يناقش المقال تعدد مراجع التقليد بوصفه نتيجة طبيعية للاجتهاد، ويعرض فوائده العلمية في حماية الأمة من احتكار الرأي، وإبقاء باب الاجتهاد مفتوحًا، وإثراء الفكر الإسلامي، وتوسيع الحلول أمام الناس. كما يبرز أهمية أخلاق العلماء في إدارة الاختلاف، مستشهدًا بنماذج تاريخية تؤكد أن التنوع الفقهي لا يهدد الوحدة ما دام...

تُمثِّل المرجعيَّة الدِّينيَّة في عصر غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه الشَّريف) الامتداد العلمي والشَّرعي الذي ترجع إليه الأمَّة في فهم الأحكام، وتشخيص المواقف، وحفظ البناء العقدي والفكري من الانحراف والاضطراب؛ إذ لم يترك أهل البيت (عليهم السلام) المجتمع من دون معالم هداية تضبط مسيرته، وأرشدوا إلى الرُّجوع إلى الفقهاء الجامعين للشَّرائط، كما جاء في التَّوقيع الشَّريف: «وَأَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ، فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا، فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ، وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ»(1). ومن هنا نشأت المرجعيَّة بوصفها حالة علميَّة متجذِّرة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، قائمة على الاستنباط والاجتهاد، لا على التَّلقِّي الجامد أو التَّقليد غير الواعي.

وحين يُفتح باب الاجتهاد أمام العلماء المتخصصين في علوم الشَّريعة، فإنَّ تعدُّد الآراء والأنظار الفقهيَّة يصبح نتيجة طبيعيَّة لا يمكن فصلها عن طبيعة البحث العلمي نفسه؛ لأنَّ الفقيه يتعامل مع النُّصوص وفق أدوات أصوليَّة واستدلاليَّة قد تختلف في بعض المباني أو طرق الجمع بين الأدلَّة أو فهم الدلالات. ولهذا لم يكن اختلاف الفقهاء ظاهرة مستحدثة، ورافق المسيرة العلميَّة منذ القرون الأولى، مع بقاء الجامع العقدي والولائي محفوظًا بينهم. وقد أشار الإمام الصَّادق (عليه السلام) إلى هذا التَّفاوت العلمي بقوله: «عَلَيْنَا إِلْقَاءُ الْأُصُولِ، وَعَلَيْكُمُ التَّفْرِيعُ»(2)، في إشارة إلى حركة الاستنباط، وتعدُّد مسارات الفهم ضمن الإطار الشَّرعي العام.

غير أنَّ بعض النَّاس يخلط بين الاختلاف العلمي المشروع وبين التَّنازع المذموم، فيتعامل مع تنوّع الآراء الفقهيَّة بوصفه سببًا للانقسام، مع أنَّ الفارق كبير بين اختلافٍ ينطلق من البحث عن الحقيقة، وبين نزاعٍ تحكمه الأهواء والعصبيات. فالقرآن الكريم ذمَّ التَّفرُّق القائم على البغي والتَّعصب، قال الله (تبارك وتعالى): ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (3)، أمَّا تنوع الاجتهادات العلميَّة ضمن الضَّوابط الشَّرعية فلا يساوي التَّمزق، ويكشف عن فاعليَّة المدرسة الفقهيَّة وقدرتها على مواكبة الوقائع المتجدِّدة.

ومن هذا المنطلق، فإنَّ تعدُّد المراجع ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره حالة علميَّة تحمل آثارًا معرفيَّة واجتماعيَّة وتربويَّة واسعة، متى ما أُحسن فهمها والتَّعامل معها ضمن أخلاق أهل البيت (عليهم السلام) وآداب الاختلاف. فتنوّع المدارس الاجتهاديَّة يفتح آفاقًا أوسع للبحث، ويمنح الحوزة العلميَّة قدرة أكبر على معالجة المستجدات، كما يرسِّخ ثقافة الحوار واحترام الرَّأي العلمي، ويحدُّ من احتكار الفهم أو جمود الفكر في إطار قراءة واحدة.

لذلك، ستتناول المحاور الآتية الأبعاد المختلفة لتعدُّد مراجع التَّقليد، وقراءة آثاره العلميَّة والاجتماعيَّة، مع بيان الضَّوابط التي تحفظ وحدة الأمَّة، وتمنع تحوّل الاختلاف الفقهي إلى حالة صراع أو انقسام.

المحور الأوَّل: لماذا ظهر تعدُّد مراجع التَّقليد؟

نشأت ظاهرة تعدُّد المراجع الدِّينيَّة عند أتباع أهل البيت (عليهم السلام) بوصفها امتدادًا طبيعيًّا لحركة الاجتهاد الفقهي، التي تقوم على استنباط الأحكام الشَّرعيَّة من مصادرها الأصليَّة وفق قواعد علميَّة دقيقة. فالاجتهاد جهد علمي معقَّد يعتمد على فهم القرآن الكريم، والرِّوايات الشَّريفة، وقواعد علم الأصول، وملاحظة القرائن والدلالات اللغويَّة والعقليَّة.

وقد أكَّدت نصوص أهل البيت (عليهم السلام) هذا المنهج، حين وجَّهوا الأمَّة إلى الرُّجوع إلى العلماء في زمن غيبة الإمام المعصوم (عليه السلام)؛ لأنَّ المجتمع لا يستطيع الاستمرار من دون مرجعيَّة علميَّة تضبط شؤونه الدِّينيَّة والفكريَّة. فقد روي عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): «مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِنًا لِنَفْسِهِ، حَافِظًا لِدِينِهِ، مُخَالِفًا لِهَوَاهُ، مُطِيعًا لِأَمْرِ مَوْلَاهُ، فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ»(4). وهذا النَّص يكشف أنَّ المرجعيَّة نشأت باعتبارها نظامًا علميًّا لحفظ الشَّريعة واستمرار حضورها في حياة النَّاس.

