يناقش البحث حدود ولاية الفقيه عند تعدد الفقهاء الجامعين للشرائط، وعلاقة الولاية بالشورى والأكثرية ورضا الناس، كما يتناول أولوية المتصدي ونظرية الأسبق وحدود حفظ النظام. ويؤكد ضرورة خضوع الفقيه للعدالة والمساءلة والقضاء المستقل، واستمرار مسؤولية سائر الفقهاء في الرقابة والأمر بالمعروف، مع بحث إمكان تفويض الولاية، وضوابط مواجهة الاستبداد...
اعداد: مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث
مقدمة
يتناول هذا البحث مبحث ولاية الفقيه وحدودها، ولا سيما مدى ثبوت ولاية الفقيه على مقلديه، أو على مقلدي سائر المراجع، أو على سائر الفقهاء، وذلك على اختلاف المباني الفقهية في أصل الولاية وحدودها. ويناقش البحث جملة من الفروض، بدءًا من القول بعدم ولاية الفقيه إلا في الأمور الحسبية، مرورًا بالقول بولايته في الشؤون العامة أو بالولاية المطلقة، وصولًا إلى البحث في علاقة الفقهاء بعضهم ببعض عند تعدد الجامعين للشرائط، ومدى إمكان إعمال الولاية من جميعهم، ودور الشورى والأكثرية في معالجة تعارض الآراء.
كما يبحث في أولوية المتصدي للحكم، وحدود الاستناد إلى حفظ النظام ومنع الهرج والمرج، ونظرية الأسبق، وربط الولاية برضا الناس، ثم ينتقل إلى حدود سلطة الفقيه الحاكم، وأثر العدالة في استمرار ولايته، ووجوب خضوعه للقضاء عند وقوع النزاع أو ادعاء الظلم، وحق سائر الفقهاء والناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويتناول كذلك إمكان تفويض مجموعة الفقهاء ولايتهم إلى أحدهم، والرقابة على المفوَّض إليه، ثم يناقش موقع الأكثرية والأعلمية والكفاءة، وما يمكن أن يعرض للآراء الفردية والجماعية من خطأ أو تأثيرات خارجية.
تنقيح موجز لمبحث ولاية الفقيه
تنقيح موجز لمبحث ولاية الفقيه على مقلديه، أو على مقلدي سائر المراجع، أو على سائر المراجع، على مختلف المباني، وأنه هل يصح للفقهاء تفويض الأمر لأحدهم، وذلك ضمن أمور:
ولاية الفقيه وتعدد الفقهاء الجامعين للشرائط
1: إن لم نقل بولاية الفقيه، إلا في الحسبة من شؤون القُصَّر والغُيّب ونحوهم، فالأمر واضح؛ لأنه «سالبة بانتفاء الموضوع».
2: وإن قلنا بولاية الفقيه في الشؤون العامة، فحيث إن أدلة ولاية الفقيه، كـ«فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا»(1) و«فإني قد جعلته عليكم حاكمًا»(2)، -على فرض تمامية دلالتها- تشمل جميع الفقهاء الجامعين للشرائط بوزان واحد، فللكل الولاية بنحو متساوٍ؛ إذ لا دليل على تعيّن ولاية أحدهم دون الآخر.
وعليه، فلا ولاية لأحدهم على سائر الفقهاء ولا على مقلديهم.
والقول بعموم الولاية لكل منهم على غيره، أي أن يكون كل فقيه وليًّا على كل فقيه، غير عقلائي، بأن يكون كل منهم وليًّا على غيره من الفقهاء ومولى له في الوقت نفسه.
إشكال: كما أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾(3)، فكذلك الفقهاء.
