قد يُقاس دخل الإنسان في آخر العمر بما يتيحه من قرارات صغيرة: موعد يختاره لزيارة الطبيب، حاجة يشتريها دون انتظار، رحلة قصيرة إلى صديق، أو مساهمة يقدمها في بيته. تحمل هذه التفاصيل معنى أوسع من قيمة المبلغ المصروف؛ إنها المسافة بين أن يشرح المرء رغبته...
قد يُقاس دخل الإنسان في آخر العمر بما يتيحه من قرارات صغيرة: موعد يختاره لزيارة الطبيب، حاجة يشتريها دون انتظار، رحلة قصيرة إلى صديق، أو مساهمة يقدمها في بيته. تحمل هذه التفاصيل معنى أوسع من قيمة المبلغ المصروف؛ إنها المسافة بين أن يشرح المرء رغبته، وأن يضطر إلى تبريرها لمن يمولها. ومن هنا يفتح اليوم الدولي للمسنين سؤالًا يتجاوز مقدار ما يحصل عليه كبار السن من إعانات ومعاشات: إلى أي حد يستطيعون استخدام مواردهم، واختيار طريقة عيشهم، والمشاركة في القرارات التي تخصهم؟
يكتسب السؤال وزنًا واضحًا في العراق، حيث بلغ عدد السكان بعمر الخامسة والستين فأكثر مليونًا و٦٨٨ ألف شخص، بحسب النتائج النهائية للتعداد السكاني، التي أعلنتها وزارة التخطيط في تشرين الثاني ٢٠٢٥. ويحدد هذا الرقم حجم فئة عمرية، لكنه لا يكشف بمفرده عدد أفرادها الذين يمتلكون دخلًا شخصيًا منتظمًا، أو مقدار اعتمادهم على الأسرة، أو قدرتهم على التصرف في الموارد المتاحة لهم.
تحل المناسبة في الأول من تشرين الأول، وتعرض منظمة الصحة العالمية حوارها المرتقب لعام ٢٠٢٦ ضمن موضوع «عصر طول العمر: إعادة التفكير في الأنظمة لحياة أطول». ويتناول إعلان الفعالية كيفية تحويل السنوات الإضافية إلى سنوات تقترن بالصحة والكرامة والمساهمة، مع إعادة النظر في استجابة النظم لاحتياجات كبار السن وحقوقهم. هكذا يصبح طول العمر اختبارًا لقدرة المؤسسات على مواكبة حياة تتغير، وتوفير شروط استمرار أصحابها في إدارة شؤونهم.
ويمنح الجمع بين الاستقلال المالي واستقلال القرار مدخلًا لفهم وضع كبار السن في العراق. فالحديث عن الشيخوخة يتقاطع مع تاريخ العمل، وإمكان الوصول إلى التقاعد، وكلفة الرعاية، وقدرة الأسرة على المساندة. وتتطلب قراءة هذه العلاقة التمييز بين امتلاك معاش شخصي، والعيش في أسرة تتلقى مساعدة، والاعتماد على تحويلات الأقارب أو المدخرات. لكل مورد قواعده وحدوده، ولكل ترتيب أثر محتمل في حرية صاحبه، حتى عندما تتساوى المبالغ الظاهرة في حساب الأسرة.
تأتي أهمية هذا التمييز من أن الحاجة إلى العون أمر ممكن في مختلف الأعمار، بينما تبقى إرادة الشخص نقطة الانطلاق في تقديمه. فمساعدة أحد الوالدين على مراجعة دائرة أو فهم إجراء يمكن أن توسع خياراته، وقد تصبح طريقًا لتولي شؤونه بالكامل إذا غابت موافقته ومشاركته. والحد الفاصل بين الحالتين يستحق النقاش داخل السياسات والخدمات كما داخل البيوت: مَن يشرح البدائل؟ مَن يسمع الرغبة؟ ومَن يتخذ القرار النهائي؟
تضع المصادر الدولية والعراقية أمام هذا النقاش قاعدة تتجاوز الانطباعات، من فجوات التقاعد والعمل غير المنظم إلى الرعاية والتمييز المرتبط بالعمر. ومع ذلك، تبقى العلاقة بين موارد الفرد وموقعه داخل أسرته مسألة تحتاج إلى توثيق ميداني عند الانتقال إلى حالات بعينها. وما تقدمه هذه المادة قراءة في الأدلة والسياسات، تبحث عن الشروط التي تساعد الإنسان على الاحتفاظ بصوته كلما زادت حاجته إلى الدعم.
العمر الطويل وحساب الاستقلال
تقدر منظمة الصحة العالمية ارتفاع عدد الأشخاص بعمر الستين فأكثر من مليار إنسان عام ٢٠٢٠ إلى ١٫٤ مليار عام ٢٠٣٠، ثم ٢٫١ مليار عام ٢٠٥٠. وبحلول عام ٢٠٣٠، سيكون واحد من كل ستة أشخاص في العالم ضمن هذه الفئة. كما تتوقع المنظمة وصول عدد من هم في الثمانين فأكثر إلى ٤٢٦ مليونًا بحلول منتصف القرن. وتستخدم هذه التقديرات سن الستين، فيما يتعلق الرقم العراقي السابق بفئة الخامسة والستين فأكثر، وهو اختلاف ينبغي مراعاته عند المقارنة.