ومع تعدُّد الفقهاء المجتهدين، يصبح اختلاف الفتاوى أمرًا متوقعًا؛ لأنَّ كلَّ فقيه قد يعتمد مبنى أصوليًّا يختلف عن غيره، أو يرجِّح رواية على أخرى، أو يفهم دلالة النَّص بطريقة مغايرة. فقد يرى أحدهم وثاقة راوٍ معيَّن، بينما لا يطمئن الآخر إليه، أو يعتمد بعضهم قاعدة أصوليَّة لا يعتمدها غيره، فينعكس ذلك على النَّتيجة الفقهيَّة النِّهائيَّة. ولذلك، فإنَّ اختلاف الفتاوى ينشأ غالبًا من تفاوت المناهج العلميَّة وطرق الاستدلال.

وهذه الظَّاهرة تُعدُّ سمة ملازمة لكلِّ العلوم الإنسانيَّة والتَّجريبيَّة؛ فالاختلاف حاضر بين الأطباء في تشخيص بعض الحالات وطرق علاجها، وبين القانونيين في تفسير النُّصوص القانونيَّة، وبين الباحثين في تحليل الظَّواهر الاجتماعيَّة والفكريَّة. ولا يُنظر إلى هذا التَّنوع بوصفه خللًا في أصل العلم، وإنَّما باعتباره نتيجة طبيعيَّة لتفاوت الخبرات والمناهج وعمق البحث. وكذلك الحال في الفقه، فإنَّ تعدُّد الأنظار يكشف عن سعة الحركة العلميَّة وفاعليَّتها، لا عن اضطرابها أو ضعفها.

ومن الضَّروري التَّمييز بين الاختلاف العلمي المشروع والانقسام المذموم؛ لأنَّ الأوَّل يقوم على الدَّليل والبحث واحترام الطَّرف الآخر، بينما ينشأ الثَّاني من التَّعصب والأهواء والرَّغبة في إسقاط المخالف.

المحور الثَّاني: الفوائد العلميَّة لتعدُّد المراجع

تتجلَّى في تعدُّد المراجع فوائد علميَّة مهمَّة تسهم في إثراء الفكر الدِّيني ودعم مسيرة الاجتهاد، وتتنوَّع هذه الفوائد في آثارها وانعكاساتها على الواقع العلمي، ويمكن بيان أبرزها في النِّقاط الآتية:

أوَّلًا: حماية الأمَّة من احتكار الرَّأي

من أبرز الآثار العلميَّة لتعدُّد المراجع أنَّه يمنع انحصار القرار الدِّيني والفكري في دائرة فردٍ واحد؛ لأنَّ حصر الأمَّة في رأي واحد غير معصوم قد يفضي إلى حالة من الجمود العلمي، ويغلق أبواب النَّقد والمراجعة. أمَّا حين تتعدَّد المدارس الاجتهاديَّة، فإنَّ السَّاحة العلميَّة تبقى مفتوحة للحوار والمناقشة، وإعادة النَّظر في النَّتائج الفقهيَّة على ضوء الأدلَّة والمعايير العلميَّة. فالفقه الإمامي يقوم أساسًا على أنَّ المجتهد - مهما بلغ من العلم والتَّقوى - يبقى بشرًا غير معصوم، يُحتمل في حقِّه الخطأ في فهم بعض النُّصوص أو تشخيص بعض المباني أو ترجيح بعض الأدلَّة. ولهذا لم تُعطِ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) العصمة لأحدٍ بعد الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام)، وأبقت باب البحث والنَّقد قائمًا، حتَّى لا يتحوَّل الاجتهاد إلى سلطة مغلقة لا تقبل النِّقاش.

ومن هنا تظهر قيمة تعدُّد المراجع؛ لأنَّ تنوع الأنظار الفقهيَّة يخلق حالة من التَّوازن العلمي، حيث تُعرض الآراء المختلفة على طاولة البحث، ويقوم العلماء بمناقشة أدلَّتها ونقد مبانيها ومقارنة نتائجها. وقد تُكتشف نقاط ضعف في رأيٍ ما من خلال اعتراضات فقيه آخر، أو تتَّضح جوانب أكثر دقَّة عبر تراكم النِّقاشات العلميَّة. وبهذه الطَّريقة تستمر الحركة الاجتهاديَّة في حالة نموٍّ وتطوّر، بعيدًا عن الانغلاق أو احتكار الحقيقة.

كما أنَّ التَّاريخ العلمي للحوزات الدِّينية يكشف أنَّ كثيرًا من النَّظريات الفقهيَّة والأصوليَّة لم تتكامل إلَّا عبر تداول الآراء وتعدُّد المدارس العلميَّة. فكم من رأيٍ كان مشهورًا ثمَّ تراجع حضوره بعد مناقشات علميَّة معمَّقة، وكم من نظريَّةٍ لم تكن معروفة ثمَّ برزت قوَّتها مع الزَّمن نتيجة إعادة البحث والتَّحقيق. وهذا التَّفاعل العلمي يحفظ للفقه قدرته على مواكبة المستجدات، بدل أن يتحوَّل إلى منظومة جامدة لا تتحرَّك.

ثانيًا: إبقاء باب الاجتهاد مفتوحًا

يُعدُّ تعدُّد المراجع من العوامل التي تحفظ استمراريَّة الحركة الاجتهاديَّة داخل الحوزة العلميَّة؛ لأنَّه يرسِّخ فكرة أنَّ باب الاجتهاد لم يُغلق، وأنَّ الوصول إلى مرتبة الاستنباط العلمي ليس حكرًا على طبقة محدَّدة أو مرحلة زمنيَّة معيَّنة. فحين يرى طلاب العلوم الدِّينيَّة تعدُّد المدارس الفقهيَّة وتنوع المباني العلميَّة، تتولد لديهم روح البحث والتَّحقيق والسَّعي لبلوغ مرتبة الاجتهاد، بدل الاكتفاء بالتَّلقِّي أو تكرار ما كُتب في الأزمنة السَّابقة.