الجواب: الولاية بمعنى أن يكون أحدهما ولي الأمر للآخر، كالمولى والعبد، لا يعقل أن تكون من الطرفين، أي أن يكون كل منهما سيدًا للآخر ومولى له، وبالعكس. وبتعبير عرفي: لا يمكن أن يكون كل منهما قائدًا للآخر ورئيسًا له في أموره وشؤونه كلها، وبالعكس. أما الولاية بمعنى النصرة والمحبة وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ونحو ذلك فممكنة، لكنها خارجة عن موضع البحث.
بعبارة أخرى: أدلة ولاية الفقيه، على فرض تماميتها، لا إطلاق لها من حيث ولاية كل واحد منهم على الآخر؛ إذ ليست في مقام البيان من هذه الجهة، سلمنا، لكنها منصرفة.
ومنشأ الانصراف: مناسبات الحكم والموضوع ونحوها(4)، بل شدة كونه مخالفًا للارتكاز العقلائي، بل كونه غير معقول لديهم، أن يكون أحد النظراء المتساوين في المنصب تمامًا وليًّا على الآخر، إلا بمرجح آخر كالأسبقية ونحوها، والجواب عنه مذكور في نقطة أخرى.
الشورى عند تعدد أصحاب الولاية
3: ولو قلنا بولايتهم جميعًا على الأمة، فإن أمكن التفكيك كانت لكل مساحته، وإلا لم يكن مناص من إعمالهم ولايتهم عبر الشورى، حسب قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾(5)(6).
4: وبناءً على الولاية المطلقة، فإنها غير مقيدة، بحسب من يقول بها، بوقوع السلطة بيد الفقيه، ولا هي مقيدة بتصديه للأمر، فسواء أكان داخل الحكم أم خارجه فإن له الولاية.
سؤال: للخصم أن يقول: إن جميع الفقهاء الجامعين للشرائط لهم أصل الولاية بنصب عام، لكن الولاية في الأمور العامة بطبيعتها لا تقبل الإعمال المتعدد المتعارض، فلا بد أن تكون بيد أحدهم، لمرجح ما، ككونه المتصدي أو الأعلم أو نحوهما.
الجواب: هناك فرق بين الإعمال والتنفيذ وبين بلورة الرأي ثم تعيين أحد الآراء بالأكثرية، والمدعى هو الثاني. فإذا اتخذوا الرأي بالأكثرية، حوّلوا التنفيذ إلى واحد، نظير مجلس الأمة الذي يصوت على اللوائح والقرارات بالأكثرية، ثم إن الرئيس أو الوزير ينفذ، ونظير ما لو قالت لجنة الأطباء إن المريض بحاجة إلى عملية كذائية، ثم التنفيذ يحول إلى أحدهم، ومنه يتضح الجواب عن السؤال التالي.
سؤال: من أين جاءت أولوية المتصدي؟
الجواب: الظاهر أن فكرة ولاية المتصدي للأمر والمستولي على السلطة تسربت إلينا من فقه العامة، حيث فسروا قوله تعالى: ﴿وأولي الأمر منكم﴾(7) بمن بيده السلطان، وذلك مقابل الإمامية الذين خصوها بمن عيّنه الرسول صلى الله عليه وآله. إضافة إلى أن من طبع الإنسان الخضوع لذي السلطان؛ لأن فيه الراحة والدعة، لذا فإنه يركن، لا شعوريًّا، إلى مثل هذه النظرية. وقد قال الإمام الحسين عليه السلام: «الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درت معائشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديانون»(8).
5: ولكن قد يقال: إن بناء العقلاء، وضرورة حفظ النظام، وحرمة الهرج والمرج مثلًا، كلها تقتضي أنه متى انعقدت حكومة شرعية لفقيه جامع للشرائط، تعيّن الرجوع إليه في الأمور العامة.
الجواب: لو سُلّم ذلك، فإنه لا ينفي، بل يؤكد، لزوم خضوعه لأكثرية الفقهاء، حسب الآية الكريمة: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾(9).
