تثير الممتلكات الرقمية بعد الوفاة أسئلة بشأن انتقال الحسابات والمحتوى والعوائد المالية إلى الورثة، وحدود حقهم في الوصول إليها أمام شروط الشركات وخصوصية المتوفى وحقه في النسيان الرقمي. وتتباين المواقف الفقهية والقانونية بشأن توريث الأصول الرقمية وطبيعة ملكيتها، بين حق الورثة في استمرار إدارة الحسابات أو إغلاقها أو نقل...

التطور التكنولوجي والتقني الذي نعيشه اليوم أفضى إلى أن يكون لكل منا ممتلكات رقمية لها قيمة اعتبارية، وأحيانًا مالية، كالقنوات على وسائل التواصل الاجتماعي، والعملات الرقمية المشفرة، والبرامج الإلكترونية، والكتب والمؤلفات الرقمية، والحسابات التجارية على المواقع الإلكترونية، والعلامات التجارية الإلكترونية وغيرها مما يتصل بالممتلكات الرقمية. 

ومما لا شك فيه أن لكل إنسان حياة رقمية في عالمنا المعاصر، تتمثل في النشاطات اليومية الإلكترونية باستخدام مختلف الحسابات والتطبيقات، وإنجاز المهام أو الأعمال، أو استعمال الحقوق والحريات كالتعبير عن الرأي بالطرق الرقمية، أو التواصل مع الآخرين باستخدام الحاسوب أو الهواتف الذكية. في حين إن الوفاة الرقمية تعني الغياب القسري للشخص وانقطاعه الدائم عن استخدام التطبيقات والحسابات الخاصة به، ويكون ما تقدم بتحقق موت الإنسان أو إصابته بعجز أو سجنه أو حين يحل به أي مانع آخر يمنعه، ولمدة غير محددة، من استعمال تلك المساحات.

 وتظهر إلى العلن عدة تساؤلات، في مقدمتها: لمن تعود هذه الملكية؟ ولعل ذلك يقودنا إلى دراسة الإرث الإلكتروني وما يمكن أن يثيره من مشكلات بين الورثة وتلك الشركات المالكة أو المشغلة للمواقع الإلكترونية أو مواقع التواصل الاجتماعي. فهل يمكن المطالبة بتسليم الإرث إلى الورثة ليتقاسموه على نحو معين، أو ليحتفظوا به كجزء من ذاكرتهم الأسرية؟ والكثير من تلك الحسابات والبرامج محمية بكلمات مرور لا يعرفها إلا الشخص ذاته، المتوفى مثلًا، فهل يمكن مطالبة الشركات بتسليم مفاتيح الحسابات والتصرف بمحتواها؟ وهل يتعارض ذلك مع الحق في الخصوصية للمالك الأصلي (المتوفى مثلًا)؟ وهل يتعارض مع حقه، أي المالك، في الدخول في النسيان الرقمي؟

ومن نافلة القول إن المال شرعًا أو قانونًا هو كل ما له قيمة ويُنتفع به وفق المجرى العادي للأمور والأوضاع المحيطة به، وألّا يكون هنالك حائل أو مانع يمنع من الانتفاع على نحو يتفق مع طبيعة المال وقواعد الشرع أو القانون. وما تقدم يلائم الكثير من التطبيقات والبرامج والحسابات التي يخلفها المتوفى أو العاجز، حيث يمكن أن تُقوَّم بالمال النقدي من جهة، ويمكن أن تُباع أو تُؤجَّر، بمعنى أنه يمكن الانتفاع منها، بل يمكن من خلالها إخراج قيمة الأموال اللازمة لتجهيز المتوفى أو دفنه وسداد ديونه إن وجدت، ومن ثم يُقسم المتبقي على الورثة. فالأموال الرقمية لا تختلف كثيرًا عن الأموال العادية؛ مثلًا، القنوات على مواقع مثل (YouTube)، والصفحات على فيسبوك ومنصة إكس، تمثل مصادر دخل للكثير من الناس، ويحقق البعض الآلاف من الدولارات بشكل شبه يومي من خلال الإعلانات والتسويق للمنتجات وصنع المحتوى الرقمي، أو من خلال التنقيب في العملات المشفرة.

