يطرح المقال مقاربة فكرية وأخلاقية تستلهم البعد القرآني في مفهوم بيع النفس لله والتجربة الحسينية في كربلاء، لتفكيك أسئلة الاختيار اليومي للإنسان المعاصر. ويحلل كيف تتحول المبادئ والأمانات والمناصب والمال إلى ساحة امتحان أخلاقي مستمر، مؤكداً أن الوفاء الحقيقي هو صيانة الضمير والكرامة ورفض المساومة عند تعارض المصلحة الشخصية مع الاستقامة الإنسانية...
في حياة كل إنسان لحظةٌ يصبح فيها الاختيار أكثر من قرار عابر. قد يكون أمام مالٍ يستطيع الحصول عليه، أو منصبٍ يمكن أن يغيّر موقعه، أو مصلحةٍ تفتح له بابًا واسعًا، ثم يكتشف أن الطريق إليها يمر من مكان لا يستطيع ضميره أن يقبله. عندها لا يعود السؤال: ماذا سأربح؟ وإنما يصبح السؤال الأصعب: ماذا سأخسر من نفسي إذا ربحت؟ وربما هنا تحديدًا يمكن أن نقترب من المعنى العميق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111]. فالقرآن يستخدم لغة البيع والشراء ليضع الإنسان أمام حقيقة تتجاوز المال والممتلكات: هناك أشياء لا تكتسب قيمتها إلا حين يعرف صاحبها لأي غاية يهبها.
ليست النفس في الرؤية القرآنية شيئًا يُستهلك في الحياة ثم ينتهي أثره، وإنما هي أمانة ومسؤولية واختيار. وكذلك المال والعمر والعلم والقدرة والنفوذ؛ كلها يمكن أن تتحول إلى أدوات لصناعة الخير، ويمكن أن تنقلب إلى وسائل لإشباع الأنانية وإيذاء الآخرين. لذلك فإن قيمة الإنسان لا تتحدد بما جمعه لنفسه فقط، وإنما بما استطاع أن يقدمه من معنى، وما حافظ عليه من حق، وما رفض أن يساوم عليه مهما كانت المغريات. فالإنسان قد يخسر مالًا ويبقى غنيًا بكرامته، وقد يربح المال كله ثم يكتشف أنه دفع من ضميره ثمنًا لا يمكن استرداده.
ومن هذه الزاوية تصبح كربلاء واحدة من أكثر التجارب الإنسانية قدرةً على إعادة طرح السؤال الأخلاقي. فالحسين عليه السلام لم يقدم موقفه باعتباره بحثًا عن مكسب شخصي، وإنما أعلن في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية: «وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب». وهنا تظهر كلمة الإصلاح باعتبارها جوهر الموقف؛ إذ لم تكن التضحية غايةً مستقلة، وإنما جاءت نتيجةً لاختيار الإنسان أن يحافظ على مبدأ يراه أكبر من سلامته الشخصية. ومن هنا أخذت كربلاء قدرتها على تجاوز زمنها، لأنها لم تترك سؤالًا عن واقعة انتهت، وإنما تركت سؤالًا عن الإنسان حين يُختبر.
ولهذا فإن قراءة الحسين عليه السلام لا تكتمل عند حدود التعاطف مع مظلوميته، مهما كان التعاطف عميقًا وصادقًا، لأن المأساة حين تتحول إلى ذاكرة عاطفية فقط تفقد جزءًا من رسالتها. السؤال الذي تضعه كربلاء أمامنا اليوم أكثر قربًا من حياتنا اليومية: ماذا نفعل عندما تتعارض المصلحة مع الحق؟ هل نحافظ على الأمانة حين يصبح خرقها مربحًا؟ هل نرفض الظلم عندما يكون السكوت أكثر راحة؟ هل نعترف بخطئنا عندما يكون الاعتذار مؤلمًا لصورتنا أمام الآخرين؟ هنا تنتقل كربلاء من التاريخ إلى السلوك، ومن المشهد القديم إلى امتحانات الحياة التي يعيشها الإنسان كل يوم.
ومن أجمل ما تختصر به الروح الحسينية عبارة «هيهات منا الذلة». ولا ينبغي أن تبقى هذه الكلمة في حدود الشعار الذي يتردد في المناسبات، لأنها في معناها الأخلاقي الأوسع تعني رفض تحويل الإنسان إلى تابع للخوف أو المصلحة أو القوة. فالذل لا يظهر دائمًا في صورة واضحة؛ قد يكون تنازلًا صغيرًا عن حق، أو قبولًا بفساد نعرفه، أو صمتًا أمام إنسان يتعرض للظلم، أو استخدامًا للسلطة في غير موضعها، أو كذبةً نبررها لأن الحقيقة ستكلفنا شيئًا. وكل مرة يساوم فيها الإنسان على مبدأ يعرفه حقًا، فإنه يخوض معركةً صغيرة مع نفسه، وقد تكون هذه المعركة أهم من كثير من المعارك التي يتحدث عنها التاريخ.
ومن هنا تتضح العلاقة بين الإيمان والسلوك الاجتماعي. فالإيمان الذي يبقى داخل الإنسان ولا يغيّر طريقته في التعامل مع الآخرين يظل معرفةً لم تتحول إلى فعل. وقد قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. فالمؤمن لا يعيش منفصلًا عن محيطه؛ تظهر حقيقة إيمانه في طريقة استخدامه للقوة، وفي احترامه لحقوق الآخرين، وفي قدرته على مساعدة الضعيف، وفي عدله مع من يختلف معه. ولذلك جاءت وصية أمير المؤمنين عليه السلام: «كُونَا لِلظَّالِمِ خَصْمًا، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْنًا»، لتجعل العلاقة بالحق مسؤولية عملية لا موقفًا نظريًا.
وتزداد المسألة وضوحًا عندما ندخل إلى منطقة المال؛ لأنها من أكثر المناطق التي تكشف حقيقة الإنسان. قد يتحدث المرء عن المبادئ بسهولة ما دامت لا تمس مصالحه، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح الالتزام مكلفًا. وهنا تأتي الآية مرة أخرى: ﴿أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾، لتربط بين الإنسان وما يملك، وكأنها تذكره بأن المال ليس سيدًا على صاحبه. وقد قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]. فالمال استخلاف قبل أن يكون امتلاكًا، وقيمته الأخلاقية لا تُقاس بحجمه فقط، وإنما بالطريق الذي جاء منه والغاية التي يوضع فيها.
والأمر نفسه ينطبق على العلم والقدرة والقلم والمنصب. فكل امتياز يحصل عليه الإنسان يمكن أن يتحول إلى مسؤولية، ويمكن أن يصبح وسيلة للهيمنة. العالم يستطيع أن يجعل معرفته بابًا لخدمة الناس، أو وسيلة لإظهار تفوقه عليهم. والمسؤول يستطيع أن يرى منصبه أمانة، أو فرصة لبناء شبكة من المصالح الشخصية. والكاتب يستطيع أن يجعل قلمه مساحةً للحقيقة، أو أداةً للتملق والتضليل. وفي جميع هذه الحالات لا يكون الامتحان في امتلاك القدرة، وإنما في الطريقة التي يستخدمها بها صاحبها. وهنا يقترب معنى «البيع» القرآني من حياتنا أكثر مما نتصور: ماذا فعلنا بما أعطانا الله؟
لهذا تبدو المعركة مع النفس أكثر حضورًا في حياة الإنسان من أي وقت آخر. فالإنسان قد ينتصر في منافسة ويخسر أخلاقه، وقد يحقق ثروة ويفقد راحته الداخلية، وقد يصل إلى موقع مهم ثم يكتشف أن الطريق إليه جعله نسخةً لا يحبها من نفسه. لذلك فإن أصعب ما يمكن أن يفعله الإنسان ليس أن ينتصر على الآخرين، وإنما أن يمنع نفسه من التحول إلى ما يرفضه فيهم. أن يقاوم الجشع عندما يستطيع الاستغلال، وأن يختار الصدق حين تكون الكذبة أكثر نفعًا، وأن يختار العفو حين تمنحه القوة فرصة الانتقام، وأن يحفظ حق من لا يستطيع الدفاع عن حقه.
وفي هذا المعنى تصبح كربلاء مدرسةً في بناء الضمير، لا مجرد واقعةٍ في الذاكرة. فهي لا تطلب من الإنسان المعاصر أن يعيش في ظروف القرن الأول الهجري، وإنما أن يكتشف جوهر الاختيار الذي واجهه الحسين عليه السلام داخل ظروفه. لكل عصر أشكاله الخاصة من الخوف والمصلحة والضغط، لكن السؤال الأخلاقي يبقى واحدًا: هل يستطيع الإنسان أن يحافظ على إنسانيته عندما يكون التخلي عنها أكثر فائدة؟ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا»، وهو حديث ورد في مصادر حديثية متعددة، منها سنن الترمذي، بما يجعل حضور الحسين متصلًا في الوعي الإسلامي بسياق الرسالة المحمدية ومكانة أهل البيت.
