تسهم الكلمة الطيبة في بناء الإنسان وتشكيل شخصيته منذ الطفولة، إذ تغذّي عاطفته وترسّخ ثقته بنفسه، وتوجّه أفكاره وسلوكه واختياراته. ويكشف التأمل في الآيات القرآنية وروايات أهل البيت عن بُعدها الوجودي ومسؤولية استخدامها في التربية والعلاقات. فالقول السديد يصون الكرامة ويراعي العواقب، والكلمات الطيبة تزرع المحبة وتثمر خيرًا في...
تملك الكلمة قدرة عميقة على تشكيل وجود الإنسان؛ فهي تنفذ إلى أعماقه، وتسهم في بناء شخصيته وصورته عن نفسه، وتمتد آثارها إلى تفكيره ومشاعره وسلوكه واختياراته. وما يسمعه في طفولته قد يستقر في وجدانه ويصبح صوته الداخلي حين يكبر، يستمدّ منه الثقة والطمأنينة والقوة على مواجهة الحياة، أو يبقى أسيرًا لما يثيره فيه من قلق وإحباط وشعور بالعجز. ومن هنا تنبع مسؤولية الكلمة، إذ تتجاوز لحظة النطق بها إلى ما تغرسه في القلوب، وما تتركه في تكوين الإنسان وتربيته وعلاقاته ومستقبله.
وقد عبّر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن قيمة هذا الأثر بقوله: «الكلمة الطيبة صدقة»(1)، فجعل القول الطيب عملًا من أعمال الخير، يبذله الإنسان فيمنح به غيره طمأنينةً وقوةً وأملًا. فالكلمة تحمل مسؤولية المعنى الذي تؤديه والأثر الذي تُحدثه؛ قد تعيد إلى إنسان ثقته بنفسه، وتفتح أمامه طريقًا للنهوض، وقد تجرحه جرحًا يستقر في أعماقه ويصعب شفاؤه. ويعبّر قول الامام علي عليه السلام: « زلّة اللّسان أشدّ من جرح السّنان»(2) عن حقيقة هذا الأذى، غير أن جرح اليد قد يلتئم، بينما يبقى جرح الكلمة حاضرًا في الذاكرة، يستعيد الإنسان ألمه كلما استعاد الموقف الذي قيلت فيه.
وتظهر قوة الكلمة في قدرتها على البناء والهدم؛ فقد تنهض بإنسان وتعينه على اكتشاف إمكاناته، وقد تحطّم ثقته وتضعف قدرته على التقدّم. وبكلماته يسهم الإنسان في تحديد المسار الإيجابي أو السلبي لحياته وعلاقاته؛ يستطيع أن يجعل طريقه مزهرًا بالمودة والقبول، ويكسب به رضا الآخرين، كما قد يحوّله إلى طريق مظلم متعثّر، تتراكم فيه المشكلات وتتناسل منه ردود الأفعال السلبية، فتزداد العلاقات اضطرابًا وتتعقّد سبل إصلاحها.
إن العناية بالكلمة عناية بالإنسان نفسه، بما يتكوّن في داخله وما يتحدّد أمامه من مسارات؛ لأنها تدخل في بناء ثقته، وصياغة وعيه بذاته، وتوجيه حركته في الحياة. وحين تبلغ كلمة واحدة من التأثير حدّ تغيير مسار حياة كاملة، تصبح مسؤولية القول جزءًا من مسؤولية بناء الإنسان وحماية وجوده ومستقبله.
الكلمة بُعد وجودي في تشكيل مسار الشخصية
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 24]، ثم يقول: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: 25]. ويأتي في مقابلها قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: 26]، ثم قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27].
تُشبَّه الكلمة بالشجرة التي تمتد جذورها وتثمر؛ فالإنسان ينمو ويتفاعل مع الكلمة، ويتشكّل على ضوئها. ومن هنا تكون الكلمة بُعدًا جوهريًا في تشكيل الكائن الحي، وأحد أبعاد تشكيل الشخصية، بما تحمله إلى أعماقه من معانٍ يترسّخ أثرها في حياته.
كل إنسان صنيعة كلمة؛ فشخصيته وماضيه وحاضره ومستقبله ترتبط بكلمة في أعماقه وداخله حدّدت مسار حياته. وقد يسير الإنسان في طريق معين نتيجة كلمة ترسّخت في أعماق قلبه وروحه، سمعها وهو صغير أو طفل أو مراهق أو شاب، أو حتى في مرحلة متقدمة من عمره. تصبح هذه الكلمة برنامجًا لحياته، سواء كانت طيبة وخيّرة أم خبيثة وشريرة، ولذلك فإن للكلمة هذه الأهمية الكبيرة في حياتنا.
ويصف القرآن الكريم السيد المسيح عليه السلام بأنه «كلمة من الله»، أي إنّه جاء بكلمة من الله سبحانه وتعالى، وبكلماته جلّ وعلا تحدّد مسار الأنبياء، ومنهم السيد المسيح عليه السلام. ومن التأمل في هذه الدلالة تتجلّى أهمية الكلمة وأثرها في توجيه المسار. وعلى مستوى حياة الإنسان وتربيته، تسهم الكلمات التي يسمعها في تشكيل شخصيته وطريقته في التعاطي مع الحياة والعالم المحيط به؛ فقد يصبح إيجابيًا وخلوقًا وخيّرًا بتأثير كلمة سمعها في طفولته أو شبابه، فغيّرت نظرته إلى نفسه ووجّهت مسار حياته.
وفي المقابل، قد تجرحه كلمة يسمعها في طفولته المبكرة أو فتوّته، فتترسّخ في أعماقه ويصبح رهينًا لأثرها، وتنعكس تداعياتها على مشاعره وسلوكه وعلاقاته. وهكذا يمتدّ ما يسمعه الإنسان إلى داخله، ويستقرّ أثره في شخصيته، ليصاحبه في نظرته إلى ذاته وتعامله مع ما يحيط به.
تحتلّ الكلمات موقعًا أساسيًا في حياتنا، غير أننا لا نستشعر أهميتها دائمًا، ولا نعتني باختيارها بالقدر الذي يتناسب مع عمق آثارها في الإنسان. وقد قدّم القرآن الكريم مثلًا تربويًا عظيمًا يكشف هذه الآثار، حين شبّه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، الثابتة الجذور في الأرض. ويعبّر هذا الثبات عن رسوخ الكلمة المستمدّة من هداية الله سبحانه وتعالى؛ فكل ما يرتبط به جلّ وعلا يسهم في بناء وجود الإنسان وتشكيل شخصيته، ويمنحه أسباب الثبات والاستقامة.
