يناقش المقال تعقّد الحكومات المعاصرة في فكر السيد محمد الحسيني الشيرازي، ويرصد مظاهر التضخم البيروقراطي، واتساع صلاحيات الدولة، وارتفاع كلفة الحكم، ويربط ذلك بالمركزية وضعف الشورى وتقييد الحريات. كما يعرض سبل الإصلاح عبر اللامركزية، وتبسيط القوانين، وتفعيل المجتمع المدني، وتقليص وظائف الحكومة، وتطوير الإدارة، وتعزيز المبادرات الفردية، والاستفادة من...
بعد تحوُّل النظام في العراق من الملكي إلى الجمهوري، تحوَّل معه المشهد السياسي إلى الاضطراب الدائم على جميع الأصعدة، ومنها تعقّد الحكومات المتعاقبة. وتُمثّل أزمة تعقّد الحكومات وتضخم أجهزتها الإدارية والتنفيذية واحدة من أبرز الإشكالات التي تواجه المجتمعات المعاصرة على وجه العموم، والمجتمع العراقي على وجه الخصوص؛ إذ تحولت الدولة الحديثة في كثير من التجليات إلى كيان بيروقراطي هيجلي يُهيمن على مقدرات الفرد ويُكبّل طاقاته.
وفي إطار البحث عن أطر نظرية وعملية لفك هذا التعقيد واستعادة نجاعة الإدارة السياسية، يبرز الفكر السياسي والمؤسسي للمرجع السيد محمد الحسيني الشيرازي (1928–2001م)، الذي أفرد مساحة واسعة في موسوعته الفقهية والفكرية لبحث شؤون الحكم والإدارة، مستندًا إلى القواعد الإسلامية ومقارنًا بالنظم الغربية والشرقية الحديثة. وتتجلى أفكاره التي بسطها في هذه الموسوعة ليتسنى للقراء الإفادة منها، وهي:
أولًا: مظاهر تعقّد الحكومات المعاصرة
تظهر أزمة تعقّد الحكم الحديث في أشكال متعددة شخّصها الشيرازي في مؤلفاته، ومن أبرزها:
1- التضخم البيروقراطي وتشتت القوانين: وهذا يتضح عبر تراكم التشريعات والأنظمة التنفيذية بصورة تحول دون تلبية حاجيات المواطنين المرنة، حيث تحول القانون من أداة لتنظيم الحياة إلى عقبة تُبطئ الحركة وتنتج "الروتين" المعطل (الشيرازي، الفقه: السياسة، ج101، ص45).
2- استبداد صلاحيات الدولة (تضخم السلطة): تحول الحكومات المعاصرة إلى ظاهرة "الدولة المركزية الشمولية" التي تتدخل في تفاصيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأفراد، مما يؤدي إلى سلب المبادرات الفردية وتحجيم مؤسسات المجتمع المدني (الشيرازي، الصياغة الجديدة لمجلس الأمة، ص112).
3- ارتفاع كلفة الحكم والهدر المالي: تضخم الجهاز الإداري يستنزف نسبة كبيرة من الميزانيات الوطنية في نفقات تشغيلية ورواتب لموظفي الدولة، على حساب التنمية الحقيقية والخدمات الأساسية (الشيرازي، الحكومة الإسلامية في عهد الإمام علي، ص88).
ثانيًا: أسباب التعقيد الحكومي عند السيد الشيرازي
يرجع السيد الشيرازي أسباب هذا التعقّد إلى خلل بنيوي وفكري في فلسفة الحكم المعاصر، وذلك بسبب:
1- الابتعاد عن مبدأ "شورى الأمة": احتكار مركز القرار السيادي في فئات حصرية أو هيئات مركزية أدى إلى عزل الأمة عن إدارة شؤونها، مما حوّل الأجهزة الحكومية إلى أداة للهيمنة بدلًا من الخدمة (الشيرازي، الفقه: شورى الفقهاء، ص15-18).
