض يمكن أن يرتفع مستوى الانفعال النفسي والعدوان النفسي وحالة العدوان عند هذا الشخص، ويصبح أقل قدرة على تنظيم انفعالاته.
ولو أجرينا اليوم تحقيقًا أو استطلاعًا بين الآباء، يمكن أن نسأل: كم واحدًا منهم يعاني أصلًا من انفعالات ابنه؟ وهذا السؤال يكشف أن القضية ليست افتراضية، بل يمكن ملاحظتها داخل كثير من البيوت.
الاستهلاك السلبي للمعلومات
ومن المفاهيم المهمة في هذا السياق الاستهلاك السلبي للمعلومات، والمقصود به أن تصل إلى الطفل معلومات لا تتلاءم مع عمره، ولا مع طبيعته، ولا مع حاجته إلى النمو الطبيعي؛ فالطفل يحتاج إلى معلومات محددة تتناسب مع المرحلة التي ينمو فيها، وليس إلى كل ما تستطيع الشبكة أن تقدمه له.
وكثرة المعلومات لا تؤدي بالضرورة إلى أن يصبح الطفل ذكيًا أو عبقريًا؛ فمن قال إن مجرد كثرة المعلومات تصنع العبقرية؟ العبقري هو الذي ينمو نموًا طبيعيًا معرفيًا، وتكون لديه قدرة على التحليل والنقد والفهم، ويملك في الوقت نفسه خبرة اجتماعية وقدرة على التواصل مع الآخرين.
ويظهر الاستهلاك السلبي لوسائل الإعلام عندما يتصفح الطفل أو المراهق مواقع التواصل من دون وعي أو يشاهد تدفقًا مستمرًا من محتويات يوتيوب والمنصات الأخرى، من دون مشاركة نقدية أو تحليل لما يتلقاه. وهنا يصبح الطفل متلقيًا لروايات جاهزة ومعارف سطحية بدل أن يتفاعل مع المحتوى ويسأل ويقارن ويحلل.
وهذا النوع من الاستهلاك يمكن أن يقوض مهارات التفكير النقدي ويعيق التعلم العميق، لأنه يضعف قدرة الطفل على التحليل والتركيب والتمييز بين الحقيقة والمعلومات المضللة، وهي مهارات تزداد أهميتها كلما ازدادت البيئة الرقمية تعقيدًا.
وهذا يعيدنا إلى الفكرة الأساسية في المقال: أن العصر الرقمي يمكن أن يعطي الطفل كمية من المعلومات أكبر بكثير من قدرته على تحليلها وربطها بخبرته، فيتحول الكم المعرفي من فرصة للنمو إلى عبء معرفي إذا لم يكن هناك تدرج وانتقاء وتربية.
أفلام الكارتون والعالم المسطح
ومن الموضوعات التي تحتاج إلى اهتمام خاص أفلام الكارتون؛ فربما كثير منا لا يعرف ما السلبيات التي يمكن أن توجد في هذا العالم عندما يصبح هو البيئة الأساسية التي يعيش فيها الطفل.
فأولًا، عالم الكارتون عالم مسطح ذو بعد واحد، وليس عالمًا حقيقيًا توجد فيه حياة اجتماعية كاملة للطفل، بينما الطفل يحتاج إلى أن يكون في عالم مكعب، والمقصود بهذه الصورة عالم حقيقي متعدد الأبعاد والتجارب، يتحرك فيه الإنسان ويحتك بالأشياء والناس، وليس عالمًا سطحيًا يراه من وراء شاشة.
وعالم الكارتون، إضافة إلى ذلك، عالم خيالي وفيه قدر كبير من الخيال، والطفل بطبيعته يحب الخيال ويحب القصة، وهذا جزء من طبيعته، لكن الإفراط في الخيال يمكن أن يخرجه من عالم الحقيقة والواقع إلى عالم خيالي محض، حتى لا يفرق بصورة سليمة بين العالم الحقيقي والعالم الافتراضي أو العالم الكارتوني.
فالإفراط في المحتوى المدفوع بالخيال قد يخلق نوعًا من الانقطاع عن الواقع، ويجعل عملية التمييز بين الخيال والحقيقة أكثر صعوبة عند الطفل، خصوصًا إذا أصبحت الشخصية الكارتونية والعالم الخيالي أكثر حضورًا في حياته من الإنسان الحقيقي والتجربة المباشرة.
