الغرور حرب ضروس بين الإنسان ونفسه

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

الحياة الدنيا تتزين لترمي بالإنسان في شباك الغفلة والشهوات، وكل ما يؤدي إلى زيادة قدرة الإنسان وإمكاناته كالشباب والمال والعلم والسلطة قد يدفعه نحو الغرور والتبرير الزائف للاستغناء. غير أن العقل والبصيرة والتلقين الذاتي للتقوى تمثل الدروع المانعة من السقوط. الاعتماد على النفس فضيلة محمودة، أما الاغترار بها فيجر الإنسان نحو الخسران المبين وضياع الطمأنينة...
(كل شيء يؤدي لزيادة قدرة الإنسان وإمكاناته سيدفعه نحو الغرور)
سماحة المرجع الشيرازي

يقدم لنا قول الله تعالى (فلا تغرنكم الحياة الدنيا) تحذيراً إلهياً عميقاً من زيف الحياة ومغرياتها التي تخطف الأبصار والقلوب، فالحياة الدنيا بطبيعتها غدارة، تتزين للناس ببريقها وزخرفها لكي توقعهم في شباك الغفلة والنسيان، وتأتي الشهوات في طليعة هذه الفتن، فهي السلاح الأقوى الذي تستخدمه النفس الضعيفة لجر الإنسان نحو هاوية التعلق الزائف بكل ما هو فان، تاركاً خلفه الدار الآخرة، متعلقا بأذيال الدنيا. 

غير أن الله سبحانه لم يخلق الإنسان بلا درع يتقي به هذه الفتن، بل حباه بنعمة العقل والبصيرة والتفكر، وهذا العقل الواعي هو الحصن المنيع الذي يمكنه من إيقاظ الضمير الحساس وإعادة توجيه بوصلة النفس والإيمان نحو الحق، لذا فإن التأمل الواعي في عواقب الأمور وسرعة زوال هذا المتاع الدنيوي يُمكّن الإنسان من إجراء حوار داخلي مستمر يلقن به نفسه دروس الزهد والوعي والتقوى. 

وبهذا التلقين الذاتي المستمر، يستطيع المرء أن يكبح جماح رغباته العارمة، ويقف حائط صد منيعاً أمام كل محاولة تدفعه نحو الغرور، وحين يتسلح الإنسان باليقظة العقلية، فإنه يحول دون أن تخدعه المظاهر المزيفة والبراقة، ويبقى قلبه معلقاً بالقيم الحقيقية والثابتة التي تقيه عواقب الانجراف وراء سراب الدنيا الزائل.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يذكر ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة تحمل عنوان الغرور:

(يقول الله تعالى مخاطبا جميع البشر (فلا تغرنكم الحياة الدنيا) فالحياة الدنيا بمعنى الشهوات ويعني دنيا كل انسان، فكل انسان يعيش في هذ الحياة التي هي حياة دانية ودنية في نفس الوقت، فالشهوات تبعث على الغرور ولكن الانسان بعقله وتأمّله وتفكّره يحاول ان يلقّن نفسه حتى تدفع به الشهوات نحو الغرور).

الاعتماد على النفس فضيلة إنسانية عظيمة تمكن الإنسان من استثمار إمكاناته وطاقاته الكامنة لمواجهة تحديات الحياة، بخلاف الضعف والعجز اللذين يعطلان هذه القدرات ويمنعان صاحبها من الانتفاع بما وهبه الله، غير أن هذا الاعتماد والميل نحو الاكتفاء الذاتي قد يتحولان خطأً إلى شعور زائف بالاستغناء المطلق والتعالي، وهو ما يُعرف بالاغترار بالنفس. 

السقوط في فخ الضعف

فالغرور دليله الغفلة، إذ ينسى الإنسان أن قوته ومواهبه ليست سوى نعم قابلة للزوال، ومنحة إلهية يمكن أن تزول في أي لحظة، ومن هنا فإن السقوط في فخ الضعف وسلب الإرادة أمر قابل للحدوث، والوقوع في براثن الغرور والاعتداد المفرط بالذات أمر مذموم وخطر على الإنسان. 

المعادلة الصحيحة والوسطية تكمن في أن يتحلى الإنسان بروح المسؤولية والاعتماد على نفسه في تدبير أموره وسعيه، مع الاحتفاظ بفضيلة التواضع الدائم، مستشعراً فقره وضعفه أمام خالقه، فلا يُهين نفسه بالاتكال المذموم، ولا يطغى عليها بالغرور الأعمى، بل يسير باعتدال وثبات.

لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(إن الاعتماد على النفس شيء والاغترار بها شيء آخر، فالاعتماد على النفس فضيلة مقابل ان الانسان يكون ضعيفاً بالنسبة الى الامكانات المتواجدة عنده فلا يستفيد منها، فضعف النفس مقابل الغرور ذاك ايضاً غير صحيح، والصحيح ان يكون الانسان معتمدا على نفسه غير مغرور وغير مغتر بهذه النفس).

وهنالك حالات وأسباب معينة تؤدي بالإنسان نحو الغرور، فالشباب بما يحمله من طاقة وقوة جبارة، والمال بما يمنحه من سعة وقدرة، والعلم بما يورثه من وعي وإدراك، محفزات أساسية قد تدفع الإنسان نحو فخ الغرور والتعالي، كذلك تعد مرحلة الشباب مبعث حيوية وقدرات بدنية هائلة قد تُنسي المرء ضعفه البشري، أما المال فهو طاقة مادية تفتح الأبواب وتحقق الرغبات، فيظن صاحبه أنه يملك مفاتيح كل شيء. 

بينما يكون العلم سلاحا ذا حدين، فبقدر ما ينير العقل فإنه قد يُصاب صاحبه بالغرور لاعتقاده أنه بمقدار علمه قد استغنى عن الآخرين وصار لا يحتاج لأحد، وكل هذه النعم إن لم تضبط بالتقوى والتواضع، تصبح أدوات طغيان واغترار، فالإنسان العاقل هو من يدرك أن الشباب زائل والمال معرض للضياع، والعلم هبة من الله، فلا تدفعه هذه القوى للاستغناء المذموم أو الغرور، بل ينبغي أن تزيد تواضعه وشكره لواهب النعم.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(الشباب مما يوجب الغرور للإنسان لأن الشباب مبعث قوة ومبعث قدرة ومبعث طاقة ومبعث امكانات والمال يوجب الغرور للإنسان لأن المال طاقة وقدرة وامكانات والعلم يصيب الإنسان بالغرور. فالإنسان الذي له علم وبمقدار علمه يستغني عن الآخرين).

أيها المثرون لا تغتروا بأموالكم

كذلك تسنّم مقاليد الحكم تصيب الإنسان بالغرور والجمال أيضا، وكل ما يمنح الإنسان قوة وإمكانات استثنائية، تمثل أرضاً خصبة لنشوء الغرور وتضخم الأنا، فالمناصب والسلطة تُشعر صاحبها بالهيمنة والقدرة على التوجيه، والجمال يمنحه ألقاً وحضوراً يجذبان الأنظار، مما يزرع في نفسه وهماً بالاستغناء والتفوق. 

والخطورة الكبرى تكمن في أن يتوهم المرء بقاء هذه الطاقة والقدرة، ظاناً أنها سرمدية أو تدوم طوال العمر، هذا الوهم هو بداية الانحدار، لأن الغرور يحجب الرؤية الصحيحة ويُغفل طبيعة الحياة القائمة على التغير والزوال، وحين يستسلم الإنسان لغروره ويتغافل عن حقيقة أن كل قدرة مادية أو معنوية هي عارية مستردة، يكون قد وضع قدمه على طريق السقوط الأخلاقي والفعلي.

سماحة المرجع الشيرازي يؤكد هذه النقطة حينما يقول:

(الرئاسة والحكم والحكومة، طاقة وامكانات وقدرة وهذه توجب الغرور للانسان، والجمال يوجب الغرور للإنسان. فكل شيء يوجب القدرة والامكانات للإنسان فهو يوجب الغرور للانسان، والانسان اذا اغتر وتصور ان هذه الطاقة والقدرة والامكانات باقية له الى الابد او الى آخر العمر او فترة ما من الزمن فهذه الحالة توجب السقوط للإنسان).

لذا على شبابنا لا يغتروا بطاقاتهم وحيوتهم، وعلى أصحاب الأموال أن لا تبطرهم سعة أرزاقكم وأموالكم، وعلى حكام الأرض لا يخدعهم كرسي الحكم وسلطانه، وحتى علماء الأمة يجب أن لا يصيبهم الغرور بعلمهم ومعرفتهم، وكذلك أصحاب الجمال من رجال ونساء، لا تأخذكم العزة بالجمال وتنسيكم أصلكم. 

إن كل هذه النعم التي تتكئون عليها هي هبات زائلة وامتيازات مؤقتة، والغرور بها ليس إلا فخاً خفياً يقود صاحبه نحو الهلاك المبين، فالإنسان الذي يسقط في براثن التعالي والغرور يخسر سعادة دنياه وطمأنينة قلبه قبل أن يصل إلى محطة الآخرة، ليجد نفسه في النهاية خاسراً لكل شيء بسبب ومضة كبرياء كاذبة.

يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(أيها الشباب لا تغتروا بشبابكم وايها المثرون لا تغتروا بأموالكم وايها الحكام لا تغتروا بحكوماتكم، وايها العلماء لا تغتروا بعلمكم واصحاب الجمال من الرجال والنساء لا تغتروا بجمالكم فإنّ الغرور يجرّ الانسان الى خسارته دنياه والى خسارته آخرته).

بالنتيجة يتضح لنا يتضح بأن الغرور ليس مجرد خلقٍ مذموم، بل هو شقاق يهدد بنيان النفس ويهدم العلاقات الإنسانية، إنه يحجب العقل عن رؤية الحقائق، ويستبدل التواضع بالاستكبار والتعالي، فالغرور يؤدي بصاحبه نحو الهلاك، ويحرمه من محبة الخالق والخلق، لينتهي به المطاف خاسراً لدنياه وآخرته، مجردا من كل نعمة ظن أنها ستمكث له أبداً.

اضف تعليق