وقد قامت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) منذ بداياتها على تنمية القدرة العلميَّة لدى الفقهاء، لا على صناعة شخصيات تابعة لا تملك حقَّ النَّظر والاستنباط.

كما أنَّ تعدُّد المراجع يخلق بيئة علميَّة نشطة تقوم على المنافسة المعرفيَّة الشَّريفة، ويسعى كلُّ فقيه إلى تعميق أبحاثه وتقوية أدلَّته وتحرير مبانيه الأصوليَّة بصورة أدق. وهذه المنافسة تُفهم باعتبارها حركة علميَّة تدفع البحث الفقهي نحو مزيد من التَّطور. ومن خلال هذا التَّفاعل ظهرت عبر التَّاريخ مؤلفات أصوليَّة وفقهيَّة ضخمة، ونشأت نظريات علميَّة دقيقة نتيجة النِّقاشات المستمرة بين العلماء، سواء في مباحث الأصول أو الرِّجال أو قواعد الاستنباط.

إنَّ العلوم حين تُغلق أبواب النَّقد والمراجعة تتَّجه تدريجيًّا نحو الجمود، بينما يحافظ الحوار العلمي وتعدُّد القراءات على قدرة الفكر على التَّجدُّد. ولهذا فإنَّ الاقتصار على رأي واحد أو مدرسة واحدة لفترات طويلة قد يضعف روح الإبداع العلمي، ويجعل العقل الفقهي أقرب إلى التكرار منه إلى الإنتاج. أمَّا وجود اجتهادات متعدِّدة، فإنَّه يدفع الباحث إلى إعادة التَّأمل في الأدلة، واكتشاف زوايا جديدة في فهم النُّصوص، وربط الأحكام بالمتغيِّرات المعاصرة ضمن الضَّوابط الشَّرعيَّة.

إنَّ تعدُّد المراجع لا يحفظ الحاضر العلمي للحوزة فحسب، وإنَّما يصنع مستقبلها أيضًا؛ لأنَّه يفتح الطَّريق أمام ظهور علماء جدد يمتلكون القدرة على معالجة قضايا العصر، ومواجهة التَّحديات الفكريَّة والفقهيَّة بلغةٍ علميَّة رصينة. وبذلك تبقى المرجعيَّة الدِّينيَّة مؤسَّسة متحركة، قادرة على مواكبة تحولات المجتمع، من دون أن تفقد اتِّصالها بالأصول والثَّوابت التي أرساها أهل البيت (عليهم السلام).

ثالثًا: إثراء الفكر الإسلامي

من الثِّمار العلميَّة لتعدُّد المراجع أنَّه يفتح أمام الفكر الإسلامي آفاقًا واسعة في معالجة القضايا المستحدثة؛ لأنَّ تطور الحياة الإنسانيَّة وتغيُّر الظُّروف الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والتقنيَّة يفرض على الفقيه مواجهة مسائل لم تكن مطروحة في الأزمنة السَّابقة بهذه الصُّورة والتَّعقيد. ومع تعدُّد المدارس الاجتهاديَّة تتنوَّع زوايا النَّظر إلى هذه القضايا، فتُطرح معالجات فقهيَّة متعدِّدة تساعد على توسيع دائرة البحث، والوصول إلى تصورات أكثر عمقًا ودقَّة.

فالفقه الإسلامي يمتلك قدرة على التَّفاعل مع الوقائع المتجدِّدة عن طريق القواعد العامَّة والمبادئ الكليَّة التي أرساها القرآن الكريم وسنَّة أهل البيت (عليهم السلام). ولهذا السَّبب استطاع عبر القرون أن يواكب تطورات المجتمع، ويقدِّم رؤى فقهيَّة لمسائل اقتصاديَّة وطبيَّة وتقنيَّة معاصرة لم تكن معروفة سابقًا.

ويمنح تعدُّد المراجع هذه الحركة الفقهيَّة مرونة أكبر؛ لأنَّ اختلاف المناهج والمباني العلميَّة يفتح المجال أمام تعدُّد الحلول والاجتهادات ضمن الإطار الشَّرعي الواحد. فقد يتعامل فقيه مع قضية حديثة من زاوية الاحتياط، بينما ينظر آخر إليها من خلال قاعدة التَّسهيل أو مراعاة العناوين الثَّانويَّة، فتتولَّد من ذلك مساحة أوسع لفهم الواقع والتَّعامل معه. وهذا التَّنوع يكشف عن غنى علمي يسمح للفقه بأن يبقى حاضرًا في مختلف البيئات والظُّروف.

ولا يقتصر أثر هذا التَّعدد على الجانب الفقهي وحده، بل يمتدُّ إلى البناء الثَّقافي والفكري للمجتمع؛ لأنَّ المجتمع الذي يتعايش مع تعدُّد الآراء العلميَّة يكتسب قدرة أكبر على الحوار وتقبُّل الرَّأي الآخر، ويتحرَّر تدريجيًّا من النَّزعة الأحاديَّة التي ترى الحقيقة محصورة في فهم واحد لا يقبل النِّقاش. كما أنَّ الاطِّلاع على تنوّع الاجتهادات يدفع الباحثين وطلبة العلم إلى توسيع مداركهم، ومراجعة المسلمات، والتَّعامل مع القضايا بروح البحث لا بروح التَّعصب.

رابعًا: تعدُّد الحلول أمام النَّاس

إنَّ تنوّع المراجع والآراء الفقهيَّة ينعكس مباشرة على حياة المكلَّفين من خلال إتاحة أكثر من طريق علمي لمعالجة المسائل الشَّرعيَّة، بحيث لا يبقى النَّاس محصورين ضمن قراءة واحدة قد لا تتناسب مع جميع الظُّروف والأحوال.

