تتناول التربية الرقمية حماية النمو الطبيعي للأطفال في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا والمعلومات، من خلال بناء الوعي والتحصين الذاتي وإدارة الاستخدام بدل الاعتماد على المنع وحده. ويؤكد المقال أهمية دور الأسرة والقدوة واللعب والتواصل الحقيقي، ويحذر من الإدمان والتسمم الرقمي واضطراب النوم والمقارنة الاجتماعية، داعيًا إلى بيئة تربوية متوازنة...

أصبح مفهوم التربية الرقمية من المفاهيم الضرورية في ظل التطور التكنولوجي الكبير الذي يحيط بالإنسان المعاصر من جميع الجهات، وخصوصًا بعد أن دخلت الهواتف الذكية والإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو والأجهزة اللوحية في حياة الأطفال والمراهقين والشباب، بل وفي حياة الكبار أيضًا، فلم تعد التكنولوجيا مجرد أداة خارجية نستعملها عند الحاجة ثم نتركها، وإنما أصبحت بيئة كاملة يعيش الإنسان داخلها ويتلقى منها المعلومات والأفكار والصور والسلوكيات والقيم، ويتواصل من خلالها مع الآخرين، ولذلك فإن السؤال عن معنى التربية الرقمية لم يعد سؤالًا تقنيًا يتعلق بكيفية استعمال الأجهزة، وإنما أصبح سؤالًا تربويًا يتعلق بكيفية حماية الإنسان وتوجيهه وبناء قدرته على التعامل مع هذه البيئة الجديدة.

ادمان المخدرات الرقمية

ولكي نفهم حجم المسألة يمكن أن نبدأ بمثال قوي وصادم يمهد للتفكير في معنى الموضوع؛ فهل يسمح أب أو أم لابنهما أو ابنتهما، أو للمراهق والشاب في الأسرة، أن يذهب إلى الخارج ويشتري حبوب المخدرات ثم يتناولها؟ بالتأكيد لا، لأن حبوب المخدرات تبدأ بالإدمان، وقد تقود إلى أمراض نفسية وجسمية تدمر الإنسان وتفقده حياته الطبيعية وتدخله في حالات من الهلوسة والاضطراب. وإذا أردنا أن نقرّب الصورة من العالم الرقمي فإن بعض أنماط الاستخدام التكنولوجي يمكن تشبيهها بهذه الحالة، حتى يمكن أن نسميها المخدرات الرقمية؛ لأنها يمكن أن تخلق تعلقًا شديدًا وإدمانًا وآثارًا سلبية كبيرة، وقد تكون بعض نتائجها شديدة وخطيرة، مع فارق مهم هو أن المخدر التقليدي يكون أثره ظاهرًا ومرئيًا بصورة أكبر، بينما قد يبدأ التأثير الرقمي بصورة غير مرئية وباطنية ثم يتراكم بالتدريج قبل أن تنتبه إليه الأسرة.

والمقصود بالتكنولوجيا هنا شبكة واسعة من الأدوات والوسائل، من شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت والهاتف الذكي إلى الألعاب الذكية وألعاب الفيديو والتابلت والآيباد وغيرها من الأجهزة المتنوعة، وهذه كلها يمكن أن تتحول عند الاستخدام المفرط وغير المنضبط إلى أدوات إدمان للأطفال والمراهقين والشباب وحتى الكبار، ولذلك فإن أصل المشكلة لا يكمن في وجود التكنولوجيا بذاتها، وإنما في طبيعة العلاقة التي ينشئها الإنسان معها؛ هل تبقى أداة يستخدمها متى احتاج إليها، أم تتحول تدريجيًا إلى قوة تستحوذ على وقته وانتباهه وعلاقاته ونفسيته وتعيد تشكيل شخصيته؟

ومن هنا تظهر الحاجة إلى التربية الرقمية؛ لأنها لا تعني محاربة التكنولوجيا أو الانعزال عن العصر، وإنما تعني بناء مناهج وأساليب تربوية تتناسب مع هذا العصر، بحيث يستطيع الإنسان أن يدخل العالم الرقمي بوعي، ويحصل على منافعه، ويعرف في الوقت نفسه مخاطره وحدوده، فيبقى هو الذي يدير التكنولوجيا ولا تتحول التكنولوجيا إلى القوة التي تديره.

من التربية الإعلامية إلى التربية الرقمية

لم يظهر مفهوم التربية الرقمية من فراغ، وإنما جاء امتدادًا لمفهوم سابق عرف باسم التربية الإعلامية، ويستعمل بعضهم اليوم تعبير التربية الإعلامية الرقمية. ففي المرحلة التي كان التلفزيون يمثل فيها الوسيلة الأكثر تأثيرًا في الأسرة والمجتمع، ظهر الاهتمام بتعليم الإنسان مهارات التعامل مع الرسائل التي تقدمها وسائل الإعلام من خلال المسلسلات والأفلام والأخبار والبرامج والإعلانات وغيرها، لأن الوسيلة الإعلامية لا تقدم دائمًا معلومات محايدة، بل يمكن أن تقدم رسائل مزيفة أو سلبية تؤثر في نفسية المشاهد وأفكاره وعقائده وشخصيته وسلوكه، كما يمكن للإعلانات والبرامج المختلفة أن تؤثر في خياراته وطريقة نظره إلى الحياة.

