الكرم شيء جميل، والإسراف شيء آخر. فالفلوس تروح، والحفلة تنتهي، والصور تنحذف، لكن العقل والضمير يبقيان. وأجمل مناسبة هي تلك التي تجعل الناس يقولون: والله فرحنا وياهم، لا والله صرفوا صرف!. إن المعيار الحقيقي للمناسبات يكمن في بساطتها ومعناها الطيب لا في حجم البذخ والاستعراض...

يوصف العراقيون بالمبالغة في الكرم والشجاعة والحزن والفرح، وهذه من الصفات الجيدة التي يمكن أن نتفاخر بها، بشرط الاعتدال، ومراعاة القيم والذوق العام، فهل نحن مسرفون ومبذرون!؟ التربية الإسلامية القرآنية النبوية تحرم الإسراف والتبذير: فالإسراف: هو تجاوز الحد في الإنفاق أو في كل أمر مشروع (مثل الأكل والشرب)، وقد نهى الله عنه بقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]. أما التبذير: هو صرف المال في غير حقه وفي غير وجهه الصحيح (إتلافه أو إنفاقه في المعاصي أو السفه)، وقد شبه الله المبذرين بالشياطين في الإفساد والجحود، فقال تعالى: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26-27].

هذا الميزان الإسلامي الدقيق في التربية لم يعد يعمل في ظل تقاليد الجهل والبذخ، يبدو أننا لم نعد نحتفل بالمناسبات بقدر ما نحتفل بقدرتنا على الصرف! العرس صار منافسة: منو قاعته أفخم؟ منو سياراته أكثر؟ منو ذبيحته أكبر؟ ومنو يصرف أكثر حتى يقول الناس: «ما شاء الله، شوفوا شلون عايشين!». والمصيبة أن بعض الناس لا يصرفون لأنهم مقتدرون، وإنما لأنهم يخافون من سؤال بسيط: «شراح يحجون علينا؟» وهكذا يستدين الموظف، ويضغط رب الأسرة على ميزانيته، وتُصرف مدخرات سنوات في ليلة واحدة، فقط حتى لا يكون عرسه «أقل من عرس فلان».

أما بعض «حديثي النعمة»، فالقصة عندهم أكبر من مناسبة؛ إنها محاولة لإثبات المكانة: سيارة أفخم، قاعة أضخم، مائدة أطول، وتصوير أكثر. وكأن الثروة لا تكتمل إلا إذا شاهدها الناس. والأشد مرارة حين نرى بذخًا فاحشًا لدى من ثبت قضائيًا تورطهم في الفساد أو الاستيلاء على المال العام. فهنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف يتحول مال الناس إلى مظاهر فخر أمام الناس؟

لكن علينا ألا نظلم أحدًا؛ فليس كل غني فاسدًا، وليس كل حفل فاخر دليلًا على سرقة. المشكلة في الاستعراض حين يصبح المال معيارًا للقيمة الاجتماعية. يا جماعة الخير، العرس مو معرض سيارات، والعزاء مو مناسبة لإثبات الثراء، والوليمة مو مسابقة «منو يخلي أكل أكثر يروح للزبالة»! الكرم شيء جميل، والإسراف شيء آخر. فلنرجع للمناسبة معناها: نفرح، نكرم، نلتقي، ونترك للناس ذكرى طيبة، بدل أن نترك لهم سؤالًا واحدًا: «كل هذا الصرف… على شنو؟» فالفلوس تروح، والحفلة تنتهي، والصور تنحذف من الهاتف، لكن العقل والضمير يبقيان. وربما أجمل مناسبة هي تلك التي تجعل الناس يقولون: والله فرحنا وياهم» لا: «والله صرفوا صرف!» هذا يبرز دول وسائل الإعلام وقادة الرأي في التوعية والتربية والتوجيه والنقد والتقويم وعدم ترويج مظاهر الإسراف والبذخ والتفاخر!

اضف تعليق