الوقوف عند الشُّبهات هو منهجٌ واعٍ يحفظ الإنسان من التَّسرع، ويمنعه من بناء المواقف على الظُّنون والأوهام. فالمؤمن حين يتوقف عند ما لم يتَّضح له، ويطلب الدَّليل والبيان، إنَّما يسلك طريق الحكمة والبصيرة، ويصون نفسه من الوقوع في المحرَّمات أو الانحرافات الفكريَّة. مواجهة الشُّبهات تحتاج إلى مجموعة من الأسُس...

 وضوح الطَّريق إلى الحقِّ غايةٌ أساسيَّة في المنهج الإسلامي؛ إذ جعل الله (تعالى) الإنسان مكلَّفًا بطلب الهداية، والسَّعي إلى معرفة الصَّواب، والابتعاد عن مواطن الضَّلال والانحراف. وقد تميَّزت الشَّريعة الإسلاميَّة بعنايتها بحفظ عقيدة الإنسان وسلوكه، ووضع منهجٍ للتَّعامل مع الموارد التي يكتنفها الاشتباه والالتباس، حفاظًا على سلامة التَّكليف وصيانةً للدِّين من التَّلاعب والانحراف. فالشُّبهات من أخطر الموانع التي قد تحول بين الإنسان وبين إدراك الحقيقة؛ لأنَّها لا تظهر في صورة الباطل الصَّريح؛ وإنَّما تكتسب تأثيرها من مشابهتها للحقِّ، فتوقع غير المتمكِّن في الحيرة، وتفتح الطَّريق أمام أصحاب الأهواء لترويج الأفكار المنحرفة وإلباسها ثوب الصَّواب. ومن هنا جاءت النُّصوص القرآنيَّة المباركة والرِّوايات الشَّريفة مؤكِّدةً ضرورة التَّثبت، والتَّحرز من موارد الاشتباه، وعدم الإقدام على ما لم يتَّضح وجهه.

وقد أرست مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) منهجًا متكاملًا في التَّعامل مع الشُّبهات، يقوم على الوقوف عندها، وعدم الاستعجال في تبنيها أو نشرها، والرُّجوع إلى أهل العلم والبصيرة، والاستعانة بالله (سبحانه) لطلب الهداية وكشف الالتباس. فالوقوف عند الشُّبهة يعني اعتماد المنهج العلمي القائم على التَّثبت، والاحتياط، والرُّجوع إلى مصادر المعرفة الموثوقة.

ومن هنا تأتي أهميَّة البحث في موضوع "الوقوف عند الشُّبهات"؛ لبيان مكانته في المنظومة الإسلاميَّة، والكشف عن حقيقة الشُّبهة وخطورتها، وبيان الضَّوابط التي رسمتها الشَّريعة للتَّعامل معها، بما يحقِّق للمؤمن سلامة الاعتقاد، واستقامة السُّلوك، والثَّبات على طريق الحقِّ.

المحور الأوَّل: أهميَّة الوقوف عند الشُّبهة

لقد رسمت الشَّريعة حدود الحلال والحرام رسمًا واضحًا، ودعت المكلَّف إلى الالتزام بها، تحقيقًا للتَّقوى، وسدًّا لمنافذ الانحراف؛ قال الله (عزَّ وجلَّ): (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(1)، وعن الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله): "حَلَالٌ بَيِّنٌ، وَحَرَامٌ بَيِّنٌ، وَشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذلِكَ، فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ"(2). ومع أنَّ الأصل في الأحكام الشَّرعيَّة هو الوضوح والبيان، فإنَّ الواقع العملي قد يشتمل على موارد يلتبس فيها الحكم أو تختلط فيها الحقائق، فتبرز الحاجة إلى بيان الموقف الشَّرعي منها.

 وتظهر أهميَّة هذا المبدأ في الحالات التي يلتبس فيها الحكم الشَّرعي أو تختلط فيها الحقائق التي أقرَّها الإسلام، بحيث يعجز المكلَّف عن القطع بحلِّيَّة الفعل أو حرمته، أو بكون القضيَّة من الحقِّ أو الباطل. وفي مثل هذه الموارد يكون التَّوقف والاحتياط مقتضى الحكمة، لما فيهما من صيانة الدِّين، والمحافظة على سلامة الامتثال، واجتناب الوقوع في مخالفة الواقع.