وعندما يعيش الطفل داخل العالم الكارتوني بصورة مفرطة يصبح تابعًا للشخصيات الكارتونية، وقد تصبح الشخصية الكارتونية مسيطرة عليه وتغذيه بقيم ومبادئ وأخلاقيات لا علاقة لها بأعرافنا ومجتمعاتنا وديننا، وإنما تقدم له قيمًا أخرى، فيبدأ الطفل باستقبال هذه القيم في مرحلة لم تتشكل لديه فيها بعد القدرة الكافية على النقد والتمييز.
وقد تحمل الرسوم المتحركة قيمًا أو رسائل تختلف عن المبادئ الأخلاقية والثقافية التي تحاول الأسرة والمجتمع غرسها، فينشأ نوع من التضارب بين المرجعيات التي يتلقاها الطفل، وخصوصًا حين تتكرر الرسالة الرقمية أكثر مما تتكرر رسالة الأسرة.
وفي بعض الأحيان توجد في هذه الأفلام الكارتونية والأنيميشن والأنمي محتويات غير لائقة، وقد تعرض قضايا إلحادية أو أفكارًا فيها كفر بالدين، فإذا تعرض الطفل إلى هذه الرسائل المتضاربة والشخصيات السلبية بصورة مستمرة يمكن أن يؤدي ذلك إلى معضلة في تشكيله الفكري والقيمي.
وفي الوقت نفسه لا ينبغي تجاهل أن شخصيات الرسوم المتحركة قد تقدم جوانب تساعد على الإبداع واللغة وبعض القدرات المعرفية، ولذلك تظهر المعضلة في كيفية التمييز بين الجوانب المثرية وبين المخاطر التي يمكن أن تنتج عن زيادة العدوانية أو تشويه إدراك الواقع أو التعرض للمحتوى غير اللائق أو تضارب القيم. والتربية الرقمية هي التي تمنع أن يتحول الجانب المفيد إلى مدخل لغلبة الجانب السلبي.
ولا يتوقف الأثر عند القيم؛ فقد يحدث عند بعض الأطفال عطب أو خلل في المهارات اللغوية، فلا يعود الطفل يتكلم بالطريقة الطبيعية نفسها، وإنما تتحول لغته إلى لغة الكارتون، ويستعمل مصطلحات أفلام الكارتون ويعيش أجواءها، وبحسب المتابعة لبعض الكتب، فإن هناك أسرًا أخذت أولادها إلى أطباء استشاريين في علم النفس وإلى مرشدين بعد أن ظهرت عليهم آثار سلبية شديدة مرتبطة بأفلام الكارتون، ومنها التأثر بها وتبني لهجات الكارتون.
كما لوحظ أن بعض الآباء يراجعون الاستشارات النفسية خوفًا من سلوكيات اكتسبها الأطفال من شخصيات الرسوم المتحركة؛ مثل تبني لهجات معينة، أو تقليد طريقة حركة الشخصية وملابسها، أو التواصل بلغة مرتبطة بعالم الكارتون بدل اللغة المستعملة في بيئتهم العائلية.
وأتذكر مرة أنني رأيت طفلًا ربما كان عمره خمس أو ست سنوات، وكان جالسًا يتحدث باللغة الإنجليزية مع أن مجتمعنا عراقي، فتعجبت: لماذا يتحدث هذا الطفل بالإنجليزية؟ ثم تبين أن لديه لعبة كلها باللغة الإنجليزية، فتعلم الإنجليزية من اللعبة بصورة أكبر من تعلمه اللغة العربية.
كما أن هناك بعض الفتيات الصغيرات تعلمن اللغة التركية نتيجة مشاهدة المسلسلات التركية.
فكيف نتوقع بعد ذلك أن ينمو الطفل نموًا طبيعيًا إذا كان تعرضه السيئ لأفلام الكارتون والهواتف الذكية والمسلسلات والتلفزيون يستحوذ على حياته؟ إن هذا كله يمكن أن يسلب شخصية الطفل، ولا يتركه ينمو نموًا طبيعيًا في العالم الخارجي الحقيقي، فيصبح معوقًا معرفيًا ونفسيًا واجتماعيًا؛ أي تتعطل لديه جوانب من النمو المعرفي والنفسي والاجتماعي التي يفترض أن تتكون من خلال الخبرة الحقيقية.