بعبارة أخرى: لو سلمنا ذلك، فإن حفظ النظام وعدم الهرج والمرج يتحقق بأن يكون التنفيذ بيد شخص واحد، وأما أن تكون الآراء بالتشاور، ثم تحكيم رأي الأكثرية، ثم تحويل التنفيذ إلى أحدهم أو غيرهم، فلا يلزم منه إلا تقوية النظام.
إضافة إلى أن قولكم: «متى انعقدت حكومة شرعية لفقيه جامع للشرائط» مصادرة؛ إذ هو أول الكلام، إذ الطرف يقول: لا تكون الحكومة شرعية إلا بنصب الإمام عليه السلام للفقيه الواحد شخصيًّا، أما بأدلة النصب العامة فإنه لا تكون حكومته شرعية لو استأثر بالأمر وهمّش سائر الفقهاء، بل لأن أدلة النصب العامة جعلتهم جميعًا أولياء، فعليه أن يشركهم في الأمر ويجعل الأمر شورى، حسب قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾(10).
سؤال: دليل حفظ النظام من الهرج والمرج قد يكون أقوى دليل للخصم؟
الجواب: أولًا، صغرىً: إن حفظ النظام يكون بالشورى في الرأي، ثم بتحويل التنفيذ إلى واحد، ولذا قال تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، لا بالاستبداد، إذ «من استبد برأيه هلك»(11).
ثانيًا: في الدليل اللبي، كحفظ النظام، يؤخذ بالقدر المتيقن، وهو ما لو لزم الهرج والمرج فقط، فهو أخص من المدعى جدًّا، فيثبت مثلًا وحدة القرار العسكري، ولا يثبت ولاية شاملة على المراجع الآخرين، سواء في حوزتهم ومدارسهم وأموالهم الشرعية ومؤسساتهم ومقلديهم ومواقفهم العلمية وغيرها.
6: وأما القول بأن الحق للأسبق، ومن سبق بإصدار القرار نفذ قراره، فالقول به في ولاية مجموعة من الولاة يستلزم ـ عادة، وكما سبق ـ الهرج والمرج وعدم تجانس قرارات ومواقف الحكومة أبدًا.
ثم إنه يلزم التفريق بين ولاية الفقيه الحاكم على الفقيه الآخر، الذي هو منصب عام أوضحنا أن الفقهاء فيه كلهم على حد سواء، وبين نفوذ حكمه الولائي على الفقيه الآخر إذا كان هو الأسبق.
ثم إن نظرية الأسبق، عند الفقهاء، ترى أن الأسبق، حاكمًا كان أم محكومًا، حكمه هو النافذ، لا الأسبق المستولي على السلطة فقط.
7: وأما لو قلنا بأن ولاية الفقيه ليست منجزة، بل هي معلقة على رضا الناس، فإن الفقيه الذي تقبله الأكثرية وليًّا لها، لا مرجعًا فقط، تكون له الولاية دون غيره، في الحدود التي ولّوها إياه وبحسب المدة التي حددوها.
العدالة وحدود سلطة الفقيه
8: وعلى أي حال، فإن ثبوت الولاية للفقيه بأي نحو كان، لا يعني أن له أن يظلم سائر الفقهاء أو الناس؛ فإنه إذا ظلم أحد الفقهاء أو الناس، سقط عن العدالة وسقط عن الولاية، فهو أسوأ حالًا من الأب المسلّمة ولايته على أولاده الصغار؛ لأن ولايته في الشأن العام أخطر بما لا يقاس من ولاية الأب في شأن شخصي، والأب ليس له أن يظلم أولاده أو يصادر أموالهم متذرعًا بأنه ولي، بل هو مكلف بأن يعمل بمصلحتهم، حسب الغبطة، أو، على الأقل، على رأي آخر، ألا يكون قراره بضررهم.