يقدم التقرير الاجتماعي العالمي لعام ٢٠٢٣، الصادر عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة، الشيخوخة السكانية بوصفها تحولًا تتحدد آثاره بالسياسات والقرارات الجماعية. ويربط أحوال العمر المتقدم بمراحل الحياة السابقة، من التعليم والعمل إلى الصحة وتوزيع الموارد. وبذلك، فإن وضع الشخص عند التقاعد يحمل آثار فرص تراكمت أو ضاعت قبل بلوغه هذه المرحلة، بينما تستطيع السياسات العامة تعديل النتائج وتخفيف التفاوت بين من يصلون إليها بموارد مختلفة.
ويمكن قراءة هذا المسار عبر سؤال بسيط: ماذا يبقى من سنوات العمل عندما تتراجع القدرة على الاستمرار؟ فالأجر الذي غطى احتياجات يومه، والاشتراك الذي صنع حقًا للمستقبل، يؤديان وظيفتين مختلفتين. وقد يكون العمل طويلًا ومنتجًا وضروريًا، ثم تبقى حمايته بعد انتهائه محدودة. ولهذا يحتاج تقييم العدالة في الشيخوخة إلى النظر في شروط العمل السابقة، وكيفية تسجيله، وإمكان الانتقال بين المهن، والقدرة على الحفاظ على الاشتراكات أثناء فترات الانقطاع.
وعلى المستوى العالمي، يورد تقرير منظمة العمل الدولية للحماية الاجتماعية ٢٠٢٤–٢٠٢٦ أن ٧٩٫٦٪ من الأشخاص فوق سن التقاعد يحصلون على شكل من معاشات الشيخوخة، فيما يبقى أكثر من ١٦٥ مليون شخص فوق السن القانونية للتقاعد دون معاش. وتستند مؤشرات التغطية إلى عام ٢٠٢٣ أو أحدث سنة متاحة بحسب البلد. ويؤكد التقرير أن وجود المنفعة قد يترافق مع مستويات غير كافية لتأمين الحماية المطلوبة.
تفتح هذه الأرقام بابين للمساءلة: الوصول إلى المعاش، وقدرته الفعلية على تغطية الاحتياجات. فمن الممكن تسجيل تقدم في أعداد المستفيدين، بينما تستمر صعوبة تحمل نفقات أساسية. ويضاف إلى ذلك سؤال استخدام الدخل نفسه: هل يصل بانتظام؟ هل يستطيع صاحبه سحبه بسهولة؟ هل يعرف سبب أي استقطاع؟ وهل يملك وسيلة للاعتراض؟ تتضح قيمة الحماية عندما تصبح هذه التفاصيل جزءًا من تقييمها، ويُنظر إلى المستفيد باعتباره صاحب حق قادرًا على المتابعة والاستفسار.
ويجمع موجز منظمة العمل الدولية «الحماية الاجتماعية الشاملة من أجل شيخوخة صحية»، الصادر في تشرين الأول ٢٠٢٤، بين الدخل والرعاية الصحية والرعاية طويلة الأمد. فالحماية التي يناقشها تشمل الوصول المنصف إلى المعاشات والخدمات، ضمن مقاربة لتحسين أحوال كبار السن. ويساعد هذا الترابط على فهم محدودية معالجة الدخل بعيدًا عن الخدمات التي يحتاج الشخص إلى شرائها أو الوصول إليها، وأهمية بناء استجابة تجمع الجانبين.
من زاوية الحياة اليومية، قد يمتلك شخصان دخلًا متقاربًا ويواجهان هامشين مختلفين من الاختيار. هذا افتراض تحليلي توضحه مقارنة بين شخص يستطيع الوصول إلى خدمة قريبة، وآخر يحتاج إلى النقل والمرافق والانتظار كي يحصل على الخدمة نفسها. لذلك فإن سؤال كفاية الدخل ينبغي أن يتصل بالمسافة والوقت والجهد المطلوبين لاستخدامه. وكلما أصبحت الخدمة أكثر قابلية للوصول، اتسعت الفائدة الفعلية من الموارد المتاحة.
ويخصص تقرير الخبيرة المستقلة المعنية بحقوق كبار السن، كلوديا ماهلر، المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان في تموز ٢٠٢٥، موضوعه لتقاطع الحق في الحماية الاجتماعية مع الحق في العمل. ويفتح هذا الموضوع النقاش حول شروط استمرار الإنسان في النشاط الاقتصادي مع تقدمه في العمر، وموقع الحماية الاجتماعية في خياراته، والموارد التي يمكنه الاعتماد عليها عندما تتغير قدرته على الكسب.
ومن هذه الزاوية يمكن طرح معيار عملي: هل يستطيع كبير السن تخفيف ساعات عمله إذا احتاج إلى ذلك؟ وهل يملك موردًا بديلًا إذا اضطر إلى التوقف؟ الإجابة تحدد مقدار الحرية في قرار الاستمرار. فالخبرة والرغبة في المشاركة قد تدفعان شخصًا إلى مواصلة العمل، بينما تدفع الحاجة آخر إلى قبول شروط مرهقة. ويحتاج أي خطاب يحتفي بالنشاط في العمر المتقدم إلى ترك مساحة لهذا الاختلاف، وإلى الاستماع لأسباب العمل كما يرويها أصحابه.
وثمة فرق آخر بين القدرة على اتخاذ القرار والقدرة على تنفيذه. فقد يعرف الإنسان ما يريد، ثم يعجز عن تحمل ثمن الخيار أو الوصول إليه. لذلك فإن سؤال الاستقلال يجمع الإرادة والوسيلة: هل توجد بدائل حقيقية يستطيع المفاضلة بينها؟ وهل يمكنه تغيير رأيه إذا وجد أن الخدمة غير مناسبة؟ كل إجراء يوسع البدائل المعقولة أمام المستفيد يمنحه فرصة أكبر للمشاركة في حياته، وكل تعقيد إضافي يستحق المراجعة لمعرفة أثره في تلك الفرصة.