 ومن المقرر أن هذه الأصول معتبرة عرفًا في وقتنا الحاضر على أنها أموال؛ لكونها تحمل قيمة معتبرة عند العقلاء، وتمثل جزءًا من التركة تنتقل إلى الورثة حسب أنصبتهم الشرعية والقانونية. ويرى جملة من الفقهاء المسلمين أن الأصول الرقمية لها قيمة مالية وقوة شرائية يقبلها العرف والعقلاء، بشرط واحد: ألّا تكون تلك الأموال ناتجة عن تعاملات محرمة فتبطل بطلانًا ذاتيًا، أو تم جمعها بالغرر الفاحش بالأغيار المانع من صحة تملكها وانتقالها إلى الورثة. فإن لم يكن ما تقدم، وجرى تملكها بلا محذور شرعي، فهي جزء لا يتجزأ من التركة، وإن تحقق المحذور السابق الإشارة إليه، بات تملكها وانتقالها محل إشكال شرعي، كما لو كانت تلك القنوات تعج بنشر المحرمات، أو كانت وسيلة للابتزاز، أو شكلت ضررًا بالأفراد الآخرين، فلا تكون عندئذٍ مالًا معتبرًا؛ فالمال الحرام لا يحل انتقاله للورثة، ولا يصح التصرف به على نحو ما، إنما هنالك تصرفات معينة أخرى لتطهيره وفق ما يراه الفقهاء المسلمون.

والميراث يُراد منه ما يستحقه الوارث عن مورثه متى تحقق سبب من أسباب الميراث، فهو انتقال مال الإنسان إلى خلفه. وقد أبدع المشرع السماوي في تحديد أنصبة وموانع الإرث في قواعد مفصلة تضمنها القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة.

 نذكر من تلك القواعد الآية المباركة التي تقول: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وأيّما مال أو حق يمكن أن ينتقل بالميراث إلى الوارث، ما عدا الحقوق الشخصية اللصيقة بشخص المتوفى، ومنها الحق في الحضانة مثلًا. 

وقد بدأ الحديث عن الميراث الرقمي مع بداية الألفية الحالية، حين أصبح رائجًا ما يُعرف بالحياة الرقمية. وقد كان للقضاء في الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وكندا وسويسرا اليد الطولى في التأسيس للميراث الرقمي. ففي عام 2005، ومن خلال محكمة ولاية (District Court of Michigan)، أقامت أسرة جندي قُتل في العراق اسمه (Corporal Ellsworth) دعوى لمطالبة شركة (Yahoo) بتسليمهم كلمة المرور الخاصة بابنهم والسماح لهم بالوصول إلى محتوى البريد الإلكتروني، فرفضت الشركة، بيد أن المحكمة قالت كلمتها لمصلحة الأسرة وألزمت الشركة بتسليم الأسرة المحتوى على قرص صلب. ومما تقدم نقول إن الأصول الرقمية باتت جزءًا من حق الوارث إن تحقق موت المورث. والأصول الرقمية هي «سجل رقمي يبين ملكية وحياة الشخص على الشبكات العالمية للإنترنت، فهو يسجل ويخزن رقميًا كل المواقع التي يزورها أو يعمل فيها أو يتنقل فيها الشخص». 

وهو، بعبارة أكثر وضوحًا، وحسب التوجيه الأوروبي لعام 2011، سجل يتضمن البيانات المنتجة والمقدمة رقميًا، مثل برامج الحاسوب والتطبيقات والألعاب والموسيقى ومقاطع الفيديو والنصوص، سواء تم الوصول إليها عبر تحميلها على الأجهزة الخاصة، أو تم بثها رقميًا، أو من خلال وسيط كالذاكرة المحمولة أو أي وسيلة أخرى. وما تقدم يمثل محل أو موضوع الميراث الرقمي؛ فهو ينصرف، كما تبين لنا، إلى الممتلكات التي يتمثل مضمونها بأعمال أو تصرفات أو قيم يبرز فيها الاعتبار الشخصي بالدرجة الأساس، والمالي والأدبي، والتي تتمثل، فضلًا عما ذكرناه في المحتوى الرقمي أعلاه، بالرسائل والتعليقات والكتب وسائر الأنشطة الفكرية والاجتماعية والقانونية والتصرفات التي تتعلق بالمركز الاجتماعي أو المنصب الوظيفي أو الرأي السياسي أو الديني.