وإذا ظلمهم أبوهم مثلًا لم تسقط ولايته فورًا، بل يرجع فيها إلى الحاكم الشرعي. نعم، قراراته الظالمة أو المجحفة في حقهم غير نافذة على أية حال. أما الولي الفقيه فإنه لا دليل على استمرار ولايته بعد فقده العدالة وظلمه، بل هو إما شرط شرعي مصرح به أو شرط ارتكازي.
9: كما أن واجب النهي عن المنكر لا يسقط عن سائر الفقهاء ولا عن الناس لو ظلم أحد الأولياء، أبًا كان أم وليًّا فقيهًا.
10: ولو اختلفوا، فقال الفقيه الولي الحاكم: إنه لم يظلم زيدًا، وادعى زيد أنه ظلمه، وجب عليهما الترافع إلى قاضٍ مستقل، وليس للفقيه أن يمنع حق الترافع مدعيًا أنه الولي!
والحاصل: إنه يكفي دعوى الظلم، أي دعوى أحد الرعية كونه مظلومًا من قبل الحاكم، في لزوم الترافع إلى القاضي، وإلا لما أمكن لمظلوم أن يأخذ حقه من ظالمه عادة؛ إذ القضايا الخلافية كثيرة: هذا يدعي أن زيدًا ظلمه، وزيد ينكر. ولو توقف الترافع أو رجوع الأمر إلى القاضي على ثبوت كون المدعي مظلومًا من قبل، للزم إضاعة الكثير جدًّا من الحقوق.
بوجه آخر: الفقيه، حتى لو كانت له الولاية، فإنه ليس بمعصوم بلا شك، لذا يمكن أن يخرج عن العدالة، ومن المسلّم ذلك، ويفسق. وبعض وكلاء الإمام الكاظم عليه السلام ممن وقفوا، والشلمغاني الذي بلغ رتبة عالية جدًّا، ثم صدر اللعن من الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف بحقه، من أبرز الشواهد، وقبل ذلك بلعم بن باعورا. كما أنه يمكن أن يخطئ، فإذا ادعى عليه مرجع آخر أو عالم أو مفكر أو وجيه أو معارض أو أحد من عامة الناس أنه غصب داره أو سجنه ظلمًا أو ما أشبه، وجب عليهما الترافع إلى القاضي، كما هو من بديهيات الفقه.
11: ثم إن نفوذ حكم الولي الحاكم، على فرضه، أو نفوذ حكم المتصدي، على فرضه، أو نفوذ حكم الأسبق، لا يعني كونه مطلق السراح وله أن يحكم بما يريد بدون ضوابط، ولا يعني نفوذ حكمه حينئذ، بل:
أ: إذا علم الفقيه الآخر خطأه أو خطأ مستنده لم ينفذ حكمه، كما صرح به الفقهاء، وكذا إذا علم الناس خطأه، فإن العلم حجة ذاتية.
ب: بل حتى إذا شكا أحد المراجع أو أحد الفقهاء أو أحد أهل الخبرة من أن الحاكم فقد عدالته، أو لم يستوف شروط الفحص والتثبت والتحقيق في الشأن العام، وكان جربزيًّا، فإنه يجب الترافع إلى القاضي؛ لعموم أدلة القضاء.
12: ومن الواضح أنه يجب أن يرجع إلى قاضٍ مستقل، لا إلى القاضي الذي نصبه الحاكم المختلف عليه نفسه؛ نظرًا لكونه في مظان الشبهة والتهمة.
تفويض الولاية والرقابة على الفقيه
13: ولو فرض أن الولاية لمجموع الفقهاء، فهل لهم تفويضها إلى أحدهم؟
مسلكان: نعم، ولا. على بحث في أنها حكم فلا يقبل النقل، أو حق فيقبل، على أن الحق قسمان، إذ منه ما لا يقبل النقل أيضًا.
فلو قلنا: «لا»، فالأمر واضح، ولو قلنا: «نعم»، فنقول: حسب تشخيصنا فإنه ليس من مصلحة الأمة ولا الفقيه المفوض إليه أن يقبل ذلك؛ نظرًا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾(12)، والفقيه ليس مستثنى من ذلك، وفقهه ليس عاصمًا، والعدالة قد تزول.