ويمكن تقريب الصُّورة عبر تشبيه الفقهاء بالأطباء الذين يجتمعون على تشخيص حالة مريض واحد؛ فمع وحدة المرض، قد تختلف طرق التَّحليل والتَّشخيص، وقد يقترح كلُّ طبيب معالجة وفق منهجه وخبرته. ومع ذلك، فإنَّ هذا الاختلاف يعكس تنوّع الخبرات وتعدُّد زوايا النَّظر؛ الأمر الذي يزيد من احتمال الوصول إلى التَّشخيص الأدق والعلاج الأنسب. وكذلك الحال في الفقه، فإنَّ اختلاف الفتاوى قد يفتح أمام المكلَّف أكثر من طريق معتبر شرعًا، يختار منها ما يطمئن إليه ضمن الضَّوابط المقرَّرة.

ومن آثار هذا التَّعدُّد أيضًا أنَّه يوسِّع دائرة الخيارات الشَّرعية أمام النَّاس، خصوصًا في القضايا المستحدَّثة والمعقدة التي تتداخل فيها الجوانب الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والنَّفسيَّة. فوجود أكثر من رأي فقهي مدعوم بالدَّليل يمنح الفرد والمجتمع قدرة أكبر على اختيار ما هو أقرب إلى واقعهم وظروفهم، من دون أن يشعروا بالحرج أو الضِّيق النَّاتج عن انحصار الحكم في اتِّجاه واحد.

كما أنَّ هذا التَّنوع يخفف من حدَّة الأزمات الفكريَّة والاجتماعيَّة التي قد تنشأ عندما يظن البعض أنَّ الدِّين يفرض مسارًا واحدًا في كلِّ التَّفاصيل، في حين أنَّ الشَّريعة في كثير من مواردها منحت مساحة للاجتهاد المعتبر واختلاف الفهم ضمن ضوابطه العلميَّة. وهذا الفهم الصَّحيح يحدُّ من التَّوترات النَّاتجة عن سوء تصور طبيعة الاختلاف الفقهي، ويعزز حالة الاطمئنان إلى سعة الشَّريعة ومرونتها.

المحور الثَّالث: التَّعدديَّة وصورة الإسلام الحضاريَّة

يقوم البناء الفكري في الإسلام على أساس احترام العقل، وفتح المجال أمام النَّظر والاستدلال، لا على القمع الفكري أو إلغاء حقِّ الاختلاف. فالإسلام لم يأتِ ليصادر العقول أو يحصر الفهم في اتِّجاه واحد، إنَّه جاء ليؤسِّس لثقافة الحوار والبرهان، ويجعل من الدَّليل معيارًا للحقيقة، لا من السُّلطة أو الانتماء. ولذلك، كان التَّنوع في الفهم والاجتهاد جزءًا من المنظومة الطَّبيعيَّة للفكر الإسلامي، ما دام منضبطًا بأصول الاستدلال وقواعد العلم.

ويظهر هذا المعنى بوضوح في الخطاب القرآني الذي يرسِّخ أدب الحوار حتَّى مع المخالف، كما في قوله (تعالى): ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (5)؛ إذ يعكس هذا التَّعبير القرآني مستوى عاليًا من الموضوعيَّة في النِّقاش، حيث يُترك المجال للعقل والبرهان ليحسم الموقف، من دون مصادرة أو إقصاء.

إنَّ التَّعدديَّة الفكريَّة المنضبطة تمثِّل صورة من صور الحرية الفكريَّة داخل المنظومة الإسلاميَّة، حيث يُسمح بتعدُّد الاجتهادات والآراء ضمن إطار القواعد الشَّرعيَّة والأصول العلميَّة. وهذا التَّنوع يعكس سعة المنهج الإسلامي في استيعاب الاختلاف، وإدارة التَّعدُّد بطريقة تحفظ وحدة الأصل وتنوّع الفروع. فالحوار بين الآراء الفقهيَّة والعلميَّة لا يُنتج صراعًا، وإنَّما يثري الفهم، ويعمِّق الوعي.

غير أنَّه من الضَّروري التَّمييز بين التَّنوع الفكري المشروع وبين الفوضى الفكريَّة؛ فالأوَّل يقوم على الدَّليل والاختصاص والمنهج العلمي، بينما تنشأ الفوضى الفكريَّة حين يُطرح الرَّأي دون ضوابط علميَّة، أو يُساوى بين الخبرة والاجتهاد وبين الرَّأي المجرَّد من الدَّليل. فالتَّعدد المنضبط يبني، أمَّا التَّعدُّد غير المنهجي فقد ينتهي إلى تشويش المفاهيم وإضعاف المنظومة المعرفيَّة للمجتمع.

المحور الرَّابع: أخلاق العلماء في إدارة الاختلاف

بعد أن تبيَّنت الأصول النَّظرية للاختلاف، نعرض نماذج تكشف عن عظمة المدرسة العلميَّة التي قدَّمت الاحترام على الرَّأي، وجعلت من الأخلاق سقفًا أعلى من كلِّ اختلافٍ فكري.

الشَّاهد الأوَّل: المولى البهبهاني وصاحب الحدائق

روى الشَّيخ عبد الله المامقاني في كتاب «تنقيح المقال» عن أبيه: أنَّ المولى البهبهاني سُئل عن الصَّلاة خلف الشَّيخ يوسف صاحب الحدائق ــ وكانا معاصرين ــ فقال: لا تصح.

وسُئل الشَّيخ يوسف عن الصَّلاة خلف البهبهاني، فقال: تصح. فقيل له: كيف تصححها خلف من لا يصحح الصَّلاة بصلاتك؟! قال: وأيُّ غرابة في ذلك، وقد فعل كلٌّ منَّا بتكليفه وواجبه؟ وهل تسقط عنه العدالة لمجرَّد أنَّه لا يصحح الصَّلاة خلفي؟!(6).

وتكشف هذه القصّة عن مستوى رفيع من أخلاق العلماء حين يتحوَّل الاختلاف العلمي من ساحةٍ للصِّراع الشَّخصي إلى ميدانٍ لأداء التَّكليف الشَّرعي. فالمولى البهبهاني والشَّيخ يوسف صاحب الحدائق كان بينهما اختلافٌ معروف في المباني والاجتهادات، ومع ذلك لم يسمح الشَّيخ يوسف لهذا الاختلاف أن يهدم عدالة خصمه أو يُسقط مكانته العلميَّة.

إنَّ العبارة التي قالها صاحب الحدائق تختصر مدرسةً كاملة في إدارة الاختلاف: «فعل كلٌّ منَّا بتكليفه وواجبه». فهو أدرك أنَّ الفقيه قد يصل إلى نتيجة تختلف عن غيره بحسب ما أدَّاه إليه اجتهاده، وأنَّ مخالفة الرَّأي لا تعني فساد النيَّة ولا سقوط العدالة. وهنا يظهر الفرق بين العلماء الرَّبَّانيين وبين من تحكمهم الأهواء؛ فالعالم الحقيقي يناقش الفكرة دون أن يحاكم النَّوايا، ويختلف في الرَّأي دون أن ينسف الاحترام.

كما أنَّ القصّة تفضح أزمةً معاصرة يعيشها كثير من النَّاس؛ فقد أصبح بعضهم إذا خالفه أحدٌ في رأيٍ أو اجتهادٍ أو موقف، انتقل مباشرةً إلى التَّشكيك في دينه أو إخلاصه أو أخلاقه. بينما كان أولئك الأعلام، مع شدَّة خلافهم العلمي، يحافظون على أدب الاختلاف، ويرون أنَّ الاجتهاد المغاير لا يساوي العداوة.

وفي هذا درسٌ بالغ الأهميَّة لطلاب العلم والخطباء وروَّاد العمل الدِّيني؛ فالمجتمع لا تمزِّقه كثرة الآراء بقدر ما تمزِّقه قلَّة الأخلاق في إدارة تلك الآراء. وحين يفقد الإنسان القدرة على احترام المخالف، يتحوَّل العلم من وسيلة هداية إلى أداة خصومة وانقسام.

لقد علَّمنا هؤلاء العلماء أنَّ الحقيقة لا تحتاج إلى تعصُّبٍ متشنِّج، وأنَّ الوقار العلمي يظهر بأوضح صوره عندما يبقى الاحترام قائمًا حتَّى في لحظات الاختلاف.

الشَّاهد الثَّاني: الآخوند الخراساني والسيِّد كاظم اليزدي

يقول آية الله السيِّد هبة الدِّين الشهرستاني (رحمه الله): «كنت ذات يوم في منزل الشيخ الآخوند في النجف، وكنت جالسًا في خدمته، وكان ذلك عندما بدأت ثورة المشروطة في إيران ووقع الاختلاف بين العلماء. في ذلك اليوم جاء سيّد إلى منزل الآخوند وقال له: أنا أقلّد آية الله السيّد كاظم اليزديّ، وأريد أن أجري معاملة مع فلان، فأخذت له ختم وإمضاء وإجازة السيّد كاظم اليزدي، وحيث إنَّه يقلِّدكم فلم يوافق، وقال: ائتني بإجازة الآخوند. فقطع أستاذنا الآخوند كلامه، وقال: اذهب، وقل له عن لساني، يقول الآخوند: إذا كنت واقعًا تقلِّدني، فيجب أن تضع ختم السيِّد كاظم اليزديّ وإمضاءه على رأسك وتطيعه فورًا»(7).

وتجسِّد هذه الحادثة قمَّة النُّبل العلمي والأخلاقي في إدارة الاختلاف بين العلماء، فمع أنَّ الشَّيخ الآخوند الخراساني كان من أبرز قادة المشروطة، بينما كان السيِّد كاظم اليزدي يتبنَّى موقفًا مغايرًا، إلَّا أنَّ هذا الاختلاف السِّياسي والفكري لم يتحوَّل عندهما إلى صراعٍ على الزَّعامة أو محاولةٍ لإسقاط الآخر.

إنَّ الموقف الذي صدر من الآخوند الخراساني يكشف عن روحٍ علميَّةٍ نادرة؛ إذ لم يستغلّ ثقة مقلِّده به ليضعف مكانة السيِّد اليزدي أو يزرع التَّمرّد على مرجعيته، وأكَّد بكلِّ وضوح أنَّ تقليد الإنسان لمرجعٍ ما يفرض عليه احترام فتواه والالتزام بها. ولهذا قال كلمته العظيمة: «ضع موافقة السيِّد اليزدي على رأسك»، وهي عبارة تعكس احترامه لاجتهاد عالمٍ يخالفه في قضية مصيريَّة.

وهنا تتجلَّى أخلاق العلماء الرَّبَّانيين؛ فهم يختلفون في تشخيص المواقف، لكنَّهم لا يسمحون للخلاف أن يتحوَّل إلى تحقيرٍ أو تسقيط أو تمزيق لوحدة الأمَّة. كانوا يرون أنَّ المجتهد قد يبذل وسعه، ويصل إلى نتيجة تختلف عن غيره، ومع ذلك يبقى موضع احترام وتقدير.

كما تبيِّن القصَّة حقيقة مهمَّة، وهي: إنَّ العلماء الكبار كانوا يربُّون النَّاس على الالتزام بالمبدأ لا على التَّعصُّب للأشخاص. فالآخوند لم يقل: «اترك رأي السيِّد واتبعني»، مع أنَّه كان يستطيع التَّأثير على الرَّجل، وإنَّما أراد أن يرسِّخ في النُّفوس قيمة الانضباط الشَّرعي، وأنَّ المرجعيَّة ليست ساحة منافسة شخصيَّة، إنَّها مسؤوليَّة دينيَّة كبرى.

