التحرر من عقدة المنقذ لا يعني أن نصبح أقل إنسانية، وإنما أن تصبح إنسانيتنا أكثر توازناً. فالآخر يحتاج إلى من يسانده، كما يحتاج إلى أن يحتفظ بمسؤوليته عن اختياراته. ونحن نحتاج إلى أن نكون حاضرين في حياة من نحب دون أن نغيب عن حياتنا...
يصل الإنسان أحياناً إلى نهاية يومه وهو يشعر أنه لم يفعل ما يكفي. أنجز عملاً، تابع مشكلة، اتصل بشخص يحتاج إليه، أصلح خطأ لم يكن سببه، وقدم حلاً لمشكلة كان يمكن لصاحبها أن يتولاها بنفسه. ومع ذلك، حين يهدأ كل شيء، يظهر السؤال نفسه: ماذا نسيت؟ من يحتاجني الآن؟ ماذا لو حدث شيء وأنا غير موجود؟ هنا لا يعود التعب ناتجاً عن كثرة الأعمال وحدها، وإنما عن اعتقاد أعمق بأن راحة الآخرين تقع على عاتقه.
في البداية تبدو المسألة فضيلة خالصة. شخص سريع إلى المساعدة، حاضر عند الأزمات، يشعر بآلام من حوله ويحاول تخفيفها. المشكلة لا تبدأ من الرحمة، وإنما من اللحظة التي يتغير فيها معناها الداخلي. «أستطيع أن أساعد» تتحول تدريجياً إلى «يجب أن أساعد»، ثم تصبح «إذا لم أتدخل فأنا مقصر». عند هذه النقطة تتحول القدرة إلى التزام دائم، ويصبح الإنسان في حالة استعداد مستمر للتعامل مع مشكلات لم يصنعها ولا يملك دائماً القدرة على حلها.
وهكذا يتشكل ما يمكن تسميته «عقدة المنقذ»: أن يشعر الإنسان بأنه مطالب بإصلاح حياة الآخرين، وحمايتهم من أخطائهم، ومنع النتائج التي قد تترتب على قراراتهم. وقد يبدو هذا السلوك مسؤولية عالية، إلا أنه يحمل في داخله مشكلة دقيقة؛ إذ تختفي الحدود بين مسؤوليتي عن نفسي ومسؤوليتي تجاه الآخرين، وبين ما أستطيع فعله وما أتمنى أن أستطيع فعله. ومع اختفاء هذه الحدود، يصبح كل ألم قريب منه قضية شخصية، وكل فشل يحيط به احتمالاً للذنب.
من هنا يظهر الذنب الوهمي. قد يعاني شخص قريب منك بسبب قرار اتخذه، فتشعر أنك كان ينبغي أن تمنعه. وقد يخطئ أحد أفراد الأسرة، فتراجع نفسك بحثاً عن اللحظة التي كان يمكن أن تتدخل فيها. وقد يمر زميل بأزمة، فتشعر أنك قصرت لأنك لم تقدم له أكثر مما تستطيع. يصبح الشعور بالذنب هنا منفصلاً عن المسؤولية الواقعية؛ فمجرد الإحساس بأنك كان يجب أن تفعل شيئاً لا يثبت أنك كنت مسؤولاً عنه.
ومع تكرار هذا الشعور، يتحول القلق إلى طريقة في إدارة الحياة. كل مشكلة خارجية تنتقل إلى الداخل: ماذا لو ساءت الأمور؟ ماذا لو قصرت؟ ماذا لو كنت قادراً على فعل المزيد؟ ولأن القلق لا يحتمل الفراغ، يبحث الإنسان عن فعل يخففه. فيتدخل، ويتابع، ويتصل، ويحل، ويراجع، ويتحمل أعباء إضافية. تمنحه هذه الأفعال راحة مؤقتة، فيتعلم عقله درساً خطراً: عندما أقلق، عليّ أن أتدخل. وهكذا تتكرر الدائرة؛ مشكلة الآخر تولد القلق، والقلق يستدعي الإنقاذ، والإنقاذ يمنح راحة مؤقتة، ثم يرسخ الاعتقاد بأن التدخل كان واجباً.