العراق بين سنوات العمل وحق التقاعد
تصف الدراسة المشتركة لمنظمة العمل الدولية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، المنشورة عام ٢٠٢٤، النظام التقاعدي العراقي بأنه متجزئ ويواجه مشكلات في الإنصاف والكفاءة. وتشير إلى اعتماد أعداد واسعة من كبار السن على موارد خارج المعاش الفردي. كما تورد أن نحو ٢٢٥ ألف مسن يعيشون داخل أسر تستفيد من التحويلات النقدية لشبكة الحماية الاجتماعية؛ وهذا عدد أفراد في أسر مستفيدة، وليس عدد مستفيدين من معاش شيخوخة مستقل. وتتناول الدراسة النظام الاتحادي دون تحليل خاص بإقليم كردستان.
يحمل الفرق بين الاستحقاق الفردي والدعم الأسري معنى مباشرًا لسؤال القرار. فوجود مورد باسم الشخص يسمح بتحديد ما يستحقه وكيف يطالب به، بينما يقتضي المورد الأسري توزيعًا داخل ميزانية مشتركة. وقد يتم هذا التوزيع بتفاهم وعدالة، وقد يتأثر بأولويات متزاحمة. لذلك يبقى قياس دخل الأسرة وحده غير كافٍ لمعرفة مقدار ما يستطيع كبير السن تخصيصه لاحتياجاته، أو كيفية مشاركته في تحديد أوجه الإنفاق.
وسبق أن طرحت وزارة التخطيط هذا الملف في ندوة عن الأمن المالي للشيخوخة عقدتها بالتعاون مع منظمة العمل الدولية في شباط ٢٠٢٣. وأعلنت أن النقاش يستهدف معالجة فجوة تأمين الدخل واستدامة نظم التقاعد العام والخاص. وتناول المشاركون توسيع شمول الضمان والحماية الاجتماعية. وتوفر هذه المادة الرسمية نقطة زمنية لمتابعة تطور الاستجابة، إذ يصبح السؤال اللاحق متعلقًا بما تُرجم من تلك المناقشات إلى برامج وتغطية فعلية.
وتوثق وزارة العدل نشر قانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال رقم ١٨ لسنة ٢٠٢٣ في العدد ٤٧٣٤ من الوقائع العراقية، بتاريخ ٢٨ آب من العام نفسه. ويشكل القانون مرجعًا أساسيًا في مناقشة حماية العاملين المشمولين بأحكامه، فيما يتطلب تقييم أثره قراءة تطبيقه واستمرارية الاشتراك والوصول إلى المنافع. فصدور التشريع محطة يمكن تحديد تاريخها، أما النتائج فتحتاج إلى بيانات متابعة تبين مَن دخل النظام وكيف استفاد منه.
وهنا تظهر أهمية الفصل بين العامل الذي يستطيع بناء استحقاق عبر سنوات مقبلة، والشخص الذي وصل بالفعل إلى عمر متقدم بموارد محدودة. فتوسيع الاشتراك يفتح مسارًا للحماية المستقبلية، بينما يحتاج وضع الفئة الثانية إلى معالجة تناسب زمنها الحالي. وتستحق السياسات أن تُسأل عن الطريق المتاح لكل مجموعة، وعن الحالات التي تبقى خارج الشروط، وآليات تمويل الاستجابة لها. لكل فئة قدرة مختلفة على الانتظار.
ويقدم تقرير منظمة العمل الدولية عن اتجاهات تغطية الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص العراقي، المنشور في أيلول ٢٠٢٥، أرقامًا توضح الفرق بين التسجيل والوصول إلى المعاش. فقد ارتفعت التغطية الفعلية المقدرة للعاملين من ٦٫٩٧٪ عام ٢٠٢١ إلى ١٢٫٦٥٪ عام ٢٠٢٤. وفي المقابل، ارتفعت التغطية المقدرة بمعاش الشيخوخة ضمن ضمان القطاع الخاص في العراق الاتحادي من ٤٫٠٤٪ إلى ٤٫٤٤٪ خلال المدة نفسها. وتخص النسبة الأخيرة العاملين السابقين في القطاع الخاص الذين بلغوا سن التقاعد وفق تقديرات الدراسة، ولا تمثل جميع المسنين العراقيين.
وتظهر البيانات تفاوتًا محليًا في تغطية العاملين بالضمان عام ٢٠٢٤: ١١٫٤٣٪ في كربلاء، و١٠٫٢٩٪ في بابل، و١٣٫٩٦٪ في النجف، و١٤٫٩٦٪ في بغداد، مقابل ٣١٫٢٧٪ في أربيل و٢٫٦٧٪ في نينوى. وتجمع هذه التقديرات بين بيانات التسجيل الإدارية وأعداد التشغيل المقدرة بالاستناد إلى مسح القوى العاملة لعام ٢٠٢١، وهو قيد ينبغي أخذه في الاعتبار عند المقارنة.
هذه الفروق تضع أمام المتابعة الصحفية سؤالًا عن طبيعة العمل في كل محافظة، وقدرة المؤسسات على التسجيل والمتابعة، واستمرار الاشتراكات. لكنها لا تثبت وحدها سبب ارتفاع التغطية أو انخفاضها. ويحتاج تفسيرها إلى بيانات قطاعية ومحلية، تفصل بين حجم فرص العمل، وعدد المنشآت، وأنماط التشغيل، ومدى الامتثال، بدل اختزال التفاوت في حكم عام على محافظة أو مؤسسة.
