تسهم المبادرات الفردية في تخفيف الانقسام المجتمعي عبر مراجعة الأحكام المسبقة، وتصحيح المعلومات، وتقوية العلاقات الأسرية والجيرة، والمشاركة في التطوع والأنشطة المشتركة. وتكشف الدراسات ارتباط الوحدة بتزايد الشعور بالتهديد، وأهمية التواصل في تقليل العداء للمختلفين. ويبدأ التغيير بتحمل مسؤولية السلوك اليومي وبناء الثقة والتعاون، بالتكامل مع دور المؤسسات...

حين تتسع الخصومات في بلد ما، يشعر كثيرون بأن قدرتهم على التأثير تتضاءل أمام صخب السياسة والإعلام، فينتظرون مبادرة كبرى تعيد جمع الناس. غير أن لكل فرد مساحة يستطيع العمل فيها: طريقة حكمه على الآخرين، وما ينشره، والعلاقات التي يحافظ عليها، والمساعدة التي يقدمها. ومن هذه المساحة يبدأ سؤال عملي: كيف تسهم في حماية مجتمعك من الانقسام وأنت تمارس حياتك العادية؟

راجع نصيبك من المشكلة

تظهر الانقسامات الكبرى في تفاصيل صغيرة تتكرر يوميًا؛ في نكتة مهينة عن جماعة، وخبر غير موثوق يعاد نشره، واتهام يشمل ملايين الأشخاص، وخصومة سياسية تفسد علاقة عائلية. وقد يرفض الإنسان الكراهية حين تصدر عن الآخرين، ثم يجد لنفسه مبررات عندما يستخدم اللغة نفسها دفاعًا عن الجهة التي يؤيدها. ولهذا تبدأ المراجعة من سؤال صريح: هل يساعد سلوكي على فهم الخلاف، أم يضيف إليه حكمًا متسرعًا وعداءً جديدًا؟

ويمكن اختبار ذلك بمراجعة آخر نقاش شاركت فيه: هل ناقشت الفكرة المحددة أم انتقلت إلى اتهام صاحبها؟ هل قبلت تصحيح معلومة خاطئة؟ وهل طبقت المعيار نفسه على من تؤيدهم ومن تعارضهم؟ تمنح هذه الأسئلة الفرد قدرة على ضبط مساهمته في المجال العام، وتكشف له أن الإنصاف ممارسة تحتاج إلى انتباه، خصوصًا عندما تكون المشاعر قوية والانتماءات حاضرة.

ويقتضي هذا التمييز بين الاختلاف والاستقطاب العاطفي؛ فالناس يختلفون في المصالح والأولويات وتقدير الحلول، ويمكنهم إدارة ذلك ضمن قواعد مشتركة. أما حين يصبح الانتماء سببًا كافيًا للاحتقار والشك، فإن الخلاف يمتد إلى العلاقات والعمل والجوار، وتتعطل إمكانات التعاون. عندها يغدو إصلاح طريقة التعامل جزءًا من حماية قدرة المجتمع على مناقشة مشكلاته وحلها.

ومن المفيد أيضًا ملاحظة اللغة التي نصف بها المختلفين أمام الأبناء والزملاء؛ فالعبارات المطلقة تغلق باب السؤال، بينما يساعد الحديث المحدد على الفهم. ويمكن استبدال اتهام جماعة بأكملها بمناقشة قرار أو تصريح معلوم، وبيان أسباب الاعتراض عليه. بهذه الطريقة يصبح النقد أوضح وأقرب إلى المساءلة، ويحافظ على إمكان التعاون مع أشخاص لا يتحملون مسؤولية ما نرفضه.

كيف تتكوّن صورة المجتمع في أذهاننا؟

للعلاقات القريبة دور في تشكيل إحساس الإنسان بالأمان والانتماء. والوحدة هنا تعني شعورًا بأن العلاقات المتاحة لا تلبي حاجته إلى التواصل والدعم، وقد يعانيها شخص محاط بالناس. ومن المفيد الانتباه إلى هذا البعد عند التفكير في الانقسام، لأن التجربة الشخصية مع الآخرين قد تؤثر في الطريقة التي نقرأ بها أخبار المجتمع ونفسر نيات أفراده.

