يبحث المقال ظاهرة كسر التوقع ودورها في إحداث الانزياح والمفارقة وإعادة التأويل. ويعرض نماذج من نهج البلاغة تكشف توظيف المفاجأة الأسلوبية في الحجاج والتأثير وإيقاظ المتلقي، ثم يحدد وظائفها التنبيهية والحجاجية والاجتماعية، مؤكدًا أن كسر التوقع يمثل عنصرًا أساسيًا في البناء البلاغي للخطاب العلوي وقدرته على صناعة الدلالة...

ثنائية الحوار تقوم على باثٍّ ومتلقٍّ، وما بينهما الوسط الناقل للأفعال المتمثل بالنص، فاللغة هي عبارة عن رموز وأفعال يعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم، وهي الوشيجة التي تربط بين المتكلم والمستقبِل، وبها يستعين الطرف الأول في تفهيم الطرف الثاني؛ لغرض الحصول على مبتغاه، وما إن يبدأ بإطلاق الرموز والإشارات حتى يتوقع الطرف الآخر نتائج لم يُفصح عنها المحاور بعد، فيقوم الباث بإلغاء الفكرة التي كمنت في فكر المستقبِل، وهذا من الشؤون البلاغية الرفيعة التي يستعين بها الخطيب للإفصاح عن مكنون أفكاره. 

وتُعدّ البلاغة العربية مجالًا حيويًا لدراسة النص الأدبي وفق أحدث النظريات اللسانية والأسلوبية. ومن بين المفاهيم الحداثية التي تقاطعت مع النص التراثي العربي مفهوم «كسر التوقع» (Expectation Breaker / Deviation)، وهو المفهوم الذي يُعبِّر عن الانزياح الخلّاق الموجه للإدراك الذهني للمتلقي، حيث يعمل المتكلم على إرهاص ذهن المخاطب بصورة أسلوبية منتظرة، ثم يفاجئه ببناء أدبي غير متوقع يخلخل طمأنينته ويشد انتباهه.

ويمثل كتاب «نهج البلاغة»، الذي جمعه الشريف الرضي، مفتاحًا تحليليًا ثريًا لهذه الظاهرة؛ لما تضمنه من خطب ومواعظ وحِكَم للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، إذ تميزت بخصائص أسلوبية وبلاغية تفوق المألوف والنمطي. يهدف هذا المقال إلى الكشف عن مظاهر «كسر التوقع» في خطبه وحكمه (عليه السلام)، وتبيين وظائفه الدلالية والتداولية في شحن الخطاب بطاقة تأثيرية استثنائية.

الإطار النظري والمفهومي لـ«كسر التوقع»

لا بدّ، قبل الولوج إلى البيان في الخطب والحِكَم المباركة، من توضيح المفهوم الخاص بمحطات العنوان. فتعود جذور مصطلح «كسر التوقع» إلى أفكار الشكلانيين الروس، كـ«فيكتور شكلوفسكي» ومفهوم «التغريب»، واكتملت تنظيراته مع التداولية ونظرية التلقي ونظرية التوصيل البلاغي لدى جان كوهين وتودوروف وفولفغانغ إيزر.

يقوم كسر التوقع على ثلاث دعائم أساسية:

السياق والمقام (Context): بناء خلفية أسلوبية يتهيأ المخاطب عبرها لانتظار مسار دلالي أو تركيبي معين.

الانزياح أو خيبة الأمل الأسلوبية (Disappointment / Deviation): هو قطع الشك باليقين الخاطئ، وتحويل المجرى الدلالي فجأة نحو مسار غير محتسب.

إعادة التأويل (Re-interpretation): استجابة المتلقي الصدمية للتركيب الجديد، ومحاولة صياغة الدلالة العميقة للمقصد الإبلاغي.

كسر التوقع في خطب الإمام علي (عليه السلام)

بعد بيان السياقات التي يرد فيها كسر التوقع، نشير إلى مواضع تواجده في خطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وحكمه، وهي كما يأتي:

1. كسر التوقع عبر الانزياح التركيبي والتقابل النحوي: في كثير من خطبه (عليه السلام)، يعمد إلى نقض البناء المألوف الذي يُنتظر عادة في السجال البلاغي العربي، وذلك باقتطاع النتائج غير المتوقعة من مقدمات ظاهرها خلاف ذلك. فيقول (عليه السلام) في الخطبة الشقشقية، واصفًا حال الناس وتزاحمهم على بيعته: «فَمَا رَاعَنِي إِلاَّ وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ... حَتَّى لَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ أَوْ مُتَلاَطِخُونَ عَلَيَّ...».