ولقياس ما وراء زيادة التسجيل، تبرز أسئلة الاستمرار: كم عاملًا حافظ على اشتراكه؟ ماذا يحدث لسجله إذا انتقل إلى منشأة أخرى أو انقطع دخله؟ وكيف يتأكد من تسديد ما يُستقطع لحسابه؟ فالاشتراك الذي يعرف صاحبه مساره يستطيع متابعته، أما السجل الذي يبقى غامضًا فيصعب تقدير قيمته المستقبلية. ويمنح نشر المعلومات بصورة مفهومة العامل فرصة لتصحيح الخطأ خلال حياته المهنية، قبل أن يتحول إلى نزاع عند طلب الاستحقاق.
وتكشف دراسة «من الإصلاح إلى الواقع»، التي نشرتها منظمة العمل الدولية في تشرين الثاني ٢٠٢٥، جانبًا من فجوة المعرفة. فقد شمل البحث ١٢١ منشأة رسمية و٣٠٠ عامل في بغداد والبصرة، وأظهر أن ١٧٪ من العمال المشاركين كانوا على معرفة كاملة بأحكام القانون، بينما افتقر ٨٤٪ إلى معرفة كيفية تتبع الاشتراكات والاستحقاقات. وتبقى النتائج مرتبطة بعينة الدراسة وموقعيها، دون تحويلها إلى نسب ممثلة لجميع العراقيين.
وتتيح هذه النتائج فهم سؤال الاستقلال من باب المعلومات. فالشخص يحتاج إلى معرفة حقه قبل أن يطالب به، وإلى شرح مفهوم قبل أن يختار إجراءً. ويمكن اختبار جودة الخدمة عبر قدرة مستخدمها على معرفة وضع طلبه وتكلفته والوثائق المطلوبة وسبل الاعتراض. وعندما تصمم المؤسسة هذه الرحلة بوضوح، تقل الحاجة إلى وسطاء يتولون الخطوات كلها، وتصبح المساعدة وسيلة تمنح المستخدم قدرة أكبر على المتابعة.
وتطرح الدراسة المشتركة بشأن التقاعد العراقي إمكانية إضافة مكوّن تقاعدي غير قائم على الاشتراكات السابقة لتوسيع الحماية، ضمن إصلاح أوسع للنظام. وتبقى هذه خيارات مقترحة تحتاج إلى تمويل وقرارات تنفيذية، ولا تعني وجود استحقاق شامل متاح تلقائيًا. وتوضح أهمية النقاش في تحديد مسؤولية النظام تجاه شخص انتهى مساره المهني قبل أن يتمكن من بناء سجل يؤهله لمعاش.
ومن الأسئلة التي تطرحها هذه الخيارات: كيف تُحدد الأهلية؟ وما مقدار الدعم الذي يمكن تمويله؟ وكيف تتعامل البرامج مع من يملك دخلًا متقطعًا أو دعمًا عائليًا يتغير؟ وتتطلب الإجابة قواعد معلنة وإجراءات مراجعة، لأن اختلاف تعريف الحاجة قد يغير قائمة المستفيدين. كما ينبغي شرح العلاقة بين البرامج، حتى يعرف الشخص كيف يؤثر الانتساب إلى أحدها في حقوقه الأخرى، وكيف يمكن تصحيح الأخطاء في تطبيق الشروط.
عمل مرئي وحماية غائبة عن السجل
توضح نتائج مسح القوى العاملة العراقي لعام ٢٠٢١، المنشورة في تموز ٢٠٢٢، حجم المسافة بين العمل والحماية المنظمة. فقد بلغت نسبة الوظائف غير الرسمية ٦٦٫٦٪ من التشغيل، فيما بلغت نسبة العمل في القطاع غير الرسمي ٥٤٫٨٪. وهما مؤشران مختلفان؛ الأول يصف طبيعة الوظيفة، والثاني طبيعة الوحدة الاقتصادية التي يجري العمل داخلها. ولا يصح استخدام أي منهما بوصفه نسبة المسنين الذين يعيشون بلا معاش.
يتناول موجز منظمة العمل الدولية الصادر في آب ٢٠٢٥ توسيع الضمان للعاملين غير المنظمين في الزراعة والبناء والصناعات التحويلية بالعراق الاتحادي. ويعرض عوائق مالية وإدارية وقانونية، من بينها ضعف الوعي وصعوبة تحمل الاشتراكات وضعف الامتثال. كما يقترح إجراءات لتوسيع التغطية وتحسين التسجيل. وتظهر قيمة هذا المصدر في توجيه النظر إلى طبيعة المهن وشروطها، وإلى حاجة الحماية لترتيبات قابلة للاستخدام من العامل وصاحب العمل والمؤسسة المسؤولة.
وعند نقل هذا النقاش إلى الشيخوخة، يصبح سجل الاشتراك سؤالًا عن الطريقة التي يحتفظ بها المجتمع بأثر العمل. فالمبنى المكتمل والمحصول المباع والسلعة المصنعة تبقى شواهد على الإنتاج، بينما يُقاس الاستحقاق التقاعدي وفق قواعد وسجلات محددة. ويتطلب الإنصاف البحث في الفجوة بين المشاركة الاقتصادية وتوثيق الحقوق الناشئة عنها، مع مراعاة تقلب الدخل وقدرة العامل على الالتزام خلال الأشهر التي يتوقف فيها نشاطه.