وقد أرشدت النُّصوص الشَّريفة إلى المنهج الذي ينبغي اتِّباعه عند الاشتباه؛ عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): "الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ تَبَيَّنَ لَكَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعْهُ، وَأَمْرٌ تَبَيَّنَ لَكَ غَيُّهُ فَاجْتَنِبْهُ، وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَرُدَّهُ إِلَى اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ)"(3). وتؤسِّس هذه الرِّواية قاعدةً منهجيَّة في التَّعامل مع الوقائع؛ إذ تميِّز بين ما اتَّضح حكمه فيُعمل به، وما ظهر بطلانه فيُجتنب، وما التبس أمره فيُرجع فيه إلى الكتاب والسُّنَّة وأهل الاختصاص في القضايا الدِّينيَّة. وعن النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): "دَعْ ما يُريبُكَ الى ما لا يُريبُكَ، فَمَنْ رَعى حَوْلَ الحِمى يَوشَكُ أنْ يَقَعَ فيهِ" (4). وعن الإمام عليٍّ (عليه السلام): "إِيَّاكَ وَالْوُقُوعَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَالْوُلُوعَ بِالشَّهَوَاتِ؛ فَإِنَّهُمَا يَقْتَادَانِكَ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ، وَرُكُوبِ كَثِيرٍ مِنَ الْآثَامِ" (5). وتكشف هذه الرِّوايات عن البعد الوقائي لهذا المبدأ؛ إذ إنَّ الابتعاد عن موارد الرِّيبة يحقِّق الاطمئنان إلى سلامة العمل، ويغلق السُّبل المؤدِّية إلى الوقوع في المحظورات.

وعن الإمام الباقر (عليه السلام): "فَإِنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الْهَلَكَاتِ"(6)، وهي قاعدة أخلاقيَّة وفقهيَّة تؤكِّد أنَّ التَّثبت عند الاشتباه أقرب إلى السَّلامة من التَّسرع في الإقدام على ما لم يتبيَّن حكمه. وعن الإمام عليٍّ (عليه السلام): "أمسِكْ عن طَريقٍ إذا خِفتَ ضَلالَهُ؛ فإنَّ الكَفَّ عن حَيرَةِ الضَّلالَةِ خَيرٌ مِن رُكُوبِ الأهوالِ" (7). وبهذا يتبيَّن أنَّ الوقوف عند الشُّبهات هو منهج تربوي وتشريعي يرسِّخ التَّقوى، ويحفظ للمؤمن دينه، ويقوده إلى العمل على وفق ما يرضي الله (تعالى).

 وعن الإمام الباقر (عليه السلام) - لمَّا سأله زرارة عن حقِّ الله (سبحانه) على العباد؟- قال: "أَنْ يَقُولُوا مَا يَعْلَمُونَ، وَيَقِفُوا عِنْدَ مَا لاَ يَعْلَمُونَ" (8). وعن الإمام عليٍّ (عليه السلام): "مِن التَّوفيقِ الوُقوفُ عِندَ الحَيرَةِ" (9)، وعن الإمام الصَّادق (عليه السلام): "أَوْرَعُ النَّاسِ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ الشُّبْهَةِ" (10).

 فالشُّبهات من أخطر الوسائل التي تُستعمل لطمس معالم الحقِّ وإثارة الالتباس في أذهان النَّاس؛ إذ تقوم على مزج الحقِّ بالباطل، وإظهار الباطل في صورة الحقِّ، فيفقد كثير من النَّاس القدرة على التَّمييز بينهما، فتضعف بصيرتهم، ويبتعدون عن جادَّة الصَّواب. ومن هنا جاءت النُّصوص الشَّريفة محذِّرة من آثار الشُّبهات وما تخلِّفه من انحراف فكري وسلوكي، ولا سيَّما عندما تُستغل لتحقيق أهداف أهل الضَّلال وإضلال المجتمع.

وقد أشار أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام) إلى هذا المعنى في كتابه إلى معاوية، مبيِّنًا ما تُحدثه الشُّبهات من اضطراب في العقيدة والمنهج، فقال: "وأَرْدَيْتَ جِيلًا مِنَ النَّاسِ كَثِيراً، خَدَعْتَهُمْ بِغَيِّكَ، وأَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجِ بَحْرِكَ، تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ، وتَتَلَاطَمُ بِهِمُ الشُّبُهَاتُ، فَجَازُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ، ونَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وتَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ، وعَوَّلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ، إِلَّا مَنْ فَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ، فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ، وهَرَبُوا إِلَى اللَّه مِنْ مُوَازَرَتِكَ؛ إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ، وعَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ، فَاتَّقِ اللَّه يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ، وجَاذِبِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ، فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ والآخِرَةَ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، والسَّلَامُ"(11).

