إنسانيات - مجتمع

التربية على تحمل المشاق في الصغر

وأثرها في بناء الشخصية الناجحة

يناقش المقال أهمية تربية الطفل منذ الصغر على تحمّل المشقة والجهد بصورة متدرجة ومتوازنة، مستندًا إلى القرآن والروايات الشريفة. ويؤكد ضرورة مراعاة العمر والقدرات الفردية، والجمع بين الحزم والرحمة، وعدم تحويل المشقة إلى أذى أو إذلال. كما يعرض تطبيقات عملية تنمي المسؤولية والصبر والاستقلال والمثابرة، وتساعد الطفل على مواجهة...

هل يمكن للإنسان أن ينجح في حياته من غير أن يتعلَّم كيف يواجه المشقَّة؟

وهل يمكن أن نبني شخصيَّة قويَّة إذا نشأ الطِّفل في بيئة تُزال من طريقه كلُّ عقبة، وتُلبَّى له كلُّ رغبة، ويُعفى من كلِّ مسؤوليَّة؟

وهل حماية الطِّفل تعني أن نحميه من كلِّ تعب، أم أنَّ التَّربية الحقيقيَّة تقتضي أن نعلِّمه كيف يواجه التَّعب، ويتعامل مع الصُّعوبات بما يتناسب مع عمره وقدرته؟

ومتى نبدأ بتربية الطِّفل على الصَّبر والمثابرة: أفي مرحلة الكبر حين تتراكم عليه أعباء الحياة، أم منذ الصِّغر حين تكون العادات والاتِّجاهات في طور التَّكوين؟

وهل المشقة التي يواجهها الطِّفل دائمًا أمر سلبي ينبغي إزالته، أم يمكن أن تكون - إذا أُحسن توجيهها وضبطها - وسيلة لبناء قدراته، وتنمية استقلاله، وإعداده لمتطلبات المستقبل؟

إنَّ هذه الأسئلة تضعنا أمام قضية تربويَّة مهمَّة تتَّصل بطبيعة الإنسان وطبيعة الحياة؛ فالقرآن الكريم لا يقدِّم الحياة بوصفها طريقًا خاليًا من التَّعب والمكابدة؛ وإنَّما يقرِّر حقيقة واضحة بقول الله (تعالى): (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ)(1). فإذا كانت المشقَّة جزءًا من طبيعة الوجود، فهل يكون من الحكمة أن نُنشئ أبناءنا على الهروب منها، أم أنَّ الأجدر أن نهيئهم للتَّعامل معها بالصَّبر، والسَّعي، والثَّبات؟

ومن هنا تؤكِّد الرِّوايات الشَّريفة أهميَّة اغتنام مرحلة الصِّغر في التَّعلُّم، والتَّهذيب، وبناء الشَّخصيَّة، ومن ذلك قول أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام): "مَن لَم يُجهِدْ نَفسَهُ في صِغَرِهِ لَم يَنبُلْ في كِبَرِهِ" (2)، وعنه (عليه السلام): "مَا أَدْرَكَ الْمَجْدَ مَنْ فَاتَهُ الْجِدُّ" (3)، بما يكشف عن أثر ما يعتاده الطِّفل في صغره في تشكيل قدرته المستقبليَّة على مواجهة المصاعب والمشاق. ولهذا السَّبب جاء في النُّصوص الشَّريفة مفهوم يمكن أن نطلق عليه اسم "التَّربية على تحمُّل المشقَّة"، الذي يعتمد على تعريض الطِّفل لتحديات تربويَّة تناسب قدراته، مع حفظ أمنه وكرامته، وتحقيق التَّوازن بين حمايته من الضَّرر وإكسابه القدرة على الاعتماد على النَّفس. ولأهميَّة هذا النَّوع من التَّربية سنتناول الموضوع في مباحث عدَّة:

المبحث الأوَّل: المرتكزات القرآنيَّة والتَّربويَّة لبناء القدرة على تحمُّل المشقَّة

المطلب الأوَّل: الإنسان مخلوق لمواجهة المشقَّة

يمثِّل تحمُّل المشقَّة ومواجهة الصُّعوبات أحد المرتكزات المهمَّة في بناء الشَّخصيَّة، وقد أسَّس القرآن الكريم لهذا المعنى عن طريق بيان طبيعة الإنسان، والسُّنن التي تحكم حياته. ومن أبرز الآيات الدَّالة على ذلك قول الله (سبحانه): (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) (4)؛ حيث تبيِّن الآية الكريمة حقيقة ملازمة للإنسان، تتمثَّل في تعرُّضه للتَّعب والمشقَّة والمكابدة في مراحل حياته المختلفة؛ الأمر الذي يجعل الاستعداد لمواجهة الصُّعوبات جزءًا من البناء التَّربوي السَّليم.