 فالسياق الطبيعي لاقتحام الجموع واحتشادهم نحو قائد أو خليفة يُحيي فيه دلالات الترحيب والتأييد، لكن التركيب الانزياحي ينكسر بكلمة: (حَتَّى لَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ). تحوّل الموقف في ذهن المتلقي من حالة بيعة واستبشار إلى حالة هجوم وافتراس، حيث شُبهت الجموع بـ(عُرْفِ الضَّبُعِ) لبيان التدافع والشراسة. هذا التحول الفجائي أحدث صدمة للمتلقي، ونقل المعنى من التهنئة إلى التهديد.

2. كسر التوقع في المفاهيم العسكرية والحربية: في المفهوم العسكري المألوف، تُقاس قوة الجيوش والانتصار في الحروب بمدى الاستعداد والكثرة العددية. لكن الإمام يكسر هذا التوقع الذهني المستقر عبر صياغة مفاهيم مناقضة تُعرّي الواقع النفسي والعملي للجيش، فيقول (عليه السلام) بعد غارة سفيان بن مجاشع الغامدي: «فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً، مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً!». إذ عند وقوع الخسارة العسكرية، يترقب السامع منطقيًا من القائد إما الحشد للتعبئة أو التسلية ورفع المعنويات. غير أن الخطاب ينحرف فجأة نحو خيار غير محتسب: أن الموت أسفًا ليس مجرد موقف معذور، بل هو الموقف الواجب والشريف الوحيد، مما يرفع سقف المساءلة الأخلاقية والوجدانية للتقاعس.

3. كسر التوقع الاستعاري والبياني (المفارقة التصويرية): لا تقتصر الاستعارة عند الإمام علي (عليه السلام) على الوظيفة التجميلية، بل تتجاوزها لتصبح أداة لكسر المألوف الذهني وترسيخ الحقائق الوجدانية. حيث يقول (عليه السلام) في خطبة ذم جيشه والتحذير من التخاذل: «أَرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَأَنْتُمْ دَائِي، كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا مَعَهَا!». فالتوقع السائد لدى السامع يتجه إلى أن الجيش هم العلاج والدرع؛ غير أن الخطاب يقلب المعادلة رأسًا على عقب (وَأَنْتُمْ دَائِي). ثم يأتي بالمثل والمشهد التمثيلي الخارق للمألوف (كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ) لبيان استحالة الاستشفاء بالعلة ذاتها، مما يُحدث إرباكًا إيجابيًا للسامع يدق به ناقوس الخطر.

4. كسر التوقع عبر التشبيه الضدي المباغت: يقول (عليه السلام)، يخاطب أصحابه عند التثاقل عن القتال: «مَا أَنْتُمْ إِلاَّ كَإِبِلٍ ضَلَّتْ رُعَاتُهَا، فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ انْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ!». يُنتظر في خطاب القائد لجنوده أن يشبههم بالأسود أو السيوف الصارمة إظهارًا لهيبتهم. غير أن العدول نحو التشبيه بـ(إِبِلٍ ضَلَّتْ رُعَاتُهَا) يُجرّد الجيش من العقل والتنظيم، محولًا صورتهم الذهنية إلى قطيع ضال؛ لينقل المتلقي من وهم القوة إلى صدمة المراجعة الذاتية.

5. كسر التوقع الدلالي والتداولي (المفارقة الذهنية): يقول (عليه السلام) في وصف تقاعس الناس: «الذَّلِيلُ وَاللهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ!». المتوقع البلاغي والمعجمي لملفوظ النصرة أن يُقال: «العزيز من نصرتموه»؛ لأن النصر يمنح العزة. ولكن عبر الانزياح التداولي الصادم، يأتي الحكم بـ(الذَّلِيلُ وَاللهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ)، ليكسر توقع المتلقي تمامًا، ويعبر عن أعمق درجات الخيبة من موالاتهم.

كسر التوقع في الكلمات القصار والحِكَم

تتميز الحِكَم القصار في نهج البلاغة بتركيزها الشديد، حيث يعمد الخطاب الحِكمي إلى مباغتة الذهن بتركيب يُخالف القياس النمطي للوعي الاجتماعي المألوف. ومن ذلك ما نجده في:

1- التعريف الانزياحي (المفارقة في الحد): جاء في حكمة للإمام المرتضى (صلوات ربي وسلامه عليه) قوله: «الْغِنَى فِي الْغُرْبَةِ وَطَنٌ، وَالْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةٌ» (الحكمة 56).

يُقلب مفهوم الوطن الجغرافي والغربة المكانية؛ فالغنى يمنح صفة الوطن، بينما الفقر يُغرّب الإنسان في مسقط رأسه، مما يعيد تعريف الانتماء على أسس الوجود والكرامة، لا الوجود الجغرافي.

