إن من يقبل لنفسه أكل الحرام، ويطعم أفراد أسرته منه، لن يجد غضاضة في ارتكاب مختلف اشكال الفساد والاختلاس بتبريرات مختلفة منها: إن هذا حقّي لإسكات ما بقي من أنّات واهتزازات للضمير في داخله، والعاقبة الثانية فهي فقدان اللذة فيما كل ما يتناوله ويتملكه من الحرام...
"وإياكم أن تَشْره أنفسكم الى شيٍء ممّا حرّم اللهُ عليكم، فانه من انتهك ما حرّم الله عليه ها هنا في الدنيا؛ حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها وكرامتها القائمة الدائمة لأهل الجنة أبد الآبدين".
اخترنا هذا المقطع من سلسلة وصايا الإمام الصادق، عليه السلام، في رسالته المطولة الى شيعته، والتي تدبّر فيها سماحة المرجع الديني السيد صادق الشيرازي في مؤلفه: "نهج الشيعة"، علّنا نتخذه وسيلة لمعالجة الاوضاع الاقتصادية الاجتماعية المتأزمة في العراق وفي سائر البلدان الاسلامية بسبب سياسات الانظمة الحاكمة وإصرارها على تكريس المنهج المادي في حياة الانسان والمجتمع.
البرامج التنموية التي تفتح ابواب الاستثمار على مصراعيها دون تغليب مصلحة الوطن والمواطن على الشركات وأصحاب الرساميل، وعلى الاتفاقيات التجارية الخاسرة والمجحفة لحق البلد، وما أشبه من أعمال الفساد المُبطن بغية الحصول على مكاسب مالية هائلة، كل هذا يلقي بظلاله الكثيفة والسيئة على حياة المواطن، وتحديداً على الكسبة واصحاب المهن البسيطة تدفعهم لأن ينقذوا لقمة عيشهم من خلال رفع الاسعار، او الاحتكار لضمان نسبة مطمئنة من الارباح، وإن كلّف هذا انتهاك ما يحذر منه الامام الصادق، عليه السلام، في رسالته الى شيعته والمؤمنين طول الزمن، من الانزلاق في مهاوي ما يُطلق عليه بـ "الشَرَه"، وان ينقاد الانسان بنفسه الشَرِهَة، وقد أوضح العلماء معنى الشره بأنه "شدة الحرص"، و "أسوء الحرص".
هذا كان التفسير اللغوي لمفردة "الشره"، أما المعنى الاصطلاحي فهو ينصرف الى شدّة الاهتمام والتعلّق بشيء الى حدود غير طبيعية، ولنا وقفة مع الحديث النبوي الشريف لنعرف خطورة هذه الحالة النفسية: "يشيب ابن آدم وتشبّ معه خصلتان: الحرص و طول الأمل"، مما يدل على خطورة هذه الحالة وإمكانية تحولها الى منهج ونظام يلازم حياة الانسان.
سماحة المرجع الشيرازي في مؤلفه القيّم المشار اليه، ينوّه الى الجانب الايجابي من اهتمامات الانسان في حياته اليومية مما تعد من مستلزمات الحياة "فالرغبات المقيّدة بحدود لا تسمى حرصاً، بل هي تلبية لضرورات الحياة، وقد أحلّ الشرع تلبية الرغبات ضمن الحدود المعقولة".
ما الذي يخسره الفاسدون؟!
يتصور البعض أن من يأخذ الرشوة، ويختلس اموال الدولة، او يبني ثروته من المال والعقار عن طريق الفساد، بامكانه العيش في أرقى درجات السعادة؛ له ولأفراد عائلته، لأن بامكانه فعل ما يريد، وشراء ما يُحب، ولذا نلاحظ ظاهرة الأسف عند البعض –ومع الأسف ايضاً- على ما هم عليه من قلّة ذات اليد، وعدم تمكنهم من امتلاك الدار الكبيرة، والسيارة الفارهة من آخر موديل، والتمتع بكل مباهج الحياة، وهم في هذا واهمون، لسبب بسيط واحد؛ اقتصارهم على الرؤية الظاهرية التي لا يتجاوز مداها امتار بين العين والقصر المهيب والسيارة الجميلة، بينما ما وراء كل هذا خافياً، يظهر عندما تنفجر الفضيحة، ويسقط احد افراد العائلة في فخ جريمة ما.
الامام الصادق، عليه السلام، يحذرنا من عاقبتين خطيرتين لهذا التوجه الخاطئ:
العاقبة الاولى: استسهال ارتكاب المحرمات والجرائم وعدّها أمور طبيعية، بل واحياناً يرى صاحبها أنه مُحق فيما يفعل، أو "إن الآخرين يستحقون ذلك"! وهذا ما نشهده في العراق اليوم، حيث يتجرأ الفاسدون على فعل كل شيء دون أن يرفّ لهم جفن، او يوخز فيهم ضمير لأنهم عطلوا عمل هذا الضمير بانغماسهم في الشره الى ما حرّم الله –تعالى-، كما جاء في تحذير الامام الصادق، بمعنى؛ إن من يقبل لنفسه أكل الحرام، ويطعم أفراد أسرته منه، لن يجد غضاضة في ارتكاب مختلف اشكال الفساد والاختلاس بتبريرات مختلفة منها: "إن هذا حقّي"لإسكات ما بقي من أنّات واهتزازات للضمير في داخله.
والعاقبة الثانية التي يشير اليها سماحة المرجع الشيرازي في مؤلفه فهي؛ فقدان اللذة فيما كل ما يتناوله ويتملكه من الحرام، وربما هذا يكون جواب لأولئك الموهومين من الناس ممن يغبطون الفاسدين على امتلاكهم القصور والسيارات والامتيازات، بأن الظاهر المادي لن يكون كل شيء في حياة الانسان، فالمردود العكسي معنوياً له أبلغ الأثر في حياة ذلك الانسان الفاسد.
المرجع الشيرازي ينقل من "أحد التجار الكبار قوله: إن أهل العلم يلتذون بنعم الدنيا أكثر من التجار، لأنهم قد يتناولون في وجبة إفطارهم قليلاً من الخبز والجبن والشاي فيلتذون به، بينما تحتوي مائدة إفطارنا على أنواع الأطعمة ما يجعلنا نحير أيّاً منها نأكل، ومع ذلك فاننا لا نشعر بأية لذة عند تناول الإفطار لأن مشاغلنا وهمومنا تبدأ منذ الصباح، فاذا استمعنا الأخبار الاقتصادية الصباحية اثناء تناولنا للإفطار زدنا همّاً على همّ، وحسرة على حسرة، فالهمّ على ارتفاع الاسعار، والحسرة على ما بعناه بالأمس بأسعار أقلّ من أسعار اليوم".
في الثقافة الدينية ثمة تحفيز واسع على العمل والتجارة والإثراء، مع التأكيد على حقّ الملكية الفردية في الإسلام، فكل الابواب المشروعة مفتوحة أمام الانسان ليكون ثرياً ويعيش حياة مرفهة مع الالتزام بالحدود الاخلاقية والشرعية، وأن لا يكون المال والارباح خارج سيطرته، وفي هذه الحالة، ليس فقط هو يعيش الرفاهية و رغد العيش، بل ويتمكن من بسط هذه الرفاهية على الشريحة الاخرى الفقيرة في المجتمع لاسباب مختلفة، فنحن لسنا بالضرورة دائماً في حالة صراع دائم مع الفساد والاختلاسات والانتهاكات، إنما يمكن ان نكون على موعد مع حياة أفضل يسودها العدل والاحسان عندما يكون المال والعقار وسيلة لا هدف.



اضف تعليق