أما الكلمة الخبيثة فتزرع الخبث في حياة الإنسان، وتفتح أمامه مسارًا خبيثًا، وقد شبّهها القرآن الكريم بالشجرة الخبيثة التي «ما لها من قرار»، أي لا ثبات لها. وينعكس هذا الاضطراب على من تترسّخ فيه آثارها؛ فتُضعف بناءه الداخلي، وتجعله هشًّا وفقيرًا في إحساسه بذاته، حتى يشعر أنه لا قيمة له. فالكلمة الجارحة والسيئة تصيب قلب الإنسان، وقد يبلغ أثرها حدّ تدمير ثقته بنفسه، فيغدو مضطربًا، ضعيف القدرة على الثبات والتماسك، أشبه بشجرة يابسة خبيثة، لا ثمر لها يُنتفع به، ويسهل اجتثاثها وقلعها.
ومع ترسّخ هذا الأثر، قد يصبح الإنسان عدميًا، بمعنى أنه يفقد الشعور بقيمة وجوده وجدواه في الحياة، وتستولي عليه السلبية، فلا يتفاعل مع ما حوله من أمور جيدة وطيبة وخيّرة. وهكذا تنتقل آثار الكلمة الخبيثة من جرح في النفس إلى اضطراب في الشخصية والسلوك، يدفعه إلى سلوك مسار سيئ في حياته.
الكلمة كائن حيوي
ومن هنا نستطيع القول إن الكلمة تمثّل بُعدًا وجوديًا في حياة الإنسان؛ فإلى جانب بُعد الزمان وبُعد المكان، بما يشتمل عليه من طول وعرض وارتفاع، يبرز بُعد الكلمة بما يتركه من أثر في تشكيل شخصية الإنسان وصورته وحضوره في الحياة، حتى إن أثرها قد يظهر في ملامح وجهه؛ فقد يبدو منفتحًا وطيبًا بما تمنحه الكلمة الطيبة من طمأنينة وارتياح، وقد يبدو عابسًا وتعيسًا بما تتركه الكلمة السيئة في نفسه من ألم وضيق. وهكذا يمتدّ تأثير الكلمة من أعماق الإنسان إلى ملامحه الظاهرة، ويسهم في تشكيل صورته الوجودية وطريقته في الإقبال على الحياة.
ويتجلّى هذا المعنى في تشبيه القرآن الكريم الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة؛ فهي كالكائن الحي في عطائها ونمائها، تمدّ الإنسان بأسباب الحياة، وتسقي روحه، وترعى نموّه، وتسهم في تربيته، وتغذّيه بالثقة. وكما تنمو الشجرة بالسقاية والرعاية حتى تطيب وتثمر ثمارًا طيبة ولذيذة وجميلة، ينمو الإنسان بالكلمة الطيبة، ويظهر أثرها في شخصيته وسلوكه وعطائه، فيكون له حضور وجودي جميل في الحياة. ومن ثمّ، فإن الكلمة الطيبة بُعد جوهري وأساسي في بناء وجود الإنسان، وإدراك هذه الحقيقة مسؤولية تعني الجميع؛ لما لكلماتهم من أثر في أنفسهم وفيمن حولهم.
وعن الإمام علي عليه السلام: «تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ الْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ»(3). أي إنه يُعرف بكلماته، ويظهر من خلالها ما استقرّ في شخصيته.
ومن لسان الإنسان نتعرّف إلى شخصيته؛ فكلماته تعبّر عمّا استقرّ في داخله من أفكار ومشاعر، كما أن شخصيته تأثّرت في تكوينها بالكلمات التي سمعها. وإذا تتبّعنا أثر الكلمات الإيجابية في بناء الشخصية والتفكير والسلوك، تبيّن لنا أن سلوك الإنسان، بما يجسّده من أخلاق، ينبع من أفكاره، وأن هذه الأفكار تتأثر بدورها بما يسمعه من كلمات. وهكذا تتصل الكلمات بتكوين الإنسان من جهتين: بما يتلقّاه منها فيسهم في بناء شخصيته، وبما ينطق به منها فيكشف عن هذه الشخصية ويعبّر عنها.
قوة المعنى في ليونة القول
ولفهم هذا التأثير، تبرز أهمية التمييز بين اللفظ والمعنى، وبين الكلمة والقول. فاللفظ هو ما ينطق به اللسان، أما الكلمة، في سياق هذا البحث، فتتصل بالمعنى الذي يحمله اللفظ، وبجوهر الدلالة التي تصل إلى الإنسان من خلاله. ومن ثمّ، فإن أثرها يرتبط بما يستقرّ في النفس من معناها، وما يتركه هذا المعنى في التفكير والشعور والسلوك.
ويتّسع القول، في مقام التواصل، ليشمل اللفظ ونبرة الصوت وما يصاحبهما من لمسة؛ فالمعنى يصل إلى الإنسان من خلال طريقة التعبير عنه أيضًا. ومن هنا تتجلّى قوة المعنى حين يُؤدَّى بقول ليّن؛ إذ تسهم ليونة القول في تقبّله واستقرار أثره في النفس، كما تترك قسوته أثرًا في كيفية تلقّيه والاستجابة له. ولذلك تتصل مسؤولية الكلمة بمعناها وبالطريقة التي تُقال بها، وما تحمله إلى الإنسان من لين أو قسوة.
ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: 10].
منابع الكلمة وما ترسمه من خرائط ذهنية
عندما يبلغ الشاب مرحلة الدراسة الجامعية ويتّسع أفقه بالمعرفة والثقافة العامة، يظهر أثر الكلمات في طريقة تعبيره عن نفسه وتحديد مساره؛ فقد ينطق بكلمات إيجابية توجّه حركته في الحياة، وقد تغلب على كلماته السلبية فتنعكس على هذا المسار. وتبدأ جذور هذا التأثير منذ الطفولة، حين تنمو العقول وتتشكّل ملامح الشخصية؛ فالكلمات التي تبقى آثارها الإيجابية أو السلبية على امتداد الحياة يتلقّاها الطفل من محيطه، داخل الأسرة ومن الآباء والأمهات والأصدقاء والجيران، ومن الثقافة السائدة وسائر المؤثرات المحيطة به. ولهذا فإن امتداد أثر الكلمة في حياة الأجيال يقتضي الانتباه إلى منبعها، وإلى من يزرعها، والمعنى الذي تحمله وتُبقيه في داخل الإنسان.
وإذا كان المحيط هو المجال الذي يتلقّى فيه الإنسان الكلمات، فإن أصل الكلمة الطيبة وميزانها يتصلان بالله سبحانه وتعالى؛ فهو يخاطبنا بكلماته، وصلتنا به صلة معنوية تتجلّى في تلقّي هذه الكلمات وفهمها والاستجابة لها. وقد ورد في القرآن الكريم: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، وقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. ومن هذا الارتباط تستمدّ الكلمة طيبها؛ فالكلمات الآتية من الله سبحانه وتعالى تحمل الهداية التي تجعل أثرها في الإنسان كأثر الشجرة الطيبة في ثباتها ونمائها وعطائها.
