يناقش المقال مسؤولية الشركات الرقمية تجاه المستهلك العراقي في ظل توسع التجارة الإلكترونية وتزايد مخاطر الاحتيال وتسريب البيانات والإعلانات المضللة. ويؤكد أهمية الحماية الوقائية، وتنظيم الإعلانات والمنصات، والتحقق من الأنشطة التجارية، وضمان الجودة والشفافية والخصوصية. كما يدعو إلى تطوير التشريعات والرقابة والجزاءات الرادعة بما يعزز الثقة ويصون حقوق المستهلك...
في خضم التطور التكنولوجي المتسارع الذي يشهده عالمنا اليوم، أضحت الشركات الرقمية والتجارة الرقمية جزءًا من حياتنا اليومية، وباتت تلك الشركات تمثل أحد مكونات الاقتصاد العالمي والوطني، وهي بدورها أحدثت تحولات عميقة في أنماط التجارة والاستهلاك، وأنتجت علاقات مستحدثة تُدار عبر منصات تتيح البيع والشراء بسهولة كبيرة جدًا.
وفي ظل غياب الحدود الجغرافية والإجراءات التنظيمية الخاصة بتسجيل واعتماد الشركات الوطنية على المستوى العالمي والرقمي، باتت مسألة حماية المستهلك مسألة في غاية الأهمية، ولذا لا بد من التساؤل عن مسؤولية الشركات التجارية الرقمية، المدنية أو الجزائية والأخلاقية، لما يمكن أن يتعرض له المواطن من مخاطر، كالاحتيال الرقمي والغش أو التدليس الرقمي أو تسريب البيانات الشخصية؟
وليس الأمر متعلقًا بالحماية الآنية فقط، بل لا بد من اتخاذ الاحتياطات والإجراءات الوقائية التي تمنع وقوع هذه المخالفات مستقبلًا مع أشخاص آخرين. ورغم أن مساءلة الشركات ممكنة نظريًا، إلا أنها صعبة عمليًا، لا سيما ونحن نتكلم عن شركات إلكترونية مؤسسة في دول أجنبية، وأن غياب التشريعات الدولية الموحدة اللازمة لمكافحة الجرائم التجارية الرقمية، وكذلك ضعف التعاون الدولي، يصعّب كثيرًا من نيل الغاية المبتغاة.
بيد أن أملًا يلوح في الأفق بخصوص اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية التي اعتمدت من الأمم المتحدة عام 2024 في إطار ((تعزيز التعاون الدولي لمكافحة جرائم معينة مرتكبة بواسطة نظم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ولتبادل الأدلة في شكل إلكتروني عن الجرائم الخطيرة))، حيث ورد في مادتها الأولى أن من أغراض الاتفاقية ((تشجيع وتعزيز التدابير الرامية إلى منع ومكافحة الجريمة السيبرانية على نحو أكثر كفاءة وفعالية، تشجيع وتيسير وتعزيز التعاون الدولي في مجال منع ومكافحة الجريمة السيبرانية، تشجيع وتيسير ودعم توفير المساعدة التقنية وبناء القدرات من أجل منع ومكافحة الجريمة السيبرانية، وخصوصًا لصالح البلدان النامية))، وهي تُعد امتدادًا لاتفاقية بودابست 2001 التي تمثل الإطار القانوني الدولي الأبرز في مجال مكافحة الجرائم السيبرانية، والتي دخلت حيز النفاذ عام 2004.
ولحماية المستهلك لا بد من تنويع الأساليب التي من شأنها أن توفر ما هو مطلوب، ومنها الحماية الوقائية التي تتصل بالتدابير والإجراءات القانونية، وكذلك التقنية التي من شأنها توفير الحماية القانونية المثلى لمصلحة المستهلك الوطني، ضد الأضرار التي تصيبه من جراء سلوك الشركات التجارية الرقمية موضوع دراستنا.