وفي زمنٍ أصبح فيه بعض النَّاس يجعلون الاختلاف سببًا للتَّشهير والطَّعن وإثارة الجماهير، تبدو هذه المواقف صفحاتٍ مضيئة من تاريخ الحوزة العلميَّة؛ حيث كان العلماء يحفظون للعلم هيبته، وللاختلاف أدبه، وللمخالف كرامته.

الشَّاهد الثَّالث: الشيخ محمود والميرزا المسيح

كان الشَّيخ محمود، حفيد الوحيد البهبهاني، من العلماء الكبار والأجلاء؛ ولكن الميرزا، الذي كان من العلماء المعاصرين له، ونتيجة سوء تفاهم بينهما، أفتى الأخير بكفره. ومرَّت الأيَّام حتَّى جاء الميرزا المسيح إلى قم للتَّشرف بزيارة المعصومة (عليها السلام)، وصلَّى جماعة في مسجد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وهو أحد أكبر مساجد قم المقدَّسة.

ولحسن الحظ كان الشَّيخ محمود قد جاء إلى قم قبل ذلك، وعلم أنَّ الميرزا المسيح يقيم الجماعة في المسجد، فحضر واقتدى بالميرزا في الصَّلاة، وبعدها سأله من حوله باستغراب: الميرزا المسيح يكفِّرك، وأنت تحضر جماعته؟!

فقال في الجواب: وما المانع؟ لا منافاة في أن يشتبه الأمر على الميرزا، ويحكم بكفري؛ ولكن أعتبره أنا عادلًا، وطبقًا للمباني الفقهيَّة، فعندما يعمل كلٌّ منَّا برأيه يكون مثابًا ومأجورًا.

وعندما بلغ هذا الموقفُ الميرزا المسيح، بادر إلى زيارة الشَّيخ، فتحوَّلت الخصومة إلى صداقة... وأصبح دائمًا معجبًا بأخلاق الشَّيخ (8).

وهذه القصَّة تُعدّ من أعمق النَّماذج في أخلاق العلماء عند إدارة الاختلاف؛ لأنَّها تتحدَّث عن لحظة اشتعال حسَّاسة تمسُّ الاتِّهام بالتَّكفير، ومع ذلك لم تتحوَّل إلى قطيعة أو عداء.

إنَّ هذا الموقف يكسر واحدة من أخطر آفات الخلافات: تحويل الاجتهاد إلى إدانة شخصيَّة. فالشَّيخ لم يسمح لحكمٍ فقهيٍ قاسٍ أن يُسقط احترامه العلمي والإنساني للطَّرف الآخر، وبقي ينظر إلى الميرزا بوصفه مجتهدًا له أدواته واستنباطه، وإن أخطأ في النَّتيجة.

ومن جهةٍ أخرى، تكشف القصَّة عن أثر هذا الأدب الرَّفيع في إعادة ترميم العلاقات. فحين بلغ الميرزا موقف الشَّيخ، لم يجد في الطَّرف الآخر خصمًا متشنجًا يبادله التَّكفير بالتَّكفير، ووجد احترامًا ثابتًا على الرَّغم من الخلاف. وهذا ما دفعه إلى المبادرة بالزِّيارة، لتتحوَّل الخصومة العلميَّة النَّاتجة عن سوء فهم إلى صداقة مبنيَّة على التَّقدير المتبادل.

وهكذا يتبيَّن أنَّ العلماء الكبار كانوا أكبر من خلافاتهم؛ لأنَّهم يفصلون بين «حكمٍ اجتهادي» و«قيمة الإنسان»، وبين «الاختلاف العلمي» و«سقوط العدالة». وهذه هي الرُّوح التي إذا حضرت في الأمَّة، حمتها من التَّمزق باسم الدِّين.

الشَّاهد الرَّابع: اختلاف التَّقييم بين أهل التَّمييز

قال العلَّامة الشَّيخ محمَّد تقي آل الفقيه العاملي في كتابه «جامعة النَّجف في عصرها الحاضر» قائلًا:

سألني مرَّة الحاج عليوي أو أخوه سعدون؛ وهما من مؤمني سويج شجر «ناحية الفجر»، التَّابعة للواء النَّاصرية من ألوية العراق: هل الشَّيخ عبَّاس الرُّميثي من أهل التَّمييز؟

قلت: نعم.

فقال: إنَّك تختلف معه في التَّرجيح، فهو يرجِّح الشَّيخ محمَّد رضا ياسين، وأنت ترجِّح السيِّد محسن الحكيم، فما هو السَّبب؟

فقلت له: إنَّك وأخاك تاجران في الطَّعام (الحنطة والشَّعير)، وكلاكما مؤتمن (أي: أمينان صادقان)، فقد يُعرض عليكما نموذج من الحنطة، فيقول أحدكما: قيمتها كذا؛ لأنَّ فيها بريقًا ولمعانًا، وذلك يدلُّ على جودة خبزها، ويقوِّمها الآخر بقيمة دون تلك القيمة، ويقول: ما قاله أخي حقٌّ؛ ولكن لونها أبيض، وحبَّتها ضخمة، ومثلها لا يكون جيِّدًا في الخبز.

فهل ترى أنَّ أحدكما خان ضميره؟

قال الحاج: لا.

قلت: وهكذا يختلف أهل التَّمييز؛ فقد يرى أحدهم ميزة في مرجع لا يراها الآخر، وهذا لا يضر بورعهم وأمانتهم ونصحهم للمؤمنين؛ بل هو نوعٌ من اختلافات وجهات النظر قد سمح بها الإسلام ما دامت لا تخرج عن القيم الأخلاقيَّة والحدود الشَّرعيَّة (9).