وكان تأثير التلفزيون ملحوظًا بصورة خاصة لدى الأطفال، سواء في جانب العنف واستثارة السلوك العنيف أو في بعض السلوكيات الأخلاقية غير الجيدة التي يمكن أن تنتقل من أفلام الكارتون والمسلسلات وغيرها، ولذلك ظهرت التربية الإعلامية لكي تعلم الإنسان التعامل النقدي مع وسائل الإعلام، فلا يستقبل كل ما يظهر أمامه استقبالًا كاملًا غير ناقد، بل يتعلم كيف يفهم الرسائل الإعلامية والفكرية والثقافية وينقدها ويميز الصحيح من المزيف والمضلل، وكان الهدف الأساسي حماية الأطفال والشباب من المخاطر التي يمكن أن تنتج عن هذه الرسائل.

ومع ظهور الإنترنت والتطور التكنولوجي الكبير لم تعد المشكلة محصورة في التلفزيون أو في رسالة إعلامية تصل إلى الإنسان في ساعة محددة، وإنما أصبح الإنسان يعيش في وسط رقمي متصل طوال الوقت، ولذلك توسعت التربية الإعلامية إلى التربية الرقمية، وأصبح الهدف حماية الأطفال والمراهقين والشباب وحتى الكبار من التأثيرات والتموجات السلبية الكبيرة التي تحدثها الوسائل الرقمية، والعمل على توفير البيئة الآمنة في العصر الرقمي للجيل الرقمي.

ومن هنا يمكن فهم التربية الرقمية بوصفها عملية إعداد للإنسان حتى يفهم التكنولوجيا الرقمية ويعي مخاطرها، ويتعلم المهارات اللازمة للتعامل معها، ويحافظ على أمنه الفكري والثقافي والعقائدي، ويحمي خصوصيته وهويته، ويتعلم أخلاقياته الرقمية والأحكام الشرعية المرتبطة بهذه الثقافة والعصر الجديد، ويكتسب المسؤولية الاجتماعية في استعماله لهذه الوسائل، حتى لا يقع في مستنقع الضلال والانحراف أو يتحول إلى مادة للإدمان الرقمي، وبذلك لا يقتصر مفهوم التربية الرقمية على تعليم الطفل تشغيل الهاتف أو التعامل مع التطبيقات، بل يمتد إلى بناء شخصيته وموقفه الأخلاقي والفكري من العالم الرقمي كله.

الأجيال الرقمية

وقد تغير معنى الجيل الرقمي نفسه بحسب تطور الأجيال؛ فهناك الجيل الذي سبق الانتشار الواسع للإنترنت والتكنولوجيا الحديثة ويشار إليه أحيانًا باسم جيل إكس، وهو الجيل الذي لم يولد أصلًا في عالم الإنترنت والهواتف الذكية، ثم جاءت أجيال عاشت المنطقة الانتقالية بين ما قبل الإنترنت وما بعده، وورد في هذا السياق الحديث عن المولودين في حدود عام 1995 وربطهم بأجيال الألفية أو جيل زد وفق التسميات المتداولة، وهم الذين عرفوا بدايات الإنترنت وأجهزة الكمبيوتر واللابتوب قبل أن يصل العالم إلى الصورة الحالية.

ثم ظهر جيل ألفا الذي بدأ في حدود عام 2010، وهذا الجيل ولد في عالم الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي مثل إنستغرام وتيك توك، أي إنه لم يشاهد تقريبًا عالمًا خاليًا من التكنولوجيا الرقمية، وربما سيستغرب إذا عرضت على بعض أفراده هاتفًا قديمًا أو أدوات كانت مألوفة للأجيال السابقة، كالساعة اليدوية أو وسائل الاتصال القديمة، لأنه نشأ منذ البداية على عالم رقمي شامل. وبعد ذلك يأتي الحديث عن جيل بيتا الذي يبدأ من عام 2025، وهو الجيل الذي سينشأ في عصر يصبح فيه الذكاء الاصطناعي جزءًا أصيلًا من الحياة، وكلما تقدمنا من جيل إلى جيل أصبحت البيئة الرقمية أكثر عمقًا والتصاقًا بالإنسان، ولذلك تصبح التربية الرقمية أكثر ضرورة.

من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي

عندما دخلنا العصر الرقمي تغيرت القواعد؛ ففي السابق كان الإنسان يعيش في عالم واقعي أبسط وأكثر مباشرة، وكانت أهم الوسائل الموجودة هي التلفزيون والراديو، وحتى الإنترنت في بداياته لم يكن له الانتشار الكبير الذي أصبح له اليوم، أما في العالم الرقمي وما بعد الرقمي فقد حدث انفجار معلوماتي واسع، ويمكن تشبيه ما جرى بالتسونامي؛ فالعاصفة الصغيرة تأتي ثم تذهب، أما التسونامي فيأتي كموجة هائلة تغير ما هو أمامها، والعالم الرقمي جاء بهذه الصورة، حاملاً معه زمنًا جديدًا وعالمًا متجددا من المعلومات والثقافات والأفكار والسلوكيات والأخلاقيات.

وبسبب سرعة الحصول على المعلومات من دون القيود والحدود التي كانت موجودة سابقًا ظهر ما يمكن تسميته الانفلات الثقافي، إذ تأتي الثقافات والمضامين من كل مكان ولا توجد دائمًا فلاتر قادرة على تصفية كل ما يصل إلى الإنسان، وعندما تكون الموجة بهذه الضخامة لا يستطيع الفرد ولا الأسرة ولا حتى الدولة أن يصدها بصورة كاملة أو يهرب منها، ولذلك فرض العالم الافتراضي نفسه وأصبح حاضرًا إلى جانب العالم الواقعي، ثم بدأت الحدود بينهما تضطرب حتى أصبح بعض الناس لا يعرفون بصورة واضحة أين يعيشون أكثر؛ في العالم الحقيقي الطبيعي أم في العالم الافتراضي، وتظهر هذه المشكلة بصورة أشد عند الأطفال والمراهقين الذين انغمسوا انغماسًا كبيرًا في العالم الرقمي حتى يمكن أن يختلط لديهم الوهم بالحقيقة.