14: ولكن لو فرض أنهم شخصوا أن المصلحة في التفويض ـ صغرى ـ، وكانوا يقولون بأن لهم أن يفوضوا ـ كبرى ـ، فنقول: لكنهم حتى إذا فوضوا، فإنه لا يسقط عنهم واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يجوز لهم أن يعزلوا أنفسهم حتى عن الرقابة والإشراف على قراراته؛ فإنهم مسؤولون عن قراراته ما دامت سلطة الفقيه مستمدة منهم. وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «وأبعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة، والرفق بالرعية»(13)، ولعله مندرج في المستقلات العقلية.
15: ولو فرض أنهم قالوا: إن لنا أن نفوّض الأمر له، وأن نترك الساحة له؛ لاطمئناننا به حدوثًا وبقاءً أبدًا، وأنه قطعًا لا يضل ولا ينحرف ولا يزل، وهذا وإن كان غير عقلائي، لكن لنفرض أنهم قالوا به، فنقول: لكن يبقى حينئذ أنه لو اشتكى أحد الرعية، فكيف لو اشتكى جمع كبير منهم، بأن الفقيه الذي فوضتم الأمر له قد فسق، أو أنه ظلمنا، ولو خطأً، فإن على الفقهاء المفوِّضين حينئذ الفحص والتحقيق، وليس لهم أن يعملوا بالاستصحاب ونحوه؛ لأنه من الشؤون الخطيرة(14)، ولدخول الأمر في دائرة الترافع، والمدعى عليه يجب أن يُستدعى، وينظر في شكوى المدعي، مهما كان مقامه.
16: ولو ادعى الفقيه الحاكم أن الأكثرية ارتضته، وأنكر مرجع آخر أو فقيه أو بعض أهل الحل والعقد أو حتى بعض الناس(15)، كان المرجع أحد أمرين: فإما أن يترافعا إلى القاضي، كما هو مقتضى الفقه؛ للإطلاقات، وإما أن يجرى استفتاء عام، كما هو مقتضى حكم العقلاء.
موقف الفقهاء من استبداد الفقيه الحاكم
17: ولو فرض أن الفقيه الحاكم ارتأى أن له الاستبداد المطلق وعقوبة من يخالفه، ولو كان عن اجتهاد، بدعوى أولية، كـ«الولاية منحصرة في من بيده السلطة»، أو ثانوية، كدعوى لزوم الهرج والمرج من مخالفتي، فللفقهاء الذين لا يرون صحة ذلك الاجتهاد أو يرون فسقه وضلاله، خيارات على حسب اجتهادهم:
ألف: السعي لإسقاط حكمه بالطرق السلمية، كالإضرابات والمظاهرات ونحوها، أو بالطرق العنيفة، كالثورة المسلحة، وهذا الخيار لا نراه مطلقًا.
ب: عدم السعي لذلك أبدًا، بل ممارسة الضغوط الأدبية والاجتماعية المنوعة، كإرسال الوفود ونشر المقالات و...
ج: الاكتفاء بالنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قدر المستطاع، مع عدم تأييده بأي وجه من الوجوه، كي لا يكونوا شركاء فيما يرونه ظلمًا أو ضلالًا أو ولاية لغير من هو أهل لها.
د: الانعزال التام.
هـ: اتخاذ سبل موازية، كالهجرة ونحوها.
و: مزيج مركب من الأربعة الأخيرة، حسب الظروف وتغيرها وتوفر عوامل كل منها وعدمه، وحسب خصوصيات الحكومة وخصوصيات الفقيه ومدى توفر الأعوان ومدى استجابة الناس... إلخ.