2- القلب المفاهيمي لمعادلة القوة: وفي حكمة له (عليه السلام) يقول: «إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ» (الحكمة 11).

فهو يُهيئ المتلقي لتوقع الانتقام والبطش، لكن الانزياح الأخلاقي يحول الفعل النفعي (الانتقام) إلى واجب عبادي تحسيني (الشكر بالعفو).

3- العدول في تقييم الفاعل والفعل: جاء في نهج البلاغة عن أمير البلاغة والكلام قوله: «فَاعِلُ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنْهُ، وَفَاعِلُ الشَّرِّ شَرٌّ مِنْهُ» (الحكمة 32).

إذ التوقع يقتضي أن الفضيلة المجردة هي الرتبة العليا، لكن النص ينحرف نحو تقديم الإنسان (الفاعل) على الفعل ذاته؛ لأن الفعل ينقضي، والإنسان هو مصدره.

4- التسلسل الشرطي التنفيري: يقول الإمام الهمام (عليه السلام): «مَنْ كَثُرَ كَلاَمُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ... وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ» (الحكمة 349).

في هذه الحكمة المباركة يُنظر إلى الثرثرة اجتماعيًا كدليل فصاحة أو حضور، لكن المتتالية الشرطية تنحدر بها صدميًا من مجرد «كثرة الكلام» إلى «موت القلب والدخول في النار».

الوظائف الأسلوبية لكسر التوقع في الخطاب العلوي

تتلخص الوظائف البلاغية والجمالية لكسر التوقع في الخطب والحِكَم العلوية في النقاط الآتية:

1- الوظيفة التنبيهية وإيقاظ الفكر: يعمل كسر التوقع على هز السامع من غفلته النمطية، حيث تحشد المفاجأة التراكيب في الذهن لتفكيك الصورة وإعادة تركيبها.

2- الوظيفة الحجاجية والتأكيدية: التعبير بالصدمة الأسلوبية أثبت أثرًا وأقوى حجيةً في تثبيت المعنى من التقريرية المباشرة؛ إذ يترك أثرًا روانديًا لا يُمحى.

3- إبراز المفارقة الحضارية والاجتماعية: استخدم الإمام هذا الأسلوب لكشف الفجوة الواسعة بين الواقع الاجتماعي المتردي والنموذج الرسالي المطلوب.

الاستنتاجات

بعد هذه النزهة القشيبة في أفانين السِّفر العلوي الخالد، نستنتج ما يأتي:

1- يُشكّل «كسر التوقع» في خطب الإمام علي (عليه السلام) وحكمه ركنًا أساسيًا من أركان هندسته البلاغية والأسلوبية.

2- نجح الخطاب العلوي في توظيف الانزياح التركيبي، والمفارقة البيانية، وتأطير المعنى الشديد للواقع بأسلوب يصدم التوقع الذهني للمخاطب؛ لينقله من الاستماع السلبي إلى التأمل الفعال والمشاركة الوجدانية في صناعة الدلالة وتغيير السلوك.

3- تطبيق واسع ومكثّف لظاهرة «كسر التوقع» في خطب الإمام علي (عليه السلام).

4- تتكامل القوة الإبلاغية والأسلوبية في الخطاب العلوي عبر تنوع مجالات الانزياح الخلاق، حيث لا يقف كسر التوقع عند حدود التشكيل التركيبي الفردي، بل يمتد ليشمل بنية الصورة الاستعارية، والتقابل المفاهيمي، والبناء المفارقي للحجاج.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

.........................................

 روافد المقال العلمية

- ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد (ت 656 هـ). شرح نهج البلاغة. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.

- الجرجاني، عبد القاهر (1992). دلائل الإعجاز. تحقيق: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة.

- الرضي، الشريف أبو الحسن محمد بن الحسين (ت 406 هـ). نهج البلاغة (شرح الشيخ محمد عبده). دار المعرفة، بيروت، لبنان.

- المسدي، عبد السلام (1982). الأسلوبية والأسلوب. الدار العربية للكتاب، طرابلس - تونس.

- إيزر، فولفغانغ (1995). فعل القراءة: نظرية الجمالية التجاوبية في الأدب. ترجمة: حميد لحميداني وجيلالي الكدية، منشورات سال، مكناس.

- عبد المطلب، محمد (1994). البلاغة والأسلوبية. الشركة المصرية العالمية للنشر - لونجمان، القاهرة.

- فضل، صلاح (1998). علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته. دار الشروق، القاهرة.

- كوهين، جان (1986). بنية اللغة التأليفية (بنية اللغة الشعرية). ترجمة: محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء.

اضف تعليق