وتببِّن هذه الرِّواية أنَّ الشُّبهات تؤدِّي إلى انحراف الإنسان عن الطَّريق المستقيم، وتوقعه في الحيرة والاضطراب، في حين ينجو منها أصحاب البصيرة الذين يستضيئون بنور المعرفة، ويتمسكون بالحقِّ، ويرجعون إلى الهدى عند اشتباه الأمور.

ويتوافق هذا المعنى مع قول الله (تبارك وتعالى): (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)(12)؛ حيث ينهى القرآن الكريم عن خلط الحقِّ بالباطل؛ لما يترتب على ذلك من تضليل النَّاس، وإفساد معايير التَّمييز لديهم. ومن هنا تبرز أهميَّة التَّحصن بالعلم والبصيرة، والرُّجوع إلى الكتاب الكريم وسنَّة النَّبيِّ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) عند وقوع الاشتباه، حفظًا للدِّين، ووقايةً من الانجرار وراء الشُّبهات ومروجيها.

المحور الثَّاني: بيان مفهوم الشُّبهة

1. الشُّبهة لغةً

"الشِّبْه والشَّبَه والشَّبِيه: المِثْلُ، والجمع أَشْباه. وأَشْبَه الشَّيءُ الشَّيءَ: ماثله. وفي المثل: مَنْ أَشْبَه أَباه فما ظَلَم.

وأَشْبَه الرجلُ أُمَّه: وذلك إذا عجز وضَعُفَ... والمُشْتَبِهاتُ من الأُمور: المُشْكِلاتُ... والشُّبْهةُ: الالتباسُ.

وأُمورٌ مُشْتَبِهةٌ ومُشَبِّهَةٌ: مُشْكِلَة يُشْبِه بعضُها بعضاً... وشَبَّه عليه: خَلَّطَ عليه الأَمْرَ حتَّى اشْتَبه بغيره"(13). 

ويتبيَّن من هذه النُّصوص اللغويَّة أنَّ الشُّبهة ترجع في أصلها إلى المشابهة، ومن ثَمَّ إلى الالتباس والإشكال؛ لأنَّ تشابه الأشياء يورث اختلاطها على النَّاظر، فلا يستطيع تمييز بعضها من بعض. ومن هنا استُعملت الشُّبهة في كلِّ أمر يختلط فيه الحقُّ بالباطل، أو يلتبس وجه الصَّواب، وهو الأساس الذي بُني عليه معناها الاصطلاحي.

2. الشُّبهة اصطلاحًا

 "هو ما لم يتيقن كونه حرامًا أو حلالًا"(14)، أي: الأمر الذي لم يتَّضح حقيقته أو حكمه الشَّرعي، فوقع فيه الاشتباه والتَّردد، وتعذَّر على المكلَّف الجزم بحقيقته من خلال الأدلة المتاحة لديه.

 وقد بيَّن الإمام عليٌّ (عليه السلام) حقيقة الشُّبهة، وسبب تسميتها بيانًا دقيقًا، كاشفًا عن طبيعتها، ومنشأ تأثيرها، فقال: "وَإِنَّما سُمَّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً؛ لِأَنَّها تُشْبِهُ الْحَقَّ: فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فَضِيَاؤُهُمْ فيهَا الْيَقِينُ، وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى، وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللَّهِ فَدُعَاؤُهُمْ فِيَها الضَّلالُ، وَدَلِيلُهُمُ الْعَمَى"(15). وتدلُّ هذه الرِّواية على أنَّ الشُّبهة لا تقوم على الباطل الخالص؛ وإنَّما تنشأ من امتزاج شيءٍ من الحقِّ بما يُراد إخفاؤه من الباطل، فتبدو في صورة توهم صحتها، ويصعب على غير أهل البصيرة إدراك حقيقتها.