الأكثرية والأعلمية في ترجيح الرأي
سؤال: قولكم: لا مناص من الشورى، يحتاج إلى شيء من البحث. عند تعذر تعدد إعمال الولاية لا بد من مرجّح شرعي أو عقلائي، فما هو؟
الجواب:
أولًا: سبق أنه ما دامت الولاية لهم جميعًا، لأن أدلة النصب عامة، إذ جعل الإمام عليه السلام المنصب لهم جميعًا، فلا مناص إلا من العمل بأكثرية آرائهم لدى التعارض، بدليل قوله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾.
ولو كان هناك ملاك آخر كالأعلمية أو الأسبقية، لوجب أن يذكره الإمام عليه السلام الذي نصبهم جميعًا، ولم نجد في آية ولا رواية واحدة ذكرًا لعنوان الأعلمية أو الأسبقية، أو لأي عنوان آخر، كمرجح لتعيّن الولاية في أحدهم، مع أن هذه القضية في غاية الأهمية.
ثانيًا: سلمنا، لكن الأعلم أو الأكفأ، لو كان ضمن الأكثرية، فلا إشكال.
وأما لو كان رأيه ضد الأكثرية:
فأولًا: من أين أن رأي الأعلم أقرب للإصابة للواقع من رأي مجموعة عقول؟ خاصة مع وجود روايات تقول: «من استبد برأيه هلك»، و«الحزم أن تستشير ذا الرأي وتطيع أمره».
ثانيًا: لو فرض أن رأيه أقرب للواقع من الشورى ولجنة الفقهاء، فإنه معارض بأن الواحد أقرب لأن يخطئ لأجل وجود مسبقات ذهنية لديه أو غير ذلك، والخطأ من جبلة الإنسان، وإن كان أعلم، إلا لو كان معصومًا.
ثالثًا: لو سلمنا ذلك، فإن الأعلم، ما دام شخصًا واحدًا، فإنه أقرب لأن يتبع الهوى أحيانًا، ولو من حيث لا يشعر، أو أن يتعرض لضغط ما، جلي أو خفي، من البطانة أو جماعات الضغط وغيرها، عكس مجموعة فقهاء مختلفي المشارب والأذواق والطبائع، فإن احتمال ذلك فيهم أضعف، والمعصوم هو الذي يحظى بتدخل غيبي استثنائي لحفظه: ﴿لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾(16)، أما غيره فحسب الفقه، لا.
وبوجه آخر: الأعلم العادل هو المتبع، والعدالة أمر متغير قد تزول، بدليل بلعم بن باعورا والواقفية وغيرهم، بل هو من ضروريات الفقه. بل إن تسليم الأمر للأعلم يستبطن تشديد خطر انحرافه: ﴿إِنَّ الإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾(17)، ولا يغني أن نقول بكفاية الرقابة عليه؛ إذ قد ثبت بالتجارب الكثيرة أن من استلم الأمور يلغي عمليًّا دور غيره، كما أثبتته التجربة، بل التجارب الكثيرة.
سؤال: إن الأكثرية لم تكن يومًا مقياسًا للحق، فأكثرية العالم ليسوا بمسلمين، وأكثرية المسلمين ليسوا بشيعة؟
نعم، كون الأكثرية في جهة يحتم على الجهة الأخرى التفكير في متبنياتها وعرضها على العقل والنقل والضمير مرارًا وتكرارًا، فلا نغفل عما ورد عنه عليه السلام: «لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله»(18).
الجواب: ليس الكلام عن أكثرية الناس: ﴿وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾(19)، بل عن أكثرية الفقهاء العدول، ولا شك أنه لا يقال: إن أكثر الفقهاء العدول منحرفون، أو ليس أكثرهم بمؤمنين.