ويتسع الملف في الريف. فقد أظهرت دراسة نشرتها منظمة العمل الدولية في أيلول ٢٠٢٥، اعتمادًا على مسح القوى العاملة لعام ٢٠٢١ وأبحاث نوعية، افتقار نحو ٩٦٪ من الرجال العاملين لحسابهم الخاص في الزراعة بالعراق الاتحادي، و٩٩٪ في إقليم كردستان، إلى تغطية الضمان الاجتماعي. وهذه نسب تخص فئة محددة من العاملين الزراعيين، ولا يجوز تعميمها على جميع سكان الريف أو العاملين في الزراعة.
وأظهرت الدراسة نفسها أن النساء يشكلن ٤٤٫١٪ من العاملين الأسريين المساهمين في الزراعة على مستوى العراق، بواقع ٤٢٫٥٪ في العراق الاتحادي و٥٢٫٨٪ في إقليم كردستان. وتناقش ترتيبات لتوسيع الحماية تراعي طبيعة الدخل والعمل، منها تبسيط التسجيل ومرونة الاشتراكات. وتضع هذه النتائج العمل الأسري غير المدفوع ضمن النقاش حول الحقوق الشخصية التي تتراكم، أو تغيب، عبر سنوات الإنتاج.
ويفتح العمل الأسري سؤالًا عن صاحب الحق داخل الوحدة المنتجة. فإذا توزعت المهام بين أفراد الأسرة، فمن يظهر اسمه في السجل، وكيف تُعرف مساهمة الآخرين؟ ويتضاعف وزن هذا السؤال مع تقدم العاملين في العمر، عندما يصبح إثبات الاستحقاق أكثر إلحاحًا. ومن المفيد أن يميز النقاش بين امتلاك مورد أسري وامتلاك حماية شخصية، وأن يدرس ترتيبات تسمح بتوثيق المشاركة دون فرض إجراءات تفوق قدرة الأسر الصغيرة على الالتزام بها.
وتبدأ الفجوة بين النساء والرجال قبل التقاعد بوقت طويل. فقد سجل مسح القوى العاملة لعام ٢٠٢١ مشاركة اقتصادية للنساء بلغت ١٠٫٦٪، مقابل ٦٨٪ للرجال. ويقيس المؤشر المشاركة في سوق العمل وفق تعريفاته الإحصائية، دون أن يقيس مجموع الأعمال المنزلية والرعاية غير المدفوعة. ولهذا ينبغي قراءة انخفاض المشاركة إلى جانب الأدوار التي تؤديها النساء خارج العمل المأجور، وما يترتب عليها من فرص مختلفة لبناء استحقاق شخصي.
وتقدم التجربة الدولية نافذة إضافية. فبحسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «المعاشات التقاعدية في لمحة ٢٠٢٥»، بلغ متوسط فجوة المعاشات بين النساء والرجال ٢٣٪ عام ٢٠٢٤، مقارنة بـ٢٨٪ عام ٢٠٠٧. ويخص المؤشر متلقي المعاشات بعمر الخامسة والستين فأكثر، ويستبعد من لا يتلقون معاشًا. كما أنه يصف البلدان المشمولة بحسابات المنظمة، ولا يمثل تقديرًا للفجوة العراقية.
ويستحق عمل الرعاية داخل البيت موقعًا واضحًا في تلك الأسئلة. فالوقت الذي يُخصص للعناية بأفراد الأسرة يؤثر في مسار الشخص المهني، ومدى قدرته على الاستمرار في عمل مدفوع أو بناء اشتراكات منتظمة. والبحث في هذا الوقت يتيح مناقشة خيارات مثل دعم مقدمي الرعاية أو تيسير العودة إلى العمل. كما يساعد على فهم العلاقة بين حماية كبير السن اليوم، وحماية الشخص الذي يعتني به عندما يتقدم هو الآخر في العمر.
ويطرح هذا التداخل مسألة توزيع المسؤولية بين الأجيال. فالمساندة العائلية تمتلك قيمة كبيرة، وتحتاج بدورها إلى شروط تساعدها على الاستمرار. وكلما أمكن للأسرة الوصول إلى خدمة موثوقة أو دعم معلوم، استطاعت ترتيب وقتها ونفقاتها بصورة أوضح. ومن هنا يمكن مناقشة الدعم العام باعتباره وسيلة لتوسيع قدرة العائلة على الرعاية، مع حماية مساحة الاختيار لأفرادها، وتجنب افتراض أن شخصًا ما سيكون متاحًا دائمًا بلا كلفة أو التزامات أخرى.
وتحتاج عبارة «شيخوخة بلا راتب» إلى هذا القدر من الدقة. فهي قد تصف غياب المعاش، بينما توجد مدخرات أو ملكية أو دعم آخر، وقد تصف وضعًا أشد هشاشة يجتمع فيه غياب الموارد. أما المتقاعد الذي يحصل على معاش، فقد يواجه مصاريف تتجاوز قدرته. ولا توفر المصادر المعتمدة هنا نسبة وطنية حديثة جامعة لمن يعيشون بلا أي دخل شخصي؛ لذلك يبدأ فهم الحالة بحصر الموارد واستقرارها والنفقات وطريقة اتخاذ القرار بشأنها.
وعلى مستوى الأسرة، يمكن أن تتجاوز قيمة الدخل المستقل مقدار مساهمته في الموازنة المشتركة. فاحتفاظ الشخص بمبلغ يستطيع تخصيصه لاحتياجات يحددها بنفسه يتيح اختبارًا ملموسًا لحدود اختياره. وقد يختار فرد إدارة أمواله مباشرة، ويفضل آخر مشاركة الإدارة مع قريب يثق به. ويصبح المعيار في الحالتين وضوح الاختيار وإمكان مراجعته، بدل فرض شكل واحد للاستقلال على جميع الأشخاص.