وقد تنوَّعت عبارات المفسرين في بيان المراد بـ"الكَبَد"، مع اجتماعها في الدِّلالة على الشدَّة والتَّعب والمكابدة. وهذه بعض الآراء في بيان الآية المباركة:

1. (مجمع البيان): "(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ)؛ أي: في نصب، وشدَّة؛ عن ابن عبَّاس وسعيد بن جبير والحسن قال: يكابد مصائب الدُّنيا وشدائد الآخرة، وقال: ابن آدم لا يزال يكابد أمرًا حتَّى يفارق الدُّنيا، وقيل: في شدَّة خلق من حمله وولادته ورضاعه وفطامه ومعاشه وحياته وموته، ثمَّ أنَّه (سبحانه) لم يخلق خلقًا يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو أضعف الخلق..." (5).

2. (الميزان في تفسير القرآن): "الكبد الكد والتَّعب، والجملة جواب القسم، فاشتمال الكبد على خلق الإنسان، وإحاطة الكد والتَّعب به في جميع شؤون حياته ممَّا لا يخفى على ذي لب، فليس يقصد نعمة من نعم الدُّنيا إلَّا خالصة في طيبها محضة في هنائها، ولا ينال شيئًا منها إلَّا مشوبة بما ينغص العيش مقرونة بمقاساة ومكابدة، مضافًا إلى ما يصيبه من نوائب الدَّهر، ويفاجئه من طوارق الحدثان" (6).

3. (الكاشف): "المعنى أن اللَّه سبحانه خلق الإنسان مجدًا كادحًا يتصارع مع ميوله ورغباته، ومع أتعاب الحياة وشدائدها، ثمَّ بعد هذا يقاسي سكرات الموت، وظلمة القبر ووحشته، ثمَّ أهوال القيامة، والعرض على اللَّه لنقاش الحساب عمَّا قال وفعل..." (7).

4. (تقريب القرآن إلى الأذهان): "إنَّ «الكبد» لغةً بمعنى شدَّة الأمر، والمعنى أنَّه لا يزال يكابد الأتعاب - بما قدر الله له وللكون من الأنظمة - ولذا قال تعالى في حديث قدسي: إنِّي ما جعلت الرَّاحة في الدُّنيا، والنَّاس يطلبونها فيها فلا يجدوها"(8).

ومن خلال استقراء هذه الاتِّجاهات التَّفسيريَّة، يتبيَّن أنَّ قوله (تعالى): (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) (9) يقدِّم أساسًا قرآنيًّا مهمًّا للتَّربية على تحمُّل المشقَّة؛ فالإنسان يعيش ضمن واقع يتطلَّب منه السَّعي والمجاهدة ومواجهة المصاعب، ولا تتحقَّق حاجاته ومقاصده من دون بذل الجهد واحتمال الأعباء. كما أنَّ طبيعة الحياة تفرض عليه التَّعامل مع أحداث وظروف تتطلَّب الصَّبر والثَّبات وحسن التَّصرُّف.

ويعزِّز القرآن الكريم هذا المعنى عبر ربط الابتلاء بالصَّبر، قال الله (تبارك وتعالى): (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (10). فالآيات تؤكِّد أنَّ الابتلاء من سنن الحياة، وتقدم الصَّبر والاسترجاع إلى الله (تعالى) بوصفهما استجابتين إيمانيَّتين تعينان على تجاوز المحن، والتَّعامل معها بصورة إيجابيَّة.

كما قال الله (عزَّ وجلَّ): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)(11)؛ حيث يرتبط الصَّبر بالاستعانة بالله (جلَّ جلاله)، بما يكشف عن أنَّ مواجهة المشقَّة في المنظور القرآني تقوم على إعداد الإنسان نفسيًّا وأخلاقيًّا، وتمكينه من الثَّبات أمام الظُّروف التي تعترض طريقه.

وبناءً على ذلك، فإنَّ التَّربية على تحمُّل المشقَّة تستند إلى رؤية قرآنيَّة لطبيعة الإنسان والحياة، تجعل الصُّعوبات جزءًا من الواقع. ومن ثمَّ فإنَّ التَّربية الصَّحيحة لا تقوم على تهيئة بيئة خالية من الصُّعوبات؛ وإنَّما تقوم على إعداد الطِّفل للتَّعامل معها بصورة صحيحة، عن طريق تدريبه على الصَّبر، وتنمية قدرته على مواجهة العقبات، وتعليمه أنَّ الوصول إلى الأهداف يرتبط بالسَّعي، والمثابرة، وتحمُّل الأعباء.

المطلب الثَّاني: المسؤوليَّة والتَّدرج في التَّربية

يقوم المنهج التَّربوي المتكامل على مراعاة طاقة الإنسان وقدرته على تحمُّل الأعباء؛ بحيث تتناسب المهام مع مستوى الاستعداد. ويظهر هذا المبدأ في القرآن الكريم بصورة واضحة في قوله (تعالى): (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (12). وتؤسِّس الآية لمبدأ تربوي مهم يتمثَّل في ارتباط التَّكليف بالاستطاعة، ومراعاة حدود القدرة عند تكليفه بالمهام، بما يحفظ التَّوازن بين تنمية القدرة وتحاشي تحميل الإنسان ما يتجاوز طاقته.