2- مصادرة الحريات المشروعة: يؤكد الشيرازي أن أصل العلاقات البشرية يبتني على قاعدة "أصل الحرية" (ما لم تخالف الشريعة أو تضر بالآخرين). وإن فرض القيود والمكوس والتراخيص المعقدة في مجالات التجارة والبناء والسفر يخلق بيروقراطية مشلّة (الشيرازي، الحرية الإسلامية، ص34).
3- تغييب اللامركزية والولايات المستقلة: اعتماد نموذج المركزية الشديدة يجعل العاصمة هي المحرك الوحيد، مما يؤدي إلى تراكم المشكلات وتضخم البيروقراطية المركزية لعدم إعطاء المناطق والأقاليم صلاحيات إدارة شؤونها ذاتيًا (الشيرازي، الفقه: القانون، ص210).
ثالثًا: سبل الإصلاح وتفكيك التعقيد الحكومي
يطرح السيد محمد الشيرازي (قدس سره) أطروحة إصلاحية متكاملة لتبسيط نظام الحكم وتفعيله، ترتكز على القواعد الآتية:
1- تفعيل مبدأ شورى الأمة والشورى المرجعية: يرى الشيرازي أن الإصلاح يبدأ بكسر احتكار السلطة عبر التعددية المؤسسية ومجالس الشورى المنتخبة في كل المستويات الإدارية والسياسية، للحد من الاستبداد البيروقراطي (الشيرازي، الصياغة الجديدة لمجلس الأمة، ص45).
2- إلغاء قيود الروتين وتسهيل القوانين (قاعدة "لا ضرر" و"الناس مسلطون"): يدعو الشيرازي إلى حظر الضرائب والجمارك غير الضرورية وإلغاء التعقيدات الترخيصية، وتبني التشريعات المبسطة التي تطلق العنان للنشاط الاقتصادي والتنموي الشعبي دون وصاية حكومية معطلة (الشيرازي، الحرية الإسلامية، ص89).
3- اعتماد اللامركزية الإدارية (نظام الولايات): يقترح تقليص حجم الحكومة المركزية واقتصار دورها على الشؤون السيادية (كالدفاع والسياسة الخارجية)، مع منح المناطق سلطة التخطيط والتنفيذ المحلي للتخفيف من التضخم الإداري (الشيرازي، الفقه: السياسة، ج102، ص115).
4- تفعيل مؤسسات المجتمع المدني والأوقاف: إعادة الدور التنموي والرعوي (كالتعليم والصحة والتكافل) إلى المجتمع والجمعيات الخيرية والأوقاف، مما يرفع عبئًا كبيرًا عن كاهل الدولة ويحد من تضخم وظائفها (الشيرازي، مؤسسات المجتمع المدني، ص62).
رابعًا: آليات التطبيق والتنزيل العملي للفكر الشيرازي
لم يقف السيد الشيرازي عند حدود النقد الفلسفي والتشخيص البنيوي لتعقّد الحكومات، بل طرح أدوات تطبيقية وآليات إجرائية لتحويل الرؤية النظرية إلى واقع إداري ملموس، وذلك عبر المفاهيم الآتية:
- التحول نحو "الحكومة الحدّية الدنيا" (Minimal Government): يتلاقى الطرح الشيرازي في جزء منه مع الفلسفات السياسية المناهضة لتضخم الدولة، حيث يرى أن وظيفة الحكومة يجب أن تقتصر على الحماية والعدالة والدفاع (السيادات الكبرى)، بينما تُترك إدارة القطاعات التنموية كالتعليم والتجارة والتصنيع والمرافق العامة للأفراد والمؤسسات الأهلية (الشيرازي، السبيل إلى إنهاض المسلمين، ص142).
- عصرنة الإدارة وتقليل البيروقراطية بالأوتوماتيكية التشريعية: دعا الشيرازي إلى تبسيط الإجراءات القانونية والإدارية من خلال إلغاء الاشتراطات المعقدة للتراخيص التجارية والعمرانية، والاستعاضة عنها بالاعتماد على قاعدة الإباحة والأصل في الأفعال الصحة، مما يقلل الحاجة إلى الرقابة الإدارية المباشرة والموظفين المعطلين (الشيرازي، القانون، ج105، ص78).