ومن هنا تأتي أهمية زرع الكلمات الطيبة في الإنسان، لما لها من أثر في تشكيل شخصيته وتوجيه كلماته وسلوكه. وهذه الزرعة تحتاج إلى رعاية متواصلة؛ يظلّ الإنسان يتعهّدها ويداريها حتى تنمو وتثمر وترافقه على امتداد حياته، وقد يهملها فلا تنمو نموًّا سليمًا، وتضطرب آثار الكلمات في داخله، بما قد يتسبّب في كوارث ويؤدي إلى أزمات. وتظهر حصيلة ما استقرّ في نفسه حين يتكلّم، فيتجلّى معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام إن الإنسان مخبوء تحت لسانه؛ إذ تكشف كلماته عمّا يحمله في داخله، وتتبيّن من خلالها حقيقة شخصيته.
والإنسان يتلقّى الكلمات من الآخرين ثم يزرعها فيهم بدوره، فتقوم حركة الكلمات على الأخذ والعطاء؛ يعطي كلمة ويأخذ أخرى، وتتكوّن لديه «ماكينة من الكلمات»، ويتراكم في داخله تراث منها، وتتولّد من هذا التفاعل اللغة التي يفكّر ويتواصل ويعبّر بها. وحين تنسجم هذه اللغة مع الفطرة الإلهية، تكون لغة سليمة تحمل معاني الخير والصدق والعدل والسلام والمحبة.
الكلمات بين الأمان والخوف
تؤثر الكلمات الإيجابية في الحالة النفسية للإنسان، وتساعده على الشعور بالأمان والاستقرار، ويمكن فهم بعض آثارها في ضوء دور الفص الجبهي في تنظيم الانفعالات والتفكير واتخاذ القرارات. فكلمات السلام والمحبة والخير تفتح أمام الإنسان مجالًا للطمأنينة والتفاعل الإيجابي؛ فعندما نقول: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، فإننا نخاطب الآخر بكلمات تحمل معاني الأمان والرحمة والبركة، وتبعث في نفسه الراحة والسكينة.
وفي المقابل، قد تستثير الكلمات السلبية مشاعر التهديد والخوف، بما يرتبط باستجابة اللوزة الدماغية، وتسهم في تصاعد القلق والشعور بعدم الأمان، وقد تزيد معاناة من يعيش حالة من الاكتئاب. وربما خرج الإنسان من بيته مطمئنًا، ثم التقى شخصًا ألقى إليه كلمة سلبية، فزرعت في نفسه الخوف، وتغيّرت حالته النفسية، وظهر أثر ذلك في ملامح وجهه وطريقة تعامله مع الآخرين.
ومن هنا تتضح أهمية المعاني الجميلة التي يستقبل بها الإنسان صباحه عند قراءة الأدعية، مثل دعاء الصباح؛ فهي توجّه تفكيره ومشاعره نحو الرجاء والطمأنينة، وتهيّئه للتعامل مع يومه بحالة أكثر إيجابية واتزانًا. ويتصل هذا الاتزان بوظائف التنظيم والتفكير التي يسهم فيها الفص الجبهي. فالكلمة الطيبة تنفذ إلى أعماق الإنسان، وتمتد إلى جذوره الداخلية، فتغذّي شعوره بالأمان وتمنحه الطمأنينة. ولذلك تبرز أهمية أن يبدأ الإنسان صباحه بالدعاء والاستغفار والتوجّه إلى الله سبحانه وتعالى، لما تحمله هذه الممارسات من عطاءات إيمانية ومعانٍ إيجابية تعينه على التخفّف من القلق.
وإذا كانت الكلمة تبلغ هذا العمق من التأثير، فإن حفظ اللسان يصبح مسؤولية تتصل بما تتركه الكلمات في النفس والحياة. وعن الإمام علي عليه السلام:
«الْكَلَامُ فِي وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ فِي وَثَاقِهِ فَاخْزُنْ لِسَانَكَ كَمَا تَخْزُنُ ذَهَبَكَ وَوَرِقَكَ فَرُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً وَجَلَبَتْ نِقْمَةً»(4).
وتكشف هذه الرواية عن ضرورة صون الكلام قبل إطلاقه؛ فالإنسان يملك كلمته ما دامت في داخله، فإذا نطق بها ارتبط بآثارها وتبعاتها، وقد تستقرّ في نفس من يسمعها وتبقى مؤثرة فيه زمنًا طويلًا. ومن هنا تتصل العناية بما نحفظه من كلمات في داخلنا بالعناية بما نُخرجه منها إلى الآخرين.
وتندرج كلمات الحب والسلام والامتنان ضمن هذا العطاء الإيجابي؛ إذ تساعد على تهيئة حالة من الهدوء تتيح للإنسان توظيف قدراته على التفكير واتخاذ القرارات الواعية والمنطقية، وهي قدرات يسهم فيها الفص الجبهي. أما الكلمات السلبية، حين تحمل التهديد وتتكرر، فقد تستثير دوائر الخوف التي تشارك فيها اللوزة الدماغية، وتُبقي الإنسان في حالة من التوجّس وعدم الأمان، حتى يمتدّ أثرها إلى شعوره بوجوده وعلاقته بالحياة، فيعيش قلقًا وجوديًا متواصلًا.
تخزين الكلمات والمشاعر
والكلمة زرعٌ في كيان الإنسان ومخزونٌ يحمله في داخله؛ فكما يخزن ذهبه وورقه، ويحفظ الذهب والفضة، ويضع مدّخراته في البنك، فإنه يحتفظ بالكلمات ويُراكمها في ذاكرته ووجدانه. وبعض الناس يغلب على مخزونهم الكلام السلبي والسيئ، وقد يشتمل على كلمات بذيئة؛ فتنعكس هذه الحصيلة على ما ينطقون به وعلى نظرتهم إلى أنفسهم والآخرين. وحين يخزن الإنسان الكلمة السيئة والخبيثة، فإنه يختزن معها ما تحمله من سلبية، وما يمكن وصفه بالطاقة السلبية التي تستقرّ في نفسه وتؤثر في مشاعره وسلوكه.
ومن هنا تبرز ضرورة الانتباه إلى الكلمات التي تسهم في تشكيل الشخصية، سواء سمعها الإنسان من الآخرين أم اعتاد ترديدها؛ فقد يصبح أسيرًا لما اختزنه منها، وينظر إلى نفسه وحياته من خلالها. ويتجلّى خطر هذا الأثر في قول أمير المؤمنين عليه السلام: «فرب كلمة سلبت نعمة وجلبت نقمة»؛ إذ قد تمتدّ تبعات الكلمة إلى قرارات الإنسان، فتغيّر مساره وتحرمه فرصًا كان قادرًا على الاستفادة منها.