والحماية الوقائية ذات أثر وقائي أو استباقي غايته تقليل المخاطر وتحقيق الأمن الإنساني. بعبارة أخرى، إننا بحاجة إلى التأسيس لإطار قانوني يضمن تخويل السلطات المختصة الآليات المناسبة لضمان مصلحة المواطن العراقي، بدل أن يبقى رهينة بيد شركات لا يعرف منها إلا صفحة إلكترونية على التواصل ومجموعة من المروجين لنشاطها التجاري، وفي النهاية يكتشف أنها شركة وهمية وقد ابتلعت نقوده وأوهنت آماله وجعلت منه ضحية لنشاط تجاري وهمي. فالإجراءات الاحترازية همّها توفير حماية استباقية، ومن شأنها تعزيز الثقة بين أطراف التعامل التجاري الرقمي، ومن شأنها أيضًا تقليل المنازعات المستقبلية المحتملة.
وتبدأ الحماية المنشودة من إقرار جملة من التدابير والإجراءات التنظيمية التي تلزم الشركات المشغلة لمواقع التواصل أو المواقع على شبكة الإنترنت بعدم عرض أي إعلان لمجرد حصولها على أجور على ما تقدم، بل عليها أن تتحرى عن صاحب الإعلان أو المحتوى التجاري الترويجي بطلب إبراز أوراق تسجيل النشاط لدى الجهات المختصة وطنيًا. فلا يعقل أن يُترك المحتوى سائبًا كما هو اليوم، فينشط أصحاب الغايات والنوايا الشريرة في تقديم محتوى مملوء بالكذب والاستهزاء بالقيم الاجتماعية أو الدينية أو الأخلاقية، كالمشعوذين والانتهازيين.
فقانون حماية المستهلك العراقي رقم (1) لسنة 2010 ينص في المادة الأولى منه على أن ((السلعة: كل منتج صناعي أو زراعي أو تحويلي مصنع أو نصف مصنع أو مادة أولية أو أي منتج آخر ويمكن حسابه أو تقديره بالعد أو الوزن أو الكيل أو القياس يكون معدًا للاستهلاك، أما الخدمة فهي العمل أو النشاط الذي تقدمه أي جهة لقاء أجر أو بدونه بقصد الانتفاع منه))، كما تحدد المادة ذاتها حماية المستهلك بأنها ((الحفاظ على حقوق المستهلكين ومنع الضرر عنهم)).
فكيف سنحمي المستهلك ونحن لا نسيطر على ما يُنشر أو يُعلن بشكل رقمي؟ وحرية تأسيس أي نشاط تجاري رقمي لا شك أنها مكفولة ومضمونة، لكن ضمن أطر تنظيمية تمنع استغلال جهل الأفراد أو حسن نيتهم. أضف إلى ذلك، يوميًا ترد إلى الكثير من الحسابات رسائل وهمية تتضمن فيروسات إلكترونية، بمجرد فتحها أو الاطلاع عليها يتم اختراق الحساب وتجري عملية السيطرة عليه وإساءة استخدام بياناته، بل الأخطر أنه يُستعمل كطعم للإطاحة بضحايا آخرين تحت جنح الترويج لأفكار تجارية أو استثمارية وهمية، ما شكّل ويشكّل ضررًا بالأفراد وخطرًا يتهدد حياتهم وحقوقهم المالية بالدرجة الأساس وضماناتهم الدستورية، كالحق في الخصوصية.
ولا بد من التذكير بأن الغاية من وراء التحذير من هذه المخاطر إنما تكمن في الحاجة الملحة لحماية حقوق المستهلك العراقي بوصفه الطرف الأضعف في العلاقة التجارية الرقمية، لغياب الخبرة العملية والفنية لديه، بل إنه يفتقد في الكثير من الأحيان الخبرة القانونية. لذا من الضروري إعادة التوازن بين أطراف المعاملة التجارية الرقمية ومنع الممارسات الاحتيالية.