ويمتدُّ هذا المبدأ إلى التَّربية في مرحلة الطُّفولة؛ إذ يحتاج الطِّفل إلى اكتساب القدرة على تحمُّل المسؤوليَّة بصورة تدريجيَّة تتناسب مع عمره وقدراته المختلفة. فالمسؤوليَّة لا تُنقل إلى الطِّفل دفعة واحدة؛ وإنَّما تزدهر معه من خلال ممارسات يوميَّة بسيطة تتطوَّر تدريجيًا كلَّما ازدادت قدرته على الإنجاز والاستقلال. ويتيح هذا التَّدرُّج للطِّفل الانتقال من الاعتماد على الوالدين في شؤونه الأساسيَّة إلى المشاركة في بعض الأعمال، ثمَّ القيام بمهام أكثر استقلالًا وفق ما تسمح به قدراته؛ فالمشقَّة التي تستهدفها التَّربية هي مقدار من الجهد والتَّحدي يتناسب مع طاقته، ويدفعه إلى اكتساب مهارة جديدة أو إنجاز مهمَّة أو تجاوز عقبة بصورة تدريجيَّة. وبهذا المعنى تصبح المشقَّة وسيلة لزيادة القدرة، لا غاية مستقلَّة في العمليَّة التَّربويَّة.

ويقتضي ذلك أن يراعي الوالدان والمربون الفروق الفرديَّة بين الأطفال؛ فما يمثِّل تحديًا مناسبًا لطفل قد يكون فوق قدرة طفل آخر، وما يحتاج إليه الطِّفل في مرحلة عمريَّة معيَّنة قد يختلف عمَّا يحتاج إليه في مرحلة لاحقة. ومن ثمَّ فإنَّ تحديد مقدار المسؤوليَّة يرتبط بقدرة الطِّفل واستعداده وظروفه الخاصَّة، مع العمل على توسيع دائرة قدرته بصورة تدريجيَّة.

يضاف إلى ذلك أنَّ التَّربية على المسؤوليَّة تتطلَّب أن يُمنح الطِّفل مجالًا للمحاولة والخطأ والتَّصحيح؛ فإنَّ التَّدخل المستمر من الوالدين في كلِّ مهمَّة يحول دون اكتساب الطِّفل الخبرة العمليَّة اللازمة للاستقلال. ولهذا يكون دور المربي قائمًا على التَّوجيه والمساندة والمتابعة، مع ترك مساحة مناسبة للطِّفل؛ ليبذل جهده بنفسه، ويكتشف قدراته، ويتعلَّم من أخطائه، ويشعر بنتائج إنجازه.

ويترتَّب على ذلك أنَّ التربية على تحمُّل المشقَّة تقتضي مراعاة توازن دقيق بين التَّيسير والتَّحدِّي، بما يتناسب مع قدرات الطِّفل ومرحلته العمريَّة؛ فالإفراط في التَّيسير قد يحد من اعتماده على نفسه، ويقوِّي الاتكالية، ويضعف روح المبادرة لديه، في حين أنَّ تحميله من المشقَّات ما يفوق طاقته قد يفضي إلى الإحباط والشُّعور بالعجز وفقدان الإحساس بالأمان. ويتحقَّق هذا التَّوازن بالتَّدرُّج في التَّربية، بواسطة تكليف الطِّفل بأعمال تتناسب مع قدراته، وتتيح له فرصة النَّجاح، ثمَّ الانتقال به تدريجيًّا إلى مستويات أعلى من المشقَّة كلَّما زادت قدرته على التَّحمُّل وأصبح أكثر قدرة على مواجهتها والوفاء بمتطلباتها.

المبحث الثَّاني: التَّربية على الجهد والمشقَّة في الرِّوايات الشَّريفة

المطلب الأوَّل: أهميَّة استثمار مرحلة الصِّغر

أولت الرِّوايات الشَّريفة عناية خاصَّة بالتَّربية في مرحلة الصِّغر، وأكَّدت أهميَّة اغتنامها في تعليم الإنسان وتعويده على ما ينفعه في مستقبله؛ لما تمتاز به هذه المرحلة من قابليَّة عالية للتَّعلُّم، والتَّشكُّل، واكتساب العادات والمهارات التي تمتدُّ آثارها إلى المراحل اللاحقة من حياته.

وقد روي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): "مِثْلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ فِي صِغَرِهِ كَالنَّقْشِ عَلَى الْحَجَرِ، وَمِثْلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ فِي كِبَرِهِ كَالَّذِي يَكْتُبُ عَلَى الْمَاءِ" (13). ويشير هذا التَّصوير إلى قوَّة رسوخ التَّعلُّم المبكر واستقراره في شخصيَّة الإنسان، بما يجعل مرحلة الصِّغر ميدانًا مناسبًا لغرس المعارف، والقيم، والعادات التي يحتاج إليها في حياته.