وفي التربية، مثلًا، قد يقول أحدهم لشاب: «أنت فاشل»، فتترسّخ هذه الكلمة في داخله، ويتّخذها حكمًا على قدرته ومستقبله، حتى يترك دراسته ويتخلّى عمّا يقوم به، وكأن كل شيء قد انتهى عنده. وتكمن المشكلة في أنه يبني موقفه من نفسه وحياته على هذه الكلمة، ويسمح لها بأن تحدّد ما يستطيع فعله وما يعجز عنه. وهنا يظهر أثر الكلمات في رسم الخرائط الذهنية للإنسان؛ فالكلمة المزروعة في داخله قد تتحوّل إلى ما يشبه البرمجة التي توجّه تفكيره وسلوكه، ما دام يتلقّاها بوصفها حقيقةً مسلّمًا بها عن ذاته.
وقد يسمع الإنسان كلمةً في حياته فتتحوّل إلى رمز يسترشد به؛ كأن يسمع كلمة عن العباس عليه السلام أو الإمام الحسين عليه السلام، وما يتصل بسيرتهما من الشجاعة والوفاء، فتبقى في ذهنه خريطةً للشجاعة والالتزام والمسؤولية.
وحين يسمع قول الإمام الحسين عليه السلام: «هيهات منّا الذلة»، وغيره من الكلمات التي يقرؤها أو يسمعها من الخطباء وفي المجالس، فإنها تنزرع في ذهنه وتبرمج خطة حياته. وكذلك قول الإمام علي عليه السلام: «قيمة كل امرئ ما يحسنه»؛ فهي كلمة عظيمة، إذا سمعها الإنسان ورسخت في ذهنه، أصبحت منهجًا لبناء الذات والإحساس بقيمتها. وعندئذ يواصل العمل، ويتجدّد إنجازه، ويرى ثمار هذه الكلمة التي فتحت أمامه مسارات متعددة، بعد أن تبرمجت في شبكته العصبية وأصبح معناها موجّهًا لحركته في الحياة.
فالكلمات ترسم خرائطنا الذهنية؛ ومن يكرّر كلمات الفشل والعجز يبرمج جهازه العصبي على الانغلاق، بينما تفتح الكلمة المتفائلة مسارات عصبية جديدة. وكما تتشكّل هذه الخرائط بالكلمات، تتشكّل على وفقها أفعال الإنسان وسلوكياته، ويظهر أثرها في سيرته وطريقته في التعامل مع الحياة.
الكلمات برمجة ذاتية في العقل الباطن
ويرتبط امتداد هذا الأثر بالعقل الباطن واللاوعي؛ فالكلمات حين تُخزَّن، كما في الحديث المتقدّم عن الإمام عليه السلام، تصبح مخزونًا ورصيدًا في داخل الإنسان، يسير على وفقه في مواقفه وتصرّفاته. وقد يعمل هذا الرصيد في لاوعيه وعقله الباطن كبرمجة ذاتية، من دون أن يدرك أحيانًا سبب ما يصدر عنه. فقد يفعل أحدنا أمرًا أو يقول قولًا، ثم يتعجّب مما فعل أو قال، ولا يعرف لماذا صدر عنه ذلك التصرّف في تلك اللحظة.
ويغيب عنه أن ما صدر عنه له أصل مخزون في عقله الباطن أو لاوعيه العميق؛ فقد سمع كلمة أو قرأها، فاستقرّت في داخله وأسهمت في برمجة ذهنه، ثم ظهر أثرها في تلك اللحظة على هيئة قول أو فعل. ومن هنا تبرز أهمية موقف الإنسان من الكلمات التي يسمعها، وطريقة تلقّيه لها واستجابته لمعانيها؛ إذ يتصل بذلك ما يستقرّ منها في داخله، وما ينعكس من آثارها على تفكيره وسلوكه ومسار حياته.
فإذا كانت الكلمة إيجابية، تستمدّ معناها مما تحمله سيرة المولى أبي الفضل العباس والإمام الحسين عليهما السلام من الشجاعة والكرم، فإنها تغرس في ذهن الإنسان معاني جميلة توجّه تفكيره وسلوكه. أما إذا كانت الكلمات سلبية، فإن أثرها يتصل بمدى خضوع الإنسان لها، وقدرته على رفضها بعقله وعدم الاستماع إليها أو الانسياق وراءها. فإذا قال أحد الصديقين للآخر: «أنت فاشل»، فإن موقفه من هذه الكلمة يحدّد اتجاه استجابته؛ فإما أن يتقبّلها ويبني حياته على أنه فاشل، وإما أن يرفضها ويرفض المسار الذي تدفعه إليه، ويصرّ على الاجتهاد، ويثبت بعمله عكس ما قيل له.
غير أن الطبيعة البشرية، حتى في جانبها العقلي، لا تعمل بهذه البساطة؛ فالإنسان يتأثر بما ترسّخ في داخله من برمجة بدأت منذ الصغر، وقد يجد صعوبة في إدراك أثرها والتحرّر من توجيهها. ولذلك يصبح الوعي بهذه البرمجة منذ الطفولة ضرورة في بناء الإنسان، حتى يستطيع فهم ما يتلقّاه من كلمات، والتمييز بين ما يبنيه منها وما يدفعه إلى التراجع.
ويتضح ذلك في حالة طالب مجدّ ومجتهد يتّخذ صديقًا فاشلًا، وهي حالة تُلاحظ عند كثيرين؛ فبعض الفاشلين والكسالى يحبّون أن يجعلوا الآخرين مثلهم، فيستدرجونهم إلى مسارهم بالكلمات المحبطة. يقول له صديقه: «ما فائدة الدراسة؟ في النهاية لن تحصل على شيء، وستكون حالك حال الناس، ولن تفيدك الدراسة، وأنت تضيّع وقتك». وبهذه الكلمات يبرمجه على التشكيك في جدوى دراسته وجهده، ويسحبه نحو الكسل والتراجع، بعدما كان طالبًا مجدًّا ومجتهدًا.
غرس الكلمات والصوت الداخلي
وهنا يأتي دور العقل وما ترسّخ فيه من برمجة سابقة؛ فقدرة الإنسان على رفض الكلمات السلبية تتصل بما تكوّن لديه منذ الصغر من أفكار ومعانٍ. وتتضح أهمية هذه المرحلة في قول الإمام علي عليه السلام: «وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قبلته»(5). فالحدث، أي الطفل والناشئ، يمتلك قابلية لتقبّل ما يُلقى إليه، كما تتقبّل الأرض الخالية ما يُزرع فيها؛ فإن كان الغرس طيبًا، كان ثمره طيبًا. ومن هنا تبرز مسؤولية غرس المعاني الجيدة والكلمات الطيبة في نفسه منذ سنواته الأولى؛ فالكلمة التي يسمعها في طفولته تصبح صوته الداخلي عندما يكبر، وتسهم في تشكيل نظرته إلى ذاته وقدرته على التعامل مع ما يسمعه من الآخرين.
ويتّضح أثر الكلمة في قصة سمعتها عن رجل غير مسلم اعتنق الإسلام، وكان يروي ما دفعه إلى ذلك، فيقول: «كنت أعيش في منطقة فيها مسلمون، وأسمع الأذان باستمرار، مع أنني أنتمي إلى طائفة أخرى. وكنت كلما سمعت صوته أتفاعل معه، وأشعر بنغم ينفذ إلى أعماقي، فألتذّ به وأنجذب إليه».
وقد دفعه هذا الشعور إلى التساؤل عن سرّ انجذابه إلى الأذان، وما يجعله يتفاعل معه على نحو مختلف عن الآخرين، فأخذ يسأل ويبحث، حتى سأل والدته، فقالت له: «عندما جئت إلى الدنيا، لم أجد أحدًا من رجال دين طائفتنا ليمنحك البركة، فذهبت بك إلى إمام مسجد شيعي، فأذّن في أذنك اليمنى، وأقام في أذنك اليسرى، كما اعتادوا أن يفعلوا».
كان يومها رضيعًا، فترسّخت تلك الكلمات في ذهنه، وبقي أثرها في داخله، ثم تجلّى في انجذابه إلى الأذان كلما سمعه. وهكذا أصبحت الكلمات التي تلقّاها في بداية حياته برمجةً له، امتدّ أثرها حتى اعتنق الإسلام. وتكشف هذه القصة كيف يمكن للكلمة أن تستقرّ في أعماق الإنسان منذ طفولته، ثم يظهر أثرها في مشاعره واختياراته ومسار حياته.
ولكننا لا ننتبه إلى هذه القضايا حين نمضي في حياتنا التقليدية والروتينية، مع ما للكلمات من أثر في حياتنا وحياة من حولنا.
فقد لا يدري الأب ما قاله لابنه، أو ما قاله لزوجته، أو لأخيه، أو لغيرهم، ولكن هذا القول الذي قاله قد يحدّد مسار حياته هو وحياة الآخرين.
وعن الإمام السجاد عليه السلام: «القول الحسن يثري المال وينمي الرزق»(6).
فالناس يحبون القول الإيجابي لذلك ينمي الرزق لأن الناس يتفاعلون معه. وتتضمن الرواية معاني متعددة تتبيّن عند قراءة تمامها وتأمل آثارها في حياة الإنسان.
التربية بالكلمة وبناء الثقة منذ الطفولة
تؤدي الكلمة دورًا في تربية الطفل وبناء شخصيته منذ الصغر، ويتجلّى هذا الدور في أثر كلمات الأهل، من المدح والذم والمقارنة، في نفسية الأطفال والأبناء، ثم في بناء شخصيتهم وتحديد طريقة تفاعلهم مع الحياة. وهذان جانبان مترابطان في فهم ما تصنعه الكلمة في التربية.
وقد تصنع الكلمة إنسانًا واثقًا، وقد تصنع إنسانًا محطّمًا، بحسب ما يتلقاه من معانٍ وما تستقر عليه صورته الداخلية عن نفسه.
فالتربية في جوهرها عملية تواصل، والكلمة أداتها الرئيسية؛ فالطفل يبدأ بتشكيل صورته الذهنية عن نفسه من خلال الكلمات التي يتلقّاها من والديه ومحيطه. ومن هنا تمثّل الكلمة طاقة تشكيلية يتجاوز أثرها نقل الأوامر إلى بناء الأركان النفسية للطفل أو هدمها، وتوجيه نظرته إلى ذاته والحياة.
وكما يتّضح من قصة الأذان المتقدّمة، فإن الكلمة تستقرّ في أعماق الإنسان لتصبح صوتًا داخليًا يرافقه؛ فهو يستقبل الكلمات ويتفاعل معها، ومن هذا التفاعل تتشكّل شخصيته وطريقة تفكيره وقيمه وأخلاقه وسلوكياته. وكل كلمة يسمعها تغرس فيه حالة وتضع لبنة في بنائه النفسي، حتى تتكامل هذه اللبنات وتظهر آثارها في شخصيته وحضوره في العالم الخارجي. وهكذا يحمل الإنسان في تكوينه حصاد ما زرعه الآخرون فيه من كلمات؛ فإذا تلقّى كلامًا محفّزًا وملهمًا، أثمر ذلك توجّهًا إيجابيًا وحركةً وإنجازًا في حياته.
فعندما يعبّر الأب عن ثقته بابنه، ويقول له: «أنا فخور بك»، أو: «أنت مبدع»، أو: «أنت مبتكر»، فإن هذه الكلمات تغذّي عاطفته قبل أن تغذّي أفكاره، وتُشعره بالاهتمام والتقدير. وقد يغفل الآباء عن هذا الجانب في التربية، فيخاطبون أبناءهم بكلمات تحمل معاني التوجيه والنصح، لكنها تأتي قاسية وحادّة، خالية من الدفء العاطفي. أما الكلمة الطيبة الصادقة، فإنها تصل إلى عاطفة الطفل أولًا، وتمنحه الشعور بأنه موضع اهتمام، ثم تفتح الطريق أمام المعنى ليستقرّ في أفكاره.
الكلمة الطيبة غذاء عاطفي يملأ خزان الحب
والكلمة بهذا المعنى غذاء عاطفي يملأ خزان الحب؛ إذ يؤكد المختصون في التربية أن الكلمات الإيجابية لغة حب أساسية. فبالكلمات الرقيقة والدافئة يمتلئ خزان العاطفة لدى الطفل، ويجد ما يحتاج إليه لينمو نموًا سويًا. وتؤدي كلمات الإلهام وبناء الثقة، دورها في تغذية هذا الخزان، بما تحمله من محبة وتقدير وثقة بقدراته.
ومن هنا يتصل الإلهام بطريقة التحفيز التي يستعملها الأب مع ابنه؛ فإذا أراد أن يلهمه ويحفّزه على الدراسة، فعليه أن ينتبه إلى أثر عباراته، فلا يقول له: «اقرأ، وإلا فسوف تفشل وترسب في الامتحان»، أو: «إذا لم تقرأ الآن وتجتهد لتنجح، فستحصل غدًا على درجة ضعيفة». فهذه العبارات تجعل الخوف محور التحفيز، وتُراكم التوتر في داخل الطفل، ثم يأتي الإحباط إذا تعثّر أو أخفق؛ فالتوتر يسبق الإحباط، ويهيّئ له حين يواجه الإنسان الفشل. وهذا هو تخزين التوتر الذي يتصل بالحديث عن الكورتيزول وأثر التحفيز السلبي.
وعندما نستخدم كلمات إيجابية لوصف محاولات الطفل، فإننا نبرمج عقله على المحاولة بدلًا من الخوف من الفشل. فالثناء الصادق يحفّز مراكز المكافأة في الدماغ، مما يزيد إفراز الدوبامين الذي يعزّز التعلم والتركيز.
فبدلًا من قول «رسمك سيئ»، يمكن قول «أنا معجب بالألوان التي اخترتها، يبدو أنك بذلت جهدًا كبيرًا». هذه الكلمة تنقل الطفل من حالة الإحباط إلى حالة الرغبة في التطوير، وتبيّن أثر الكلمة الإيجابية في وصف محاولته. وتربية الطفل على سماع الجميل تجعله شخصية جميلة المنطق في المستقبل.
أما كلمات الإحباط والهدم، مثل «أنت غبي» أو «لن تنجح أبدًا»، فلا تذهب سدى، بل تنغرس في العقل اللاواعي، وتتحول إلى قيود تمنع الطفل من تحقيق إمكاناته.
الكلمة الخبيثة والتدمير المعنوي
وتتصل بهذا البناء ضرورة إدراك خطر الكلمة الخبيثة في التربية وما تُحدثه من تدمير معنوي. فالكلمات السلبية، من النقد والسخرية والمقارنة، تعمل كأحماض تتآكل بها ثقة الطفل بنفسه. ويظهر أثرها في الاجتثاث النفسي؛ فكما وصف القرآن الكلمة الخبيثة بأنها ﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾، تجعل كلمات السخرية الطفل بلا جذور نفسية، يشعر دائمًا بالدونية والقلق.
ويصعب تحديد العدوان السلبي لأنه غالبًا ما يكون مغلّفًا بالأدب أو الفكاهة. ومن ذلك سخرية مقنّعة بروح الدعابة، كأن يقال: «انظروا، من نظّف المكان أخيرًا؟ هل حدثت معجزة؟».
ويبرز كذلك أثر الغضب؛ فإلقاء الكلمات في لحظاته يعطّل الفص الجبهي لدى الطفل، المسؤول عن المنطق، وينشّط مراكز الخوف، مما يجعل التربية تتحول إلى تخويف بدلًا من توجيه.
وعن الإمام السجاد عليه السلام في رسالة الحقوق: «وحق اللسان إكرامه عن الخنى، وتعويده على الخير»(7).
وتعويد لسان الطفل على الخير أعظم حصانة لشخصيته، ويتصل بالثبات الذي تشير إليه الآية: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27].
ويتكامل أثر الكلمة مع القدوة؛ فالأبناء لا يستمعون إلى ما نقوله بقدر ما يراقبون كيف نقوله. وإذا كانت كلمات الوالدين مليئة بالذكر والشكر واللطف، فإن الطفل يتبنّى هذا المنطق كمنهج حياة.
والكلمة الملهمة هي التي تفتح آفاق المستقبل. فعندما يقول الأب لابنه: «أرى فيك سمات القائد»، فإنه لا يمدحه فقط، بل يضع له هدفًا وجوديًا يسعى إلى تحقيقه.
ومن الاساليب التربوية في ذلك قاعدة الخمس إلى واحدة (5 إلى 1)؛ أي أن تقابل كل كلمة نقد ضرورية خمس كلمات توكيد وإعجاب، بهدف بناء شخصية متزنة وصون التوازن النفسي للطفل.
إن دور الكلمة في التربية هو دور الصانع؛ فهي تحدّد ما إذا كان الطفل سيكون شجرة طيبة ثابتة الجذور ونافعة للمجتمع، أم شخصية مشتتة لا قرار لها. والكلمة الطيبة في البيت هي البلسم الشافي الذي يحمي الأبناء من الانحراف والفشل، ويزرع في نفوسهم بذور الإيجابية والنجاح الوجودي.
القول السديد ومراعاة العواقب في البناء التربوي
يقول القرآن الكريم: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9]. والآيات في هذا الباب كثيرة، غير أن هذه الآية تحمل دلالة تربوية بالغة الأهمية؛ إذ تربط الخوف على الذرية الضعيفة بتقوى الله والقول السديد. فالإنسان الضعيف، والطفل على وجه الخصوص، يحتاج إلى كلمة تصدر عن إنسان متّقٍ، يدرك مسؤولية ما يقول، ويعي عواقب كلماته وأثرها في تكوين شخصية الطفل وعاطفته ومشاعره.
وتتجلّى التقوى في هذا الجانب في مراقبة الله سبحانه وتعالى، والخوف من عواقب القول والتصرّف، وضبط المزاج والرغبات عند التعامل مع الأبناء. فالأب المتّقي ينظر إلى ما تصنعه كلماته في ابنه، وكيف تسهم في تشكيل شخصيته وعواطفه ومشاعره، ويجعل مصلحة الابن أساسًا لتوجيهه. أما الأب الذي يغفل عن معنى التقوى وعواقب التربية، فقد تحكمه حالته المزاجية ورغباته وأموره الخاصة، فيوجّه ابنه وفق ما يريده لنفسه، من دون أن يتأمّل أثر ذلك في تكوينه ومستقبله.
ومن أمثلة ذلك أن يصرّ الأب على أن يصبح ابنه طبيبًا في كل الأحوال، لمجرّد أنه يحبّ أن يراه طبيبًا؛ فيجعل رغبته الشخصية هي المعيار الذي يحدّد به مستقبل ابنه. وهذا الإصرار لا يعبّر عن النظر في عواقب تشكيل شخصية الطفل، لأنه ينطلق من رغبة الأب، من دون أن يجعل مصلحة الابن أساسًا للاختيار والتوجيه.
ومصلحة الابن تختلف عن رغبات الأب والأم في تشكيل شخصيته؛ فنحن نركز دائمًا على الإنجازات، ولا نركز على قضية البناء التربوي للإنسان، الذي يشمل العواطف والسلوك والقيم والأخلاق، مع أن العواطف والمشاعر مهمة.
فقد يقول الأب لابنه: «أنا أحبك لأنك نجحت في الامتحان»، وقد يقول له: «أنا أحبك، سواء نجحت في الامتحان أم لم تنجح». ويظهر الفرق بين الكلمتين في أن الأول وضع شرطًا أساسيًا، ومعناه: أنا لا أحبك إذا فشلت، فأعطاه مباشرة طاقة سلبية.