ومن جانب آخر، من الضرورة بمكان تحقيق الأمن التجاري للمواطن بحمايته من المنتجات والخدمات غير المطابقة لمعايير الجودة أو السلامة، مما يقلل من المخاطر التي تتهدد حياته وأمواله. وإلى هذا الأمر أشارت المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة التي صدرت عام 2015 بموجب القرار (186 في 22/12/2016)، حيث تنص صراحة على ((ينبغي أن تعمل الدول الأعضاء على تعزيز ثقة المستهلك في التجارة الإلكترونية بأن تضع باستمرار سياسات شفافة وفعالة لحماية المستهلك، لضمان مستوى من الحماية لا يقل عن ذلك الذي توفره الأشكال الأخرى من التجارة، وينبغي أن تقوم الدول الأعضاء، عند الاقتضاء، باستعراض سياسات حماية المستهلك السارية، من أجل مراعاة السمات الخاصة بالتجارة الإلكترونية، وضمان إطلاع المستهلكين والمؤسسات التجارية على حقوقهم والتزاماتهم في السوق الرقمية وتوعيتهم بها.
وقد تود الدول الأعضاء أن تنظر في المبادئ التوجيهية والمعايير الدولية ذات الصلة في مجال التجارة الإلكترونية وفي التنقيحات المدخلة عليها، وأن تكيّف، حسب الاقتضاء، تلك المبادئ التوجيهية والمعايير لتوائم ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لكي تتمكن من الامتثال لها، وكذلك من التعاون مع الدول الأعضاء الأخرى على تنفيذها عبر الحدود، وضمان سلامة المنتجات والخدمات، وتوفير المعلومات الكافية قبل بيعها أو تقديمها للمستهلك)).
ويمكننا أن نحدد بعضًا من الالتزامات على الشركات والأفراد ممن يمارسون التجارة الرقمية، وتتمثل فيما يلي:
1- التزام الشركات الرقمية باتخاذ مجموعة من التدابير اللازمة لحماية حقوق المستهلك، على أن تُبنى العلاقة بين الاثنين على نحو من الشفافية والثقة لضمان سلامة التعامل ومشروعيته القانونية والأخلاقية.
2- التزام الشركة بالإعلام المهني الشفاف عن البضائع والخدمات، على أن يكون الإعلان مستكملًا لكل المتطلبات القائمة على المصداقية والموضوعية، ومتضمنًا المعلومات الدقيقة عن المنتج أو الخدمة، بما في ذلك وصف كلي للمنتج، والسعر، وشروط الاستخدام، وسياسة الاسترجاع، والضرائب أو الرسوم واجبة الأداء وفق القانون، وعلى أن يتضمن أيضًا الإعلان إعلام المستهلك بأي مخاطر محتملة أو آثار جانبية أو قيود تتعلق بالاستخدام.
3- الالتزام بضمان الجودة والسلامة، إذ تتحمل الشركات الرقمية المسؤولية الكاملة عن ضمان المنتج أو الخدمة المقدمة ومطابقتها للمعايير المعتمدة من جهاز التقييس والسيطرة النوعية العراقي، مما يقلل من المخاطر أو الأضرار المحتملة التي تنجم عن الاستخدام.
4- حماية بيانات المستهلك الشخصية وضمان الحق في الخصوصية، إذ تلتزم الشركات العاملة في الميدان الرقمي بضرورة مراعاة ما تقدم بكل دقة.
5- أهمية مراقبة المنصات الإلكترونية وما يتم عرضه من خلالها وما يتم تشكيله من مجموعات لأغراض تجارية وترويجية.
6- أهمية تطوير الأدوات القانونية باتجاه فرض جزاءات رادعة بحق المخالفين من الشركات وممثليها، لضمان الامتثال للقانون أولًا، ولصيانة حقوق المستهلك الوطني من جهة أخرى.



اضف تعليق