ولا تقتصر أهميَّة الاستثمار التَّربوي لهذه المرحلة على التَّحصيل العلمي؛ بل تمتدُّ إلى تكوين العادات والممارسات التي تشكِّل شخصيَّة الإنسان. فالطِّفل الذي يتعوَّد منذ صغره على بذل الجهد، والصَّبر على التَّعلُّم، وإتمام ما يبدأه، وتحمُّل قدر مناسب من الأعمال، يكتسب أنماطًا سلوكيَّة يمكن أن ترافقه في مراحل عمره اللاحقة.

ويؤكِّد أمير المؤمنين الإمام عليٌّ (عليه السلام) هذا المعنى بقوله: "مَن لَم يُجهِدْ نَفسَهُ في صِغَرِهِ، لَم يَنبُلْ في كِبَرِهِ" (14). وإجهاد النَّفس هنا يرتبط بالتَّدريب، والمجاهدة، واكتساب الفضائل والمهارات، بما يجعل الطُّفولة مرحلة إعداد وتكوين تسبق مرحلة البلوغ والاضطلاع بالأعباء.

ويُروى عنه (عليه السلام) أيضًا: "مَن لَم يُجهِد نَفسَهُ في صِغَرِهِ لَم يَجِد راحَةً في كِبَرِهِ" (15). فالجهد الذي يبذله الإنسان في بناء نفسه يساعد على تهيئته لمتطلبات المستقبل، ويقلِّل من صعوبة مواجهته للمسؤوليات عندما تتَّسع أعباء الحياة.

المطلب الثَّاني: تعويد الطِّفل على السُّؤال والتَّعلُّم

إنَّ التَّعلُّم الفاعل لا يقوم على تلقي المعلومات فقط؛ فهو يحتاج إلى دافعيَّة تدفع المتعلِّم إلى الاستفسار، والبحث، والتَّحقق، ومحاولة الوصول إلى المعرفة. ولذلك تركِّز النُّصوص الشَّريفة على أهميَّة تربية الطِّفل منذ صغره على السُّؤال، وجعل طلب المعرفة سلوكًا طبيعيًّا في حياته اليوميَّة؛ روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "مَن سَأَلَ في صِغَرِهِ أَجابَ في كِبَرِهِ" (16). فالطِّفل الذي يتعلَّم أن يسأل عن الأمور التي لا يعرفها، وأن يبحث عن إجاباتها، يتدرَّب بصورة مبكرة على التَّعامل مع الجهل بوصفه حالة قابلة للمعالجة من خلال التَّعلُّم والبحث.

وترتبط التَّربية على السُّؤال بالتَّربية على تحمُّل مشقَّة التَّعلم؛ لأنَّ الوصول إلى المعرفة يحتاج إلى الصَّبر والتَّركيز والتكرار والقراءة والبحث، وقد يواجه المتعلِّم صعوبة في فهم بعض المسائل أو الوصول إلى الإجابة المناسبة. ولكن لا بدَّ من لفت نظر الصَّغير إلى أنَّ النَّجاح والتَّقدُّم مرتبطان باستمرار عمليَّة التَّعليم؛ رُويَ عن الإمام علي (عليه السلام): "مَن لَم يَتَعَلَّمْ في الصِّغَرِ لَم يَتَقَدَّمْ في الكِبَرِ" (17).

ويقتضي ذلك أن يوفِّر المربي للطِّفل بيئة تشجعه على السُّؤال، وأن يتعامل مع أسئلته بوصفها جزءًا من عمليَّة التَّعلم. كما ينبغي توجيهه إلى البحث عن الإجابة بحسب مستوى قدرته، مع تعليمه التَّمييز بين المصادر الموثوقة وغير الموثوقة، وتعويده عدم الاكتفاء بالإجابة السَّريعة عندما يكون الموضوع بحاجة إلى تفكير أو بحث.

المبحث الثَّالث: ضوابط تعويد الطِّفل على المشاق

يحتاج مبدأ "التَّربية على الجهد وتحمُّل المشقَّة" إلى ضوابط تحدِّد طبيعته ومجاله، حتَّى يؤدِّي وظيفته التَّربوية بصورة صحيحة. ومن أهمِّها:

المطلب الأوَّل: أن تكون المشقَّة في حدود طاقة الطِّفل

تقوم التَّربية المنهجيَّة على قاعدة محوريَّة مفادها: أنَّ المقصود تدريب الطِّفل على الجهد، لا تعريضه للأذى. فالمشقَّة التَّربويَّة المطلوبة هي جهد مناسب لقدرات الطِّفل، يهدف إلى استثمار طاقاته وتعويده على المثابرة وتحمُّل المسؤوليَّة، ولا تتَّجه إلى إرهاقه أو إلحاق الضَّرر به أو تحميله ما يتجاوز قدرته.