تناولت دراسة لألكسندر لانغنكامب وزملائه، منشورة في دورية «علم النفس السياسي»، هذه الصلة باستخدام بيانات أوروبية ومتابعة زمنية. ووجدت ارتباطًا بين الوحدة وارتفاع إدراك الصراع الاجتماعي، كما ارتبط ازدياد الوحدة بتصاعد الخوف من الاضطرابات وتعثر المؤسسات. وتدعم النتائج أهمية النظر إلى جودة العلاقات عند فهم الشعور بالتهديد، لكنها لا تبرر اعتبار كل من يعاني الوحدة عدائيًا، أو تفسير الاستقطاب كله بضعف التواصل.

وتقدم دراسة أخرى، منشورة في «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» سنة 2022، دليلًا على أثر التصورات الخاطئة عن الخصوم. فقد شملت سلسلة دراساتها 4741 مشاركًا، ووجدت مبالغة لدى مشاركين أميركيين في تقدير تأييد الطرف الحزبي الآخر للعنف. وأسهم تصحيح هذه التصورات في خفض دعم العنف والاستعداد للمشاركة فيه، واستمر الأثر في متابعة امتدت شهرًا. والمعنى العملي أن الصورة التي نحملها عن الآخر تستحق الفحص، خصوصًا حين تجعلنا نتوقع منه الأسوأ باستمرار.

أما بحث دانيكا ديليون وكيفن لويس وكورت غراي، المنشور في دورية «علم الشبكات التطبيقي» سنة 2025، فربط بين كثافة العلاقات الاجتماعية وانخفاض العداء الحزبي. والمقصود بالكثافة أن يعرف الأشخاص المقربون بعضهم بعضًا. واختبر الباحثون تفسيرًا يتمثل في امتداد الشعور بالترابط المحلي إلى انتماء أوسع واستعداد أكبر للتواصل مع المخالفين. وهذه النتائج تفتح مجالًا للمبادرة، مع بقاء أثر كل نشاط مرتبطًا بظروفه وطريقة تنظيمه.

سبع خطوات تبدأ بها من نفسك

يمكن تحويل هذه الأفكار إلى ممارسات قريبة من الحياة اليومية، دون انتظار اتفاق سياسي شامل. وهي مقترحات لتقوية التواصل والتعاون، وليست وصفات ثبت أن كل واحدة منها تخفض الاستقطاب وحدها في جميع المجتمعات. وتزداد قيمتها عندما تكون منتظمة وطوعية ومفتوحة لأشخاص من خلفيات مختلفة.

أولًا: تطوّع في خدمة حاجة مشتركة

يتيح العمل التطوعي فرصة للتعرف إلى أشخاص من خلال ما يفعلونه، فتتسع معرفتنا بهم إلى ما يتجاوز الصورة المرتبطة بانتمائهم. وفي حملة لمساعدة المرضى، أو تنظيف حي، أو إيصال احتياجات إلى عائلات متضررة، يجد المشاركون أمامهم مهمة واضحة تستدعي التعاون. ويمكن أن تكون هذه التجربة بداية لاكتشاف صفات غابت عن الأحكام المسبقة، كالدقة والكرم والالتزام وحسن التعامل.

اختر نشاطًا تستطيع الاستمرار فيه، ولو لساعات محدودة، واحرص على أن تصل خدمته إلى المستفيدين وفق حاجاتهم. فإذا تحولت المبادرة إلى وسيلة لتمييز جماعة أو استعراض تفوقها، ضعفت قدرتها على التقريب. ومن التطبيقات الممكنة تشكيل فريق صغير من سكان مناطق متجاورة لصيانة مدرسة أو دعم مكتبة، مع توزيع المسؤوليات بشفافية وإتاحة المشاركة للجميع. وتمنح المهمة المشتركة الناس موضوعًا للعمل والحديث يمكن البناء عليه لاحقًا.