وعندما نقول إننا نحب الحسين، فإن السؤال الأهم ليس مقدار ما نقوله عنه، وإنما مقدار ما يغيره هذا الحب فينا. هل أصبحنا أكثر عدلًا؟ أكثر أمانة؟ أكثر رحمة؟ أكثر قدرة على مقاومة الفساد حين يقترب منا؟ وهل نستطيع أن نحفظ كرامة إنسان لا يملك سلطةً علينا؟ هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها أكثر صعوبة من الكلام؛ لأن الإنسان يستطيع أن يعلن موقفه بسهولة، لكنه لا يستطيع أن يخفي سلوكه عن ضميره طويلًا. وهنا يتحول الحب من عاطفة إلى مسؤولية، ومن ذكرى إلى طريقة في النظر إلى الحياة.
ولعل أعمق ما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ﴾ أن الإنسان لا يُطلب منه أن يعيش خاسرًا، وإنما أن يعرف ما الذي يستحق أن يدفع ثمنه. فهناك أرباح تنتهي بانتهاء أصحابها، وهناك خسارات ظاهرية تتحول مع الزمن إلى انتصار للمعنى. قد يخسر الإنسان فرصة لأنه رفض الكذب، أو مالًا لأنه رفض الغش، أو موقعًا لأنه لم يساوم، لكنه في المقابل يحتفظ بشيء لا تستطيع السوق ولا السلطة ولا الزمن شراءه: احترامه لنفسه.
وهنا يمكن أن يصبح السؤال الحسيني جزءًا من الحياة اليومية. قبل أن نوقّع قرارًا، أو نقبل مالًا، أو نستغل منصبًا، أو نحكم على إنسان، أو نشارك في ظلم، يمكن أن نتوقف لحظة واحدة ونسأل: هل هذا الفعل يحفظ الإنسان الذي أريد أن أكونه؟ وهل سأظل قادرًا على احترام نفسي إذا انكشفت الحقيقة؟ وهل ما أربحه الآن يستحق ما أخسره من داخلي؟ وربما تكفي هذه الوقفة القصيرة أحيانًا لمنع خطأ طويل الأثر.
إن كربلاء لا تطلب منا أن نكرر الماضي، وإنما أن نفهمه. ولا تطلب أن نحمل شعارات أكبر من قدرتنا، وإنما أن نبدأ من المساحة التي نملكها فعلًا: البيت، والعمل، والشارع، والجامعة، والسوق، والعلاقات، والقرار الشخصي. هناك تبدأ الكرامة، وهناك يُختبر الصدق، وهناك يعرف الإنسان إن كان مبدؤه أقوى من مصلحته أم أن مصلحته هي التي تحدد مبادئه.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الذي تركته كربلاء لنا: من كان مع الحسين ومن كان ضده؟ السؤال الذي يخصنا نحن أكثر هو: ماذا بعتَ من نفسك حين اخترتَ أن تكون مع الحق؟ فإذا كان الثمن مالًا وخسرناه، يمكن تعويضه. وإذا كان منصبًا وفقدناه، يمكن أن يأتي غيره. وإذا كانت فرصةً وذهبت، فقد تأتي فرص أخرى. أما إذا كان الثمن هو الضمير، والكرامة، والصدق، والقدرة على النظر إلى أنفسنا من دون خجل، فثمة أشياء لا تعود بسهولة.
ولذلك قد يكون الوفاء الحقيقي للحسين عليه السلام أن نجعل هذا السؤال حاضرًا في قراراتنا الصغيرة قبل الكبيرة، وأن نضع لأنفسنا قاعدةً بسيطة: لا مكسب يستحق أن يجعلنا أقل عدلًا، ولا مصلحة تستحق أن تجعلنا أقل إنسانية، ولا خوف يستحق أن يجعلنا شركاء في الظلم. عندها فقط يصبح الإيمان ممارسةً، وتصبح كربلاء درسًا حيًا، ويصبح «بيع النفس لله» ليس فكرةً تُتلى، وإنما اختيارًا يتجدد كل يوم.



اضف تعليق