ووفق هذا الشَّرط ينبغي أن يقوم المربي بتقدير مستوى المشقَّة بصورة تدريجيَّة؛ فيبدأ بما يستطيع الطِّفل إنجازه، ثمَّ يزيد مستوى المسؤوليَّة والجهد مع نمو قدراته. ويتيح هذا الأسلوب للطِّفل أن يختبر قدرته على الإنجاز، وأن يكتسب الثِّقة بنفسه من خلال نتائج واقعيَّة يحققها بجهده.

وتتطلَّب التَّربية على المشقَّة كذلك التَّمييز بين المشقَّة الطَّبيعيَّة المصاحبة للتَّعلُّم والتَّنشئة وبين الأذى، فتعلُّم مهارة جديدة قد يتطلَّب تكرار المحاولة، وحل مسألة صعبة قد يحتاج إلى وقت وتركيز، والالتزام بمهمَّة معيَّنة قد يتطلَّب التَّخلي عن بعض الرَّغبات الآنيَّة. وهذه صور من الجهد الذي يمكن أن يشارك في بناء شخصيَّة الطِّفل. أمَّا الإهانة والعنف والتَّخويف والتَّكليف بما يعجز الطِّفل عن أدائه، فهي ممارسات لا تدخل في مفهوم الجهد التَّربوي النَّافع؛ قال الله (تبارك وتعالى): (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (18). ومن أهداف هذا التَّوجيه بيان قيمة اللين والرَّحمة في التَّعامل، وهي قيمة تزداد أهميَّتها في التَّعامل مع الطِّفل الذي لا يزال في مرحلة التَّكوين.

المطلب الثَّاني: مراعاة العمر والقدرات الفرديَّة

لا يمكن بناء منهج تربوي واحد يصلح لجميع الأطفال في مختلف المراحل العمريَّة، فالطِّفل يمر بمراحل متدرجة تتطوَّر فيها قدراته الجسديَّة والعقليَّة والاجتماعيَّة، ويحتاج في كلِّ مرحلة إلى نوع من الأدوار والمواقف يتناسب مع مستوى استعداده.

ويترتب على ذلك أنَّ ما يمكن أن يكون مناسبًا لطفل في السَّابعة من عمره قد لا يكون مناسبًا لطفل في الرَّابعة؛ فالفرق في العمر يرتبط غالبًا باختلاف القدرة على التَّركيز، والتَّحمل، والفهم، وضبط السُّلوك، وإنجاز المهام بصورة مستقلة. ومن ثمَّ ينبغي أن يحدِّد المربي مستوى الجهد والتَّكليف وفق ما يستطيع الطِّفل القيام به في مرحلته العمريَّة، مع زيادة المستوى بصورة تدريجيَّة كلَّما تطوَّرت قدراته.

يضاف إلى ذلك أنَّ الأطفال الذين ينتمون إلى المرحلة العمريَّة نفسها لا يمتلكون بالضَّرورة القدرات ذاتها. فقد يختلفون في القوَّة البدنيَّة، وسرعة التَّعلم، والقدرة على التَّركيز، والاستعداد النَّفسي، والمهارات الاجتماعيَّة، والقدرة على تحمُّل الإحباط أو الانتظار. ولذلك فإنَّ المعيار التَّربوي لا ينبغي أن يقوم على العمر وحده؛ وإنَّما يجمع بين العمر ومستوى القدرة والاستعداد.

ومن أهمِّ مقتضيات مراعاة الفروق الفرديَّة تجنُّب المقارنة بين الأطفال؛ لأنَّ مقارنة الطِّفل بغيره قد تجعل الهدف من التَّربية انتقال الطِّفل إلى مستوى شخص آخر بدل العمل على تطوير قدراته الخاصَّة. كما قد تولد لديه الشُّعور بالنَّقص أو العجز، خصوصًا إذا تكرَّرت المقارنة أمام الآخرين. والأولى أن تتم متابعة تطور الطِّفل من خلال مقارنة أدائه الحالي بأدائه السَّابق، بحيث يُشجَّع على ملاحظة تقدُّمه الشَّخصي، ويُقدَّر الجهد الذي بذله في سبيل تحقيقه.

ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يكون التَّقويم التَّربوي قائمًا على التَّقدُّم الفردي؛ فالطِّفل الذي كان يحتاج إلى مساعدة لإنجاز مهمَّة معيَّنة، ثمَّ أصبح قادرًا على إنجازها بمفرده، قد حقَّق تقدُّمًا مهمًّا، حتَّى لو كان طفل آخر يستطيع أداء المهمَّة نفسها في وقت مبكِّر من حياته. وتتطلَّب مراعاة القدرات الفرديَّة كذلك أن يتجنَّب المربي استخدام الفشل بوصفه وسيلة للضَّغط أو الإحراج، وأن يتعامل مع التَّعثر باعتباره مرحلة طبيعيَّة في عمليَّة التَّعلُّم.