ويؤيِّد هذا المعنى قوله (تعالى): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(16)، فالفرقان هو النُّور الذي يميِّز به المؤمن بين الحقِّ والباطل عند اشتباه الأمور، وهو ثمرة التَّقوى والاستقامة. 

وعلى هذا الأساس تزداد خطورة الشُّبهة؛ لأنَّ قوَّة تأثيرها تنبع من مشابهتها للحقِّ، فتستميل النُّفوس وتوقعها في الالتباس، في حين يسهل التَّعرف إلى الباطل إذا ظهر مجرَّدًا من مظاهر الحقِّ؛ ولهذا جعل الإمام (عليه السلام) اليقين والاهتداء بنور الهداية الإلهيَّة سبيلًا للنَّجاة منها، فصاحب اليقين يزن الأقوال والأفعال بميزان الكتاب والسُّنة والعقل السَّليم، فلا تنطلي عليه الشُّبهات، ولا تصرفه عن جادَّة الحقِّ مهما تنوَّعت صورها وأساليبها.

المحور الثَّالث: كيفيَّة التَّعامل مع الشُّبهات

أوَّلًا: الحذر من الشُّبهة، وعدم التَّسرُّع في الخوض فيها

الوقاية من الشُّبهة أولى مراحل التَّعامل الصَّحيح معها؛ لأنَّ كثيرًا من الانحرافات الفكريَّة والعقديَّة تبدأ بخطوةٍ غير محسوبة نحو مواطن الالتباس، ثمَّ تتطوَّر تدريجيًا حتى تُفضي إلى الوقوع في الفتنة والضَّلال. ومن هنا جاءت النُّصوص الشَّريفة داعيةً إلى التَّثبّت والتَّأنّي، وتحذِّر من الاندفاع وراء كلِّ ما يثير الشَّك أو يوقع في الالتباس، قال الله (سبحانه): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)(17)، فالتَّبيُّن أصلٌ قرآنيٌّ يرسِّخ منهج التَّثبُّت قبل قبول الأخبار والأفكار واتِّخاذ المواقف.

وقد أكَّد أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام) هذا الأصل بقوله: "احذرُوا الشُّبهةَ، فَإنَّها وضعَتْ للفِتنةِ"(18)، مبيِّنًا أنَّ الشُّبهة وسيلة قد تُستغل لإضلال النَّاس وإثارة الفتن بينهم؛ ولهذا كان الحذر منها ضرورةً لحفظ العقيدة وصيانة الفكر. وبيَّن الإمام (عليه السلام) في كتابه إلى معاوية خطورة الشُّبهات وآثارها بقوله: "فَاحْذَرِ الشُّبْهَةَ، واشْتِمَالَهَا عَلَى لُبْسَتِهَا؛ فَإِنَّ الْفِتْنَةَ طَالَمَا أَغْدَفَتْ جَلَابِيبَهَا(19) وأَغْشَتِ الأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا"(20)؛ إذ صوَّر الشُّبهة بثوبٍ كثيف يحجب الرُّؤية، ويمنع الإنسان من إدراك الحقائق، فتفقد البصيرة قدرتها على التَّمييز، ويصبح الوصول إلى الحقِّ أكثر صعوبة.

ويزداد خطر الشُّبهة عندما يتصدَّى لها من يفتقر إلى العلم والبصيرة، أو يتكلَّم في الدِّين بغير هدًى؛ لأنَّ الجهل إذا اقترن بحبِّ الظُّهور والدَّعوة إلى الآراء المنحرفة تحوَّل إلى سببٍ لإضلال الآخرين. وقد وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه الفئة بقوله: "إنَّ أَبْغَضَ الْخَلَائِقِ إِلَى اللهِ رَجُلَانِ: رَجُلٌ وَكَلَه اللهُ إِلَى نَفْسِه، فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، مَشْغُوفٌ بِكَلَامِ بِدْعَةٍ ودُعَاءِ ضَلَالَةٍ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِه، ضَالٌّ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَه، مُضِلٌّ لِمَنِ اقْتَدَى بِه فِي حَيَاتِه وبَعْدَ وَفَاتِه 

... فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ لَا يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ..."(21). ويكشف هذا النَّصُّ أنَّ الشُّبهة قد تُبنى على أوهام واهية لا تستند إلى دليل راسخ، شأنها شأن بيت العنكبوت الذي يبدو متماسكًا مع شدَّة ضعفه، وهو معنى ينسجم مع قوله (تعالى): (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)(22). 