- التشجيع على المبادرات الفردية والاستثمار الحر: أكد الشيرازي أن التضخم الحكومي ينشأ غالبًا بسبب رغبة السلطة في احتكار الثروة، ولذا فإن الحل يكمن في إطلاق حرية الاستثمار بدون مكوس أو ضرائب كابلة، مما يحول المواطنين من مستهلكين معتمدين على وظائف الدولة إلى منتجين ومستثمرين في السوق الحر (الشيرازي، الاقتصاد الإسلامي، ج1، ص205).
خامسًا: مقارنة فكر الشيرازي بالمقاربات الإدارية والسياسية المعاصرة
تتجلى فرادة الطرح السياسي للسيد الشيرازي عند مقارنته بالنظريات السياسية والإدارية الغربية والشرقية الحديثة، ومن ذلك:
1- مقارنة مع البيروقراطية الفيبرية (Max Weber): في الوقت الذي رأى فيه ماكس فيبر أن البيروقراطية هي النموذج الأكثر عقلانية وكفاءة لإدارة المجتمعات الحديثة، نبّه الشيرازي مبكرًا إلى أن البيروقراطية المعقدة تتحول سريعًا إلى "حديد كابح" يقتل روح المبادرة والفردية ويؤدي إلى استبداد السلطة الإدارية (الشيرازي، الحكم في الإسلام، ص95).
2- مقارنة مع الرأسمالية والاشتراكية: انتقد الشيرازي النموذج الاشتراكي لهيمنته التامة على وسائل الإنتاج وتضخيم جهاز الدولة لدرجة شلل المجتمع، كما انتقد الرأسمالية المطلقة لتسببها في التفاوت الطبقي وسيطرة الكارتيلات المالية، معتبرًا النموذج الإسلامي القائم على "الحرية المشروعة مع العدالة الاجتماعية والشورى" بديلًا يعالج تعقّد الدولة دون التفريط في الحقوق الإنسانية (الشيرازي، الفكر الإسلامي ومواجهة التحديات، ص110).
سادسًا: التحديات الإجرائية وآفاق التطبيق في العصر الرقمي
على الرغم من نجاعة الرؤية الشيرازية في تفكيك تعقّد الحكومات، إلا أن تنزيل هذه الأفكار في الواقع المعاصر يواجه جملة من التحديات والمجالات الحديثة، منها:
- تحدي الحوكمة الرقمية والتحول التكنولوجي: يمكن لتوظيف أدوات "الحكومة الإلكترونية" والذكاء الاصطناعي اليوم أن يشكل رافعة إجرائية لتحقيق أهداف الشيرازي في التقليل من البيروقراطية والروتين الوظيفي، حيث تقلل الأتمتة من الاحتكاك المباشر بالموظف وتمنع الفساد وتسرع المعاملات (الشيرازي، الصياغة الجديدة لمجلس الأمة، ص180).
- إدارة الأزمات العابرة للحدود: يُطرح تساؤل حول مدى قدرة "الحكومة الأدنى" واللامركزية على مواجهة الأزمات العالمية الكبرى (مثل الأوبئة، والتغير المناخي، والحروب)، وهو ما يجيب عنه الشيرازي بأهمية وجود تنسيق دولي واتحادات إسلامية أو إقليمية تتولى إدارة الملفات الكبرى دون أن تتدخل في تفاصيل الإدارة المحلية للمواطنين (الشيرازي، ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين، ص88).
الاستنتاجات
بعد الاطلاع على فكر السيد الشيرازي (قدس سره)، نستنتج ما يلي:
1- يقدّم الفكر السياسي للسيد محمد الحسيني الشيرازي رؤية مبكرة ونقدية لظاهرة تعقّد الحكومات المعاصرة.
2- تكمن قيمة هذا الطرح في جمعه بين التأصيل الفقهي والوعي بمشكلات الإدارة الحديثة.
3- يرى أن الحل لا يكمن في إضافة المزيد من التشريعات والأجهزة التنفيذية، بل في تفكيك مركزية السلطة.
4- إطلاق الحريات الاقتصادية والاجتماعية المشروعة، واستعادة المجتمع لدوره الأصيل في إدارة حياته عبر الشورى واللامركزية.



اضف تعليق