المطلب الثَّالث: التَّدرج وعدم المفاجأة

إنَّ اكتساب الطِّفل القدرة على مواجهة الصُّعوبات لا يتحقَّق من خلال الانتقال المفاجئ من الرَّاحة إلى الأعباء؛ بل بتعويده على المسؤوليات بصورة متدرجة تتناسب مع قدراته. فالتَّدرج يتيح للطِّفل الانتقال من المهام البسيطة إلى المهام الأكثر تعقيدًا، ويمنحه الوقت الكافي لاكتساب المهارات اللازمة لكلِّ مرحلة.

ويبدأ هذا التَّدرج بتكليف الطِّفل بمهام سهلة ومحدَّدة يستطيع إنجازها بدرجة عالية من الاستقلال، ثمَّ تزداد درجة الصُّعوبة والمسؤوليَّة بصورة تدريجيَّة. وبهذه الطريقة يصبح الانتقال من مستوى إلى آخر امتدادًا طبيعيًّا لما سبقه.

وتنبع أهميَّة التَّدرج من أنَّ الطِّفل يحتاج إلى خبرات نجاح متتابعة حتَّى يكوِّن تصورًا إيجابيًّا عن قدرته على مواجهة الصُّعوبات. فعندما ينجح في أداء مهمَّة مناسبة لقدراته، ثمَّ يواجه مهمَّة أكثر صعوبة ويستطيع إنجازها، تتكوَّن لديه خبرة عمليَّة تؤكِّد أنَّ الجهد يمكن أن يؤدِّي إلى نتيجة، وأنَّ الصُّعوبة لا تعني العجز.

ويمكن للمربي أن يستخدم مبدأ التَّدرج في المساعدة؛ فيقدم للطِّفل المساعدة عندما يحتاج إليها، ثمَّ يقللها تدريجيًّا كلَّما أصبح أكثر قدرة على أداء المهمَّة بنفسه. ويسهم هذا الأسلوب في الانتقال من الاعتماد إلى الاستقلال بصورة هادئة.

المطلب الرَّابع: عدم تحويل المشقَّة إلى عقوبة أو إذلال

إنَّ تحويل المشقَّة إلى وسيلة لإيلام الطِّفل أو إرهاقه أو إذلاله يخرج بها عن وظيفتها التَّربويَّة؛ فالتَّربية الإسلاميَّة تستند إلى أصل صيانة كرامة الإنسان وحفظ مكانته، قال الله (سبحانه): (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (19)، ويشمل هذا التَّكريم الإنسان في مختلف مراحل حياته، ممَّا يقتضي أن تقوم تربية الطِّفل على الاحترام والرِّعاية، وأن تخلو أساليب التَّقويم من الإهانة والتَّحقير والإذلال.

ومن هنا يمكن التَّمييز بين صورتين مختلفتين من المشقَّة؛ تتمثَّل الأولى في المشقَّة التَّربويَّة التي يكون فيها الطِّفل أمام مهمَّة تحتاج إلى جهد يتناسب مع قدرته، مثل إتمام واجب دراسي، أو تعلُّم مهارة جديدة، أو إعادة المحاولة بعد الفشل. وهذه الممارسات تسهم في بناء الصَّبر والمثابرة والاستقلال. أمَّا الصُّورة الثَّانية فتتمثَّل في المشقَّة المؤذية التي يقصد بها إيلام الطِّفل أو إرهاقه أو إشعاره بالعجز أو الإهانة، وهي لا تحقِّق الغاية المقصودة من التَّربية.

ويظهر الفرق بينهما في الغاية والوسيلة والأثر؛ فالمشقَّة التَّربوية غايتها تنمية قدرة الطِّفل، ووسيلتها التَّدريب والممارسة والتَّدرج، وأثرها المتوقع زيادة الكفاءة والثِّقة بالنَّفس. أمَّا المشقَّة المؤذية فتتجه إلى العقاب أو الإخضاع، وتستخدم وسائل تسبب الألم أو الإهانة، وقد تترك آثارًا سلبيَّة في علاقة الطِّفل بذاته وبوالديه وبالمسؤوليَّة التي يراد تعليمه إيَّاها.

المطلب الخامس: الجمع بين الحزم والرَّحمة

تعتمد التَّربية الصَّالحة على الجمع بين الحزم والرَّحمة؛ فالحزم يحفظ للطِّفل حدود السُّلوك والمسؤوليَّة، والرَّحمة توفر له الأمان والدَّعم أثناء تعلمه والتزامه بهذه الحدود. ولا يتعارض الحزم مع الرَّحمة؛ وإنَّما يحتاج كلٌّ منهما إلى الآخر حتَّى تؤدِّي التَّربية وظيفتها في بناء الشَّخصيَّة المستقرَّة.

ونعني بالحزم التَّربوي وضوح القواعد، والثَّبات في تطبيقها، وتعويد الطِّفل على الالتزام بما يناسب سنَّه وقدرته. ويظهر ذلك في تحديد أوقات النَّوم والدِّراسة واللعب، والمحافظة على النِّظام، والوفاء بالمهام التي يستطيع الطفل أداءها، وتعليمه أنَّ للأفعال نتائج ينبغي تحمُّلها.