والثابت أن التركة الرقمية من شأنها أن تحقق مصلحة للوارث أو الموصى له، لا سيما إن كانت ذات قيمة أدبية أو عاطفية أو مالية، وما تتضمنه تلك الحسابات من محتوى، أو كان لها قيمة تجارية، فيكون للوارث مصلحة في استمرار النشاط للاستفادة من العوائد المالية التي تُجبى لمصلحته، ولعلها تثبت استحقاقه لأموال، أو لتكريم معين، أو لمكانة فنية أو أدبية معينة، والتي لا يمكن التعرف عليها أو إثباتها إلا بالعودة إلى تلك الحسابات. كما أن تركها لمدة طويلة قد يتسبب بإغلاقها فيضيع الحق المرتبط بها. 

على العموم، عند وفاة الشخص نكون إزاء ثلاثة احتمالات: الأول أن يكون الخلف مالكًا لكلمات المرور وقادرًا على الاستمرار باستعمال الصفحة أو التطبيق أو تتبع المنتجات وعوائد الأعمال والإعلانات وغيرها. وفي هذه الحالة تملك الشركات المشغلة أن تثير مسألة الملكية وتطالب بسند قانوني لانتقال الملكية أو العائدية لتمنع الاستغلال غير القانوني وتحد من حالات التحايل والتلاعب. 

والخيار الثاني أن تطالب الأسرة (الخلف) بإيقاف الحسابات والصفحات والأنشطة الرقمية للمورث، وتطالب الشركات بنشر تنويه يفيد وفاة الشخص أو عجزه أو امتناعه عن استعمال الصفحة مستقبلًا، لتمنع أي نوع من أنواع الإساءة أو الاستغلال. وبالعادة يكون ما تقدم مع صفحات وحسابات الشخصيات الدينية والاجتماعية العامة. 

والخيار الثالث أن الخلف يطالب بتحويل مضامين وإدارة تلك الممتلكات إليه ليتولى إدارتها والانتفاع من إيراداتها أو منافعها المادية أو المعنوية. ولا يمكن أن نرجح أي طرح مما تقدم ما لم نحدد طبيعة العلاقة بين هذه الأعيان الرقمية وأصحابها الشرعيين، حيث يرى البعض من القانونيين والمختصين أن العلاقة علاقة انتفاع، بمعنى أن المالك للوسط الرقمي والفضاء الافتراضي هو الشركات المالكة للتطبيقات، مثل شركة فيسبوك مثلًا، وبالنتيجة المستخدم مجرد منتفع يمكن للشركة أن تنهي حسابه بمجرد موته حقيقة أو موته رقميًا. 

وفي هذا الرأي تبرز صعوبة في التعامل مع الحسابات الخاصة بتداول العملات الرقمية والمعادن النفيسة والتجارة الإلكترونية، وأن الذهاب خلف هذا الرأي يضيع حقوق الورثة. ويؤيد أنصار هذا الرأي قولهم بالرجوع إلى اتفاقية الشروط التي يوافق عليها العميل بلا نقاش، لتسمح له الشركة باستحداث حساب أو صفحة، أو تمكنه من الاشتراك بالخدمة. وهذه الاتفاقية تُعد بمثابة العقد المبرم بين الطرفين، ولعل أغلب الاتفاقيات أو مدونات الخدمة التي تعرضها الشركات على المستخدمين لا نجد فيها ما يرجح كون العلاقة بين المنتفع والوسط الرقمي علاقة ملكية، بل هي أقل من ذلك، وهذا محل إشكال وقد يسبب ضررًا للوارث مستقبلًا؛ لذا ظهر في الآونة الأخيرة ما يُعرف بالتوثيق. 

بيد أن الرأي الذي تميل إليه الأوساط القانونية والقضائية، ومنها المحاكم الأمريكية، يذهب إلى أن حق المنتفع بالخدمات الرقمية يرقى إلى درجة نعته بالملكية للصفحات أو التطبيقات الرقمية، ويخول المالك سلطة ملك تمكّنه من استغلال تلك الأعيان الرقمية أو التصرف بها؛ فهو مالك للصفحة أو التطبيق لا للموقع المزود للخدمة، فهو مملوك أصلًا للشركات المعروفة عالميًا، والمستخدم يبرم عقدًا مع الشركة بمقتضاه يتملك الصفحة، بدليل أن الشركة لا تملك أن تبيع هذا الحساب أو أن تؤجره أو تنتفع به خلافًا للعقد المبرم بصيغة شروط يوافق عليها المنتفع ابتداءً.

.........................................

مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق