يكشف قرار تخفيض القيمة الرسمية للدينار عن أزمة تتجاوز السياسة النقدية إلى طبيعة العقل الاقتصادي الحاكم؛ إذ انحصرت خيارات معالجة العجز المالي في المفاضلة بين الاقتطاع المباشر لرواتب الموظفين أو التخفيض غير المباشر لقوتهم الشرائية عبر تخفيض قيمة العملة. الاعتراض لا ينطلق من إنكار التحديات المالية، بل من ضيق الأفق الذي يجعل الإنسان العراقي الطرف المقتطع منه دائماً...
يكشف قرار مجلس الوزراء العراقي رقم (544) لسنة 2026، المؤرخ في السادس من تشرين الأول، والقاضي بتخفيض القيمة الرسمية للدينار العراقي أمام الدولار، عن مشكلة تتجاوز في خطورتها مسألة سعر الصرف إلى طبيعة العقل الاقتصادي الذي يدير الدولة العراقية، وحدود الأفق الذي يتحرك فيه عند مواجهة الأزمات المالية. فقد بدا، من خلال الخيارات المتداولة لمعالجة أزمة السيولة المالية، أن التفكير انحصر بين خيارين أساسيين: إما تخفيض رواتب الموظفين بصورة مباشرة، وإما تخفيض قيمة العملة الوطنية، بما يؤدي إلى تقليص القوة الشرائية للرواتب بصورة غير مباشرة. وقد وقع الاختيار على الطريق الثاني، الذي يبدو أقل صدامًا مع المواطنين من الناحية الشكلية، لكنه قد لا يقل عنه إضرارًا بمستويات معيشتهم من الناحية الاقتصادية والاجتماعية.
وإذا كان القرار قد اتخذ بناءً على عرض قدمه وزير المالية ومحافظ البنك المركزي بصورة طارئة خلال اجتماع مجلس الوزراء، كما جاء في نص الوثيقة، فإن من حق المواطنين أن يعرفوا طبيعة الأزمة التي استدعت هذا الإجراء، وحجم العجز الفعلي في السيولة المالية، والبدائل التي درستها الحكومة قبل اتخاذ القرار، والأسباب التي جعلتها تختار تخفيض قيمة الدينار بدلًا من البحث عن حلول أخرى لا تنقل كلفة الاختلال المالي إلى المواطنين. فالمشكلة لا تتعلق بمجرد صلاحية الحكومة في اتخاذ القرار، وإنما تتعلق بالمنهج الذي يحكم عملية اتخاذ القرار الاقتصادي، وبمدى قدرته على تجاوز الحلول التقليدية التي تعالج نتائج الأزمة دون معالجة أسبابها البنيوية.
إن تخفيض الرواتب وتخفيض قيمة العملة، على الرغم من اختلافهما من الناحية الفنية، يلتقيان عند نقطة جوهرية واحدة، هي تحميل المواطن العراقي جزءًا من كلفة معالجة الأزمة المالية. ففي الحالة الأولى تنخفض القيمة الاسمية للدخل الذي يتقاضاه الموظف، وفي الحالة الثانية تبقى الأرقام المكتوبة على قسيمة الراتب كما هي، لكن القوة الشرائية للدخل تتراجع بقدر ما ينتقل أثر انخفاض قيمة الدينار إلى أسعار السلع والخدمات. وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، تصبح هذه المخاطر أكثر وضوحًا، لأن ارتفاع كلفة الحصول على الدولار يمكن أن ينعكس على أسعار المواد الغذائية والأدوية والسلع الاستهلاكية ومستلزمات الإنتاج، وإن اختلف حجم هذا الانعكاس بحسب طبيعة الأسواق والسلع والإجراءات المصاحبة.
وهكذا فإن المواطن يجد نفسه أمام معادلة غير عادلة، يدفع فيها ثمن الاختلالات المالية التي لم يكن هو المسؤول عن إنتاجها، ويتحمل نتائج السياسات الاقتصادية التي لم يشارك في تقريرها، بينما تبقى الأسباب العميقة للأزمة قائمة دون تغيير جوهري. والأشد إثارة للقلق أن هذه المعادلة تكشف عن استمرار النظر إلى الإنسان بوصفه الطرف الذي يمكن اقتطاع الموارد من قدرته الشرائية كلما تعرضت مالية الدولة للاختلال، بدلًا من النظر إليه بوصفه العنصر المركزي في العملية الاقتصادية والحضارية، الذي ينبغي أن تتجه السياسات العامة إلى تعزيز قدرته على العمل والإنتاج وتحسين مستوى حياته.
ومن هنا فإن الاعتراض على القرار لا ينطلق من إنكار وجود تحديات مالية تواجه الدولة العراقية، ولا من الادعاء بأن المحافظة على سعر الصرف أمر ممكن في جميع الظروف بصرف النظر عن المعطيات الاقتصادية، وإنما ينطلق من الاعتراض على ضيق الأفق الذي يجعل تقليص القوة الشرائية للمواطنين خيارًا حاضرًا في مقدمة المعالجات، بينما تغيب عن النقاش الحكومي المعلن البدائل التي تتعلق بإعادة بناء القدرة الاقتصادية للدولة، واسترداد الأموال المهدورة، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، وإصلاح المؤسسات الاقتصادية، وتفعيل القطاعات الإنتاجية المعطلة.
لقد طرحت في مقال سابق مفهوم «الدينار الحضاري» في مقابل الدينار النفطي أو الدولاري، بوصفه مدخلًا إلى إعادة التفكير في الأساس الاقتصادي الذي تستند إليه قوة العملة الوطنية. ولم يكن المقصود ابتكار تسمية جديدة للدينار العراقي، ولا اقتراح إجراء نقدي محدود لتعديل سعر صرفه، وإنما الدعوة إلى تغيير المنظور الذي تُدار من خلاله العلاقة بين العملة والاقتصاد والدولة والمجتمع. فالدينار النفطي يستمد الجزء الأكبر من قوته الفعلية من الإيرادات النفطية التي تتحول إلى دولارات تدخل الاقتصاد الوطني، بينما يقوم تصور الدينار الحضاري على بناء اقتصاد منتج تتسع فيه مصادر تكوين الثروة، وتزداد فيه إنتاجية العمل، وتتقدم فيه الصناعة والزراعة والخدمات المنتجة والمعرفة والتكنولوجيا، وتتحول فيه الموارد الطبيعية من مصدر للإنفاق الجاري إلى قاعدة لبناء القدرة الاقتصادية المستدامة.
وهذا التصور ليس مجرد اقتراح اقتصادي منفصل عن الإطار الفكري الذي أنتجه، وإنما هو تطبيق مباشر للفلسفة الحضارية التي تنظر إلى الاقتصاد بوصفه ثمرة لتفاعل عناصر المركب الحضاري المتمثلة بالإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل، في إطار منظومة القيم العليا الحاكمة. فحين تتكامل هذه العناصر في عملية إنتاجية منظمة، وتخضع إدارة الموارد لمبادئ العدالة والكفاءة والأمانة وتعظيم القيمة وتقليل الهدر، يصبح الاقتصاد أكثر قدرة على إنتاج الثروة بصورة مستمرة، وتصبح العملة الوطنية مستندة إلى قاعدة إنتاجية أوسع وأكثر تنوعًا، بدلًا من بقائها شديدة الارتهان لتقلبات الإيرادات النفطية وتدفقات الدولار.
ويبدو أن فكرة الدينار الحضاري، بهذا المعنى، لم تدخل بعد في أفق التفكير الاقتصادي المعلن لدى القائمين على إدارة الأزمة المالية العراقية. وليس المقصود أنهم يجهلون المصطلح الذي اقترحته شخصيًا، فالمصطلحات ليست هي القضية، وإنما المقصود أن الخيارات التي ظهرت في النقاش حول الأزمة لا تعكس انتقالًا حقيقيًا من عقلية إدارة الريع إلى عقلية بناء القدرة الإنتاجية الحضارية. وإذا كانت الحكومة تمتلك تصورًا آخر يتجاوز هذه الخيارات، فمن حق المجتمع أن يطلع عليه، وأن يعرف مكوناته وآليات تنفيذه وجدوله الزمني، بدلًا من أن يفاجأ بقرارات تمس القيمة الفعلية لدخله ومدخراته.
وقد يقال إن مفهوم الدينار الحضاري يمثل مشروعًا طويل الأمد، بينما تواجه الحكومة أزمة سيولة عاجلة تحتاج إلى حلول فورية. وهذا اعتراض مفهوم من الناحية الزمنية، لكنه لا يصلح مبررًا للفصل بين إدارة الأزمة وبناء البديل الاقتصادي. فالدولة التي تمتلك رؤية استراتيجية تستطيع أن تتخذ إجراءات عاجلة لمعالجة اختلال التدفقات النقدية، وفي الوقت نفسه تضع هذه الإجراءات ضمن مسار واضح للتحول الاقتصادي، بحيث لا تتحول المعالجات المؤقتة إلى آلية دائمة لإعادة إنتاج الأزمات. أما الدولة التي تفتقر إلى هذا المسار، فإنها ستجد نفسها مضطرة إلى العودة مرة بعد أخرى إلى الإجراءات نفسها كلما انخفضت إيراداتها أو ارتفعت التزاماتها.
ولا بد هنا من التمييز بين أزمة السيولة وأزمة القدرة الاقتصادية، لأن الخلط بينهما قد يؤدي إلى اختيار أدوات لا تعالج المشكلة التي يُراد حلها. فقد تمتلك الدولة موارد وإيرادات متوقعة لكنها تواجه اختلالًا مؤقتًا في توقيت التدفقات النقدية، وقد تعاني من عجز مالي بنيوي ناتج عن ارتفاع النفقات قياسًا إلى الإيرادات المستدامة، وقد تواجه اختلالات نقدية تتعلق بسوق الصرف والطلب على العملات الأجنبية. ولكل حالة أدواتها المناسبة، ولا يجوز افتراض أن تخفيض قيمة الدينار يعالج تلقائيًا جميع هذه المشكلات. ولذلك فإن أول واجبات الحكومة هو تقديم تشخيص مالي واقتصادي معلن يوضح طبيعة الأزمة قبل مطالبة المواطنين بتحمل تبعات القرار.
ومن منظور الدولة الحضارية الحديثة، لا يكفي أن تنجح الحكومة في تأمين رواتب الشهر المقبل إذا كان الثمن هو إضعاف القدرة الشرائية للمواطنين من دون معالجة الأسباب التي تجعل الرواتب نفسها مهددة كلما تعرضت الإيرادات النفطية للاهتزاز. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بمجرد قدرة الدولة على الاستمرار في الإنفاق، وإنما بقدرتها على بناء اقتصاد يخلق الثروة، ويوسع فرص العمل، ويرفع الإنتاجية، ويضمن عدالة توزيع العوائد، ويقلل الهدر، ويحول الزمن من سلسلة أزمات متكررة إلى مسار تراكمي للتقدم الحضاري.
إن العراق لا يفتقر إلى الموارد الطبيعية أو الإمكانات البشرية أو الموقع الجغرافي أو الفرص الاقتصادية التي تؤهله لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على الصمود، لكنه يحتاج إلى مؤسسات وسياسات تستطيع تحويل هذه الإمكانات إلى قدرة إنتاجية فعلية. وهذه هي المسألة المركزية التي يطرحها مفهوم الدينار الحضاري: الانتقال من دولة تعتمد على ما تحصل عليه من بيع النفط لتوزيعه، إلى دولة تعمل على تنظيم الطاقات الحضارية للمجتمع من أجل إنتاج الثروة وتجديدها، بحيث تصبح قوة العملة نتيجة لقوة الاقتصاد، لا مجرد انعكاس لحجم الدولارات التي تدخل الخزانة العامة.
إن قرار تخفيض قيمة الدينار يضع الحكومة أمام مسؤولية تتجاوز الدفاع عن الإجراء النقدي نفسه، إلى تقديم إجابة مقنعة عن طبيعة البدائل التي درستها، ومدى عدالتها، والنتائج الاجتماعية المتوقعة لها، والخطة التي وضعتها لمنع تكرار الأزمة. وليس من المقبول أن تظل السياسة الاقتصادية حبيسة المفاضلة بين تخفيض الرواتب وتخفيض قيمة العملة، وكأن المجتمع العراقي لا يمتلك من الموارد والإمكانات إلا ما يمكن اقتطاعه من دخول مواطنيه.
إن المشكلة الكبرى ليست أن الحكومة اختارت تخفيض قيمة الدينار بدلًا من تخفيض الرواتب، وإنما أن الأفق الاقتصادي الذي يظهر من هذه الخيارات ما زال يتحرك داخل حدود توزيع النقص، بدلًا من الانتقال إلى بناء القدرة على إنتاج الوفرة. وهذا هو الفارق الجوهري بين عقلية الدينار النفطي وعقلية الدينار الحضاري. فالأولى تسأل كيف نوزع الأموال المتاحة عندما تتناقص، بينما تسأل الثانية كيف نبني اقتصادًا تتسع فيه القدرة على إنتاج الثروة وتوزيعها بعدالة. وما لم ينتقل العقل الاقتصادي الحاكم من السؤال الأول إلى السؤال الثاني، فإن العراق سيبقى معرضًا لأزمات مالية متكررة، وسيبقى المواطن الطرف الذي يُطلب منه دفع كلفة الإخفاق في بناء اقتصاد منتج، مهما تغيرت أسماء الحكومات ومهما تعددت الإجراءات النقدية والمالية.



اضف تعليق