أمَّا الرَّحمة فتتمثَّل في مراعاة حال الطِّفل، وفهم قدراته، والاستماع إليه، ومساعدته عند الحاجة، وإتاحة فرصة الخطأ والتَّعلم والتَّصحيح. فالطِّفل في مرحلة نمو مستمر، وقد يعجز عن أداء بعض المهام أو يخطئ في تطبيق بعض القواعد، ويحتاج في هذه الحالات إلى توجيه يعينه على التَّعلم بدل أن يشعره بالعجز أو الخوف.

المبحث الرَّابع: صور عمليَّة لتعويـد الطِّفل على تحمُّل المشاق

بعد بيان الأسُس القرآنيَّة والرِّوائيَّة للتَّربية على تحمُّل المشقَّة، وبيان الضَّوابط التي ينبغي مراعاتها في هذا المجال، تأتي المرحلة التَّطبيقية للكشف عن الكيفيَّة التي يمكن من خلالها تحويل هذه المبادئ إلى ممارسات تربويَّة يعيشها الطِّفل في حياته اليوميَّة. ومن أهمِّ هذه التَّطبيقات:

أوَّلًا: تعويده على إنجاز بعض أعماله بنفسه

من الوسائل المهمَّة في بناء شخصيَّة الطِّفل تعويده تدريجيًّا على القيام ببعض الأعمال التي يستطيع أداءها بنفسه، كارتداء ملابسه، وترتيب أدواته، وإعداد حاجاته المدرسيَّة، والمحافظة على أغراضه الشَّخصيَّة، وتعويده على إعادة ألعابه إلى مكانها بعد الانتهاء منها، وتنظيم غرفته. وتكمن أهميَّة هذه الممارسة في أنَّها تنقل الطِّفل من الاعتماد الكامل على الآخرين إلى الشُّعور بالقدرة على الإنجاز.

ثانيًا: إشراكه في بعض الأعمال المنزليَّة

ويمكن أن تبدأ هذه المشاركة بأعمال يسيرة، كترتيب المائدة، أو جمع بعض الأدوات، أو مساعدة الوالدين في ترتيب المنزل، ثمَّ تزداد تدريجيًّا مع تطوّر الطِّفل وقدرته. ويتعلَّم الطِّفل من هذه الممارسة أنَّ الأعمال النَّافعة تحتاج إلى جهد، وأنَّ الحياة الأسريَّة تقوم على التَّعاون. كما أنَّ إشراكه في هذه الأعمال يساعده على تقدير الجهد الذي يبذله الآخرون من أجله، ويقوِّي فيه روح المبادرة.

ثالثًا: عدم الإسراع في تلبية كلِّ رغباته

من صور التَّربية على تحمُّل المشقَّة تدريب الطِّفل على عدم الحصول الفوري على كلِّ ما يرغب فيه، وتعويده على التَّمييز بين الحاجة والرَّغبة، وعلى تأجيل بعض مطالبه عندما يكون التَّأجيل مناسبًا. ويحتاج هذا الأمر إلى أسلوب هادئ واضح يبيِّن للطِّفل سبب عدم الاستجابة الفوريَّة، حتَّى يتعلَّم أنَّ عدم تحقُّق الرَّغبة في لحظتها أمر يمكن التَّعامل معه بالصَّبر. وهذا التَّدريب يهيئ الطِّفل لمواجهة مواقف الحياة التي لا تتحقَّق فيها المطالب وفق رغبته أو توقيته.

رابعًا: تعويده على الصَّبر عند الانتظار

الانتظار من المواقف اليوميَّة التي يمكن استثمارها في بناء قدرة الطِّفل على الصَّبر. ويمكن أن يتعلَّم الطِّفل الانتظار عند طلب شيءٍ من والديه، أو انتظار دوره في اللعب، أو انتظار موعد معيَّن، أو تأجيل نشاط يرغب فيه حتَّى ينتهي من واجب مطلوب منه؛ فالصَّبر لا يكتسب من خلال التَّوجيه النَّظري وحده؛ وإنَّما يتزايد بالممارسة المتكررة. وكلَّما مرَّ الطِّفل بمواقف انتظار مناسبة لعمره، وتعلَّم التَّعامل معها بهدوء، أصبح أكثر قدرة على ضبط رغباته، ومواجهة المواقف التي تحتاج إلى وقت وجهد.

خامسًا: تشجيعه على إكمال ما بدأه من عمل

إذا بدأ الطِّفل مهمَّة دراسيَّة أو عملًا يدويًّا أو نشاطًا مناسبًا لعمره، فينبغي تشجيعه على إكماله، وعدم تركه عند أوَّل شعور بالتَّعب أو الملل، مع مراعاة ألَّا يكون العمل فوق طاقته.