وفي الماضي، عندما كانت الوسائل هي الراديو والتلفزيون، كان للدولة دور أكبر في السيطرة على الإعلام، وكانت ساعات البث محدودة والمعلومات أكثر خضوعًا للتدقيق والرقابة، أما اليوم فقد تغيرت القواعد كلها، وأصبح الأثير والفضاء الرقمي هما المسيطران، ولا تستطيع جهة واحدة أن تمنع كل التموجات والمعلومات التي تعبر الحدود، ولذلك أصبح الواقع الرقمي حتميًا بحيث لا يمكن غلق هذا العالم او الهروب منه، ومن هنا يصبح السؤال الوجودي هو: كيف نبني الإنسان القادر على العيش فيه؟

الوعي الرقمي والتحصين الذاتي

وهنا ينتقل جوهر التربية من الرقابة الخارجية وحدها إلى الوعي الرقمي والتحصين الذاتي، لأن الأب أو الأم لا يستطيعان أن يراقبا الطفل في كل لحظة، والدولة أيضًا لا تستطيع أن تمنع كل شيء، ولذلك لابد أن يتكون في داخل الإنسان نوع من الوقاية التي تجعله قادرًا على ضبط نفسه واختيار ما ينفعه والابتعاد عما يضره. ويحضر في هذا السياق قوله تعالى: (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) التحريم/6، فهذه الوقاية نحتاج إلى معناها في العصر الرقمي أيضًا، لأن المطلوب في النهاية هو أن يمتلك الطفل أو الشاب قدرة داخلية تحميه عندما تغيب الرقابة الخارجية.

ولهذا فإن المنع وحده لا يكفي؛ فالمنع قد يحدد بعض الأمور مؤقتًا، لكنه لا يبني التحصين، بل إن «الممنوع مرغوب» في كثير من الحالات، والطفل الرقمي يمكن أن يكون أكثر معرفة بالتكنولوجيا من أبيه وأمه؛ لأنه ابن هذا العصر ولم ير عالمًا غير العالم الرقمي، ولذلك قد يستطيع تجاوز الحواجز والحدود إذا لم تُبنَ لديه حدود داخلية ووعي ذاتي. وهنا تصبح التربية الرقمية مختلفة عن السيطرة؛ فهي تربي الإنسان على أن يفهم لماذا يرفض شيئًا، لا أن يتركه فقط لأنه ممنوع.

التربية الرقمية وحماية النمو الطبيعي

أصبحت التربية الرقمية ضرورية لأن التكنولوجيا غيرت قواعد الحياة والقواعد التربوية والاجتماعية، وأثرت في طريقة نمو الطفل نفسه؛ فالطفل في السابق كان ينمو بصورة طبيعية ويحصل على معلوماته بالتدريج من البيت والأسرة ثم المدرسة والمجتمع، أما اليوم فإن شبكات التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية وألعاب الفيديو وغيرها تسرع حجم ما يتعرض له الطفل من معلومات وخبرات، حتى يمكن أن يكون عمره سنتين لكنه يتلقى من الصور والمضامين والأفكار ما كان يصل في الماضي إلى من هو أكبر منه بعشر سنوات تقريبًا، وقد ينظر بعض الناس إلى ذلك ويقولون إن هذا الطفل عبقري أو سريع التعلم، لكن المشكلة أن الطفل يبقى طفلًا ويحتاج إلى نمو طبيعي.

والمقصود بالنمو الطبيعي أن ينمو الجسد والنفس والعقل والعاطفة والعلاقات الاجتماعية والخبرة بصورة متوازنة وفي الوقت المناسب لكل مرحلة، لأن الطفل لا ينمو بالمعلومات وحدها، ولا يصبح ناضجًا لمجرد أنه يستطيع لمس الشاشة وفتح التطبيق، بل يحتاج إلى اللعب والحركة والنظر إلى الوجوه والتواصل مع البشر ولمس الأشياء والوقوع والنهوض وتكوين العلاقات والتعلم المباشر، فإذا تضخمت المعلومات بسرعة بينما بقي النمو النفسي والاجتماعي والجسدي يسير وفق طبيعته، حدث نوع من الاختلال.

وقد كتبت في حدود عام 2000، عند حلول الألفية الثانية وقبل انتشار الهواتف الذكية وشبكات التواصل بصورتها الحالية، دراسة عن الإنترنت والتكنولوجيا، وحصلت في ذلك الوقت على معلومات تتحدث عن سرعة العالم، ومنها أن التقدم الذي تحقق في ثلاثين سنة تقريبًا كان يعادل ما تحقق خلال ستة آلاف سنة سابقة، وأن ستة آلاف سنة يمكن أن تعادل في سرعة العصر الحديث نحو ثلاثين أو أربعين سنة، كما وردت في الدراسة مقارنة أخرى تقول إن ما كان العالم يحتاج في السابق إلى خمسمئة سنة لتحقيقه يمكن أن يتحقق اليوم في خمس سنوات أو أقل.(1) والمقصود من هذه المقارنات إبراز سرعة التحول التي دخل فيها الإنسان، لا مجرد الرقم في ذاته، لأن القضية الأساسية هي أن التكنولوجيا تتحرك بسرعة هائلة بينما طبيعة الإنسان الجسدية والنفسية والعقلية تحتاج إلى وقت للتكيف.