المفارقة أن الإفراط في المسؤولية قد يقود الإنسان إلى فقدان السيطرة التي كان يحاول الحفاظ عليها. فالوقت محدود، والطاقة محدودة، والانتباه محدود، بينما مشكلات الآخرين لا تنتهي. وكلما توسعت دائرة ما يعتبره الإنسان واجباً عليه، تقل قدرته على الوفاء بمسؤولياته الأساسية. يبدأ بإهمال راحته، ثم تتراجع قدرته على التركيز، وتتراكم الأعمال، ويصبح النوم مضطرباً، ويعيش في حالة يقظة مستمرة. الضغط المزمن قد يؤثر في النوم والتركيز واستجابة الجسم للتوتر، لكن اختزال المشكلة في الكورتيزول وحده يضيّق فهمها؛ فالمسألة تبدأ من طريقة التفكير في المسؤولية قبل أن تظهر آثارها الجسدية.
لذلك لا يحتاج الإنسان إلى التخلص من صفة المنقذ، وإنما إلى إعادة تعريفها. الرحمة لا تحتاج إلى استنزاف، والمساعدة لا تحتاج إلى السيطرة، وتحمل المسؤولية لا يعني حمل حياة شخص آخر كاملة. يمكن أن أكون قريباً دون أن أكون بديلاً، وأن أقدم النصيحة دون أن أصادر القرار، وأن أفتح باباً للمساعدة دون أن أضمن النتيجة. هناك فرق كبير بين أن أساند الإنسان في مواجهة مشكلته وأن أعيش مشكلته نيابة عنه.
وهنا تصبح الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: 105] مدخلاً مهماً لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والآخرين. لا تُفهم الآية في هذا السياق باعتبارها دعوة إلى الانعزال أو التخلي عن النصح والإصلاح، وإنما باعتبارها تنبيهاً إلى أن إصلاح الآخرين لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإهمال النفس. هناك مسؤولية تبدأ من الداخل: أن أصلح أخطائي، وأنظم حياتي، وأراجع قراراتي، وأتعلم من عثري، وأضع حدوداً تحمي طاقتي، وأعرف أين ينتهي واجبي وتبدأ مسؤولية الآخرين.
المسألة في النهاية ليست أن يسأل الإنسان: «كيف أنقذ الجميع؟» وإنما أن يسأل سؤالاً أكثر نضجاً: «ما الذي يقع ضمن مسؤوليتي الآن؟». فإذا كان الأمر يتعلق بواجبي، أفعله. وإذا كانت مساعدتي ممكنة ونافعة، أقدمها. وإذا احتاج الآخر إلى أن يتحمل نتيجة قراره، أترك له مساحة التجربة والتعلم. أما محاولة السيطرة على كل النتائج فهي مهمة مستحيلة مهما كانت النية حسنة.
وقد يكون أصعب ما يتعلمه الإنسان هنا هو الفصل بين الشعور والحقيقة. أن أشعر بالذنب لا يعني بالضرورة أنني مذنب، وأن أشعر بالمسؤولية لا يعني أن المسؤولية تقع عليّ فعلاً. هذه المسافة الصغيرة بين الإحساس والواقع قد تعيد ترتيب حياة كاملة؛ لأنها تمنح الإنسان فرصة للتوقف قبل أن يتحول القلق إلى فعل، وقبل أن تتحول الرحمة إلى استنزاف.
التحرر من عقدة المنقذ لا يعني أن نصبح أقل إنسانية، وإنما أن تصبح إنسانيتنا أكثر توازناً. فالآخر يحتاج إلى من يسانده، كما يحتاج إلى أن يحتفظ بمسؤوليته عن اختياراته. ونحن نحتاج إلى أن نكون حاضرين في حياة من نحب دون أن نغيب عن حياتنا. ربما تكون المسؤولية الأكثر نضجاً هي أن تعرف متى تمد يدك، ومتى تترك للآخر أن يقف بقدميه، ومتى تعود أنت إلى نفسك لتصلح ما يحتاج إلى إصلاح فيها. لا أحتاج إلى أن أتخلى عن مساعدة الآخرين؛ أحتاج فقط إلى ألا أفقد نفسي وأنا أساعدهم.



اضف تعليق