ولا تقتصر آثار الشُّبهات على إيقاع الإنسان في الحيرة والاضطراب، فقد تتحوَّل لدى بعض الأشخاص إلى وسيلةٍ لتبرير الانحرافات والأخطاء، من خلال الادِّعاء بأنَّ الحقيقة غير واضحة، أو أنَّ الأدلة متعارضة، فيتَّخذون من الشُّبهة غطاءً يبرِّرون به مواقفهم وسلوكهم. وفي هذه الحالة لا تكون الشُّبهة منشأً للخطأ؛ بل تصبح أداةً لتسويغه وإضفاء المشروعيَّة عليه.

وقد أشار أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام) إلى هذا النَّمط من التَّعامل مع الشُّبهات في حديثه مع عمَّار بن ياسر (رضوان الله عليه)، عندما سمعه يراجع المغيرة بن شعبة، فقال: "دَعْه يَا عَمَّارُ؛ فَإِنَّه لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا مَا قَارَبَه مِنَ الدُّنْيَا، وعَلَى عَمْدٍ لَبَسَ عَلَى نَفْسِه؛ لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِه"(23). ويفيد هذا النَّص أنَّ بعض الشُّبهات قد تكون مصطنعة، يفتعلها الإنسان أو يتشبث بها بقصد التَّهرب من المسؤوليَّة، لا لوجود غموضٍ حقيقي في الأدلة، فيغدو الهوى هو الدَّافع إلى قبول الشُّبهة، واتِّخاذها مبررًا للانحراف عن الحقِّ.

ويمتدُّ منهج الحذر من الشُّبهات إلى جميع شؤون الحياة، فلا يقتصر على الجانب العقدي؛ وإنَّما يمتدُّ ليشمل المواقف والسُّلوك والمعاملات؛ لأنَّ الشُّبهة قد تتعلَّق بالمطعم أو المكسب أو أيِّ تصرُّف يحتمل مخالفة الشَّرع. ومن هنا أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام) عامله عثمان بن حنيف بقوله: "أَمَّا بَعْدُ يَا ابْنَ حُنَيْفٍ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا، تُسْتَطَابُ لَكَ الأَلْوَانُ، وتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ، ومَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ، عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ، وغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ، فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُه مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ، فَمَا اشْتَبَه عَلَيْكَ عِلْمُه فَالْفِظْه، ومَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِه فَنَلْ مِنْه" (24). ويؤسِّس هذا التَّوجيه لقاعدةٍ تربويَّةٍ مهمَّة تقوم على اجتناب ما يورث الرِّيبة، والاقتصار على ما ثبتت سلامته، وهو التَّطبيق العملي لمبدأ الورع الذي يحفظ الإنسان من الوقوع في الحرام أو فيما يقوده إليه.

 ثانيًا: الصَّمت عند الشُّبهة حتَّى تتبيَّن حقيقتها

 التَّوقُّف عن الخوض في الشُّبهة قبل التَّحقُّق من حقيقتها من الضَّوابط المهمَّة التي تحفظ الإنسان من الوقوع في الخطأ، وتحمي المجتمع من انتشار الأفكار الباطلة. فكثير من الشُّبهات تكتسب قوَّتها من سرعة تداولها قبل التَّثبت من صحتها، فيتحوَّل نقلها أو مناقشتها بغير علم إلى وسيلةٍ لترسيخها في الأذهان وإثارة الشُّكوك لدى الآخرين.

ولهذا أوصى أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام) ابنه الإمام الحسن (عليه السلام)، فيما أوصاه به رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، بقوله: "أوصِيكَ يا حسنُ، وكَفى بكَ وَصِيّاً، بما أوصانِي بهِ رسولُ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله)... الصَّمتُ عِندَ الشُّبهَةِ"(25)؛ لأنَّ الكلمة إذا صدرت بغير علم قد تخلِّف آثارًا فكريَّةً واجتماعيَّةً يصعب تداركها.

ويؤكِّد القرآن الكريم هذا المنهج بقول الله (تعالى): (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)(26)؛ حيث ينهى عن اتِّباع ما يفتقر إلى العلم واليقين، ويحمِّل الإنسان مسؤوليَّة ما يتبنَّاه أو ينقله أو يتحدَّث به. فالصَّمت في موارد الاشتباه يعكس انضباطًا علميًّا، وورعًا فكريًّا، واحترامًا لأمانة المعرفة، حتَّى تُعرض المسألة على أهل الاختصاص، ويتبيَّن وجه الحقِّ فيها بالدَّليل والبرهان.

