أنا شخصياً بدأت ألاحظ أن الإنسان يستطيع أن يضغط على نفسه فترة طويلة من دون أن يشعر بأنه يدفع ثمناً. يعمل أكثر، يؤجل الراحة، يقلل ساعات النوم، يؤجل ما يحبه، ويقنع نفسه بأن عليه أن يستمر. في البداية يبدو الأمر نجاحاً وانضباطاً. ثم يبدأ شيء آخر بالظهور: سرعة انفعال، ضعف تركيز، فقدان متعة الأشياء، تعب دائم...

لم أفكر يوماً أنني سأجد شيئاً من حياتي اليومية داخل قانون فيزيائي تعلمته في المدرسة. كنت أتعامل مع قوانين نيوتن باعتبارها جزءاً من عالم آخر؛ عالم الكتل والسرعات والقوى والحركة، بينما كنت أرى الحياة مساحة مختلفة تماماً، تحكمها المشاعر والعلاقات والقرارات والصدف والظروف. لكنني مع الوقت بدأت ألاحظ شيئاً غريباً: بعض ما أفعله يعود إليّ بطريقة ما، ليس في اللحظة نفسها، وليس بالصورة التي توقعتها، وإنما بعد أن يمر عبر الزمن والناس وتجارب الحياة.

أتذكر مواقف كثيرة كنت أقول فيها كلمة غاضبة ثم أعود إلى يومي وكأن شيئاً لم يحدث. بالنسبة إليّ كانت مجرد لحظة انفعال وانتهت. ثم أكتشف بعد مدة أن الشخص الذي تحدثت معه لم يعد يتعامل معي بالطريقة نفسها. أصبح أكثر تحفظاً، أقل حديثاً، وربما أقل ثقة. لم يقل لي شيئاً، ولم يدخل معي في مواجهة، ولم أسمع منه «رد فعل» واضحاً. ومع ذلك كان هناك شيء قد تحرك.

في تلك اللحظات بدأت أفهم أن بعض الأفعال لا تعود إلينا كصفعة مباشرة. قد تعود في صورة مسافة، أو فتور، أو تغير في علاقة، أو فقدان ثقة. وقد لا نعرف حتى أن أصلها كان كلمة قلناها ذات يوم ثم نسيناها.

وهنا تذكرت قانون نيوتن الثالث: لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه. أعرف أن الحياة الإنسانية لا تعمل بهذه الصيغة الفيزيائية، ولا يمكن أن نضع المشاعر والعلاقات في معادلة ميكانيكية. لكن الفكرة بقيت تلاحقني بطريقة أخرى: أفعالنا لا تختفي لمجرد أننا تجاوزنا لحظتها.

ربما هذه هي المشكلة التي نعيشها كثيراً. نحن نتذكر ما فعلناه، لكننا لا نتذكر دائماً أثره. نتذكر الجملة التي قلناها، ولا نتذكر كيف بقيت في شخص آخر. نتذكر قراراً اتخذناه، ولا نتذكر كيف غيّر طريقاً كاملاً في حياتنا. نتذكر أيام الضغط التي مررنا بها، ولا نربطها دائماً بالتعب الذي ظهر في أجسادنا بعد سنوات.

وأنا شخصياً بدأت ألاحظ أن الإنسان يستطيع أن يضغط على نفسه فترة طويلة من دون أن يشعر بأنه يدفع ثمناً. يعمل أكثر، يؤجل الراحة، يقلل ساعات النوم، يؤجل ما يحبه، ويقنع نفسه بأن عليه أن يستمر. في البداية يبدو الأمر نجاحاً وانضباطاً. ثم يبدأ شيء آخر بالظهور: سرعة انفعال، ضعف تركيز، فقدان متعة الأشياء، تعب دائم، رغبة في الابتعاد عن الناس، وشعور بأن حتى المهام البسيطة أصبحت ثقيلة.

لم أعد أرى هذه الأشياء دائماً بوصفها كسلاً أو ضعفاً في الإرادة. أحياناً كنت أكتشف أنها نتيجة طبيعية لطريقة عشت بها الفترة السابقة. كنت أضغط، والحياة كانت تضغط في الاتجاه الآخر.

هذه الفكرة جعلتني أكثر انتباهاً إلى علاقتي بنفسي. الإنسان قد يكون قاسياً على نفسه أكثر مما يتخيل. يطلب منها أن تعمل دائماً، وأن تنجز دائماً، وأن تتحمل دائماً، ثم يستغرب عندما تتعب. يتجاهل إشارات جسده، ويؤجل حاجته إلى الراحة، ويعيش تحت ضغط مستمر، ثم يتساءل لماذا فقد قدرته على التركيز.