فالإنسان كائن حي وليس كائنًا جامدًا، لديه مشاعر وعواطف وتفاعلات نفسية وذاتية، ولذلك يمكن أن يحصل على معلومات كثيرة جدًا، لكن السؤال يبقى: هل هذه المعلومات تحسن أخلاقه؟ وهل تحسن نفسيته؟ وهل تحسن جسمه؟ فقد يتقدم الإنسان تكنولوجيًا، ولكنه في الوقت نفسه يتراجع نفسيًا واجتماعيًا وثقافيًا وجسديًا إذا لم يتمكن من التكيف مع هذه السرعة.

ويمكن تقريب هذه الحالة بالإنسان الذي يسافر إلى دولة بعيدة في الشرق أو الغرب، كأن يذهب من العراق إلى الصين أو أستراليا أو الولايات المتحدة، فإنه يشعر بغربة هائلة ويحتاج إلى وقت طويل حتى يتأقلم نفسيًا وجسديًا وروحيًا مع البيئة الجديدة، أما إنسان عصر التكنولوجيا فقد أصبح يعيش نوعًا من هذه الغربة من دون أن يسافر، لأن البيئة نفسها تتغير حوله بسرعة متواصلة، ومن هنا يظهر القلق والارتباك وعدم القدرة على التكيف عندما تصبح سرعة التغيير أكبر من قدرة الإنسان على استيعابه.

شهادات من المجتمع العراقي

هذه المشكلة لا تظهر في الدراسات والنظريات فقط، وإنما أصبحت حاضرة في تجارب الناس داخل المجتمع العراقي. ففي استطلاع ميداني أجرته قناة الانوار الفضائية تناول استخدام الألعاب والأجهزة الإلكترونية وكثرة مشاهدة الهاتف تحدث أحد الآباء عن أن لهذه الوسائل فوائد، لكنه رأى أن أضرارها أصبحت أكثر وضوحًا عند الأطفال، وركز على الجانب الصحي، وتحدث عما يسمعه من تقارير عن مشكلات في الدماغ وحالات توحد ومشكلات في العين نتيجة كثرة المشاهدة والتركيز، ثم ذكر تجربة ابنه الأصغر الذي يبلغ نحو اثني عشر عامًا، وقال إنه قبل أربع أو خمس سنوات أصيب بحول في عينه، وربط ذلك بكثرة التركيز والمتابعة على الأجهزة.

وانتهى هذا الأب إلى أن القضية تحتاج إلى موقف واضح من الآباء، وأن عليهم تنظيم وقت الطفل وتشذيب الاستخدام وعدم ترك الأمر له بصورة مفتوحة، لأن الطفل لا يعرف دائمًا أين تكون مصلحته، ولذلك ينبغي وضع جدول ووقت محدد للمشاهدة أو اللعب، ثم إيقاف الجهاز، من دون أن يعني ذلك قطع التكنولوجيا بصورة كاملة، لأن الطفل يحتاج إلى بعض هذه الوسائل، لكن ترك الأمر له وحده يمكن أن يؤدي، بحسب رأيه، إلى عواقب وخيمة مستقبلًا.

وتحدث شخص آخر عن ظاهرة أصبحت شائعة، وهي أن يعطي الأب أو الأم الهاتف للطفل لكي يسكت أو يتوقف عن البكاء، وقال إن هذا الاستخدام المفرط يمكن أن تكون له آثار في العين والصحة، وذكر حالة لطفل قريب منه في المنطقة ظهرت لديه حالة توحد بحسب ما لاحظته أسرته، وكان الهاتف يعطى له بكثرة لكي يبقى ساكتًا، ثم أصبحت الأسرة تراجع أطباء حتى خارج العراق من دون أن تحصل، بحسب روايته، على النتيجة التي كانت تأملها. ولذلك قال إنه ينصح نفسه وعائلته والمجتمع بأن يحدوا من الاستخدام، لا أن يمنعوه بالضرورة منعًا كاملًا، وإنما يخصصوا للطفل وقتًا قصيرًا.

أما مشارك ثالث فقدم صورة أكثر حدة، إذ شبه الهاتف الذي يوضع بلا ضوابط في يد الطفل بـ«العدو» الذي يدخل إلى حياته، وقال إن الطفل يطلب الهاتف من الأب أو الأم وهم يعطونه إياه، لكنهم لا يعرفون دائمًا ما الذي يبثه إليه ولا ما الآثار الجانبية التي يمكن أن يتركها، ومع الوقت يمكن أن يخرج الطفل من يد أسرته ومن سيطرة تربيتها، لأن الأسرة لا تعود المصدر الوحيد الذي يربيه، بل يصبح الهاتف والمحتوى الخارجي شريكًا أساسيًا في التربية، والطفل في بداية عمره يستقبل ما يقدم إليه ثم تترسخ الصور والأفكار في ذهنه.

وأشار أيضًا إلى أن كثيرًا من الأطفال أصبحوا منشغلين بالهواتف طوال اليوم، وكأن عقل الطفل وعينه مع الهاتف أربعًا وعشرين ساعة، في حين قد يعطيه الأب أو الأم الجهاز لمجرد أن ينشغل ويقضي وقته ولا يبكي، وتحدث عن ضعف النظر وعن حالات توحد شاهدها في محيط عائلته، وعبّر عن قلقه من أن يكون اهتمام الأب والأم براحة اللحظة، أي إسكات الطفل، أكبر من التفكير في النتائج البعيدة.

وهذه الشهادات تقدم نموذجًا من داخل المجتمع العراقي وتكشف حجم القلق من أثر الإنترنت والتطور التكنولوجي في الأبناء، وهي شهادات وتجارب اجتماعية لا ينبغي أن تتحول وحدها إلى حكم طبي قطعي يثبت علاقة مباشرة بين كل حالة مرضية والهاتف، لكنها تكشف بوضوح أن الأسر بدأت تشعر بأن مواكبة التكنولوجيا من دون إدارة قد تكلفها خسائر كبيرة، وأن الطفل الذي يترك أمام الشاشة بلا تنظيم قد يخرج تدريجيًا من بيئة التربية الطبيعية.