ثالثًا: الدُّعاء والاستعانة بالله (تعالى)

الدُّعاء ركيزةً أساسيَّة في مواجهة الشُّبهات؛ لأنَّ الهداية إلى الحقِّ نعمةٌ إلهيَّة يفيضها الله (سبحانه) على من أخلص في طلبها، واستعان به في إزالة أسباب الالتباس والغموض. فمهما بلغ الإنسان من العلم والمعرفة، يبقى محتاجًا إلى التَّوفيق الإلهي الذي يرشده إلى الصَّواب، ويمنحه القدرة على التَّمييز بين الحقِّ والباطل.

وقد وجَّه القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله (تعالى): (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)(27)، وهو دعاء يتضمَّن طلب الثَّبات على الهداية، والوقاية من الانحراف عند مواجهة مواطن الشَّك والاشتباه. 

وإلى جانب الدُّعاء بالثَّبات، وجَّه القرآن الكريم إلى طلب المزيد من العلم، فقال (جلَّ جلاله): (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)(28)، وفيه إرشادٌ إلى دوام طلب العلم والتَّوفيق من الله (تعالى).

وقد جسَّد الإمام زين العابدين (عليه السلام) هذا المنهج في دعائه، فقال: "وَوَفِّقنِي إذَا اشْتَكَلَتْ عَلَيَّ الامُورُ لِأهْدَاهَا، وَإذَا تَشَابَهَتِ الأعْمَالُ لأزْكَاهَا، وَإذَا تَنَاقَضَتِ الْمِلَلُ لِأرْضَاهَا" (29). ويبيِّن هذا الدُّعاء حقيقةٍ تربويَّةٍ عميقة، تتمثَّل في طلب التَّوفيق الإلهي عند التباس الأمور، واختيار الطَّريق الأقرب إلى الهداية، والموقف الذي يرضاه الله (تعالى) عند تعدُّد الآراء واختلاف الاتِّجاهات.

رابعًا: ضرورة مراجعة أهل العلم والمعرفة 

إنَّ معالجة المسائل الملتبسة تحتاج إلى المعرفة الرَّاسخة، والإحاطة بالأدلَّة، والقدرة على التَّمييز بين الصَّحيح والسَّقيم. ولهذا لا يُترك الإنسان للاجتهاد في القضايا التي يجهلها، ويُوجَّه إلى الرُّجوع إلى أهل الاختصاص؛ طلبًا للحقِّ، وصيانةً للفكر من الانحراف.

وقد رسم الإمام الصَّادق (عليه السلام) منهجًا واضحًا في التَّعامل مع القضايا المختلفة بقوله: "الأمورُ ثلاثةٌ: أمرٌ بانَ لكَ رُشدُهُ فاتَّبِعْهُ، وأمرٌ بانَ لكَ غَيُّهُ فاجتَنِبْهُ، وأمرٌ أشكَلَ علَيكَ فَرَدَدْتَهُ إلى عالِمِهِ"(30). ويؤسِّس هذا الحديث لقاعدة علميَّة تقوم على التَّمييز بين الواضح من الأمور، وما ثبت بطلانه، وما بقي مشتبهًا، فتكون وظيفة المكلَّف في الحالة الأخيرة إرجاع الأمر إلى أهله، لا إصدار الأحكام اعتمادًا على الظُّنون أو الآراء الشَّخصيَّة.

وقد قرَّر القرآن الكريم هذا الأصل بقوله (تعالى): (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)(31)، وهي قاعدة عامَّة ترشد إلى الرُّجوع إلى أهل الخبرة والعلم عند الجهل، تحقيقًا للمعرفة الصَّحيحة، ومنعًا لانتشار الخطأ. كما قال الله (سبحانه): (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)(32)، وفي الآية إشارة إلى أنَّ استنباط الحقائق وإزالة الالتباس من وظائف أهل العلم والبصيرة.