الرعاية التي تحفظ لصاحبها صوته
تشرح منظمة الصحة العالمية، في مادتها عن التمييز على أساس السن المحدثة في نيسان ٢٠٢٥، كيف تعمل الصور النمطية والتحيزات في المؤسسات والعلاقات وحتى في نظرة الشخص إلى نفسه. وتشير إلى أن التعامل المتعالي والافتراضات المرتبطة بما يستطيع أصحاب عمر معين فعله تدخل ضمن هذا التمييز. كما تعرض التشريعات والتعليم والتواصل بين الأجيال أدوات لمواجهته. وتضع هذه المقاربة طريقة مخاطبة كبار السن والاستماع إليهم ضمن صلب الاستجابة، إلى جانب الموارد والخدمات.
وقد يبدأ اختبار هذا الاستماع داخل غرفة مراجعة أو مكتب خدمة: هل يتوجه السؤال إلى صاحب الشأن؟ هل يُمنح وقتًا كافيًا للإجابة؟ هل تُشرح له البدائل بطريقة يستطيع فهمها؟ تمثل هذه الأسئلة معيارًا للممارسة اليومية، دون افتراض أن الحاجة إلى المرافق تعني التنازل عن الرأي. فبعض الأشخاص يحتاجون إلى مساعدة في السمع أو القراءة أو الحركة، ويبقى من الضروري تحديد نوع المساعدة المطلوبة بدل توسيعها تلقائيًا إلى جميع جوانب حياتهم.
ويقدم دليل منظمة الصحة العالمية للرعاية المتكاملة لكبار السن، بطبعته الثانية الصادرة في أيلول ٢٠٢٥، مسارات لتقييم القدرات والاحتياجات الصحية والاجتماعية ووضع خطة شخصية للرعاية. ويستهدف العاملين في الرعاية الأولية والمجتمع، مع إمكان تكييفه للسياق المحلي. وتنسجم فكرته مع النظر إلى الشخص وحياته اليومية عند تنظيم الخدمة، والبحث عن الدعم الملائم لاحتياجاته المحددة. وتتوفر للدليل نسخة عربية تتيح استخدامه في التدريب والنقاش المهني المحلي.
ومن منظور التطبيق، يمكن أن تبدأ خطة الرعاية بسؤال كبير السن عما يريد الاحتفاظ به في يومه: زيارة معتادة، أو نشاط منزلي، أو قدرة على التنقل. ثم تُبحث العقبات والبدائل الممكنة مع المختصين. ويترجم ذلك المشاركة إلى إجراء قابل للملاحظة، بحيث تكون الرغبة جزءًا من الحوار حول الخدمة. كما يسمح بمراجعة الخطة عندما تتغير الظروف، وبإبقاء موافقة الشخص وفهمه حاضرين، مع مراعاة التقييم المهني للحالات التي تحتاج إلى دعم إضافي.
ويعرض كتاب «عائد الرعاية»، المنشور لدى المرصد الأوروبي للنظم والسياسات الصحية في نيسان ٢٠٢٥، حججًا للاستثمار العام في الرعاية طويلة الأمد. ويناقش تبعات نقص الاستثمار وترك مسؤوليات واسعة للأسر، والفوائد التي يمكن أن تحققها الخدمات الجيدة والمتاحة للأفراد والاقتصاد والنظم الصحية. وتوفر هذه المقاربة أساسًا لفحص الرعاية بوصفها مسؤولية تحتاج إلى موارد وتنظيم وعاملين مؤهلين، مع النظر إلى أثرها في المستفيد والمحيط الذي يسانده.
أما دراسة مركز منظمة الصحة العالمية في كوبي عن تقديم الرعاية طويلة الأمد وتمويلها، المنشورة في الشهر نفسه، فتقارن ترتيبات في ثماني دول متوسطة الدخل وخمس دول مرتفعة الدخل. وتعرض خصائص استراتيجيات التمويل ومزاياها وتحدياتها. وتفيد المقارنة في توسيع الخيارات المطروحة أمام النقاش العراقي، مع ضرورة دراسة القدرة المؤسسية والمالية وطبيعة الخدمات قبل اختيار نموذج، وتقدير تبعاته ضمن السياق الذي سيطبق فيه.
ويمكن أن تركز البداية المحلية على خدمة محددة قابلة للتقييم، مثل تنسيق المتابعة بين المركز الصحي والأسرة، أو مساعدة منزلية في نطاق معلوم، أو تسهيل النقل إلى موعد ضروري. هذه خيارات تحتاج دراسة وتمويلًا، ويُقاس أثرها بما توفره للمستفيد من وقت وقدرة على الاستمرار في حياته. كما ينبغي سؤال مقدمي الرعاية عن العبء الذي خففته وعن مهام بقيت دون دعم، لمنع انتقال المشكلة من شخص إلى آخر داخل البيت نفسه.
ويضيف تقرير لجنة التواصل الاجتماعي بمنظمة الصحة العالمية، الصادر في حزيران ٢٠٢٥، بُعد العلاقات إلى الصورة. فهو يناقش الوحدة والعزلة وتأثيراتهما في الصحة والرفاه والمجتمع، ضمن نطاق يشمل أعمارًا متعددة.
وبالنسبة إلى كبار السن، يفتح هذا الإطار باب البحث في فرص المشاركة والحفاظ على العلاقات، مع الانتباه إلى اختلاف العيش منفردًا عن الشعور بالوحدة، والاستماع إلى تجربة الشخص بدل استنتاجها من عدد المقيمين معه.