وهذه القصة ترسم صورة دقيقة لمستوى «النُّضج العلمي» في فهم اختلافات أهل التَّمييز، وتكشف عن منهج تربوي راقٍ في توجيه العامَّة نحو تقبُّل التَّعدُّد داخل الدَّائرة الواحدة من الثِّقة الدِّينيَّة.

العلَّامة الشَّيخ محمَّد تقي آل الفقيه العاملي نقل السَّائلين من مستوى السُّؤال الحاد: لماذا تختلفون؟ إلى مستوى الفهم التَّمثيلي القريب من حياتهم اليوميَّة. فاختار مثال التِّجارة في الحنطة والشَّعير؛ لأنَّه مجال مألوف لهم، ليبيّن أنَّ اختلاف التَّقدير لا يعني اختلاف الأمانة، ولا يدلُّ على خيانة أحد للطَّرف الآخر.

وفي هذا التَّشبيه تتجلَّى حقيقة مهمَّة: أنَّ «أهل التَّمييز» لا ينظرون إلى الأشياء بعين واحدة؛ لأنَّ أدوات التَّقييم تختلف، والزَّوايا التي تُقرأ منها المسألة ليست متطابقة. فكما يرى أحد التُّجار بريق الحنطة علامة جودة للخبز، بينما يرى الآخر حجم الحبَّة وكثافتها معيارًا آخر، كذلك يختلف الفقهاء في ترجيح مرجع على آخر بناءً على معايير علميَّة دقيقة، دون أن يعني ذلك إسقاط العدالة أو الطَّعن في النِّيَّة.

الجواب هنا يحمل رسالة أعمق من مجرَّد تبرير الاختلاف؛ إنَّه يرسِّخ فكرة أنَّ الاختلاف داخل دائرة الأمانة العلميَّة ليس عيبًا، وهو نتيجة طبيعيَّة لتعدُّد زوايا النَّظر. ولهذا انتقل الشَّيخ من الدِّفاع عن الموقف إلى تأسيس قاعدة أخلاقيَّة: ما دام الجميع داخل حدود الورع والصِّدق والنَّصيحة، فإنَّ اختلافهم لا يُعدُّ طعنًا في أحد، وهو تنوّع في الاجتهاد في فهم الأفضل.

كما أنَّ القصة تعالج بذكاء خطأً شائعًا في وعي العامَّة، وهو الميل إلى تصور «المرجع الواحد الصَّحيح المطلق في كلِّ شيء»، بينما الواقع العلمي أكثر تعقيدًا، حيث تتقارب الكفاءات وتختلف المرجحات، ويبقى معيار العدالة والأمانة هو الأساس المشترك.

إنَّها رسالة تربويَّة مهمَّة: لا تجعلوا اختلاف أهل العلم سببًا لسقوط الثِّقة بهم، وافهموه ضمن سياق التَّخصص والاجتهاد، تمامًا كما لا يُتَّهم التُّجار الصَّادقون بالخيانة لمجرَّد اختلافهم في تقييم السِّلعة.

الشَّاهد الخامس: حين تتقدَّم الأخلاق على الخلاف

يقول الخطيب الحسيني المرحوم الشَّيخ علي أكبر الواعظ التَّبريزي: «إنَّ جمعًا من التُّجار المؤمنين سعوا في زمن رضا خان (والد شاه إيران المقبور) لأن تسمح لهم حكومته بالسَّفر إلى زيارة العتبات المقدَّسة في العراق، فبعد عام واحد من السَّعي، والجدّ، والوساطة سمحت الحكومة لعشرة أشخاص منهم فقط، يقول أحدهم:

وصلنا إلى مدينة كربلاء المقدَّسة ليلة أربعين الحسين (عليه السلام)، وكنَّا في شوق للقاء المرجع الأعلى السيِّد أبي الحسن الأصفهاني أيضًا، وهو يأتي إلى كربلاء من النَّجف الأشرف في مثل هذه الليلة، فذهبت لوحدي إلى بيته الواقع في (تل الزَّينبيَّة)، وبينما كنت جالسًا مع السيِّد، وإذا بجموع الخبَّازين يزدحمون في البيت، ويطالبونه بأثمان الخبز الذي كانوا يدفعونه إلى الفقراء على حساب السيِّد الأصفهاني. ولم يكن لدى السيِّد الأصفهاني من المال ما يكفي لتسديد الدُّيون الكبيرة في ذلك الوقت؛ لأنَّ الأموال التي تأتي لإدارة شؤون النَّاس والطَّلبة من قبل مراجع الدِّين تكون من الزَّكاة والحقوق الشَّرعيَّة التي يؤدِّيها الموسرون في البلاد الإسلاميَّة...

فعندما رأيت هذه الحالة، لعنت رضا خان (شاه إيران) الذي يمنع السَّفر إلى العراق، وإرسال المال إلى المراكز الإسلاميَّة والمرجعيَّة الدِّينيَّة، فقررت بعد ذلك أن أعود إلى أصدقائي، وأخبرهم بالموضوع لعلَّهم يتبرعون بما كان معنا من المال، لدعم السيِّد الأصفهاني.

وهكذا جمعنا (3000) دينار من الأصدقاء، واقترحوا عليَّ أن أذهب لوحدي، وأقدِّمها إلى السيِّد. وهم يأتون لزيارته في يوم آخر... عللوا ذلك بأنَّه قد يسبب إحراجًا للسيِّد، ويعدُّه منَّة عليه إن أعطوه المبلغ بحضورهم كلِّهم. ومن هنا دخلت على السيِّد الأصفهاني لوحدي، فوضعت المبلغ بين يديه، وقلت: هذا لكم أيُّها السيِّد.

فقال السيِّد: إنَّك لم تذكر هذا المبلغ بالأمس، فهل الذي رأيته قد دفعك إلى هذا الإحسان؟

قلت: خذ، وتصرَّف فيه ما تشاء، وأنت مرجعنا، ولك عزَّتنا، نعلم أنَّ مصرفك كثير.

ولكن السيِّد أصرَّ، واشترط أنَّه لا يأخذ المال إلَّا إذا عرف القصَّة، فنقلتها له كاملة.

فقال السيِّد: أريدك أن تعمل بما أقوله لك، وألَّا تخبر أحدًا ما دمت حيًّا، فكما تقول: أنا مرجع، ولي مقلدون ومصاريفي كثيرة. أعلم أنَّ السيِّد حسين القمِّي مرجع أيضًا وله مقلدون، وهو في وضع مالي أسوأ منِّي. خذ نصف هذا المال إليه من دون أن تخبره بأنَّه منِّي.

قلت له: يا سيَّدنا، بصفتك المرجع الأعلى للمسلمين الشيعة في العالم، فإنَّ مصاريفك أكثر. قال: أنا لا أقبل منك هذا المال إلَّا أن تعطي نصفه للسيِّد القمِّي، فامتثلت لأمره (رحمه الله) هذا، والغريب جدًّا أنَّ السيِّد القمِّي لم يكن يتَّفق مع السيِّد الأصفهاني في طريقة العمل الإسلامي. فعلى الرَّغم من الاختلاف بينهما في بعض الآراء، كانت الأخلاق السَّامية سيِّدة المواقف بينهما»(10).

هذه القصَّة تمثِّل ذروة «أخلاق الاختلاف» حين تنتقل من دائرة النَّظريَّة إلى دائرة التَّضحية الفعليَّة، ومن مجرَّد قبول الآخر إلى رعاية حاجته على الرَّغم من الخلاف معه.

المشهد الأوَّل شديد الدلالة: مرجع أعلى في موقع قيادة دينيَّة، ومع ذلك يعيش ضغط الدُّيون المتعلِّقة بإطعام الفقراء والطَّلبة. في لحظة إنسانيَّة حساسة، لا يظهر السيِّد أبو الحسن الأصفهاني بوصفه رمزًا دينيًّا مجرَّدًا، بل باعتباره إنسانًا يحمل همَّ المجتمع حتَّى لو أدَّى ذلك إلى ضيقٍ في حياته الماديَّة. هذا وحده يكشف معنى القيادة الدِّينيَّة بوصفها مسؤوليَّة لا امتيازًا.

لكن ذروة الأخلاق تظهر في ردِّ الفعل؛ فبدل أن يُغلق باب المساعدة أو يقبلها لنفسه فقط، يوجِّه المال إلى مرجع آخر يختلف معه في بعض الاتِّجاهات. وهنا تتجلَّى قيمة نادرة: أنَّ الاختلاف في الرَّأي لا يُسقط حقَّ الآخر في الدَّعم، ولا يُبرر إهماله أو عزله ماليًّا أو معنويًّا.

والأعمق من ذلك أنَّ السيِّد الأصفهاني اشترط توزيعه على السيِّد حسين القمِّي، وكأنَّه يؤسِّس لمبدأ أخلاقي: المال الموجّه لخدمة الدِّين لا ينبغي أن يتحوَّل إلى أداة تفاضل أو تمايز بين العلماء؛ بل إلى وسيلة حفظ كرامة الجميع العاملين في السَّاحة نفسها، وإن اختلفت مناهجهم.

وهنا يظهر بوضوح أنَّ كبار المراجع كانوا أكبر من أن تسمح لهم آراؤهم أن تتحوَّل إلى قطيعة إنسانيَّة. فالسيِّد القمِّي، على الرَّغم من اختلافه في بعض الرُّؤى مع السيِّد الأصفهاني، لم يكن خارج دائرة الاحترام والدَّعم.

وهذه القصَّة تكشف مرضًا معاصرًا خطيرًا: تحويل الاختلاف إلى مبرر للتَّقاطع، وكأنَّ الإنسان إذا لم يوافقنا في الرَّأي سقطت عنه كلُّ حقوقه المعنويَّة والاجتماعيَّة. بينما مدرسة هؤلاء العلماء تقول العكس تمامًا: قد نختلف في المنهج، لكن لا يجوز أن نختلف في الأخلاق.

فلنجعل من اختلافنا بابًا إلى مزيدٍ من الفهم، ومن حوارنا سبيلًا إلى التَّآلف والتَّراحم، ومن أخلاق العلم ميزانًا لأقوالنا ومواقفنا، بحيث لا يحملنا اختلاف الرَّأي على انتقاص المخالف، ولا يحجب عن أبصارنا حقَّه في الكرامة والإنصاف. فالحقُّ غايةٌ ينشدها الجميع، والأخوَّة رابطةٌ تسمو على الخلافات، وتضيق ذرائع الفرقة كلَّما اتَّسعت آفاق الحكمة والرَّحمة.

نسأل الله (تعالى) أن يرزقنا علمًا نافعًا، وبصيرةً نافذةً، وحكمةً تنصف، وقلوبًا تتآلف، وأن يجعل اختلاف اجتهاداتنا سبيلًا إلى التَّبصُّر والتَّكامل، وتنوُّع آرائنا معينًا على إثراء الفكر وإدراك وجوه الصَّواب، وأن يؤلِّف بين قلوبنا، ويصلح ذات بيننا، ويهدينا سبل السَّلام.

............................................

الهوامش:

1. الغيبة (الطوسي): ص460.

2. الفوائد الطوسية: ص463.

3. سورة الأنفال/ الآية: 46.

4. وسائل الشيعة (آل البيت): ج27، ص131.

5. سورة سبأ/ الآية: 24.

6. قصص وخواطر: ص241.

7. سيماء الصَّالحين: ص246.

8. قصص وخواطر: ص255.

9. م. ن: ص392.

10. م. ن: ص571.

اضف تعليق