وكلمات المودة غير المشروطة تخبر الطفل أنه محبوب لذاته، وليس لإنجازاته فقط. فقول «أنا أحبك لأنك ابني» يختلف في مفعوله الوجودي عن قول «أنا أحبك لأنك نجحت».
ويظهر معنى المحبة بلا شرط في علاقة الزوج بزوجته أيضًا؛ فإذا طبخت له الطعام وقال لها: «أحبك»، فقد تفهم الزوجة أنه يحبها كلما طبخت له الطعام، وأن محبته لها على أساس طعامها، وليست محبة بلا شروط، ولا محبة لها كإنسان وكشريكة في حياته. والكلمة التي تعبّر عن المحبة بلا شروط هي: «أنا أحبك، سواء طبختِ أم لم تطبخي»، بلا شروط.
هذا هو الفرق في عملية تغذية الآخرين بالكلمات الطيبة، وتخزين الكلمات الطيبة فيهم. وفي النتيجة، فإن قوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ يدعو الإنسان إلى أن يتّقي، وألّا يفكر في نفسه وشخصه وأنانيته، ثم يقول: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قول الرجل للمرأة: إني أحبك، لا يذهب من قلبها أبدًا»(8). ويمتد هذا المبدأ إلى الأطفال؛ فالكلمة الطيبة تترك أثرًا كيميائيًا في دماغ الطفل يمنحه الأمان الوجودي.
والقول السديد الذي تدعو إليه الآية هو القول الذي فيه صلاح وإصلاح، والذي تُراعى فيه العواقب، وله نتيجة وفيه بناء. فهذا هو السديد؛ أي الذي يؤدي، في النتيجة، إلى تحقيق الغايات والأهداف الإصلاحية المطلوبة.
التربية بين الذات والموضوع
وهذا خروج من الذات إلى الخارج، إلى الموضوع؛ فالذات تعني رغباتي ومزاجي، مثل أن أحب أن ينجح ابني في الامتحان ويصبح شخصية كبيرة. أما الخارج، أي الموضوع، فهو أن يكون ابني شخصية صالحة في الحياة، سواء كان طبيبًا أم غير طبيب. ومن هنا يظهر الفرق في عملية البناء العاطفي الحقيقي للإنسان، التي تؤدي إلى خلق شخصية واثقة بنفسها وقوية وثابتة في الحياة، ويتصل ذلك بالقول الثابت الذي تتحدث عنه الآيات القرآنية الكثيرة.
ويصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الكلمة الطيبة بأنها صدقة؛ فالإنسان يُؤجر على ما يقوله من كلام طيب، سواء وجّهه إلى ابنه داخل الأسرة أم إلى غيره خارجها، وينال بذلك أجرًا وثوابًا على ما يبذله من خير بكلماته.
وإذا كانت الكلمة الطيبة صدقة، والصدقة تدفع البلاء، فإن من آثارها أن تعين الإنسان على تجنّب الخيارات السيئة التي تجلب إليه البلاء، حين تنشأ من تقلّبات المزاج والشهوة والأهواء. وفي التربية، نستسلم لهذه الدوافع عندما نوجّه أبناءنا وفق رغباتنا وأهوائنا، من دون أن تقوم تربيتنا على التقوى وما تقتضيه من معرفة العواقب والنظر في نتائج أقوالنا وأفعالنا. وتبرز أهمية هذا الوعي في بناء الشخصية؛ فالطفل الذي يدرس، وكذلك الشاب والمراهق، إنسان له مشاعر وأحاسيس وأفكار وقضايا، وله حياة ينظر إليها من زوايا مختلفة، فلا يمكن التعامل معه كإنسان آلي أو آلة تستجيب للأوامر بمعزل عمّا يجري في داخلها.
ولذلك ينبغي أن يكون الأب نورًا يهدي ابنه ويرشده، ويتفاعل مع مشاعره ويفهم ما يعيشه، فيخاطبه بكلمة تجمع التوجيه والرحمة. وبهذا يلين قلب الطفل أو الشاب أو المراهق، وينفتح على التفاعل الإيجابي مع ما يتلقّاه، ويبدأ بتغذية نفسه تغذية صالحة وسليمة، تنمّي شخصيته وتعينه على الاستقامة في مسار حياته.
ثمرات الكلمة في الأسرة والمجتمع
وفي قضية برّ الوالدين، يقول القرآن الكريم: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، ثم يقول: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. والقول الكريم هو الذي يصون كرامة الإنسان ويعزّز إحساسه بها، ويتصل بذلك المبدأ الوجودي؛ فوجود الإنسان لا يتحقّق إلا بكرامته. ومن هنا تؤثر طريقة مخاطبته في شعوره بالعزّة والثقة بالنفس والرضا عن ذاته، وتؤكّد إحساسه بقيمة وجوده في الحياة، وهو ما تتجلّى دلالته في الأمر بالقول الكريم للوالدين.
وبالتأمّل في الآية تتّضح عبرة تربوية؛ فالقول الجميل الذي يسمعه الأبناء منذ الصغر يعود إلى الوالدين في الكبر من خلال البرّ وحسن الخطاب. وهذه دورة من الزرع والحصاد؛ فما يغرسه الإنسان في أبنائه من كلمات طيبة ومعاملة كريمة يهيّئ لعودة ثمره إليه محبةً ورعايةً وقولًا حسنًا.
وقد يكون من أسباب تقصير بعض الأبناء في برّ والديهم أنهم نشؤوا على الكلمات القاسية، ولم يسمعوا منهما كلامًا طيبًا. غير أن ذلك لا يبرّر العقوق ولا يسقط واجب البرّ؛ إذ تبقى مسؤولية الأبناء قائمة في الإحسان إلى والديهم ومخاطبتهما بالقول الكريم.
الكلمات والارزاق
ويمتدّ أثر الكلمة من الفرد إلى المجتمع؛ فقد يطلق الإنسان كلمة فتسري بين الناس، وتتّسع دائرة تأثيرها مع تداولها وتكرارها. ويتّضح ذلك في بعض الكلمات غير الطيبة التي تنتشر اليوم عبر شبكات التواصل؛ إذ تتحوّل، باستمرار تداولها، إلى وسيلة لزرع المعاني السلبية وبرمجة الناس برمجة غير سليمة، فتسهم في نشر التفاهة وترسيخها في المجتمع.
وفي المقابل، تكشف الرواية عن ثمرات القول الحسن: «القول الحسن يثري المال، وينمي الرزق، وينسئ في الأجل، ويحبب إلى الأهل، ويدخل الجنة». وهذه الثمرات تبيّن سعة أثر الكلمة الطيبة في حياة الإنسان وعلاقاته ومصيره، كما تكشف خطورة ما يقابلها من قول سيئ، يجرّ إليه الفقر وانقطاع الرزق، ويستنزف حياته، ويحرمه محبة أهله، ويعرّضه لسوء العاقبة ودخول جهنم.