ويصبح السؤال العملي: هل يستطيع كبير السن الوصول إلى الأشخاص والأماكن الذين يرغب في التواصل معهم؟ فقد تساعد الأسرة في تأمين الاحتياجات اليومية، بينما يحتاج صاحبها كذلك إلى مساحة يحدد فيها اهتماماته. ويمكن تقييم البرامج الاجتماعية عبر انتظام المشاركة وسهولة الوصول ورغبة المشاركين في الاستمرار. فاختيار الأنشطة مع أصحابها يمنحهم دورًا في صنعها، ويجعل الحضور تعبيرًا عن رغبة، بدل الاكتفاء بعدّ المقاعد الممتلئة في فعالية عابرة.
ويمتد سؤال الإتاحة إلى تصميم المدينة نفسها. فعند تقييم خدمة لكبار السن، يمكن أن تشمل المعاينة الطريق إليها، ومكان الانتظار، ووضوح الإرشادات، وإمكانية إنجاز الخطوات دون تنقل متكرر. وقد تكشف المعاينة أن تعديلًا محدودًا يوفر رحلة كاملة، أو أن إجراءً إداريًا يفرض حضور مرافق دون ضرورة واضحة. وتساعد النتائج في توجيه الإنفاق نحو ما يغير التجربة فعليًا، مع نشر ما عولج وما يحتاج إلى موارد أو تنسيق إضافي.
وتطرح الخدمات الرقمية اختبارًا مشابهًا. فحساب إلكتروني أو موعد محجوز عبر الهاتف يحتاج إلى خطوات يستطيع المستخدم فهمها، وإلى مسار مساعدة موثوق عند التعثر. ويمكن تقييم التصميم بسؤال الشخص عن قدرته على متابعة طلبه وحماية معلوماته وتصحيح إجراء أخطأ فيه. أما الاعتماد على قريب لإنجاز الخطوات فينبغي أن يظل خيارًا معلومًا لصاحب العلاقة. ويتيح توفير المساعدة البشرية عند الحاجة توسيع الاستفادة من التقنية، مع الحفاظ على الخصوصية والمتابعة.
من الإعانة إلى حق يمكن قياسه
يحضر جانب الحماية في تقرير الخبيرة المستقلة المعنية بحقوق كبار السن لعام ٢٠٢٣، الذي تناول العنف وإساءة المعاملة والإهمال. ويمنح إدراج هذه الموضوعات ضمن آليات حقوق الإنسان أساسًا لمناقشتها باعتبارها قضايا تستدعي الوقاية والاستجابة والمساءلة. وفي التطبيق العراقي، تحتاج أي واقعة تتعلق بالمال أو الرعاية أو تقييد القرار إلى توثيق مستقل وتحديد ظروفها، مع حماية صاحب الشكوى واحترام خصوصيته، وإتاحة الرد والتحقق قبل إصدار الأحكام.
وتوضح منظمة الصحة العالمية، في صحيفة حقائق محدثة عام ٢٠٢٤، أن مراجعة بحثية منشورة عام ٢٠١٧ شملت ٥٢ دراسة في ٢٨ بلدًا، قدرت تعرض ١٥٫٧٪ من الأشخاص بعمر الستين فأكثر لشكل من أشكال الإساءة خلال سنة في البيئات المجتمعية خارج مؤسسات الإقامة. وبلغ تقدير الإساءة المالية ٦٫٨٪ ضمن النتائج المعروضة. وهذه تقديرات دولية، ولا يجوز استخدامها لحساب عدد المتضررين في العراق دون دراسة محلية.
تكشف هذه الأرقام أهمية إدراج التصرف بالموارد ضمن الحماية، إلى جانب الغذاء والمأوى والعلاج. لكنها لا تسمح باعتبار كل اعتماد على الأسرة إساءة، أو كل اختلاف على الإنفاق استغلالًا. يحتاج الحكم إلى معرفة الظروف، وطبيعة الاتفاق، ومدى فهم صاحب المال وموافقته. فالمساعدة الطوعية التي يمكن مراجعتها تختلف عن ترتيبات يُستبعد فيها الشخص من معرفة ما يملك أو المشاركة في تحديد كيفية استخدامه.
ويتطلب هذا المنظور التمييز بين قبول المساعدة وبين فقدان القدرة على مراجعة طريقة تقديمها. فالتفويض الواضح يحدد ما يريده الشخص، ويترك مجالًا للاستفسار والتعديل وفق الإجراءات المعمول بها. وتستحق الخدمات المالية والاجتماعية أن تراجع سهولة شرح هذه الخيارات للمستخدمين، وكيفية استقبال شكوى من يشعر بأن رأيه أو موارده خارج سيطرته. وتكمن قيمة الإجراء في إمكانية استخدامه عمليًا، بما يشمل من يحتاجون إلى مساعدة في القراءة أو التنقل أو التواصل.
وشهد المسار الدولي خطوة جديدة في الثالث من نيسان ٢٠٢٥، عندما اعتمد مجلس حقوق الإنسان القرار ٥٨/١٣ لإنشاء فريق حكومي دولي مفتوح العضوية لصياغة صك ملزم بشأن حقوق كبار السن. ويعبر القرار عن فتح مسار لتطوير الحماية الدولية؛ أما الاتفاقية المكتملة والنافذة فلها مراحلها وشروطها اللاحقة. وتكمن أهميته في وضع النقاش حول الرعاية والاستقلال والحماية ضمن عمل حقوقي يسعى إلى أدوات أوضح وأكثر تحديدًا.
