يناقش المقال ظاهرة توسل المواطنين بالمسؤولين للحصول على حقوقهم أو رفع المظالم، بوصفها مؤشرًا على ضعف المؤسسات الدستورية وتراجع الثقة بسيادة القانون. ويوضح آثارها في المساواة والعدالة وكرامة الإنسان وفصل السلطات، وتحويل الحقوق إلى مكرمات شخصية. ويدعو إلى تقوية المؤسسات والرقابة، وضمان إنفاذ القانون دون تمييز، وحماية حرية...

تعج وسائل الإعلام بطلبات وتوسلات للحصول على فرصة لمقابلة مسؤول ما في الدولة من أجل قضاء حاجاتهم أو الاستجابة لطلباتهم أو رفع مظلمة يعتقد السائل أنها وقعت عليه. وهذه الظاهرة التي لها جذور تاريخية في الأنظمة الشمولية والفردية والديكتاتورية، فإنها ما زالت تُمارس في العراق، مع أن نظام الحكم فيه ديمقراطي برلماني ويعتمد على المؤسسات وليس الأشخاص، وعلى وفق ما جاء في المادة (5) من الدستور العراقي النافذ، وجاء فيها: «السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية».

وحيث إن الدول التي تترسخ فيها دولة القانون وتستقيم فيها المؤسسات، فإن الحقوق والحريات تُعتبر مراكز قانونية محمية بنصوص دستورية وتشريعية، لا تُمنح للمواطن على أنها مكرمة أو فضل من المسؤول على المواطن. غير أن المشهد الإداري والاجتماعي في بعض البيئات يشهد ظاهرة مقلقة تتمثل في لجوء المواطنين إلى «التوسل» بالمسؤولين بصفاتهم الشخصية بحثًا عن الإنصاف، متجاوزين القنوات الرسمية. ويُعد هذا السلوك ليس مجرد سلوك عارض أو حالة فردية، بل هو ظاهرة تعكس في جوهرها دلالات عميقة على اختلالات هيكلية في منظومة الحكم والإدارة، ومنها الآتي:

1. تصدع الثقة في كفاءة المؤسسات وعدالتها: لأن عزوف المواطن عن اللجوء إلى الطرق القانونية والمؤسسية المعتادة (كالجهات الإدارية المختصة والمحاكم)، والتوجه مباشرة نحو الشخصيات النافذة، يُعد مؤشرًا ساطعًا على تراجع الثقة بقدرة تلك المؤسسات على إنصاف صاحب الحق بحيادية وعدالة؛ لأن المواطن حين يتيقن أن الإجراءات الرسمية تتسم بالبطء والتعقيد أو الخضوع للضغوط، يرى في «الاستجداء الشخصي» عبر التوسل بالمسؤول المتنفذ أو التوسط أو الوسائل الأخرى، ومنها غير المشروعة، بمثابة طوق النجاة الأسرع.

2. تحول الحقوق إلى مكرمات شخصية: وتخرج الحقوق الأساسية للمواطن من سياقها القانوني الطبيعي لتتحول إلى هبات وعطايا شخصية يمنحها المسؤول تفضلًا منه أو قد يحجبها. وهذا يعكس مخالفة صريحة لفلسفة الحكم، حيث يتحول المواطن (صاحب الحق) إلى طالب حاجة، ويتحول المسؤول (المؤتمن على تنفيذ القانون) إلى ولي النعمة المتفضل على المواطن.

3. خرق مبدأ المساواة أمام القانون: الوارد في المادة (14) من الدستور، التي تؤكد أن المواطنين سواء أمام القانون دون تمييز. وحين يصبح الحصول على الحق مرهونًا بالقدرة على استعطاف المسؤول أو الوصول إليه، ينشأ تمييز واضح بين مواطن يملك قدرة التواصل والوساطة، وآخر لا يملك سوى سبيله القانوني المجرد.

4. تقويض الحق في التقاضي والعدالة الناجزة: اللذين كفلهما الدستور للجميع، والواردين في المادة (19/ثالثًا) من الدستور، حيث أكد حق الجميع باللجوء إلى القضاء والجهات المختصة. ويُعد استبدال المسارات الإدارية والقضائية الرسمية بمناشدات شخصية إفراغًا لهذا الحق الدستوري من مضمونه، وإعلانًا لعجز أدوات الحماية القانونية.

5. المساس بمبدأ فصل السلطات وسيادة القانون: الذي ورد في المادة (47) من الدستور؛ لأن الدولة الحديثة تعتمد على خضوع الجميع للقانون وفصل السلطات. فإذا تدخل المسؤول التنفيذي بقرار «شخصي» لحل مشكلة خارج الأطر الرسمية، يُعتبر ذلك تجاوزًا للصلاحيات وتجاوزًا على اختصاص الجهات القضائية والرقابية.

6. النيل من كرامة الإنسان: التي أقرها الدستور في المادة (37/أولًا)؛ لأن إجبار المواطن على ممارسة التوسل لاسترداد ما هو حق مكفول له بالقانون يمثل مساسًا مباشرًا بكرامته الإنسانية.

7. غياب سيادة القانون وتفشي المزاجية: وذلك عندما تصبح الاستجابة للمطالب العادلة مرهونة بالوجاهة الشخصية أو العلاقات أو الوساطة، فهذا يعني بوضوح أن القاعدة القانونية العامة والمجردة قد تم تهميشها لصالح المزاج الشخصي للسلطة، وللمحسوبية والانتقائية.

8. إضعاف هيبة الدولة ومؤسساتها: من خلال اعتماد المواطنين على الأشخاص بدلًا من الأنظمة، مما يؤدي تدريجيًا إلى تآكل هيبة المؤسسات الرسمية، وفقدان الموظف البسيط أو الإداري المختص شعوره بالمسؤولية؛ لأن القرارات الرسمية تصبح تابعة للتعليمات الشخصية الصادرة من الرئيس الأعلى، وليس للقانون.

لذلك، فإن لجوء المواطنين إلى استعطاف المسؤولين بحثًا عن الإنصاف هو مرآة عاكسة لضعف المؤسسية الدستورية وهشاشة الأنظمة الرقابية والإدارية. ولا يمكن علاج هذه الظاهرة الرعوية بالخطابات الإنشائية، بل يتطلب الأمر إرادة جادة لترسيخ دولة المؤسسات، وضمان إنفاذ القانون بعدالة ومساواة على الجميع دون استثناء، بحيث يشعر المواطن بأن انتزاع حقه لا يتطلب استجداءً لشخص، بل هو حق مكفول بقوة الدستور والقانون، ورفع القيود عن حرية التعبير، وعدم ربط المؤسسة بشخص الرئيس، وإنما يجب أن يكون هذا الرئيس تابعًا لحكم القانون؛ لأنه موظف في الدولة يتولى راتبًا من أموال الشعب، والشعب هو مصدر السلطة.

* قاضٍ متقاعد

اضف تعليق