بوجه آخر: أكثرية الناس ليسوا على الحق، لكن ليس المراد أن أكثرية أهل الخبرة، كالأطباء والمهندسين والفقهاء، ليسوا على الحق. ولئن احتمل الخطأ أو الانحراف في أحدهم، فإنه أقوى من انحراف مجموعة منهم، فكيف بانحراف أكثرهم؟
سؤال: إن الأكثرية قد تكون معيارًا إذا كانت آراؤها خالصة مجردة عن التأثيرات الخارجية، كالمصالح والعواطف والإعلام، فكيف أحرزتم أن أكثرية العلماء والعوام لم تكن آراؤهم وليدة تأثيرات خارجية، حتى صرتم تحاجوننا بها؟
الجواب: لو وجدت أمارة أو قرينة على أن الأكثرية كانت تحت ضغط ما، كالتهديد، أو كانت خاضعة لهوى وطمع، أو كانت حين اتخاذ القرار في عجلة وعدم تثبت وجربزة، فيجب الفحص، بل هي كأية حجة أخرى، كالبينة مثلًا، لو صارت عند العقلاء في مظان التهمة.
ثم إن هذه الاحتمالات الآنفة أقوى جدًّا في الفرد الواحد منها في مجموعة من العلماء والخبراء، فكيف بأكثريتهم؟
خاتمة
يتضح من مجموع ما تقدم أن البحث في ولاية الفقيه لا ينفصل عن تحديد المبنى الفقهي الذي تنطلق منه المسألة أصلًا؛ فمع عدم القول بالولاية العامة يضيق موضوع البحث، ومع القول بثبوتها لجميع الفقهاء الجامعين للشرائط يبرز السؤال عن كيفية إعمالها عند تعددهم وتعارض آرائهم. ويرى البحث أن مجرد تصدي فقيه للسلطة، أو سبقه إليها، لا يكفي وحده لإثبات ولاية عامة له على سائر الفقهاء أو على شؤونهم ومؤسساتهم ومقلديهم، ما لم يقم دليل خاص على ذلك.
كما يقرر البحث أن حفظ النظام لا يستلزم بالضرورة تركيز الرأي والقرار في فرد واحد، إذ يمكن الجمع بين وحدة التنفيذ وبين الشورى في بلورة الرأي، وأن الرجوع إلى أكثرية الفقهاء يمثل، وفق المبنى الذي يتبناه البحث، طريقًا لمعالجة تعدد أصحاب الولاية عند التعارض. وفي الوقت نفسه، لا يجعل البحث الأكثرية معيارًا مطلقًا للحقيقة، وإنما يتعامل معها في دائرة أهل الخبرة والفقهاء الجامعين للشرائط، مع بقاء إمكان الفحص عن الضغوط والمؤثرات التي قد تؤثر في آرائهم.
ويؤكد البحث كذلك أن ثبوت الولاية، على أي مبنى، لا يجعل صاحبها فوق أحكام العدالة والقضاء والمساءلة؛ فالعدالة شرط في استمرار الولاية، وادعاء الظلم يفتح باب الترافع إلى قاضٍ مستقل، كما لا يسقط واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن سائر الفقهاء والناس. وحتى في فرض تفويض مجموعة الفقهاء أمر الولاية إلى أحدهم، تبقى مسؤوليتهم في الرقابة والفحص والمساءلة قائمة، ولا يتحول التفويض إلى إعفاء من المسؤولية أو إطلاق للسلطة من قيودها الشرعية والعقلائية.
وعليه، فإن الصورة التي ينتهي إليها البحث تقوم على الجمع بين أصل الولاية ـ وفق المبنى القائل بها ـ وبين الشورى، والرقابة، والعدالة، واستقلال القضاء، ومنع الاستبداد بالرأي، مع التمييز بين وحدة التنفيذ من جهة، واحتكار الرأي والقرار من جهة أخرى. وبذلك تصبح حدود الولاية جزءًا من بنيتها، لا أمرًا منفصلًا عنها، وتظل السلطة، مهما كان حاملها، محكومة بالضوابط التي تمنع تحولها من وسيلة لحفظ النظام والمصلحة العامة إلى مصدر للظلم والاستئثار.



اضف تعليق