المسؤولية في جوهرها ليست مجرد مهام روتينية أو أعباء تلقى على عاتق الطفل، بل هي بناء نفسي يحدد طريقة إدراك الذات ومواجهة الأزمات. إن الانتقال التدريجي من الاعتمادية المطلقة إلى الاستقلالية يعزز الكفاءة الذاتية والمرونة النفسية، مما يمنح الأبناء الشجاعة لمواجهة تقلبات الحياة...
الحياة اليوم بكل حيثياتها ليست كما سابقتها، فقد تعقد كل شيء فيها وزاد صعوبة بالغة، فالأمور البسيطة التي كانت كافية أصبحت اليوم غير كافية وتحتاج الى أمور يعتقد انها ضرورية، لذا صار من الواجب ان يحسن الانسان من ادواته لمواجهة هذه التحديات والمطاليب، وهنا نحن الآباء مطالبون بتربية أبنائنا وفق روح العصر وما تفرضه المرحلة الحالية والمصداق هي تربية الأبناء على تحمل المسؤولية، فماهي عائداته ؟
لا خلاف على ان عملية تنشئة الأبناء وإعدادهم للحياة واحدة من أكثر المهام تعقيداً وأعمقها أثراً على قابل حياة الافراد، وهو ما يتطلب خلق حالة من التوازن الدقيق بين حماية الأبناء وتوفير بيئة آمنة لهم، وبين إتاحة الفرصة أمامهم لتحمل المسؤولية، فالمسؤولية في جوهرها ليست مجرد مهام روتينية أو أعباء تلقى على عاتق الطفل أو المراهق، بل هي بناء نفسي متكامل يمس أعماق الشخصية ويحدد طريقتها في إدراك الذات والتعامل مع الآخرين ومواجهة أزمات الحياة.
يعتقد علم النفس ان تعليم الأبناء تحمل المسؤولية يمثل حجر الأساس للنضج الانفعالي والعقلي في المستقبل والعكس يعود بنتائج عكسية، فالإنسان لا يولد ومعه برنامج جاهز لإدارة حياته واتخاذ قراراته، بل يُصاغ هذا الكيان تدريجياً من خلال تفاعل معقد بين الاستعدادات الفطرية وبين الخبرات البيئية والممارسات التربوية.
ابعاد تحميل الأبناء للمسؤولية:
يتركز على تحمل المسؤولية على ثلاث مرتكزات وهي:
اول الابعاد الثلاث هو البعد المعرفي الذي يتمثل في تعليم الأبناء إدراك تعبات افعالهم وزيادة قدرتهم على ربط الأسباب بالنتائج فالا طفال في سنواتهم لا يملكون هذا الإدراك وبالتالي فهم يعيشون في عالم تميزه المركزية حول الذات، ومع تقدمهم في العمر يستوعبون ان افعالهم
تؤثر في بيئتهم المحيطة وفي مشاعر الآخرين.
والبعد الثاني يتمثل بالبعد الانفعالي الذي يعد الأبناء لتحمل العواطف المختلفة التي تنتج عن الأفعال والقرارات والسلوكيات، سواء كانت شعوراً بالنجاح والفخر أو شعوراً بالندم والخطأ، دون الهروب أو إلقاء اللوم على الآخرين.
اما البعد الثالث فهو البعد السلوكي الذي يعد الترجمة العملية للبعدين السابقين، ويظهر في الأفعال والمهام الملموسة التي يلتزم الفرد بأدائها بانتظام وإتقان، بمعنى ترجمة الأفكار والهواجس والانفعالات الى سلوكيات ظاهرية.
العائدات الإيجابية لتحمل الأبناء المسؤولية:
تشير الدراسات النفسية والتربوية إلى أن الأبناء الذين يمنحون فرصاً حقيقية لتحمل المسؤولية منذ مراحل مبكرة يتمتعون بصحة نفسية وخصائص شخصية أبرزها:
من اهم عائدات تحميل الأبناء المسؤولية هي تطوير المرونة النفسية، فالحياة ليست سهلة والمرور بالإحباطات يعد شيئاً لا مفر منه، وحين يمنح الأبناء كل شيء جاهز يصابون بالهشاشة النفسية التي تجعلهم غير قادرين على مواجهة أبسط التحديات، على خلاف ذلك تعليمهم تقبل المسؤولية وتحملها بما يناسب مراحلهم العمرية ويعلمهم كيفية النهوض من جديد وتعديل أساليبهم وتطوير آليات دفاعية صحية للتكيف مع الضغوط الحياة المختلفة التي يواجهونها في حياتهم.
ومن العائدات التي تنتج من تحميل الأبناء المسؤولية هي ضمان نموهم النفسي السليم، حيث يقتضي الانتقال التدريجي من الاعتمادية المطلقة على الوالدين إلى الاستقلالية والاعتماد على الذات، وهذا الانتقال لا يحدث دفعة واحدة، بل يبنى على تراكمات يومية من اتخاذ القرارات البسيطة وتحمل نتائجها دون المرور بالقلق والإحباط وغيرها من المشاعر النفسية التي تعيق التقدم النفسي.
ومن العائدات على الأبناء تعزيز الكفاءة الذاتية لديهم، وهو ما يشير اليه (ألبرت بأندورا) حيث يقول بالمعنى ان يقين الإنسان الراسخ بقدرته على توجيه سلوكه وتخطيط خطواته بفاعلية لبلوغ أهداف محددة، وحين يمنح الأبناء الفرصة لتولي مهام واقعية ويحققون فيها نجاحاً ملموساً، هذا التراكم الإيجابي يمنحهم جرأة وشجاعة أكبر لاجتياز التحديات الجديدة بمثابرة، قاطعين الطريق أمام أي رغبة في الهروب أو الانسحاب، ومن اجل هذه العائدات الهامة يجب تعليم أبنائنا تحمل مسؤولياتهم عبر أسلوب علمي ممنهج وعلى اعتبار الامر أسلوب حياة.



اضف تعليق