ويمثِّل أهل البيت (عليهم السلام) الامتداد الأصيل لهذا المنهج؛ فإنَّهم المرجع الذي يُرجع إليه في بيان معالم الدِّين، وكشف الشُّبهات، وإقامة الحجَّة على النَّاس. وقد سار العلماء الربَّانيون على نهجهم (صلوات الله عليهم) في توضيح الحقائق، وبيان ما التبس على النَّاس من أمور دينهم، وبذلوا جهودهم في إزالة أسباب الانحراف الفكري، وإقامة البرهان بالحكمة والموعظة الحسنة.

وخلاصة الكلام: إنَّ الشُّبهة تمثِّل أحد المواطن التي تحتاج إلى وعيٍ وبصيرة؛ لأنَّها تستمدُّ تأثيرها من قدرتها على إحداث الالتباس بين الحقِّ والباطل، الأمر الذي يجعل التَّعامل معها مسؤوليَّةً دينيةً وعقليةً تقتضي التَّثبت والاحتياط.

وقد كشفت النُّصوص القرآنيَّة وروايات أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ الوقوف عند الشُّبهات هو منهجٌ واعٍ يحفظ الإنسان من التَّسرع، ويمنعه من بناء المواقف على الظُّنون والأوهام. فالمؤمن حين يتوقف عند ما لم يتَّضح له، ويطلب الدَّليل والبيان، إنَّما يسلك طريق الحكمة والبصيرة، ويصون نفسه من الوقوع في المحرَّمات أو الانحرافات الفكريَّة.

كما ظهر أنَّ مواجهة الشُّبهات تحتاج إلى مجموعة من الأسُس المتكاملة، تتمثَّل في الحذر من الخوض فيها قبل التَّحقق، والصَّمت عند عدم وضوح الحقيقة، واللجوء إلى الدُّعاء وطلب التَّوفيق الإلهي، والرُّجوع إلى أهل العلم الذين جعلهم الله (تعالى) مرجعًا في بيان الحقائق وكشف مواطن الالتباس.

فالوقوف عند الشُّبهة يمثِّل مظهرًا من مظاهر التَّقوى والورع، ودليلًا على سلامة المنهج وقوَّة البصيرة. ومن هنا كان التَّمسك بهذا المنهج سبيلًا لحفظ الدِّين، وصيانة العقل، والثَّبات أمام موجات الشُّبهات التي قد تعصف بالأفكار والمعتقدات.

نسأل الله (تعالى) أن يرزقنا نور البصيرة، والثَّبات على الحقِّ، والاهتداء بهدي القرآن الكريم وسيرة النَّبيِّ الأعظم وأهل بيته الطَّاهرين (عليهم أفضل الصَّلاة والسلام).

..........................................

الهوامش:

1. سورة البقرة/ الآية: 229.

2. وسائل الشيعة: ص27، ص157. 

3. الخصال: ص153.

4. نزهة النواظر وتنبيه الخواطر: ج1، ص52.

5. عيون الحكم والمواعظ: ص99.

6. الكافي (دار الحديث): ج1، ص171.

7. تحف العقول عن آل الرسول (صلَّى الله عليه وآله): ص79.

8. الأمالي (الصدوق): ص506.

9. تحف العقول عن آل الرسول (صلَّى الله عليه وآله): ص83. 

10. الخصال: ص16.

11. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص406.

12. سورة البقرة/ الآية: 42.

13. لسان العرب: ج13، ص503- 504.

14. التعريفات: ص54.

15. عيون الحكم والمواعظ: ص179. 

16. سورة الأنفال/ الآية: 29.

17. سورة الحجرات/ الآية: 6.

18. تحف العقول عن آل الرسول (صلَّى الله عليه وآله): ص155. 

19. أغدفَ الليلُ سدوله، إذا أرْسلَ سُتُورُ ظُلْمَتِهِ. تهذيب اللغة: ج8، ص93.

20. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص456.

21. م. ن: ص59. 

22. سورة العنكبوت/ الآية: 41.

23. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص547.

24. م. ن: ص416. 

25. الأمالي (المفيد): ص221.

26. سورة الإسراء/ الآية: 36.

27. سورة آل عمران/ الآية: 8.

28. سورة طه/ الآية: 114.

29. الصحيفة السجادية (الأبطحي): ص114. 

30. تحف العقول عن آل الرسول (صلَّى الله عليه وآله): ص210.

31. سورة النحل/ الآية: 43.

32. سورة النساء/ الآية: 83.

اضف تعليق