التوحد الافتراضي والتسمم الرقمي وصدمة المستقبل

في هذا السياق يظهر الحديث عن مصطلح التوحد الافتراضي، وهو من الموضوعات التي تحتاج إلى اهتمام؛ فالطفل اليوم قد يكون في عمر سنتين ويستطيع استخدام الهاتف باللمس بسهولة، وبعض العوائل تعطي الطفل الهاتف وهو في عمر ثمانية أشهر أو سنة حتى يبدأ بطلبه بيده ويتكون لديه تعلق كبير بالجهاز، فبعض الأطفال الذين بدأوا استخدام الهاتف في عمر صغير جدًا ظهرت عندهم بعد سنوات مؤشرات في التواصل والسلوك، ومن هنا تعود القضية مرة أخرى إلى النمو الطبيعي؛ لأن الطفل الصغير يفترض أن ينمو من خلال الخبرات الطبيعية في الحياة الخارجية، لا أن تصبح الشاشة هي العالم الأساسي الذي يتلقى منه خبرته.

وإذا أردنا أن نقرب معنى التعلق المبكر يمكن أن نعود إلى المثال الذي بدأنا به: لو أعطيت طفلًا صغيرًا حبوبًا مخدرة فإنه يمكن أن يدخل في الإدمان بسرعة، وكذلك الاستخدام الرقمي المفرط يمكن أن يؤدي إلى إدمان شديد، ولهذا ظهرت مصطلحات حديثة مثل التسمم الرقمي، كما ظهر تعبير تعفن الدماغ الذي أصبح متداولًا بصورة واسعة، واختاره قاموس أكسفورد في عام 2024 من أبرز الكلمات أو المصطلحات في ذلك العام. والمقصود بتعفن الدماغ هنا ليس أن الدماغ يتعفن جسديًا بالمعنى الحرفي، وإنما هو تعبير مجازي عن حالة من التدهور أو الإنهاك الذهني الناتج عن الإفراط في استهلاك محتوى سطحي ومتكرر بكميات كبيرة.

ويمكن تقريب معنى هذا التعبير من صورة التعفن الجسدي؛ فالإنسان عندما يحدث في جسمه التهاب شديد ومتواصل يبدأ الجسم بالتدهور، وبالطريقة المجازية نفسها يمكن أن يتعرض الدماغ إلى حالة من الإرهاق الشديد عندما تأتي إليه المعلومات من جميع الجهات بما يفوق قدرته على الاستيعاب، ولذلك يصبح الحديث عن التسمم الرقمي قريبًا من معنى التشبع الزائد الذي لا يترك للعقل مساحة للهدوء والتركيز والمعالجة.

وهذا المعنى يذكرنا بكتاب «صدمة المستقبل» لعالم المستقبليات ألفين توفلر، الذي صدر عام 1970 وتناول تأثير التغيرات السريعة في التكنولوجيا والمجتمع، وتوقع أن تؤدي السرعة في التغيير إلى صدمة كبيرة يعيشها الإنسان؛ لأنها صدمة نفسية ناتجة عن عدم القدرة على الاستيعاب والتكيف. وقد شبه هذه الحالة بما يحدث للمسافر الذي ينتقل من بيئة إلى بيئة بعيدة جدًا، كأن يسافر من العراق إلى أستراليا أو لوس أنجلوس في رحلة تستغرق أربعًا وعشرين أو ثمانيًا وأربعين ساعة، فيجد نفسه فجأة في زمن وبيئة ونمط حياة مختلف، فيشعر بالدوار والغربة وكأنه لا يعرف ماذا يحدث له، ويحتاج إلى وقت حتى يتكيف.

والإنسان في العالم الرقمي يعيش حالة قريبة من ذلك، لأن البيئة نفسها تتغير حوله باستمرار ولا تمنحه دائمًا الوقت الكافي للتكيف، فينشأ القلق والارتباك النفسي والإجهاد وعدم القدرة على مواكبة العالم الافتراضي الجديد، ومن هنا يمكن أن نفهم كيف يصبح الإنسان متعبًا نفسيًا وهو لم يقم بعمل جسدي كبير، لأن عقله ظل طوال الوقت في حالة استقبال ومتابعة وتنقل بين المعلومات.

ويمكن تقريب التسمم الرقمي أيضًا بمثال الطعام؛ فإذا كان الإنسان يحتاج إلى وجبة بقدر مئتي غرام مثلًا، ثم جاء وتناول خمسة كيلوغرامات من الطعام دفعة واحدة، فإن جسمه لن يستطيع استيعاب هذه الكمية وقد يصاب بالتسمم ويحتاج إلى الذهاب إلى المستشفى وربما تحدث مضاعفات أخرى. وبالطريقة نفسها، إذا افترضنا أن الإنسان يستطيع بصورة طبيعية التعامل مع مقدار محدود من المعلومات، كأن نقول عشر معلومات، ثم تعرض في يوم واحد إلى عشرة آلاف معلومة وصورة وتنبيه ومقطع، فكيف سيتمكن من استيعابها ومعالجتها؟ هنا يظهر الإرهاق النفسي والإجهاد والتسمم الرقمي وعدم القدرة على التكيف مع الواقع الافتراضي الجديد.

وقد تحدث أحد المشاركين عن ابنه الذي قل أكله وأصبح السهر جزءًا من حياته، وبقي إلى السادسة أو السابعة صباحًا وهو يحمل الهاتف حتى لم يعد يستطيع النوم بصورة طبيعية، وهذه ليست حياة طبيعية؛ لأن التكنولوجيا عندما تبدأ بالتأثير في النوم والطعام والحركة والراحة فإننا ننتقل من مجرد استعمال جهاز إلى اختلال في نظام الحياة نفسه.

التربية الرقمية تبدأ بالآباء قبل الأبناء

كل هذه الشهادات تعيدنا إلى قضية أساسية، وهي أننا نحتاج إلى تربية الآباء قبل الأبناء في موضوع التربية الرقمية، لأن المشكلة أحيانًا تبدأ من الأب والأم اللذين يستسهلان التكنولوجيا ويجعلان الجهاز وسيلة للتخلص من إلحاح الطفل أو الحصول على الهدوء المؤقت. فقد تجلس مجموعة من الأمهات وتتحدثن، وتكون هناك طفلة عمرها أربع أو خمس أو ست سنوات تمسك الهاتف قريبًا جدًا من عينيها، ويستمر ذلك لأنها منشغلة ولا تزعج أحدًا، لكن هذه الراحة المؤقتة يمكن أن تتحول بمرور الوقت إلى نمط تربية كامل.

وقد نرى أطفالًا لا يستطيع بعضهم النظر بصورة طبيعية في عين من يتحدث معه أو لا يملك الخبرة الكافية في التواصل المباشر، بينما يتعامل مع الجهاز بمهارة كبيرة؛ لأنه تربى منذ عمر سنة أو سنتين على التواصل مع الموبايل، وأصبحت خبرته الأساسية مع الأجهزة التكنولوجية أكبر من خبرته مع البشر. والطفل بطبيعته يحتاج إلى أن ينمو في عالم حقيقي؛ ينظر إلى الوجوه ويتحدث ويلعب ويكون له أصدقاء حقيقيون ويكتسب خبرة اجتماعية، لا أن يكون عالمه الأول هو الشاشة.

بيئة شاملة للنمو الطبيعي

وفي هذا السياق طُرحت آراء في الغرب، وصدرت كتب حديثة ومنها كتب مشهورة في عام 2024، تدعو إلى تأخير استخدام الأطفال للأجهزة التكنولوجية وإعطائهم فرصة أطول للنمو الطبيعي. وتذهب بعض هذه الآراء إلى أن الطفل ينبغي أن يبتعد عن بعض الأجهزة حتى سن عشر سنوات أو اثنتي عشرة سنة تقريبًا، لكي يلعب في الحديقة والمدرسة ويتعلم التعلم الطبيعي ويكتب بالقلم ويعيش الحياة ويأخذ الخبرات المباشرة، ويكون له أصدقاء حقيقيون لا أصدقاء افتراضيون ووهميون، ولا تتحول شخصيات مثل بوكيمون أو شخصيات الأنيمي والرسوم المتحركة إلى أصدقائه وقدوته الأساسية.

وتقترح بعض هذه الاتجاهات أن يعطى الطفل بعد سن عشر أو اثنتي عشرة سنة هاتفًا بسيطًا للاتصال أو الرسائل النصية القليلة من دون ألعاب أو شبكات تواصل، ثم يؤجل الهاتف الذكي وشبكات التواصل إلى عمر أكبر، كالسادسة عشرة تقريبًا، بعد أن يكون قد حصل على خبرة كافية في الحياة وأصبح لديه قدر أكبر من المسؤولية والقدرة على فهم التكنولوجيا. وهذه وجهة نظر مطروحة في هذا المجال، والفكرة التي تقف وراءها هي أن الخبرة الواقعية ينبغي أن تسبق الانغماس الرقمي.

لكن تطبيق ذلك لا يمكن أن يبدأ عندما يصبح الطفل كبيرًا ومتعلقًا بالجهاز؛ فلا يمكن أن نتركه منذ عمر سنة إلى عشر سنوات منفتحًا بلا ضوابط ثم نجلس معه ونقول له فجأة: الآن لا تستخدم الهاتف إلا للاتصال، لأن الطفل لن يقتنع بسهولة بعد أن تشكلت عاداته، ولذلك يبقى الدور الأساسي للأب والأم في تحصين الابن منذ البداية وتكوين البيئة التي يعيش فيها.

وهنا أيضًا لا ينبغي أن نفهم القضية بوصفها عملًا فرديًا خاصًا بكل أسرة، بل هي عمل اجتماعي شامل يشترك فيه الأهالي والمنظمات والمدارس والدولة، لأن التربية الرقمية السليمة تحتاج إلى بيئة متكاملة لإعداد الأبناء للمستقبل وإخراجهم من حالة التخدير الرقمي والتسمم الرقمي، فلا تستطيع الأسرة أن تبني شيئًا وحدها إذا كانت بقية البيئة تعمل في الاتجاه المعاكس.

عام 2010 وتحول الصورة والهوية

ومن الأمثلة المهمة لفهم حجم القفزة التي حصلت في العالم الرقمي ما جرى في حدود عام 2010؛ ففي تلك الفترة ظهر الآيفون في إصداراته الأولى المتقدمة، ومنها ما كان يشار إليه بالآيفون 3، وأصبحت الهواتف الذكية تمتلك كاميرات أمامية وخلفية ذات قدرة عالية على التصوير الشخصي، ومع ظهور هذه الكاميرات ظهر إنستغرام كتطبيق ارتبط بصورة وثيقة بالهاتف الذكي، ثم انتشرت ثقافة السيلفي في حدود أعوام 2010 و2011 و2012.

وهنا حدث نوع من التحالف القوي بين الهاتف الذكي وإنستغرام والصورة الشخصية، وأصبح المراهقون يمتلكون أجهزة هاتف ذكية خاصة بهم، بينما كانت الشاشة في السابق جهازًا عائليًا مشتركًا، ولذلك بدأ نوع من الانفصال ودخل العالم الرقمي إلى الحياة الخاصة لكل مراهق وشاب بصورة مستمرة، وظهر تأثير واضح في المقارنات بين المراهقين والمراهقات.

وبدأت تبرز ظاهرة يمكن تسميتها النفاق الرقمي؛ إذ تظهر المؤثرة أو المدونة على إنستغرام بصورة مثالية، وكأنها موجهة وناجحة دائمًا، وتلبس بطريقة معينة وتطبخ بطريقة معينة وتضع المكياج بطريقة معينة وتعرض نفسها في صور متعددة، فيبدأ المراهق أو المراهقة بمقارنة حياته الواقعية بهذه الصورة المنتقاة، وتظهر عند بعضهم مشكلة انخفاض تقدير الذات؛ لأن الإنسان يقارن واقعه الكامل بصورة مصنوعة من حياة شخص آخر.

ومع اهتمام الشركات التكنولوجية بزيادة التفاعل والظهور الرقمي ظهرت الفلاتر التي تسمح بتعديل ملامح الوجه والصورة، فأصبحت المراهقة تستخدم فلترًا يجعلها تظهر بشكل ليس هو شكلها الحقيقي، ثم تعتاد هذا الشكل، فيزداد عدم الرضا عن الذات، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى إرهاق وانحطاط نفسي؛ لأن الإنسان الذي لا يرضى عن نفسه ووجهه وشكله ووضعه يدخل في سباق لا نهاية له مع صور الآخرين وصورته الرقمية.

ومن الأمثلة التي توضح خطورة اختلاط العالم الحقيقي بالعالم الافتراضي ما يرتبط بكاميرا السيلفي؛ فالكاميرا القريبة قد تجعل الأنف يبدو أكبر من حجمه الحقيقي بسبب زاوية التصوير والمسافة، لكن بعض الأشخاص قد يتعاملون مع الصورة وكأنها هي الحقيقة، فيبدأ عدم الرضا عن شكل الأنف، وقد يصل بعضهم إلى إجراء عمليات جراحية لكي يظهر الأنف أصغر في صورة السيلفي. وهنا نرى كيف تختفي الحدود بين الواقع والعالم الرقمي؛ فبدل أن تنقل الصورة شكل الإنسان، يبدأ الإنسان بتغيير شكله لكي يتوافق مع الصورة، وهذا يكشف حجم الصدمة النفسية التي يمكن أن تحدث عندما يصبح العالم الافتراضي معيارًا للحكم على العالم الحقيقي.

الإدارة والاحتواء بدل التحكم

مع كل هذه المخاطر يبقى السؤال: كيف نتعامل مع الطفل؟ وهنا لابد من التمييز بين التحكم وبين الإدارة والاحتواء؛ فالتحكم القهري قد يؤدي إلى التمرد، أما الإدارة فتعني أن تبدأ الأسرة منذ البداية ببناء بيئة طبيعية وتنظيم العلاقة بالتكنولوجيا قبل أن يحدث التعلق. فقد يقول الأب: ابني صغير وكل الأطفال لديهم آيباد، وأنا لا أستطيع أن أقول له لا، ولذلك لابد أن أشتري له جهازًا، ثم يجد نفسه بعد ذلك أمام طفل عمره سنتان أو ثلاث أو أربع سنوات يحمل الآيباد معه في كل مكان وعينه معلقة به.

في السابق كانت البنت تحمل لعبتها معها وكان الولد يحمل سيارته الصغيرة، أما اليوم فأصبح كثير من الأطفال يحملون الأجهزة اللوحية، ثم بعد سنوات تحاول الأسرة فرض السيطرة فتكتشف أن العادة أصبحت أقوى. ولذلك فإن حماية الطفل قد تحتاج أحيانًا إلى حدود واضحة منذ البداية، لأن الندم بعد ظهور المشكلة لا يفيد، لكن هذه الحدود لا تعني أن التربية تتحول إلى إجبار دائم، بل تعني أن توفر للطفل بدائل طبيعية قبل أن يصبح العالم التكنولوجي هو البديل الوحيد.

فإذا كان الطفل عمره سنتين أو ثلاث سنوات يمكن أن نوفر له اللعب الطبيعي ونمنحه الوقت والحركة والاهتمام، فيعتاد على نظام معين وينشأ عليه، أما إذا جلس الطفل في جلسة عائلية ورأى الأب ممسكًا بالموبايل، وكذلك الأم، والضيف على هاتفه، والابن الأكبر على ألعاب الفيديو، والبنت على هاتفها، فماذا سيفهم؟ سوف يرى أن هذا هو السلوك الطبيعي للجميع، وسيقلدهم ويطلب الجهاز مثلهم.

ومن هنا يصبح الكلام عن التربية الرقمية كلامًا عن القدوة وإدارة البيئة داخل البيت؛ فإذا أراد الأب حماية طفله فعليه أن يراجع طريقة استخدامه للهاتف أمامه، وإذا أرادت الأم أن تبني علاقة طبيعية مع طفلها فعليها أن تتحمل وتصبر وألا تجعل الهاتف وسيلة جاهزة لإسكاته كلما بكى أو ألح، لأن الطفل قد يحتاج إلى الاحتضان واللعب والحركة والتواصل، وإعطاؤه الشاشة في كل مرة قد يشبه، في المثال الذي بدأنا به، إعطاءه مادة مخدرة لكي يهدأ.