كأننا نرسل إلى أنفسنا أفعالاً يومية صغيرة، ثم نندهش عندما تصلنا نتائجها متراكمة. والأغرب أن رد الفعل في الحياة لا يأتي دائماً بسرعة. هذه النقطة تعلمتها من التجربة أكثر مما تعلمتها من الكتب. بعض القرارات التي اتخذتها في سنوات سابقة لم أعرف قيمتها الحقيقية إلا بعد وقت طويل. وبعض العلاقات التي أهملتها لم أشعر بخسارتها إلا عندما أصبح إصلاحها أصعب. وبعض العادات التي بدت صغيرة في بدايتها اكتشفت لاحقاً أنها كانت ترسم جزءاً من شخصيتي من دون أن أشعر.

نحن نخطئ أحياناً عندما نربط الفعل بالنتيجة المباشرة فقط. إذا كذبت ولم يحدث شيء، أظن أن الكذب بلا ثمن. إذا أهملت صحتي ولم أشعر بألم، أظن أن الإهمال بلا نتيجة. إذا أسأت إلى شخص ولم يعترض، أعتقد أن الأمر انتهى. إذا أجلت قراراً مهماً ولم تظهر مشكلة فوراً، أعتقد أن التأجيل لم يضرني.

لكن الحياة تعمل في مساحات أبطأ من أعصابنا. هناك أفعال تحتاج سنوات حتى تظهر نتائجها. وهذا جعلني أفكر في معنى آخر للفعل ورد الفعل: نحن لا نعيش فقط نتائج ما نفعله بالآخرين، وإنما نعيش أيضاً نتائج ما نفعله بأنفسنا.

عندما أعتاد الغضب، فأنا لا أغضب من الآخرين فقط؛ أنا أبني داخلي شخصية أكثر استعداداً للغضب. وحين أعتاد الشك، لا أصبح أكثر حذراً فقط؛ قد أصبح أقل قدرة على الثقة. وعندما أعتاد الهروب من المشكلات، لا أتخلص من التوتر؛ وإنما أدرّب نفسي على التأجيل. وحين أعتاد الصبر والاستماع والتفكير قبل الرد، فإنني أبني في داخلي قدرة مختلفة على التعامل مع الحياة.

وبهذا أصبح قانون نيوتن بالنسبة إليّ مجرد استعارة جميلة لفكرة أكبر: كل ما أكرره في حياتي يترك شيئاً مني فيّ. لكنني اكتشفت شيئاً آخر أكثر أهمية. ليس ضرورياً أن أرد على كل ما يحدث لي بالطريقة نفسها. هذه ربما كانت أصعب فكرة في التجربة كلها.

قد يقول شخص شيئاً جارحاً، وأستطيع أن أجرحه. قد يرفع أحدهم صوته، وأستطيع أن أرفع صوتي أكثر. قد يعاملني شخص بقسوة، وأستطيع أن أعيد القسوة إليه. في هذه الحالة أصبح مجرد حلقة أخرى في سلسلة من ردود الأفعال. لكن ماذا يحدث إذا توقفت؟

ماذا يحدث إذا أخذت لحظة قبل أن أجيب؟ في تلك اللحظة الصغيرة تحديداً شعرت أن الإنسان يختلف عن الجسم المادي. أنا لا أستطيع دائماً التحكم في القوة التي تصل إليّ، لكنني أستطيع أحياناً التحكم في الطريقة التي أتعامل بها معها.

قد أتألم، لكنني لا أؤذي. قد أغضب، لكنني لا أقرر وأنا غاضب. قد أُظلم، لكنني لا أسمح للظلم أن يجعلني ظالماً. قد أفشل، لكنني لا أحول الفشل إلى حكم نهائي على نفسي. وقد أتعرض للخيانة، لكنني لا أجعلها سبباً لخيانة كل شخص يأتي بعد ذلك.

في الفيزياء، الجسم لا يملك خياراً أخلاقياً في طريقة استجابته للقوة. أما الإنسان فله مساحة بين الصدمة والاستجابة. وهذه المساحة، مهما كانت صغيرة، هي واحدة من أهم المساحات التي نملكها في حياتنا. ربما لهذا السبب أصبحت أكثر حذراً من ردود الأفعال السريعة. ليس لأن الصمت دائماً أفضل، ولا لأن الإنسان يجب أن يتنازل عن حقه، وإنما لأنني بدأت أسأل نفسي قبل أن أتصرف: هل أنا أختار هذا الفعل، أم أنني فقط أرد على فعل شخص آخر؟

السؤال يبدو بسيطاً، لكنه يغير الكثير. إذا كنت أعيش طوال الوقت كرد فعل، فإن الآخرين يملكون جزءاً كبيراً من يومي. كلمة منهم تحدد مزاجي، موقف منهم يحدد قراري، تعليق على مواقع التواصل يسرق ساعة من تفكيري، وخبر لا يعنيني أصلاً يجعلني غاضباً طوال المساء.