ثانيًا: أعد بناء علاقة الجيرة

الجيرة مساحة متاحة للتواصل بين أشخاص لم يختر بعضهم بعضًا بناء على التشابه السياسي أو الفكري. وقد تكفي بداية بسيطة: تحية منتظمة، أو سؤال عن مريض، أو مساعدة جار مسن في شراء حاجاته، أو الاطمئنان إلى بيت أثناء غياب أصحابه. وتتكون معرفة أكثر واقعية حين تتكرر هذه المواقف، فيصبح الجار صاحب تجربة واحتياجات وصفات معروفة.

ولا تحتاج العلاقة إلى اقتحام خصوصية الآخرين أو فرض قرب لا يرغبون فيه؛ إذ يمكن احترام الحدود مع إظهار الاستعداد للمساعدة. كما يمكن لسكان شارع تنظيم لقاء دوري قصير لبحث النظافة والإنارة أو دعم أسرة محتاجة، مع تجنب تحويل اللقاء إلى امتحان للمواقف السياسية. وتوفر هذه القضايا فرصة لتعلّم الاتفاق على إجراءات محددة، رغم بقاء الاختلاف في قضايا أوسع.

ثالثًا: اجعل التواصل جزءًا من جدولك

قد تمضي أيام الإنسان بين العمل والمنزل والشاشة، فتقل فرص الحديث العفوي والتعارف. ويمكن تعديل هذا الإيقاع بتخصيص موعد منتظم لزيارة مكتبة أو حديقة أو نادٍ أو مقهى مناسب. فالوجود المتكرر يتيح التعرف إلى الوجوه وتبادل التحية، وربما ينشأ عنه حديث قصير يتطور تدريجيًا بحسب ارتياح الأطراف واهتماماتها.

والمطلوب قدر متاح من الحضور والانتباه؛ كأن تضع هاتفك جانبًا حين يجلس معك شخص، أو تتذكر اسم من تلتقيه باستمرار، أو تسأل عن أمر سبق أن حدثك عنه. وهذه ممارسات يستطيع كل فرد تكييفها مع شخصيته وظروفه، بما في ذلك من يفضلون دوائر صغيرة. ويمكن البدء بلقاء أسبوعي واحد بدل وضع خطة مزدحمة يصعب الالتزام بها، لأن الاستمرار يمنح العلاقة وقتًا للنمو.

رابعًا: حافظ على الروابط الأسرية عبر الخلاف

قد تؤدي المناقشات العامة إلى توتر داخل الأسرة، خصوصًا عندما تُفهم مخالفة الرأي باعتبارها رفضًا للشخص أو انتقاصًا من تجربته. ويستطيع الفرد تخفيف ذلك بالاستماع إلى المخاوف التي تقف خلف الموقف، وتجنب السخرية من كبار السن أو تسفيه اهتمامات الأصغر عمرًا. كما أن السؤال عن الصحة والعمل والدراسة يعيد إلى العلاقة أبعادها الواسعة التي قد يحجبها النقاش السياسي.

ومن المفيد الاتفاق على إيقاف الحديث عندما يتحول إلى إهانة، ثم العودة إليه في وقت أكثر هدوءًا إذا كانت هناك فائدة. ويمكن الحفاظ على الزيارات والاتصالات والاهتمام المتبادل مع توضيح الحدود الشخصية. أما العلاقات المؤذية فتحتاج إلى حماية مناسبة، ولا تفرض صلة القرابة قبول الإساءة. والغاية أن يجد أفراد الأسرة طرقًا للاختلاف تحفظ الكرامة، وتبقي أبواب الدعم والتواصل مفتوحة حين يكون ذلك آمنًا وممكنًا.

خامسًا: انضم إلى جماعة يجمعها اهتمام مشترك

تتيح القراءة والرياضة والحرف والزراعة والفنون موضوعات يتعاون الناس حولها دون اشتراط تطابق آرائهم. ففي جماعة للقراءة يمكن اكتشاف قارئ دقيق يختلف معك سياسيًا، وفي فريق رياضي يمكن التعرف إلى شريك ملتزم ينتمي إلى بيئة لم تختلط بها سابقًا. وتضيف هذه اللقاءات معرفة شخصية إلى التصنيفات العامة التي نستخدمها أحيانًا بسرعة.

ولكي تتسع فائدة النشاط، ينبغي أن تكون المشاركة ميسّرة، وأن يشعر القادم الجديد بأنه مرحب به حتى لو اختلف في لهجته أو خلفيته أو مستوى خبرته. ويمكن للمؤسس أن يختار مكانًا متاحًا ورسومًا قليلة وقواعد واضحة للاحترام. أما الفرد فيستطيع دعوة شخص خارج دائرة أصدقائه المعتادة، وإعطاء العلاقة وقتها دون تحميل كل لقاء مهمة تغيير القناعات. فالتعارف نفسه هدف يستحق الاستمرار.

سادسًا: تعلّم الحوار مع من يخالفك

يبدأ الحوار بمحاولة تحديد ما يقوله الطرف الآخر فعلًا. ويمكن أن تسأله عن التجربة التي كوّنت رأيه، ثم تعيد صياغة ما فهمته وتترك له فرصة التصحيح. يساعد ذلك على مناقشة موقف محدد، ويقلل احتمال الجدال مع فكرة لم يتبنها أصلًا. وبعدها يمكن توضيح اعتراضك وأدلته بلغة تفرق بين تقييم الرأي واحترام صاحبه.

اختر قضية قابلة للنقاش بدل فتح سجل شامل من الاتهامات؛ كطريقة تحسين خدمة محلية أو معالجة مشكلة مدرسية. وإذا وصل الحديث إلى إهانة أو تهديد، يصبح إيقافه ووضع حدود خطوة ضرورية. وتستطيع المؤسسات الثقافية تنظيم لقاءات يديرها أشخاص قادرون على توزيع الوقت وضبط اللغة وتلخيص نقاط الاتفاق. ويقاس التقدم هنا بزيادة الفهم ودقة عرض الخلاف، وقد تبقى القناعات مختلفة بعد لقاء ناجح.

سابعًا: شارك في مسؤولية تعاونية مستمرة

تمنح المسؤولية المشتركة العلاقة اختبارًا عمليًا يتكرر: من يلتزم بموعده؟ ومن يؤدي مهمته؟ وكيف تُحل المشكلة عند التقصير؟ ويمكن أن تتمثل في رعاية حديقة صغيرة، أو مساعدة كبار السن، أو تبادل مهارات بين سكان الحي، أو تنظيم دعم دراسي تطوعي. وتتيح هذه المهام بناء توقعات واضحة عن التعاون وتحمل المسؤولية.

وتحتاج المبادرة إلى قواعد عادلة حتى لا تتحول إلى عبء على الأكثر التزامًا أو نفوذ شخص واحد. لذلك يفيد تحديد المهام والمواعيد وطرق اتخاذ القرار، وإعلان النفقات إذا وجدت، وإتاحة الانسحاب دون إحراج. ويكتسب المشاركون عندها خبرة في معالجة الخلاف داخل العمل نفسه، بدل تجنب التعاون خوفًا من الاختلاف. ويمكن للمشروع أن يبقى صغيرًا ما دام يحقق حاجة فعلية ويستطيع أعضاؤه الحفاظ عليه.

ولا يحتاج بدء هذه الخطوات إلى تنفيذها جميعًا في وقت واحد. يستطيع القارئ اختيار ممارسة تناسب ظروفه، ثم منحها شهرًا من الالتزام والمراجعة: لقاء منتظم، أو مهمة تطوعية، أو تواصل مع جار. وإذا لم تنجح المحاولة الأولى، يمكن تغيير الموعد أو المكان أو طريقة المشاركة، دون اعتبار التعثر حكمًا نهائيًا على إمكان بناء علاقات مفيدة.

احمِ مساحة التواصل من الإشاعة والتعميم

يمتد أثر الفرد إلى ما يرسله في مجموعات العائلة والعمل وما ينشره علنًا. وقبل تداول مادة مثيرة للغضب، يمكن التحقق من مصدرها وتاريخها وسياقها، والتساؤل عما إذا كانت تتحدث عن واقعة محددة أو تستخدم الواقعة لاتهام جماعة كاملة. وحين يتبين الخطأ، يصبح تصحيحه في المكان نفسه الذي نُشر فيه جزءًا من المسؤولية، حتى لو كانت المعلومة تخدم موقفًا يؤيده الناشر.

كما يظهر الإنصاف في الاعتراف بفعل جيد صدر عن مخالف، ورفض الإهانة حتى عندما تستهدف جهة غير محبوبة، وتطبيق معيار واحد على السلوك المتشابه. وقد تكون هذه المواقف صعبة داخل جماعة متحمسة، لكنها تمنح النقاش مرجعًا أخلاقيًا واضحًا. ويمكن التعبير عنها بهدوء: تحديد الادعاء غير الصحيح، وطلب الدليل، ورفض التعميم، دون تحويل التصحيح إلى خصومة شخصية جديدة تزيد التوتر.

وحين يخطئ شخص في النقاش، تفيد إتاحة فرصة تحفظ كرامته ليصحح موقفه. فالمطالبة بالدقة تصبح أكثر قابلية للقبول عندما تركز على المعلومة وتبتعد عن التشهير. ويمكن أن يبدأ التصحيح برسالة خاصة إذا كان ذلك مناسبًا، مع بقاء ضرورة التصحيح العلني عندما انتشر الخطأ علنًا. والمهم أن يصل التصويب إلى المتلقين دون أن يتحول إلى مناسبة للإذلال.

امنح المبادرة فرصة للاتساع

يستطيع شخص واحد أن يبدأ نشاطًا محدودًا، ثم يدعو آخرين إلى تحمل جزء من مسؤوليته. ويمكن لمكتبة أن تخصص لقاءً شهريًا مفتوحًا، ولمدرسة أن تجمع الأسر حول تحسين مرافقها، ولنادي حي أن ينظم نشاطًا قليل التكلفة. ويساعد وضوح الهدف وسهولة المشاركة على انتقال المبادرة من دائرة الأصدقاء إلى محيط أوسع، مع الحفاظ على طابعها الخدمي واحترام تنوع المشاركين.

وتحتاج هذه الجهود إلى أماكن ووقت وموارد، وهو ما يربط المسؤولية الفردية بعمل المؤسسات المحلية. فالحدائق الآمنة والمكتبات الميسّرة والمراكز الثقافية تمنح الناس فرصًا واقعية للقاء. كما ينبغي مراعاة من تمنعهم ظروف العمل أو الإعاقة أو الرعاية الأسرية من المشاركة المعتادة، بإتاحة مواعيد وأنماط مختلفة. وكلما كانت الدعوة قابلة للتنفيذ، اتسع احتمال مشاركة أشخاص ظلوا خارج الأنشطة المجتمعية.

ويمكن تقييم التقدم بمؤشرات بسيطة: هل يستمر المشاركون في الحضور؟ هل تنضم وجوه جديدة؟ هل توزعت المسؤوليات بصورة أعدل؟ وهل أمكن حل خلاف دون انسحاب مهين أو قطيعة؟ تساعد هذه الأسئلة على تحسين المبادرة بدل الاكتفاء بصورة جماعية أو إعلان نجاح سريع، وتذكّر بأن بناء العلاقات يحتاج إلى متابعة وصبر.

مسؤوليتك جزء من مسؤولية أوسع

يحمل عنوان «ابدأ من نفسك» دعوة إلى الفعل ضمن القدرة، ويظل من الضروري فهم الأسباب الاقتصادية والسياسية والمؤسسية للانقسام. فالتمييز والفساد وتفاوت الفرص والتحريض مشكلات تتطلب سياسات ومساءلة وحماية للحقوق. ويستطيع المواطن أن يطالب بالإصلاح وينتقد الأداء بوضوح، مع الحفاظ على الدقة واحترام كرامة الناس ورفض تحميل جماعات كاملة مسؤولية قرارات أفراد أو مؤسسات.

كذلك يحتاج تطبيق نتائج الدراسات إلى مراعاة اختلاف المجتمعات؛ فالأدلة الأميركية والأوروبية تقدم أفكارًا للاختبار والاستفادة، ولا تمنح ضمانًا لنتائج متماثلة في كل بلد. وقد تكون الروابط داخل جماعة قوية بينما تبقى علاقتها بالآخرين متوترة، لذلك يجدر الاهتمام بمن تشملهم المبادرة ومن تستبعدهم. وتزداد قيمة التواصل حين يتيح تعاونًا عادلًا عبر الدوائر المعتادة، ويمنح المشاركين حرية التعبير والاختلاف والمراجعة.

وتبقى الثقة قابلة للاهتزاز، لذلك لا ينبغي تحميل مبادرة محدودة توقعات أكبر من قدرتها. فقد يقع خلاف بين متطوعين أو ينسحب بعض المشاركين، وعندها تظهر أهمية القواعد والشفافية وتوزيع المسؤوليات. إن معالجة التعثر بعدل تمنح التجربة قيمة تربوية واجتماعية، وتساعد الناس على مواصلة العمل المشترك مع إدراك أن التعاون يحتاج إلى تعلم ومراجعة مستمرين.

بداية ممكنة من اليوم

يمكن ترجمة هذه الرؤية إلى خمس توصيات مترابطة:

1. راجع أحكامك قبل تعميمها: حدّد السلوك الذي تعترض عليه وصاحبه وأدلته، واترك للآخرين حق الاختلاف الفردي داخل أي جماعة، ودرّب نفسك على تطبيق المعايير ذاتها على المؤيد والمخالف.

2. صحّح ما تنشره وما تتصوره: تحقق من الأخبار قبل تداولها، وراجع صورة الخصم عندما تظهر معلومات جديدة، واجعل الاعتراف بالخطأ ممارسة طبيعية تساعد محيطك على فعل الشيء نفسه.

3. احمِ علاقة قابلة للإصلاح: بادر باتصال أو زيارة أو مساعدة، واستمع دون استعجال الرد، واتفق على حدود تحمي الاحترام وتتيح استمرار الصلة رغم الاختلاف في الرأي.

4. التزم بعمل مشترك تستطيع مواصلته: اختر حاجة واضحة في محيطك، وشارك فيها بوقت واقعي، وافتح باب التعاون لأشخاص خارج دائرتك، ثم قيّم التجربة وعدّلها مع المشاركين.

5. اربط المبادرة بالمطالبة بالإصلاح: ادعم المؤسسات والمساحات التي تجمع الناس، وطالب بمعالجة أسباب الظلم والإقصاء، واجعل سلوكك اليومي منسجمًا مع قيم العدالة والاحترام التي تريدها لبلدك.

تبدأ مساهمتك في إنقاذ بلدك من الانقسام حين تمنح الآخرين تجربة أكثر إنصافًا في التعامل معك، وتتحمل مسؤولية كلماتك وأفعالك، وتشارك في عمل يمكن للناس الوثوق به. ومع تكرار هذه الممارسات واتساعها، تتكون فرص إضافية للتعاون وإدارة الخلاف. وتظل الخطوة الأقرب متاحة: أن تختار اليوم علاقة ترعاها، أو معلومة تصححها، أو حاجة مشتركة تسهم في تلبيتها.

*المصادر: علم النفس اليوم: «سبع طرق لإنقاذ بلد منقسم، تبدأ بنفسك»، علم النفس السياسي: الوحدة وإدراك الصراع، وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم: تصحيح التصورات عن العنف، علم الشبكات التطبيقي: العلاقات والعداء الحزبي.

اضف تعليق