ويخلص بحث منشور في مجلة «التقارير العلمية» التابعة لمجلة «نيتشر» إلى أن الأطفال يحتاجون إلى الحماية من الآثار السلبية المحتملة للبيئة الرقمية، وأن التعرض للهواتف الذكية وتعدد المهام الإعلامية ارتبط إيجابيًا بالاندفاعية وجمود الإدراك، في حين ارتبط بصورة عكسية بالقدرة على اتخاذ القرار.
التربية الرقمية للآباء قبل الأبناء
في النهاية، نحتاج إلى أن ننصح الآباء والأمهات بألا يضعوا رؤوسهم في الرمال ويعتبروا أن هذه ليست مشكلة، لأن تجاهل المشكلة لا يلغي وجودها، بل يؤخر فقط لحظة اكتشاف نتائجها. وعلى الأقل ينبغي أن يدخل الآباء والأمهات في دورات تدريبية، ويحضروا مع مستشارين ومرشدين، ويتعلموا ويتعرفوا على مخاطر العصر الرقمي وكيفية التعامل معه.
وعندما يعود الأب والأم إلى البيت لابد أن يضعا هواتفهما الذكية جانبًا، وأن يحضرا مع أطفالهما بوجود حقيقي وتفاعل حقيقي، وأن يكون هناك حوار حقيقي بين الآباء والأمهات والأولاد، لأن الطفل لا يحتاج فقط إلى أب موجود جسديًا في البيت، وإنما يحتاج إلى أب حاضر معه فعليًا ومشارك في حياته.
وعلى الآباء أن يخرجوا بأطفالهم إلى الخارج وإلى الحدائق، وأن يلعب الأب مع طفله. وأنا أعرف أن كثيرًا من الآباء لا يأخذون أبناءهم الصغار معهم إلى الخارج، لأن الطفل الصغير يريد اللعب والحركة ويحتاج إلى الجهد والصبر، وبعض الآباء لا يملكون الصبر أو المزاج لذلك، لكن هذه هي مسؤولية الأب؛ أن يأخذ ابنه معه حتى يتعلم وتصبح لديه خبرات اجتماعية، وألا يكون حبيس البيت وكل وقته أمام الشاشات.
فالطفل الذي يبدأ يومه أو وقته بالتلفزيون ومشاهدة أفلام الكارتون، ثم ينتقل إلى ألعاب الفيديو، ثم يذهب إلى الهاتف الذكي، يدخل في دوامة هائلة من الشاشات والعالم الافتراضي، ويمكن أن يصبح عقيمًا من النمو الطبيعي إذا أصبحت هذه الشاشات بديلًا عن اللعب والحركة والخبرة الحقيقية والعلاقة بالناس.
فلنأخذ أطفالنا إلى الخارج، ولنلعب معهم، حتى يكون لديهم نمو طبيعي، ولنحافظ على صحتهم النفسية وصحتهم الجسدية؛ لأن هذه مسؤوليتنا، وفي المستقبل قد يحاسبنا أبناؤنا ويقولون لنا: «قد قصرتم معنا في التربية».
ولهذا فإن التربية الرقمية للأبناء تبدأ قبل كل شيء من التربية الرقمية للآباء؛ لأن الأب الذي لم يتعلم كيف يدير علاقته هو بالتكنولوجيا لن يستطيع أن يبني علاقة صحية بينها وبين ابنه، والأم التي تستخدم الهاتف بوصفه بديلًا عن الحوار والوقت والتفاعل لا تستطيع أن تطلب من طفلها أن ينمو خارج هذه البيئة.
والخلاصة أن العالم الرقمي يصبح خطرًا عندما يبدأ بحلول العالم الافتراضي محل العالم الحقيقي في السنوات التي يحتاج فيها الطفل إلى أن ينمو جسديًا ونفسيًا واجتماعيًا ومعرفيًا، وأن يبني مناعته النفسية وذكاءه العاطفي وقدرته على التركيز والتحليل والتواصل. ولذلك فإن مسؤولية التربية الرقمية لا تقوم على إخراج الطفل من التكنولوجيا، وإنما على أن نحافظ أولًا على عالمه الحقيقي، ونمنحه اللعب والحركة والتجربة والاحتكاك والصداقة والحوار، ثم ندخله إلى العالم الرقمي بصورة تجعله يستخدم الجهاز من موقع الإنسان الذي تكونت شخصيته، لا من موقع الطفل الذي أصبحت الشاشة هي التي تتولى تشكيله.



اضف تعليق