ويتّضح معنى أن القول الحسن يثري المال وينمّي الرزق في إقبال الناس على الإنسان الخلوق، صاحب الكلمات الطيبة. فقد يقصد المرء محلًا لشراء حاجة، ويختاره لما يجده عند صاحبه من حسن الكلام وطيب المعاملة، وقد يشتري منه أحيانًا شيئًا لا يحتاج إليه، رغبةً في لقائه والحديث معه. وفي المقابل، قد تكون حاجته عند صاحب محل آخر، لكنه يمتنع عن الذهاب إليه لسوء أخلاقه وكلماته، وما يصدر عنه من سبّ أو كلام بذيء. وهكذا تصبح الكلمة الطيبة سببًا في إقبال الناس واتّساع الرزق، بينما تنفّرهم الكلمة السيئة وتقطع أسباب التعامل.
أما قوله: «وينسئ في الأجل»، فيتصل بأثر ما يحمله الإنسان في داخله من طمأنينة أو انفعال، وهو ما يرتبط ببحث تدمير الذات. فالإنسان المعبّأ بالكلمات السيئة والطاقة السلبية، الذي يخاطب الآخرين بحدّة وقسوة ويثير الكراهية، يراكم في نفسه الغضب والكبت والإحباط، ويعيش تحت وطأة انفعالات تستنزف حياته. وقد تظهر آثار ذلك في ارتفاع ضغط الدم أو الإصابة بأمراض القلب، وقد تنتهي بعض الحالات بسكتة قلبية تقصّر عمره. ولهذا المعنى امتداد في بحث تدمير الذات وما تخلّفه هذه الانفعالات، ويُترك تفصيله إلى موضعه.
ويتجلّى قوله: «ويحبب إلى الأهل» فيما تصنعه الكلمات الإيجابية من مودة باقية في القلوب؛ فقد ورد في الرواية: «قول الرجل للمرأة: إني أحبك، لا يذهب من قلبها أبدًا». وكذلك الأب حين يستقبل أبناءه بكلمات طيبة، ويخاطبهم برقة ومشاعر وعاطفة، فإنه يغرس محبته في نفوسهم، كما تغرس الأم محبتها بحسن كلامها ودفء تعاملها. ويمتدّ هذا الأثر إلى خارج الأسرة، فيحبّ الناس صاحب الكلمة الطيبة ويأنسون به، وتكون محبتهم عطاءً مهمًا في حياته.
وهكذا تتكامل ثمرات الكلمة الطيبة، ويتّضح تشبيهها بالشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء؛ فهي راسخة في منبعها، ممتدّة في عطائها، يرتقي بها الإنسان مع عمله الصالح إلى الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. وبذلك يتّصل أثرها بنماء المال والرزق، وبركة الحياة وامتداد العمر، ومحبة الأهل والمجتمع، ثم دخول الجنة. فالكلمة الطيبة مفتاح لكل خير، ومن هنا تتجلّى دلالة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الكلمة الطيبة صدقة».
صيانة اللسان وعمق التأمل قبل الكلام
في لحظة الغضب تشتدّ الحاجة إلى اختيار كلمات لا تجرح المقابل ولا تسيء إليه، حيث تتّضح دلالة المثل: «إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب»؛ فقيمة السكوت فيما يتيحه من فرصة للتفكير قبل خروج الكلام. والمقصود أن يمنح الإنسان نفسه لحظات يتأمّل فيها قبل الرد، خمس ثوانٍ أو عشرًا، أو أكثر بحسب الموقف، حتى يختار ما يقول بوعي. فالمؤمن يتّصف بالصمت والتأنّي، ولا يسارع إلى الرد تحت ضغط الانفعال، ولا سيما الغضب، بل يجعل بين شعوره وكلامه فسحةً من الصمت تتيح له التأمّل وضبط الاستجابة.
غير أن بعض الناس يعتادون الكلام المتواصل، ويحرصون على التعبير عن كل ما يخطر لهم من دون توقّف أو تفكير. وحين يندفع الكلام على هذا النحو، من غير تأمّل ولا صمت يسبقه، قد تختلط فيه الكلمات الجيدة بالكلمات السيئة، وربما غلبت الإساءة من دون أن يشعر صاحبها بما يقول أو بما يتركه من أثر. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون الكلام قليلًا في لفظه، واضحًا في معناه، على وفق القول: «خير الكلام ما قلّ ودلّ».
وقد تكون كثرة الكلام، في بعض الحالات، تعبيرًا عن العجز عن الصمت والخوف مما يفتحه من مجال للتأمّل؛ فالإنسان حين يصمت يجد نفسه أمام أفكاره ومسؤوليته، ويصبح مطالبًا بمحاسبة نفسه واختيار كلماته. فإذا كان لا يريد مواجهة هذه المسؤولية، فقد يلجأ إلى الكلام المستمر هربًا منها. وهكذا تتحوّل كثرة الكلام إلى هروب من الصمت، لأن الصمت يحتاج إلى عمق يقف فيه الإنسان مع نفسه، ويراجع تفكيره، ويتحمّل مسؤولية ما يختار أن ينطق به.
وعن الإمام الصادق عليه السلام: «لا يزال العبد المؤمن يُكتب محسنًا ما دام ساكتًا، فإذا تكلم كُتب محسنًا أو مسيئًا»(9).
خاتمة
الكلمة الطيبة زرع يمتد في أعماق الإنسان، ويثمر ثقة وطمأنينة ومحبة وعملًا صالحًا. وحين يختار الإنسان قوله على أساس التقوى ومراعاة العواقب، يسهم في بناء شخصية ثابتة، ويحفظ كرامة من يخاطبه، ويغذّي عاطفته قبل أفكاره. ومن الأسرة إلى المجتمع، تعود ثمار ما يُزرع من كلمات إلى أصحابها، فيكون القول السديد والكريم طريقًا لبناء الحياة، ويكون التأمل قبل الكلام صيانة لهذا البناء ولما يتركه اللسان من أثر.
وفي المقال القادم، سنتناول كيف يمكن أن يسهم الإنسان في تدمير نفسه من خلال كلماته، وما تتركه الكلمة الجارحة أو السلبية من آثار في الفرد والمجتمع، وأسباب بقاء بعض الكلمات الجارحة في الذاكرة لسنوات. كما سنبحث دور الكلمة في نشر المحبة أو الكراهية داخل المجتمع، وأثرها في حلّ النزاعات أو تأجيجها.



اضف تعليق