وعندها أدركت أن جزءاً من تعب الإنسان المعاصر لا يأتي من الأشياء التي اختارها، وإنما من كثرة الأشياء التي استدرجته إلى الرد عليها. كل يوم هناك شيء يريد مني أن أغضب، أو أعلق، أو أدافع، أو أشرح، أو أراقب، أو أقارن نفسي بالآخرين. وكلما استجبت أكثر، شعرت أن يومي أصبح أقل شبهاً بي. لذلك أصبحت أرى الهدوء أحياناً كنوع من استعادة السيطرة، لا كضعف. أن أؤجل الرد حتى أفهم. أن أترك بعض المعارك تمر. أن أختار معاركي.

أن أقول «لا أعرف» عندما لا أعرف. أن أعتذر عندما أخطئ. أن أراجع قراراً كنت متحمساً له. أن أسمح لشخص آخر بأن يريني جانباً من نفسي لم أره. كل ذلك بالنسبة إليّ أصبح شكلاً من أشكال تغيير مسار القوة قبل أن تتحول إلى نتيجة أخرى. ومع الوقت أدركت أن السؤال الذي يهمني لم يعد: ماذا سيحدث لي بسبب أفعالي؟

صار السؤال أكثر عمقاً: أي إنسان أصنعه من خلال أفعالي المتكررة؟ لأنني في النهاية لا أعيش نتائج قراراتي فقط؛ أنا أتحول إلى نتيجة لها أيضاً. ما أفعله كل يوم يدخل في شخصيتي. ما أكرره يصبح عادة. ما أسمح له بأن يتكرر في علاقاتي يصبح نمطاً. وما أمارسه تحت الضغط قد يكشف الشخص الذي أصبحت عليه أكثر مما تكشفه الكلمات التي أقولها عن نفسي.

لهذا لم يعد قانون نيوتن الثالث بالنسبة إليّ مجرد درس في الفيزياء. صار تذكيراً بأن الأفعال لها امتدادات أبعد من لحظتها، وأن الإنسان يحتاج إلى التفكير في الأثر قبل أن يفكر في الفعل. لا أعرف كيف سيعود كل ما أفعله إليّ، ولا أعتقد أن الحياة تمنحنا دائماً نتيجة عادلة أو متناسبة مع أفعالنا. أعرف فقط أنني لا أستطيع أن أعيش كما لو أن أفعالي تنتهي لحظة صدورها.

الكلمة قد تكمل طريقها بعد أن أنساها. القرار قد يواصل تأثيره بعد أن أغيّر رأيي. العادة قد تبني شخصيتي من دون أن أشعر. والطريقة التي أعامل بها الناس قد تصنع البيئة التي سأعيش فيها غداً. لهذا أصبحت أرى أن مسؤوليتي لا تبدأ عندما تظهر النتائج، وإنما عند اللحظة التي أختار فيها أفعالي. أن أفكر قبل أن أتكلم، وأن أراجع رد فعلي قبل أن أطلقه، وأن أتعامل مع جسدي ونفسي من دون استنزاف، وأن أصلح العلاقة قبل أن تتسع المسافة، وأن أتوقف عن عادة أعرف أنها تؤذيني.

وأصبحت أرى هذه المسؤولية في تفاصيل تبدو عادية: في كلمة أقولها لشخص غاضب، وفي رسالة أقرر إرسالها وأنا منزعج، وفي طريقة تعاملي مع موظف أو طالب أو فرد من عائلتي، وفي الطريقة التي أقود بها في الشارع، وفي ما أنشره على هاتفي، وفي حديثي عن شخص غير موجود، وفي قدرتي على الاعتذار عندما أكتشف أنني أخطأت. حتى النوم والراحة والعمل ليست تفاصيل منفصلة؛ إنها أفعال أمارسها على نفسي، وستظهر نتائجها في جسدي ومزاجي وقدرتي على التعامل مع الآخرين.

هذه التفاصيل الصغيرة هي المكان الحقيقي الذي تتشكل فيه الحياة. فالإنسان لا يصنع شخصيته من القرارات الكبيرة وحدها، وإنما من الطريقة التي يكرر بها أفعاله في الأيام العادية. لهذا لم أعد أسأل فقط: ماذا سيحدث لي بسبب ما أفعله؟ أسأل أيضاً: ماذا أترك وراء هذا الفعل؟ وهل أريد أن أعيش غداً في البيئة التي أساعد اليوم على صناعتها؟ فربما لا يعود إلينا ما نفعله بالصورة نفسها، ولا في الوقت نفسه، ولا من الشخص نفسه. لكن شيئاً منه يبقى. وفي الخلاصة، ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا سيرد العالم على أفعالي؟ وإنما: ماذا ستفعل أفعالي بي وأنا أكررها كل يوم؟

اضف تعليق