ولهذا نحتاج إلى وعي إعلامي وثقافة رقمية بأهمية التربية، بحيث نبني حاضنات طبيعية جيدة لأبنائنا ونرجع إلى مفهوم النمو الطبيعي. فالطفل منذ اليوم الأول وحتى عمر خمس عشرة أو ست عشرة أو ثماني عشرة سنة يحتاج إلى رعاية مستمرة في كثير من الأمور، وأهم قاعدة هي عدم الإهمال؛ أي ألا نترك الطفل أو نحاول التخلص من إلحاحه بإعطائه الجهاز، وإنما نوفر له أجواء اللعب الطبيعي ونشاركه حياته.

فلماذا لا يلعب الأب مع ابنه؟ ولماذا لا يمارس معه الرياضة أو يشاركه ألعابًا رياضية جميلة داخل البيت وخارجه؟ فاللعب والحركة يقويان جسم الطفل، ويساعدان على سلامة عينيه وعقله، ويعطيانه خبرة في العالم الحقيقي بدل أن يبقى جالسًا أمام الشاشة. ويشير الخبراء إلى مخاوف تتعلق بتأثير الاستخدام المفرط في القشرة الأمامية للدماغ، كما أن هناك حديثًا عن معلومات وأرقام وإحصاءات ودراسات تتناول التأثيرات الصحية المختلفة، ومن ضمنها قضية التوحد التي دار حولها النقاش، وهي موضوعات يمكن أن تتناولها الحلقات اللاحقة بصورة أكثر تفصيلًا.

خاتمة

التربية الرقمية أصبحت ضرورة لأن العالم الذي نربي فيه أبناءنا لم يعد هو العالم الذي تربينا فيه نحن؛ فالطفل اليوم يستطيع أن يحمل في جهاز صغير عالمًا كاملًا من المعلومات والثقافات والألعاب والأشخاص، ولا تستطيع الأسرة أو المدرسة أو الدولة أن تغلق هذا العالم أو تراقب كل تفاصيله بصورة دائمة، ولذلك فإن الحل الحقيقي ينتقل من المنع والسيطرة الخارجية إلى بناء الوعي والتحصين الذاتي، وإلى إدارة البيئة الرقمية منذ البداية بطريقة تحافظ على النمو الطبيعي للطفل.

وهذا النمو الطبيعي يحتاج إلى وقت وخبرة ولعب وحركة وتواصل وعلاقات واقعية، كما يحتاج إلى أب وأم يقدمان القدوة قبل أن يقدما التعليمات، لأن الطفل الذي يرى كل من حوله يعيش داخل الهاتف سوف يعتبر الهاتف هو الحياة الطبيعية، بينما الطفل الذي يجد في بيته الحوار واللعب والرياضة والقراءة والاهتمام والتواصل الإنساني الحقيقي يتعلم أن التكنولوجيا وسيلة ضمن الحياة وليست الحياة كلها.

ومن هنا فإن التربية الرقمية تقوم على سلسلة مترابطة تبدأ من الوعي بطبيعة العصر الرقمي ومخاطره، ثم حماية النمو الطبيعي، ثم الإدارة والاحتواء والقدوة، ثم بناء التحصين الذاتي، وصولًا إلى الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا. وهذه المسؤولية لا تقع على الأسرة وحدها، بل تشترك فيها المدرسة والمنظمات والمؤسسات والدولة، لأن إعداد الجيل الرقمي يحتاج إلى مجتمع يفهم أن مواكبة التكنولوجيا لا تعني التسليم لها، وأن التقدم الحقيقي لا يقاس بمدى سرعة الطفل في استعمال الجهاز، وإنما بقدرته على استعماله وهو محتفظ بتوازنه النفسي والعقلي والاجتماعي وهويته وقدرته على الاختيار.

والغاية في النهاية أن يدخل أبناؤنا العالم الرقمي بعد أن تكون لهم جذور قوية في العالم الحقيقي، فيكون لهم أصدقاء حقيقيون وخبرات حقيقية وعلاقات حقيقية ولعب حقيقي، ثم يتعلمون كيف يستفيدون من التكنولوجيا ويواجهون مخاطرها من موقع الوعي والمسؤولية، حتى تبقى التكنولوجيا أداة في أيديهم، ولا تتحول إلى قوة تستولي على حياتهم وتعيد تشكيل شخصياتهم بعيدًا عن إرادتهم.

وفي المقال القادم سنستكمل الحديث عن التربية الرقمية ونتناول المراحل العمرية للطفل من عمر يوم وحتى إحدى عشرة سنة التي تتطلب تفاعلاً كاملاً مع العالم المادي الخارجي عبر الحواس والحركة للتكيف والاستكشاف. وإن إقحام الطفل المبكر في العالم الافتراضي عبر الشاشات الذكية يعطل نموه البيولوجي والعضلي، ويمنعه من النضج الجسدي والتفاعل الطبيعي مع البيئة والمجتمع، مما يجعله يعيش حالة من الاغتراب وفقدان التوازن السلوكي والنفسي.

كما إن التدفق المعلوماتي الهائل لا يخلق أطفالاً أذكياء، بل يولد حالة من السطحية وغياب التفكير النقدي وتشتت الذاكرة جراء التلقي السلبي. وضرورة التحاق الآباء بدورات تدريبية واستشارة المختصين لتطوير مهاراتهم الرقمية.

* المقال هو حوار بث على قناة الانوار الفضائية في برنامج المحطات

.........................................

(1) مرتضى معاش، المعلوماتية استباحة الفكر وتدمير الذات، مجلة النبأ العدد 51، تشرين الثاني 2000.

https://annabaa.org/nba51/maloomat.htm

اضف تعليق