وتبقى قيمة أي إطار حقوقي مرتبطة بما يستطيع الفرد استخدامه في حياته. فمن المناسب سؤال المؤسسات عن المعلومات التي توفرها للمستفيد، وكيف تستقبل اعتراضه، والمدة التي تستغرقها الاستجابة، وما إذا كان يعرف نتيجة المراجعة. ويتيح نشر هذه المؤشرات تقييم الخدمة من زاوية مختلفة عن حجم الإنفاق وحده. فالميزانية تبين الموارد المخصصة، بينما تكشف تجربة المستخدم ما وصل إليه منها، وما إذا كانت الإجراءات قد احترمت وقته ومشاركته.
وعراقيًا، أعلنت وزارة التخطيط في نيسان ٢٠٢٦ مناقشة إعداد التقرير الوطني الخامس ضمن الاستعراض الإقليمي لخطة عمل مدريد للشيخوخة. ويشكل الإعلان مدخلًا لمتابعة ما سيقدمه التقرير من نتائج، مع التمييز بين التحضير للوثيقة وصدورها، وبين وصف النشاط المؤسسي وقياس أثره. وتزداد فائدته إذا أتاح بيانات مفصلة يمكن للباحثين والصحفيين والجمهور قراءتها ومقارنتها.
ويقدم تقرير التقدم في عقد الأمم المتحدة للتمتع بالصحة في مرحلة الشيخوخة، المنشور في تشرين الثاني ٢٠٢٣، مثالًا على متابعة التنفيذ خلال الفترة ٢٠٢١–٢٠٢٣. ويعرض مساهمات الحكومات والجهات الدولية والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية وكبار السن أنفسهم. وتبرز هنا أهمية إشراك أصحاب التجربة في التقييم، ومعرفة ما يعتبرونه تحسنًا في حياتهم، إلى جانب المؤشرات التي تعتمدها المؤسسات عند وصف برامجها.
وبالاستناد إلى هذه المحاور، يمكن تحديد أسئلة قابلة للقياس في العراق: كم شخصًا كبير السن يمتلك دخلًا شخصيًا منتظمًا؟ كم يستغرق الوصول إلى خدمة أساسية؟ مَن يتولى إنجاز المعاملة وبناء على أي موافقة؟ وما نسبة المستفيدين الذين يفهمون استحقاقهم وآلية الاعتراض عليه؟ تحتاج هذه الأسئلة إلى أدوات بحث وبيانات مصنفة بحسب العمر والجنس والمكان، وإلى تعريف واضح للفئات العمرية، حتى تكون المقارنات بين المصادر ذات معنى.
ويستحق الإنفاق الفعلي اهتمامًا مماثلًا، من خلال دراسة ما يبقى للشخص بعد الاحتياجات الضرورية، ومقدار ما يستطيع تخصيصه لرغباته الخاصة. ويُفضل أن تُجمع هذه المعلومات من كبار السن أنفسهم عندما يكون ذلك ممكنًا، مع مراعاة راحتهم وموافقتهم. فالسؤال الموجه إلى الأسرة قد يصف ميزانيتها العامة، بينما يصف الفرد تجربته في استخدامها. ويتيح الجمع بين المنظورين فهم التوافق أو الاختلاف دون افتراض مسبق بوجود إساءة أو عدالة كاملة في كل حالة.
ويحتاج الإصلاح كذلك إلى توازن زمني بين حماية من تقدم بهم العمر، وبناء حقوق من يعملون اليوم. فالعامل الذي يبدأ اشتراكًا يحتاج إلى نظام مستقر يستطيع الوثوق باستمراره، والشخص الذي يحتاج إلى دخل الآن يحتاج إلى استجابة تناسب واقعه. ويقتضي التعامل مع المسارين شرح مصادر التمويل والتكاليف والأولويات والنتائج المتوقعة، مع حوار يشمل الفئات المعنية، وتجنب وعود تتجاوز القدرة على التنفيذ أو تترك فئات خارج النقاش.
وعلى مستوى الممارسة اليومية، يستطيع احترام القرار أن يأخذ صورًا محددة: شرح مباشر لصاحب العلاقة، وموافقة مفهومة، ووقت كافٍ للسؤال، وإمكانية مراجعة ما اختاره. وتكتسب هذه التفاصيل قيمة أكبر عندما تقترن بدخل وخدمة يمكن الاعتماد عليهما. فالاستقلال يتدرج بحسب الاحتياجات والظروف، وقد يمارس الشخص جزءًا منه بنفسه وجزءًا بمساعدة يحددها. والمقياس الأجدى هو مقدار ما أضافته المساندة إلى قدرته على عيش الحياة التي يختارها.
يحمل اليوم الدولي للمسنين، بهذا المعنى، فرصة لإعادة ترتيب السؤال العام: ماذا أعددنا كي يستطيع الإنسان أن يكبر وهو شريك في شؤونه؟ تبدأ الإجابة من سنوات عمل تُحفظ حقوقها، وتمتد إلى دخل معلوم ورعاية قابلة للوصول وإجراءات تسمع صاحبها. وعندما تجتمع هذه الشروط، يصبح طلب المساعدة جزءًا طبيعيًا من الحياة، وتبقى للكبير مساحة يقول فيها ما يريد. أما الاختبار الأقرب لأي سياسة، فيظل عند تلك التفاصيل الصغيرة: موعد يختاره، ومال يعرف حقه فيه، وقرار يشارك في صنعه.



اضف تعليق