سادسًا: تعويده على ممارسة الرياضة والأنشطة التي تحتاج إلى جهد

إنَّ ممارسة الطِّفل للنَّشاط الرِّياضي بصورة منتظمة تُسهم في ترسيخ إدراكه أنَّ الوصول إلى مستوى أفضل يحتاج إلى التَّدريب المستمر، وتكرار المحاولة، ومواصلة الجهد. ويؤكِّد هذا المعنى ما ورد في الرِّوايات الشَّريفة من الحثِّ على تعلُّم بعض المهارات الرِّياضيَّة، فقد رُوي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حَقُّ الوَالِدِ عَلَى وَلَدِه أنْ يُعلِّمُه الكِتَابَةَ والسِّبَاحَةَ والرِّمَايَة، وأنْ لا يَرْزُقهُ إلاَّ طَيبًا، وأنْ يُزوِّجَهُ إذَا بَلَغَ" (20).

سابعًا: تربيته على طلب العلم وبذل الجهد فيه

طلب العلم من أبرز المجالات التي يظهر فيها أثر التَّربية على تحمُّل المشقَّة؛ لأنَّ التَّعلُّم يحتاج إلى صبر، ومواظبة، وتكرار، وسؤال، وبحث، ومراجعة. وقد أكَّدت الرِّوايات المتقدِّمة أهميَّة استثمار مرحلة الصِّغر في هذا المجال.

ثامنًا: تعليمه مواجهة الفشل وعدم الاستسلام عند أوَّل عقبة

يحتاج الطِّفل إلى أن يتعلَّم أنَّ الخطأ يمكن أن يكون فرصة للمراجعة والتَّعلُّم، وأنَّ عدم النَّجاح في المحاولة الأولى لا يعني العجز عن المحاولة مرَّة أخرى. ويمكن للوالدين والمربين مساعدته على تحليل سبب الإخفاق، واكتشاف موضع الخطأ، ثمَّ إعادة المحاولة بطريقة مناسبة. وبهذا يتعلَّم الطِّفل الانتقال من الشُّعور بالإحباط إلى التَّفكير في الحل، ومن الاستسلام أمام العقبة إلى البحث عن الوسيلة التي تمكِّنه من تجاوزها. وهذا المعنى ينسجم مع قول الله (تعالى): (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (21)؛ ويُفاد تربويًّا من ذلك ضرورة غرس روح المحاولة والمثابرة في نفس الطِّفل، مع تعليمه أنَّ طلب النَّجاح يحتاج إلى صبر ومراجعة وتكرار.

وبعد هذه الرِّحلة في عالم التَّربية نصل إلى حقيقة أنَّ النَّفسَ إذا عُوِّدت في صِغرها احتمالَ المشاق، أَلِفَت في كِبرها الثَّباتَ عند الشَّدائد، وإذا ذاقت مرارةَ الجهد عرفت قيمةَ السَّعي، واستصغرت ما يعترض طريقَها من عناء. ومن نشأ على الصَّبر قويت عزيمتُه، واستقامت إرادتُه، وهان عليه ما يلقاه في سبيل غايته من تعبٍ ونصب. والمشقةُ حين تُحاط بالحكمة والرَّحمة لا تكون عبئًا على الطِّفل، وإنَّما تصير ميدانًا لاكتساب الخبرة، ومَرقاةً إلى قوَّة النَّفس واستقلالها.

إنَّ التَّربيةَ التي تُهيّئ الطِّفل لمواجهة أعباء الحياة تزرع في قلبه شجاعةَ المحاولة، وقوَّةَ الاحتمال، وحسنَ النُّهوض بعد العثرة. وما أجملَ أن يُنشَّأ الصَّغير على قلبٍ صابر، ونفسٍ مجاهدة، وإرادةٍ تعرف طريقها حين تشتد الخطوب. فالمشقَّةُ التي تُحسن التَّربيةُ توجيهها تبني ولا تهدم، وتفتح للطِّفل أبوابَ القدرة بعد أن كان يرى في الصُّعوبة حاجزًا. ومن هنا يكون أعظمُ ما يهبُه المربي لطفله أن يترك في نفسه عزمًا لا يخبو، وثقةً لا تتزعزع، وقدرةً على مواصلة الطَّريق مهما امتدَّت مسالكه وتنوَّعت مشاقُّه.

....................................

الهوامش:

1. سورة البلد/ الآية: 4.

2. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص433.

3. م. ن.

4. سورة البلد/ الآية: 4.

5. مجمع البيان: ج10، ص362.

6. الميزان في تفسير القرآن: ج20، ص291.

7. التفسير الكاشف: ج7، ص566.

8. تقريب القرآن إلى الأذهان: ج5، ص677.

9. سورة البلد/ الآية: 4.

10. سورة البقرة/ الآيات: 155-157.

11. سورة البقرة/ الآية: 153.

12. سورة البقرة/ الآية: 286.

13. منية المريد: ص225.

14. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص443.

15. عيون الحكم والمواعظ: ص446.

16. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص60.

17. عيون الحكم والمواعظ: ص463.

18. سورة آل عمران/ الآية: 159.

19. سورة الإسراء/ الآية: 70.

20. كنز العمال: ج13، ص443.

21. سورة العنكبوت/ الآية: 69.

اضف تعليق